الفصل الثالث
لا أحد كان ينتبه إلى ليان في المقهى.
كانت تأتي في نفس الساعة، تجلس في نفس الركن، وتطلب نفس الشيء:
قهوة سوداء، بدون سكر، وكوب ماء بارد.
تفتح دفترها، لكن لا تكتب.
تضع القلم فوق الصفحة… وتحدّق.
مرّت أشهر على آخر نص كتبتْه.
لم يعد الخيال يأتي.
وكأنّ صوتًا ما في داخلها… خفت.
كانت تشعر أنها تعيش بين جُمل غير مكتملة.
يومها يبدأ دون معنى، وينتهي دون أثر.
– هل هذا هو الفراغ؟
همست بها، ثم رسمت دائرة صغيرة في منتصف الصفحة، فقط… دائرة.
شيء ما في شكلها أزعجها.
أعادت النظر إليها، كأنّها تنبض.
في طريق العودة، مرّت كالعادة أمام المنزل المهجور.
كانت تعرف أنه مهجور.
الكل يقول ذلك.
لكن ذلك الشعور…
شيء يشبه نظرة من تحت الأرض،
كان يُلاحقها.
في الليلة السابقة، رأت بابًا يُفتح في حلمها.
قبو، درج طويل، وصوت يتنفس خلف الجدار.
لم ترَ وجهًا، لكنها شعرت بشيء يقترب من داخلها… كأن شيئًا ما فيها يعرف هذا المكان، حتى لو عقلها لا يتذكّر.
فتحت دفترها من جديد، وكتبت بخط مرتجف:
"أشعر بشيء يتحرّك… في الأرض، أو فييّ أنا. لا أدري."
ولم تكن تعلم…
أن هذه الدائرة الصغيرة،
ستقودها إلى أكبر باب،
وأبرد صدر…
صدر ريفان.
بقيت ليان تحدّق في الدائرة التي رسمتها.
كانت تبدو كأنّها ثقب… لا لون له، لا قاع له.
قلبت الصفحة.
فارغة.
الصفحة التي قبلها… فارغة.
كلّ الدفتر، صامت.
شيء في داخلها تمزّق بهدوء.
أخذت نفسًا عميقًا، وأغلقت الدفتر، ثم نظرت إلى الخارج.
كان الليل قد نزل، والمطر يتجمّع في الهواء، دون أن يسقط.
مدت يدها إلى معطفها، ونهضت.
وقبل أن تغادر المقهى، كتبت بخط صغير على المنديل أمامها:
"إذا لم أجد الكلمات… سأبحث عنها في الخراب."
…
وصلت عند المنزل المهجور بعد أقل من عشر دقائق مشيًا.
لم يكن مرعبًا… لا صراخ، لا أضواء، لا حكايات تتطاير.
فقط جدران مكسوّة بالغبار، نوافذ مكسورة، وباب موارب.
وقفت أمامه، تنظر إليه كأنّه خصم قديم.
– هذا بيت. لا أكثر.
قالتها بصوت منخفض، كأنها تقنع عقلها.
مدت يدها ببطء، ودَفعت الباب.
صرير خافت، ثم سكون.
دخلت.
الرطوبة ضربت صدرها كيد باردة.
– لو كنتُ كاتبة في رواية، هذا المشهد سيكون بداية الجحيم.
همست لنفسها، لكن شيئًا في عينيها واصل التقدّم.
مشت بخطوات هادئة، تراقب الغبار، الجدران، الصور المائلة، وكل هذا الصمت الثقيل.
ثم توقفت عند زاوية السلالم.
كان هناك… باب صغير في الأرض.
شبه مخفي، مغطى بنصف قطعة خشب.
ليان انحنت، ومررت أصابعها عليه.
إحساس بارد، غريب…
الباب لا يُشبه باقي المنزل.
لا أتربة كثيرة، لا صدأ.
وكأنّ أحدهم فتحه منذ وقتٍ قريب جدًا.
قلبها بدأ يضرب.
لا خوف.
فقط شعور أنها على وشك أن تفتح شيئًا… لا يمكن إغلاقه.
لكنها ابتسمت ابتسامة باهتة، وقالت:
– إذا كانت القصص لا تأتي… سأدخل إليها.
ومدّت يدها نحو المقبض.