لا وقت للعب
أيقظت روجدا طاقتها، وبدأت الطاقة تسري في جسدها كأنهارٍ تشقّ طريقها وسط صحراءٍ قاحلة. شعرت بدفءٍ ناعم يتخلّل عروقها... دفءٌ نسيه جسدها منذ زمن.
قالت بسخرية، يداخلها ضحكٌ مرير:
ــ أيُّ سخريةٍ هذه؟! كلما انتهت مشكلة، خرجت من بين طيّاتها ألف أخرى. ما الذي يجري؟! أيقظت طاقتي... والآن؟ أحتاج لتدريبٍ جسدي. الطاقة لا تحمل السلاح... والسلاح لن يقاتل بمفرده.
نهضت بتثاقل، كأن الأرض تدور تحتها، ونظرت إلى جسدها الهزيل... عظامها بارزة، ونظرةُ الانكسار في عينيها نطقت بما عجز لسانها عن البوح به:
ــ في النهاية... الطعام لم يكن كافيًا. على أيّة حال، ما الذي يجب أن أبدأ به؟ تمرينات التوازن؟ أم التحمّل؟
_ يقولون إن الأشياء الجميلة تبدأ بالرقص.
رفعت ساقًا مرتجفة، قاومت السقوط... لكنها لم تصمد، وانهارت أرضًا.
نهضت ضاحكة:
ــ يبدو أنّ الرقص قد خانني. لكن من لا يستطيع الرقص... لن يجيد حمل السيف. كلاهما يرقص، لكن بطريقته الخاصة.
تمرين التوازن... يشبه خطوة من رقصة عشيرتي. كانوا يرقصون كما ترقص الشمس في السماء عند الغروب... ببطء، لكنها لا تتوقّف.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة شوقٍ عميقة:
ــ نحن عشيرة بذور النجوم... عشيرة عشقت السماء والفلك، وكان سيفنا يشبه جرمًا سماويًا.
وقفت على قدمٍ واحدة، ورفعت الأخرى، ثم مدت يدها كأنها تمسك سيفًا خفيًا. بدأت تتحرك بتباطؤ، تتذكّر الخطوات:
ــ نثبت قدمًا على الأرض... نرفع الأخرى... ثم اليد اليمنى تمسك بالسيف. نميلها على شكل نصف قوس... ثم نُدير الجسد دورة كاملة، كالبدر في تمامه. نحرك السيف كما لو أنّه "العرجون القديم"... وأخيرًا، نغرسه في الأرض.
سقطت فجأة، ثم نهضت، ويدها على قلبها:
ــ هذه ليست رقصة... هذه ذاكرتي. هذه حياتي. تقنية سيف القمر… كانت الأسهل بين تقنياتنا، أيسر من سيف الشمس وتقنيات السُّدم. ولهذا... أبدأ بها.
نظرت إلى يديها المرتجفتين، ثم عمّ الصمت. وفي ذلك الصمت، خُيّل إليها أن القمر يرقص معها في الظلمة... كأنّه يهمس لها: "أنتِ لستِ وحدكِ."
_ سأجرب مجددًا.
وقفت على ساقٍ واحدة، وهذه المرّة... لم تسقط. بل نجحت.
_ هل كانت الذكرى هي من أوصلتني؟ أم عزيمتي؟ لا أدري... لكن ما أعلمه هو أنني لن أتوقف. والآن... إلى تدريب التحمّل.
جلست على ركبتيها، ووضعت يديها على الأرض الخشنة.
_ هذا صعب... ولهذا يسمّى تمرين التحمّل. لكني سأكمل.
أنهكها التعب، وتصبّب العرق من جبينها. كانت كلّ ضغطة تدقّ نبضات قلبها بعنف، وفي كل ضغطة... يزداد عزمها على الحياة.
أيامٌ مضت، وهي تكرّر ذات التمارين. والطعام يُقدَّم لها مرّة واحدة في اليوم، باردًا، لا يكاد يسدّ رمقها.
وفي أحد الأيام، بينما أخذت استراحة قصيرة، رأت أفعى سوداء ذات عينين قرمزيتين.
_ أفعى؟! ما الذي أوصلها إلى هنا؟ لا بدّ أنها وهم.
بدأت الأفعى بالتراجع، حتى اختفت.
_ كما توقّعت... وهم.
لكنها لم تكن وهمًا. بينما استلقت روجدا للراحة، تسلّلت الأفعى ولَدغَتها.
_ لا... هذا لم يكن وهمًا! آااه... يشبه ألم الحرق! مستحيل أن تكون وصلت إلى هذا العمق تحت الأرض... من أين أتت؟!
بدأت تهدئ تنفّسها رغم الألم:
_ اهدئي... اهدئي. يجب أن أجرح موضع اللدغة وأوجّه طاقتي نحوه.
أخذت صخرة حادة، وشقّت بها مكان اللدغة، ثم وجّهت طاقتها إلى الجرح. الألم اختفى تدريجيًا... لكن الأثر بقي.
ومع ذلك، لم تكتفِ. نظرت إلى الأفعى التي تترقّبها بصمت، واقتربت منها... ثم سمحت لها أن تلدغها مجددًا. ومجدّدًا. ومجدّدًا.
كل لدغة كانت أكثر فضاعة من سابقتها. .. لكن في كل مرة، كانت تستفيق بقوةٍ أكبر.
استمرّت على هذا الحال، حتى بدا أن السمّ لم يعد يؤثّر، ولا للموت قرب . وعندما تأكّدت أنها باتت تملك "مناعة ضد هذا السم "، نظرت إلى الأفعى نظرةً أخيرة.
ــ كنتِ علّتي... فصرتِ درعي.
ثم رفعت الصخرة، وقطعت رأس الأفعى.
همست لنفسها:
_ كان ألمًا حارقًا... وفظيعًا. شعرت كأن جسدي قد شُلّ... لكن .. لا قوة بلا مجازفة
ومرّت الأيام ثقيلة، باهتة... حتى فُتح باب الزنزانة بالكامل.
رأت روجدا ألسنة اللهب الخافتة تتراقص على الجدران،
وشخصًا يرتدي ملابس سوداء، وقناعًا أسود بخطوط زرقاء وهالته سوداء قاتمة نظرت روجدا إليه ببرود .
لم يقل شيئًا سوى:
_ اخرجي.
ثم اختفى في الظلام.
خرجت روجدا بحذر.
ممرّ ضيّق، والزنزانات جميعها مفتوحة.
لحنُ الموت يصمّ الأذن،
ورائحة العفن تفترش المكان.
داخل كلّ زنزانة...
أطفال لا يتعدّى عمرهم الرابعة عشرة.
جثثٌ صامتة، وأيدٍ مخدوشة.
قالت وهي تسير ببطء، تتأمّل الفناء الميت:
_ هل حاولوا الانتحار؟
لماذا هذه الخدوش على أيديهم؟
لِمَ لم يحاولوا العيش؟
ألم يكن بينهم طفلٌ مجنون يصرخ: "سأعيش!"؟
ألم ينجُ أحدٌ من القسم الذي كنت فيه؟
ثم توقفت، نظرت إلى جدارٍ عليه آثار دمٍ قديم.
صوتها انكسر قليلًا، لكنها أكملت:
_ في النهاية... لا يستحقون التعاطف.
لم يقل أحد لهم: "اقتلوا أنفسكم."
لقد عشتُ ما عاشوه...
لكن ...
_ الموت صاخب وصامت