3-2-1
*ـ ࢪواية جبروت في قلب صعيدي1-2-3❤️🔥🥀↻≯🍒⸙•♡»»))*
*تـم مـشـارڪه الـࢪوايـة مـن قـنـاة فراشة الروايات
https://whatsapp.com/channel/0029Vb5su2wGehEEt8YhmK2Z
الفصل الاول
جبروت في قلب صعيدي
في قرية نائيه من قرى الصعيد حيث تمتد الأرض برمالها الصلبة وتتمايل النخيل تحت شمس لا تعرف الرحمة وقف الزمن لحظة في دارٍ عتيقة تحكي جدرانها حكايات الصبر هناك وفي قلب الدار، وقفت سحابة بثوبها الأسود الفضفاض وعيناها شاخصتان نحو الطريق الطويل الذي يتعرج بين الحقول. كانت تنتظر منذ ست تسع سنوات وهي على ذات الحال لا تغادر فناء الدار إلا قليلا ولا تنام إلا على أمل ولا تستيقظ إلا على خيبة. بعد زواجٍ لم يدم سوى أسبوعين شد اسد رحاله إلى بلاد بعيدة حالما بأن يصنع لهما مستقبلًا لا يشبه بؤس البدايات كانا يومها فقيرين لا يملكان شئ لكن أسد لم يكن رجلا يرضى بالقليل ومنذ رحيله لم تطأ قدماه أرض الصعيد. لم يحضر مولدا ولا ميتم ولا أرسل ما يشرح غيابه سوى المال. مال كثير تحول مع الوقت إلى عقارات وأراضي وذهب حتى غدت سحابة ووالدته واخوته من أغنى نساء القرية ولكنها في قلبها كانت الأشد فقرا ومرت السنوات بطيئة تبتلع الأيام وتخفي خلفها العمر حتى جاءها الخبر الذي أوقف قلبها لحظة.... أسد عائد ومنذ أن سمعت الخبر وهي لا تعرف طعم النوم. ليلتها الأخيرة كانت ثقيلة كألف عام أما صباحها فكان صامتا كأن الكون كله ينتظر معها على باب الدار. لم تكن تعلم من سيعود إليها الرجل الذي أحبّته أم الغريب الذي غيرته الغربة خلف وجوه لا تعرف الرحمة وفي ذلك النهار المشحون لم تكن سحابة وحدها في الانتظار كانت والدته السيدة "زينب" تتحرك بين أرجاء الدار بنشاط لم تعرفه منذ أعوام تعطي التعليمات و تعيد ترتيب المقاعد وتشرف على أواني الطعام التي فاضت بخيرات لم تجتمع في بيتهم من قبل أما هالة شقيقة أسد الصغرى فكانت تزين المداخل وتساعد الخادمات في تجهيز المائدة والكل ينتظر أما سحابة فكانت تحاول جاهدة أن تخفي ارتباكها وهي تمسك بطرف ثوبها بين الحين والآخر وتمرر يدها على شعرها في توترٍ صامت كأنها تستعد للقاء حبيبٍ لم تره منذ قرن وفجأة دوت في الأرجاء أصوات زمامير سيارات تقترب فارتفع قلبها إلى حنجرتها وهتفت بفرحٍ غمر ملامحها مردده:
اسد وصل...اسد وصل
تقدنت نحو الباب والكل خلفها يركض وتسبقهم الدهشة واللهفة حتي توقفت السيارة أمام بوابة الدار ونزل منها سليم شقيق أسد الأصغر والذي كان قد سافر ليحضره بنفسه من المطار. لكن وجهه بدا شاحبا متوترا كأنه يحمل ما لم يقال بعد فـ نظرت إليه سحابة بقلق وسألته سريعا:
فين أسد يا سليم.. ومالك اكده عاد كأنك جاتل جتيل
فتح سليم الباب الخلفي لينهض منه أسد... رجل مهيب بملامح تغيرت ووسامة نضجت بقسوة الحياة وعيونه كانت حادة، وصوته لم يسمع بعد لكن حضوره وحده كان كافيا ليجعل الزمن يتوقف للحظة قـ ركضت إليه أمه وهي تبكي وتضحك في آن واحد ثم احتضنته شقيقته باكية أما سحابة فوقفت في مكانها تتأمله بصمت لم تستطع أن تتحرك... كانت على وشك أن تنطق باسمه ان تخبره كم اشتاقت لكنه سبقها بخطواته نحو الداخل وقبل أن تقترب أكثر نزلت فتاة شابة في كامل أناقتها وابتسامة امتلكت الثقة و تقدمت بخفة نحو أسد ثم أمسكت يده أمام الجميع وصمت قاتل خيم على الدار قبل أن تقطع والدته السكون بصوت متحشرج:
مين دي يا أسد يا اسد ال ماسكه يدك اكده يا ابني
أجابها اسد بهدوء لم يعرفه أحد منه من قبل وهتف:
دي جهاد... مرتي
انهار كل شيء في لحظة وشهقة هادئة خرجت من قلب سحابة قبل فمها وخيالها انفجر بأسئلة لم تجد لها إجابة... حدقت فيه تبحث في ملامحه عن أي تبرير أي ندم أي أثرٍ لما كان بينهما لكنها لم تجد سوى رجلٍ آخر... غريب وفي اللحظة ذاتها نزل من علي الدرج طفل صغير لا يتعدى السابعة بملامح تشبه أسد في صغره وقف مترددا، يحدق في المكان والوجوه ثم قال بصوت خافت متلعثم:
بابا؟!
