نَبْضٌ وَسَطَ الغُبَارْ - الفصل الثالت : بين الرغبة و الخوف - بقلم nida | روايتك

اسم الرواية: نَبْضٌ وَسَطَ الغُبَارْ
المؤلف / الكاتب: nida
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثالت : بين الرغبة و الخوف

الفصل الثالت : بين الرغبة و الخوف

في مساءٍ خريفيٍّ رصين، جلست هند على طرف السرير، شاردة العينين، يعبث بها صمتٌ داخليٌّ لا يشبه الهدوء. أمامها، وقفت أمها بثوبٍ بسيط، لكن كلماتها حملت ثقلًا لم تعتد ابنَتها سماعه. قالت الأم بصوتٍ خافت، يشبه الاعتراف: "هند، كنتُ أؤجل هذا الحديث لأنني خشيتُ ردّك... لكن لم يعد بالإمكان الانتظار." رفعت هند بصرها، وعيناها تتساءلان: "حديث عن ماذا؟" اقتربت الأم وجَلست قُربها، وقالت بنبرةٍ صريحة: "سأتزوج. رجلٌ محترم، تعرفتُ عليه منذ سنتين. لم أكن أبحث عن حبٍ جديد، فقط عن الطمأنينة التي ضاعت مني منذ زمن طويل." سكتت هند، وكأن كلماتها تأبى الخروج. ثم تمتمت: "تتزوجين؟ هكذا؟ بعد كلّ شيء؟" الأم بحنانٍ متماسك: "لم تكن الحياة رحيمة معي، هند. لكن هذا الرجل مختلف… اسمه عمّار، رجل أعمال، أنيق الأخلاق، نقيّ الكلام، يحمل في قلبه ألمًا يشبه ألمي. زوجته خانته، وأنا عرفت الخيانة قبله. من قاع الوجع التقينا." قالت هند بحدةٍ محبطة: "وماذا عني؟ أنا التي شهدت كلّ الانهيارات. أتريدينني أن أسميه أبي؟ أن أعود لمشهد الرجل في البيت؟" ضحكت الأم بخفة حزينة، ثم مسحت على يدها: "لا أطلب منك أن تحبي أحدًا من أول نظرة، لكنّني أطلب أن تمنحي قلبك فرصة لتُشفى. عمّار لا يبحث عن أبوة مفروضة، بل عن عائلة نبنيها بحنان. وهو... لديه ابنٌ في العشرين، سيكون أخًا لك، لا أكثر." هنا، تدخلت مريم من زاويتها، وكانت تتابع الحديث بصمت: "بصراحة، يا هند... أتفهمك، لكن ألا تستحق أمك فرصة؟ الرجل الذي أحبها يشبهها في الألم. وربما... تكون بداية مختلفة لكِ أيضًا." قالت الأم بصوتٍ يختلط فيه الحزم والرجاء: "سأكتب العقد غدًا، وسننتقل إلى بيت عمّار. أنتِ، وأنا، ومريم... بيته واسع وقلبي مفتوح، والأمان أخيرًا يناديكِ." سكتت هند، ثم تنفّست ببطء وقالت: "غدًا إذن، سنرى… لعل القدر يرحم أخيرًا." --- في اليوم التالي، وقفت الثلاثة أمام بابٍ شاهق، تحرسه أشجارٌ مصففة كالعساكر. فتحت البوابة الأوتوماتيكية، ودخلن معًا إلى ما يشبه قصراً متخفيًا في قلب المدينة. في البهو، وقف رجل طويل القامة، ملامحه صارمة، لكن ابتسامته دافئة كنسمةٍ في ليلٍ خريفي. قالت الأم بلطف: "هند، مريم... أعرّفكما بزوجي، عمّار." ابتسم عمّار وقال بنبرة رجولية هادئة: "أهلاً بكما في بيتكما. كل غرفة فيه تنتظر أن تُسكَن بحب، لا رسميّات هنا، فقط راحة القلب." نظرت إليه هند نظرة مرتابة، لكنها وجدت في صوته شيئًا غريبًا... صدق يشبه الصمت الذي تحبّه. ثم قال: "البيت واسع، تجوّلوا، خذوا راحتكم... ولدي وصديقه يتدرّبان في إحدى الغرف الخلفية. ستلتقيان به لاحقًا." انطلقت هند ومريم في الممرات، تتفحّصان الأثاث والزوايا، وسحر الفخامة الذي لم تعتاداه. قالت مريم هامسة: "هل نحن نحلم؟ كل هذا... لنا؟" ضحكت هند، لكنها قالت: "شيءٌ في قلبي لا يهدأ. كأن شيئًا خفيًا ينتظر أن ينكشف." وصلتا أخيرًا إلى بابٍ رمادي، ينبعث منه صوتٌ مكتوم… ضربات حديد وصرير أرضي. فتحتا الباب ببطء. وهناك، وسط قاعة رياضية مجهّزة، كان سيف يقف بثوب رياضي، يوجّه لكماتٍ قوية إلى كيسٍ أسود، بينما مروان يضحك وهو يتدرّب على رفعات الأوزان. تجمّدت هند ومريم، كأنّ الهواء فقد رائحته. مريم، بفزع مشوب بالضحك: "مروان؟ سيف؟ هنا؟" هند، بصوت فيه رجفة غضب: "لا... لا يمكن أن يكون هذا مجرد صدفة. هؤلاء معنا في الجامعة، والآن… في البيت؟" توقّف سيف، نظر لهند دون أيّ تعبير. في عينيه رسائل، لكنها لا تُقرأ بسهولة. أما مروان، فابتسم وقال وهو يمسح جبينه: "أهلاً... لم أكن أتوقع أن أراكما هنا، لكن يبدو أن المفاجآت لم تنتهِ بعد." هند شعرت بارتباكٍ داخلي… خليط من المفاجأة، غضب، شكّ، وانكسارٍ صغير. قالت لمريم وهي تنظر لسيف: "ذلك البارد... أصبح أخي؟" وكم تمنّت أن يكون الأمر كلّه مزحة ثقيلة. لكن الحقيقة أعمق من النكات، وأغرب من الخيال. فالبيت الجديد لا يخفي فقط الراحة… بل يخفي حكاية تنتظر أن تنفجر في وجه الجميع. ---