انحنى أسد سريعا وفتح ذراعيه واحتضنه بقوة وكأنه يحميه من العالم ثم تمتم بكلماتٍ ناعمة:
"أنا بابا يا فارس... واحشتني جوي
كان أسد يحتضن الطفل الصغير بقوة يمرر يده على شعره ويقبله مرارا وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لم تر عليه منذ ان وطأت قدماه أرض الصعيد وبدا وكأن العالم كله توقف في تلك اللحظة وكأن ما حوله لا يعنيه لا دهشة أمه ولا نظرات شقيقته ولا حتى عيون سحابة التي كانت ما تزال واقفة في مكانها لا تصدق ما ترى فـ تقدمت زينب والدته بخطى سريعة وغضبها يسبقها وأمسكت بذراعه وسحبته بعيدا عن الطفل وهتفت بصوت مبحوح يكاد يسمع بين الغيظ والخذلان مردده :
مرتك أزاي.... اي ال بتجوله دا يا أسد... بعد تسع سنين داخل علينا بوحدة ماسكه يدك وتجول مرتك.. اكده من غير حتي ما تاخد رائينا ولا تعرفنا.. للدرجادي مش عامل لحد فينا اعتبار.. مبحاش لينا قيمه ولا لازمه في حياتك
نظر إليها أسد ببرودٍ مستفز كأن لا شيء مما يحدث يستحق الانفعال ورد بهدوء قاطع:
ايوه مرتي يا حجه ... حبيتها واتجوزتها فين المشكلة مش فاهم؟
كأن كلماته سقطت على رأس سحابة كالسيف لم تنتظر تفسيرا و لم تطلب توضيحا. كانت تعلم في أعماقها أن الغياب الطويل لا يأتي إلا ومعه الكارثة... لكنها لم تتخيل أن تكون هي الضحية فركضت... لا تعرف إلى أين خرجت من الدار بخطى متعثرة والدموع تغرق وجهها ويدها ترتجف على قلبها وكأنها تحاول أن تمنعه من الانفجار تتنفس بصعوبة والهواء صار ثقيلا والدنيا تدور من حولها وهي تتذكر لحظات الغربه وكم عانت وحدها وفي لحظة كانت كافية لإنهاء كل شيء... لم تنتبه للصوت ولم تري الأضواء فقط شعرت بالاصطدام ووقعت علي الارض مغشيه عليها بعدما اصتدمت بها هذه السياره ثم ساد السكون و ارتفع صراخ النساء من الدار وأصوات الأقدام تهرول نحو الطريق... وكانت سحابة ممددة على الأرض، فستانها الأسود تلطخ بالتراب والدماء وعيونها شاخصة إلى السماء وفجاه و
توقعاتكم
الفصل الثاني
جبروت في قلب صعيدي
في هدوء مشوب بالألم كانت سحابة مستلقية على سريرها القديم و الغرفة يملؤها عبق المسك والدم المجفف ولفافة بيضاء تحيط برأسها الذي نزف كثيرا أما قدماها فكانتا ممددتين على شرشف قطني بلون الحزن تتنفس ببطء لكن عينيها بقيتا مفتوحتين على اتساعهما... تنظر إلى الفراغ وكأنها لا تصدق أنها لا تزال على قيد الحياة وبجوارها جلس فارس الطفل الصغير متكئا على الوسادة ويداه الصغيرتان تقبضان على كفها وعيناه دامعتان يتأمل وجهها بخوف مرددا :
متسبينيش يا ماما... أنا كنت خايف عليكي جوي... بالله عليكي خليكي معايا انا والله بحبك جوي... بحبك انتي اكتر واحده في الدنيا كلها
لم ترد سحابه فقط نظرت إليه وابتسامة شاحبة مرت على وجهها كطيفٍ عابر ثم عادت عيناها إلى الشرود ودخلت الحجه زينب في هدوء ووجهها مجهد و جلست عند طرف الفراش وهي تمسح على كتف سحابة برفق وقالت بصوت مكسور:
انا عارفة إن الوجع كبير يا بنتي... بس والله ما هسكت... هتكلم معاه... وهخليه يطلج ال اسمها جهاد دي... انا مش هسمح ان حد يجي عليكي مهما حوصل... انتي بنتي والله مش مرت ابني. وانا معاكي ضدد اي حد حتي او كان ابني
القت زينب كلماتها وظلت سحابة صامتة... لا دمعة نزلت ولا كلمة خرجت فقط أنفاسها كانت ثقيلة كأنها تحمل أعوام القهر في صدرها حتي قاطعخا خبطات خفيفة على الباب المفتوح سبقتها خطوات يعرفها الجميع و دخل اسد ووقف على العتبة لحظة كأنه يستأذن ثم اقترب بخطى ثابتة ز وجهه لا يحمل نفس الجمود السابق بل نظرة حزن لا يعرف كيف يخفيها وقال بصوتٍ منخفض:
الف سلامة عليكي يا سحابة... عاملة إيه دلوجتي... بجيتي كويسه
وقبل أن ترد وقف فارس فجأة وركض ناحيته وهو يبكي بحرقة وصرخ بصوت رج الغرفة:
إنت السبب... إنت السبب ... كنت عايز تموت ماما... أنا مش بحبك.. انت رجعت ليه.. يلا امشي تاني انا مش عايزك.. انا عايز ماما بس انا معرفكش اصلا امشي
ارتبك أسد و انكسر قلبه للحظة وجثي على ركبتيه أمام ابنه لكن زينب أسرعت وأخذت الطفل في حضنها وهمست:
تعالى يا فارس... تعالى يا جلب جدتك.. ماما هتبجي كويسه والله متخافش... يلاوخلينا نخرج ونسيب ماما ترتاح شويه
حملته زينب وخرجت به بهدوء تاركة الغرفة تغرق في صمت ثقيل فـ اقترب أسد من السرير و عينيه على يد سحابة المرتجفة ومد يده ببطء ليلمسها لكنها سحبت يدها بفزع كأن النار لامستها ثم همست بصوت خرج من أعماق وجعها:
طلجني
شهق الهواء بينهما وارتعشت عيناه وردد:
سحابة... استني... اسمعيني الأول... إحنا محتاجين نتكلم... والله انتي مش فاهمه حاجه و
قاطعته سحابه دون أن تنظر إليه ورددت:
مش عايزة كلام... مش عايزة أسمع حاجة... أنا بس عايزة أطلج
تنهد اسد بضيق وهتف:
سحابه.. انا طبيعي كنت اتجوز انا كنت عايش كل دا لوحدي بره محدش معايا.. وجوازنا كان لمده شهر ونص بس وانا مكنتش اعرفك قبل اكده.. يعني مكناش واخدين بعض عن حب واتشغلت بجا ومكنتش بعرف انزل ولا اجول اني اتجوزت
تسمرت سحابة في مكانها وقد اتسعت عيناها بدهشة ممزوجة بالغضب والخذلان ثم رفعت جسدها قليلا رغم الألم وقد بدا أن كلمات أسد قد أيقظت شيئا عميقا وموجعا بداخلها ونظرت إليه بنظرة تخللتها آلاف الليالي الباكية ثم نطقت بصوت مرتجف لكنه حاد:
مكنش هاين عليك تجولي انك اتجوزت... لاجيت الموضوع ملوش لازمه وطبيعي.. بجد والله انت شايف ان دا طبيعي.. لما انت يا استاذ اسد كنت بتتجوز وشايف حياتك هناك انا كنت متمرمطه اهنيه... أنا اتذليت اهنيه يا أسد...انا كنت بعدي يومين تلاتة من غير ما اطبخ كنت بوفر كل قرش علشان فارس وعلشان تنزل تلاجي فلوسك اتعمل بيها حاجه جسما بالله انا كنت بجعد باليومين تلاته مش باكل انا مكنتش بشتري هدوم بجالي سنين علشان بجول بلاش اضيع الفلوس علي تفاهه
أنا حتى لما كان نفسي في حاجة كنت أجول مش وجته… المهم فلوس اسد المهم لما ترجع تلاجينا صبرنا صبرنا واستنيناك بكرامتنا
انحدرت الدموع على وجنتيها لكنها لم تمسحها وكأنها فخورة أن الألم قد خرج أخيرا ورددت :
انا كنت بستخسر في نفسي العلاج والادويه جسما بالله وانت بجا... إنت فين؟! إنت في بلاد بره بتتجوز وتعيش وانا اهنيه بدفن عمري وساكته انا كنت مراتك، حتى لو شهر ونص…بس أنا مخونتكش ولا نسيتك ولابدلتك بواحد تاني.. انت خاين.. خاين وقليل الاصل وانا مامنش علي نفسي مع واحد زيك.. بجيت دلوجتي من اغني ناس في الصعيد وانا طلعت من غير ولا حاجه ومش عايزه حاجه.. انا هاخد ابني وامشي.. دا كل ال يهمني وبس.. وانت تطلجني علشان انا مستحيل اعيش مع واحد زيك
ظل اسد صامتا وكأن كل كلمة منها كانت تسقط على صدره كحجر ثقيل بينما سحابة تابعت هامسة هذه المرة:
لو لسه عندك شويه ضمير طلجني.. لو سمحت
نظر اسد اليها بحزن ثم ذهب من الغرفه تاركا سحابه في احزانها وبعد فتره وتحديدا عند مدخل قصر كبير كانت ريم تهبط الدرج بسرعة ولهاثها يسبق خطواتها وشعرها يتطاير حول وجهها وعينيها تلمعان بنار الانتظار وما إن رأت الحارس حتى صاحت بصوت يقطر توترا:
وصل بجد أسد رجع؟!
رفع الحارس يده بتحية خفيفة وهز رأسه مؤكدا:
أيوه يا ست هانم... أسد بيه وصل
كادت أن تنطلق للداخل حين أوقفها صوت أجش من خلفها جاء كالسوط على ظهرها مرددا:
امشي يا عبد الرحمن... سيبنا لوحدنا
تجمدت ريم في مكانها ثم استدارت ببطء وواجهت نظرات أبيها، الحاج جابر العمدة التي كانت تحمل كل شيء إلا الحنان ورددت:
مش من حقي أعرف يا ابوي لما يرجع
ضاق ما بين حاجبيه وهتف بغضب مكتوم:
لع.. مش حقك وانتهينا... وانسي الموضوع دا اتجفل من زمان جوي.. انسيه يا ريم
نظرت إليه ريم بعيون لا تعرف الخضوع، وصرخت:
مستحيل.. مستحيل أنسى... ولا حتى بعد مليون سنة زي ما خسرت عريسي يوم فرحي هخسره حياته كلها ال بيكسرني... أنا بكسره حتى لو بعد اي.. جسما بالله ما هسييه وهندمه علي كل حاجه
القت ريم كلماتها ثم تركته واقفا في ذهوله بينما كانت خطواتها تطرق الأرض كأنها تقسم أنها ستعيد كل شيء بطريقتها... وبثمن أغلى بكثير وفي المساء في تلك الليلة ساد الصمت أرجاء الغرفة إلا من صوت الماء المتساقط من شعر أسد الخارج لتوه من الحمام... كان يلف حول خصره منشفة بيضاء وملامحه تحمل عبوسا ثقيلا وكأن شيئا أثقل من الماء يثقل صدره و وقف أمام المرآة يتأمل وجهه حتي اقتربت منه جهاد بهدوء ولفت ذراعيها حوله من الخلف ثم قالت بصوت حنون:
مالك يا حبيبي؟ شكلك زعلان قوي... مدام مضايقك اكده، طيب ما نرجع نسافر تاني... ننسى كل حاجة ونبدأ من جديد
استدار نحوها ببطء ومسح على شعرها برفق ثم أجاب بصوت خافت:
انا غلط... غلطت بجد كان لازم أجولهم إني اتجوزت حتى لو مش بحب سحابة بس كان لازم أكون صريح معاها
تراجعت جهاد قليلاً ونظرت إليه بعينين يغمرهما الأسى ثم قالت:
يعني إي.... إحنا ممكن ننفصل لو ده هيريحك يا اسد.. انت عارف ان اهم حاجه عندي سعادتك وبس
أمسك اسد يدها بسرعة وقال بنبرة حاسمة:
لع طبعا... إزاي تجولي اكده.. أنا بحبك... إنتي مرتي وكل حاجة ليا.... بس لازم أتكلم مع سحابة تاني علشان مظلمهاش... وعلشان فارس ابني
أومأت جهاد برأسها ببطء تحاول أن تخفي ما في قلبها من ضيق وقالت بابتسامة باهتة:
طبعا يا حبيبي... اعمل ال يريحك و
في تلك اللحظة قطع الحوار بخبطات هادئة على الباب، تبعتها الشغالة وهي تطل برأسها وتقول:
العشا جاهز يا بيه... الست زينب بتجولكم انها مستنياكم
القت الخادمه كلماتها وذهبت وبعد فتره كان الجميع يجلسون حول مائدة العشاء والسكون يخيم على الأجواء لا يسمع سوى صوت الملاعق الخفيف وهمسات لا تكاد تميز حتي قطعت زينب الصمت بنبرة أم يعتريها القلق:
يا بنتي جومي شوفي سحابة وفارس خليهم ينزلوا يتعشوا معانا
كانت ابنتها توشك أن تنهض لتنفيذ طلب أمها، إلا أن اسد سبقها فجأة ودفع الكرسي بقوة وهو يقول بحزم:
لع أنا ال هطلع
غادر اسد المكان دون انتظار رد وصعد الدرج بخطوات ثقيلة وقلبه ينبض بشيء لم يستطع تفسيره. وما إن وقف أمام باب الغرفة حتى طرقه ثلاث مرات، ثم انتظر... لا صوت وطرق مجددا حتي مد يده إلى المقبض وفتح الباب ببطء وفي لحظة توقف الزمن ووجد الغرفة... خالية ف، تراجع خطوة إلى الوراء وعيناه تتفحصان المكان الموحش لم تكن هناك حاجة لتفسير لقد فهم فورا... لقد هربت هي وفارس وعلى الجانب الآخر كانت سحابة تمشي بخطى مسرعة تجر ابنها المرتجف بين ذراعيها والخوف ينهش صدرها ولظلام يملأ الطريق والبرد يتسلل إلى عظامها لكنها لم تتوقف ورددت:
شد حيلك يا فارس.. خلاص يا حبيبي.. قربنا
لكن خطواتها بدت أضعف وصوت أنفاسها أثقل وشعرت أن الأرض تميد تحت قدميها وأن الهروب بدأ يتباطأ وفجأة اقترب منها شاب لا تعرف من أين أتى يخطو نحوها بثبات وفعت عينيها نحوه... وما إن وقعت نظراتها عليه حتى اتسعت عيناها وصاحت بصدمة:
انت و
الفصل الثالث
جبروت في قلب صعيدي
كانت تقف سحابة في مكانها كأن الزمن جمد لحظة نزول ذلك الشاب من السيارة السوداء الفاخرة و عينيه الحادتان ووقفته المتحدية وملامحه التي تحمل شيئا من أسد... كان يشبهه في كل شئ لكن فيه غربة لم تألفها فهي تعرفه جيد هذا فهد ابن عم أسد الذي اقترب منها بخطوات واثقة وقال بصوت هادئ ساخر:
سحابة.... مش كفاية اكده...ينفع برده ال بتعمليه دا..مغيش واحده تسيب بيت جوزها في انصاص الليالي بالطريجه دي.. ارجعي معانا... ابنك محتاجك وانتي مش هتعرفي تمشي خطوة لوحدك.
نظرت اليه سحابه بعناد ورددت بحدة:
مش هرجع... مش هرجع غير بإرادتي... ومش هسيب نفسي لعبة في إيدكم.. خلاص انا مش عايزاكم.. مش عايزه ابجي معاكم نهائي.. سيبيوني في حالي بجا حرام عليكم
تنهد فهد ببرود ثم التفت للحرس وأشار على الطفل وتحدث بلهحه حازمه :
ـخدوه وحطوه في العربية يلا دلوجتي وبراحه عليه
انفجرت سحابة بصراخ ورددت:
ـ لع... ابني... سيبوه سيب ابني يا فهد اتجي الله.. خرام عليك ليه اكده... انا عايزه ابني
حاولت سحابه الاندفاع نحوهم لكن فهد وقف في وجهها ومد يده ليوقفها ثم قال بجفاء:
ابنك في بيته... معزز مكرم عايزاه؟ تجيله هناك... لكن انك تاخديه وتبهدليه اكده في الشوارع مش هيوحصل.. انا وابوه بجالنا سنين وسمين متمرطين في بلاد بره علشان كل ال اهنيه يعيشوا كويسين مش علشان تاخدي الولد وتبهدليه بعد كل دا
القي فهد كلماته بحزن وكان الطفل قد بدأ في البكاء يناديها بصوت باكي فـ صرخت بكل ما فيها من ألم واندفعت تحاول الوصول إليه لكن فهد وقف في وجهها ومدّ يده يمنعها وقال بنبرة حاسمة:
ـبس... خلصنا تعاليله هناك لو عايزه تشوفيه
القي فهد كلماته وذهب وترك سحابه التي تجمدت الكلمات في حلقها وارتجفت شفتاها بينما دموعها سالت رغماً عنها ولم تحملها قدميها اكثر من ذالك فجلست علي الارض تبكي بحرقه وبعد فتره في إحدى زوايا القصر كان الليل قد أسدل ستائره لكن صوت البكاء الصغير ظل يخترق السكون...كان فارس يجلس على طرف السرير يحتضن دميته بشدة ودموعه تتساقط على خديه بينما جدته تحاول تهدئته بحنانها المعتاد لكن قلب الصغير كان ثائرا لا يهدأ فـ دفع باب الغرفة بهدوء ودخل أسد يتبعه جهاد وعلى الفور ارتفع بكاء فارس كأنما اشتعلت النار بداخله وصرخ بعينين غاضبتين:
برا..... مش عايزكم... أنا بكرهكم... أنتوا السبب... أنتي
وأشار بإصبعه الصغير نحو جهاد مرددا:
إنتي خطفتي بابا من ماما... إنتي السبب ف كل حاجة وحشة انا مش بحبك وبكرهك
شهقت جهاد وتراجعت للوراء كأن الطفل سدد لها طعنة في القلب أما أسد فتجمد مكانه للحظة ثم تنهد وقال بصوت هادئ:
كلكم سيبوني معاه شوية بعد اذنكم
نظرت له زينب بحزن لكن أطاعته وخرجت معهم ببطء تاركين الغرفة لهما فـ اقترب أسد من السرير وجلس على الأرض مقابله رفع عينيه نحو الصغير المشتعل غضبا وردد:
أنا عارف إنك زعلان... وأنا كمان زعلان من كل ال بيوحصل بس انا هرجعهالك والله العظيم وهخليها تعيش معاك اهنيه ومفيش حاجة ف الدنيا هتمنعني إني أرجعلك أمك... دا وعد مني ليك يا فارس.. بس اهدي بجا وبطل عياط ونام علشان انت اكده هتتعب وانا وعد هرجعلك سحابه لحد اهنيه
ارتعش قلب الطفل وهدأ أنينه شيئا فشيئا حتى سقط برأسه الصغير على الوسادة، يهمس:
أنا عايز ماما دلوجتي .. عايزها دلوجتي حالا
رد أسد وهو يمرر يده على شعره :
حاضر ... جريب جوي يا بطل... بس ارتاح دلوجتي، علشان لما ماما تيجي تلاجيك قوي اكده ومستنيها
أغمض فارس عينيه والدموع لا تزال تبلل رموشه ثم انساب في النوم ببطء بينما أسد جلس إلى جواره يراقب أنفاسه الصغيرة تهدأ وعيناه تتوعدان العالم أن يعيد له حضن أمه مهما كلفه الامر وبعد فتره فتح أسد الباب بهدوء فرأى جهاد تجلس على طرف الفراش ووجهها مدفون بين كفيها زدموعها تسيل في صمت فتقدم منها خطوة، ثم ناداها بصوت خافت:
جهاد...مالك اكده في اي عاد
رفعت جهاد رأسها بسرعة وقد احمر وجهها من البكاء وحاولت مسح دموعها المرتبكة ثم تمتمت بصوت مختنق:
أنا آسفة يا أسد... والله مكنتش عايزة أوصل الولد للحالة دي... هو بيكرهني... وأنا مش عايزة أعيش مرفوضة في بيت واحد معاه...لو حابب نطلط وأسافر... أنا موافجه والله بس مش هايزه اعمل مسافه بينك وبين ابنك وام ابنك
اقترب اسد منها أكثر حتى جلس إلى جوارها وقال بنبرة حاسمة:
اوعي تجيبي سيره الطلاج مره تانيه فارس صغير وزعلان... ومسيره ينزل أنا بحبك ومش هسيبك وعارف إنك جلبك طيب و
واكيد ابني هيحبك مع الوجت
نظرت إليه جهاد بعينين غارقتين في الندم والخوف وتمتمت بصوت مكسور:
بس أنا تعبت يا أسد... أنا مش قد كل دا والله
امسك اسد بيديها برفق وهمس:
وأنا جمبك... هنعدي كل دا مع بعض.. بس بطلي عياط بجا واهدي شويه
القي اسد كلماته ثم اقترب منها أكثر حتى صار وجهه قريبا من وجهها ومسح دموعها بإبهامه برقة ثم طبع قبلة هادئة على شفتيها وبعد دقائق معدوده انفتح باب البيت بعنف وظهرت سحابه وهي تترنح داخله كانت ثيابها ممزقة والدم ينزف من رأسها وعيناها تشتعلان كالنار حتي دوي صوتها في أرجاء البيت مردده بصراخ:
اسد... انت فين... انا عايزه ابني.. هو ابني فين أنا عايزة ابني دلوجتي حالا
هبط أسد من أعلى السلالم عاري الصدر تتطاير شرارات الغضب من عينيه ووقف أمامها بثبات وصوته خالي من الرحمة وهتف:
ابنك؟! دا ابني أنا... امشي لوحدك بس الولد مش هيمشي معاكي
تقدمت نحوه ودموعها تغمر وجهها و صرخت بحرقة:
ابنك؟! دا انت مكنتش تعرف عنه اي حاجه! أنا كنت ليه الأم والأب... كنت حضنه وسنده جاي دلوجتب تفتكر انه ابنك... مش همشي من اهنيه غير وهو معايا
أجابها اسد ببرود قاتل:
مش هتاخديه.... عايزة تجعدي معاه اجعدي واتقبلي ال حوصل مش عاجبك؟ الباب مفتوح امشي لوحدك
نظرت سحابه حولها بجنون ويداها تبحثان عن شيء حتي أمسكت بسكين من على الطاولة ورفعتها أمام صدره:
يا تجيب ابني... يا هجتلك دلوجتي حالا
ضحك اسد ضحكة فارغة من الإحساس وردد بسخريه :
اعملي ال يريحك... اجتليني
اهتزت نظراتها ثم همست والدموع تسيل على وجنتيها:
انا خصيمك عند ربنا يوم القيامة.. حسبي الله ونعم وكيل فيك
وفجاه في لحظةٍ خاطفة مزقت سحابه شرايين معصمها أمامه ليسقط السكين من يدها وتتهاوى على الأرض.. تسمرت قدمي اسد ثم صرخ بقوة و صوته يهز الجدران مردفا :
سحـــابه
اقترب أسد منها بسرعة وهو يلهث من الصدمة، ركع إلى جوارها وحمل جسدها النازف بين ذراعيه وهو يهتف بجنون:
حد يحيب الحكيم بسرعه... يلا بسرعه اتصلوا بالحكيم
ارتفعت الأصوات في القصر وركض الجميع بينما الدم ينزف من معصم سحابة كأن حياتها تتسرب بين يديه ووجهها الأبيض ازداد شحوبا وعيناه تفيض بالرعب فـ ظل يحتضنها ويضغط على الجرح بيده المرتجفة حتى دخل الطبيب على عجل، وبدأ بفحصها وعالج النزيف وسط صمت مشحون.... مرت الدقائق كأنها دهر وحين انتهى الطبيب مسح جبينه وقال بصوت حازم:
حالتها مش مستقرة... النزيف كان شديد، ولازم تهتموا بيها كويس الفترة الجاية الضغط النفسي ممكن يخليها تنهار تاني
أومأ أسد برأسه وهو لا يزال ينظر اليها بحزن لكن قبل أن يتحدث دوى صوت زينب بغضب عارم وهي تقترب منه وفهد مردده:
انتو السبب.... انت وهو... انتو الاتنين السبب في كل المصايب دي مبسوطين اكده بال بيوحصل... رجعتوا ورجعتوا معاكم الخراب للبيت
أشارت لهم بأصبعها وقد غطت الدموع عينيها ثم صرخت بوجه أسد:
وانت بتجول ابنك؟! إنت شوفت الولد إمتى.... دي ضحت بحياتها علشانه وانتو كلكم كنتوا فين.. كنت فين يا ابن بطني... في بلاد بره بتجمع فلوس.. مين جالك اننا عايزين فلةس لو هتجيب معاها الخراب دا
ثم التفتت إلى فهد وصفعته بكلماتها:
وانت يا فهد... جلبك فين؟ دي أم... تاخدوا منها ابنها كأنها حرامية... دا انا كنت بجول دايما ان مفيش اطيب من جلبك اي ال حةصل يا ابني... الغربه قست جلوبكم اكده ليه عاد مبجاش عندكم لا رحمه ولا جلب
ثم زفرت بحرارة وهي تشير لهم بيدها:
امشوا من وشي... مش عايزة أشوف وش حد منكم جدامي دلوجتي... امشوا يلا
نظر فهد إلى الأرض بينما أسد وقف متصلبا لا يعرف إن كان يستحق البقاء أم الرحيل ثم تحركا ببطء خارج الغرفة تحت صراخها ودموعها ليتركا الباب خلفهما مغلقا أما زينب فعادت إلى سحابة وجلست على الأرض بجوارها تمسك يدها بحنان وهي تهمس ببكاء:
معلش يا بنتي... أنا معاكي... والله معاكي ومش هسيبك تاني أبدا
في صباح اليوم التالي خرج فهد من غرفته وهو عابس الملامح رأسه مثقل بالأفكار والأحداث. وبينما كان يهم بالنزول لمحها من بعيد... كانت تسير بهدوء في الممر و شعرها الطويل منسدل على ظهرها وعيناها تحملان مزيجا من العناد والوجع فـ توقف للحظة يحدق بها...هي ملك ابنه عمه... وأخت أسد... لم يتمالك فهد نفسه واندفع نحوها وقبل أن تنبس بكلمة أمسك بذراعها وسحبها بعنف إلى غرفته فرددت بعصبيه:
فهد.... سيبني! إنت بتعمل إي عاد
لكنه لم يستجب و أغلق الباب خلفه بعنف واستدار يواجهها و صوته مخنوق بالغضب وهتف:
ليه.... ليه بتعامليني اكده من وجت ما رجعت من السفر... ليه بتتجنبيني.... بتعملي كأني غريب
ابتعدت عنه وهي ترفع ذقنها بكبرياء ونظرت اليه بقلب ينزف لكنها أخفته خلف جمودها مردده:
عايز مني إي يا فهد... بعد تسع سنين... تسع سنين استنيتك... وفضلت أحبك... وانت؟ اخترت الفلوس! اخترتها.. وخسرتني.
حاول الاقتراب منها لكنها صدته فقال:
أنا بحبك... والله العظيم لسه بحبك وعمري ما حبيت واحده غيرك
صرخت ملك بحدة وهتفت :
الحب مش لعبة يا فهد.. مش على مزاجك.. الكون مش تحت أمرك تيجي تحب لما تفضى؟ لع أنا خلاص مش عايزاك... وهتجوز واحد تاني... واحد يستاهلني
اشتعلت النار في عينيه وانقض على يدها يمسكها بعنف وصوته خرج غاضبا:
مستحيل... مستحيل أسمح لحد يقربلك... غيري
انتفضت ملك بعصبية وسحبت يدها من قبضته وهي تصرخ:
انت اتأخرت! وأنا مش لعبه في إيدك... هتجوز واحد غيرك جظام عيونك وال عندك اعمله بجا
القت ملك كلماتها ثم فتحت الباب بعنف وخرجت تاركة خلفها قلبا محطما وفي صباح يوم جديد دخل أسد الغرفة بهدوء كانت سحابة مستلقية على الفراش شاحبة الوجه، تغرق في نوم ثقيل لا يخلو من الألم فـ اقترب منها ببطء وجلس على طرف الفراش يتأمل ملامحها المتعبة ثم مد يده ببطء ولمس وجهها بحنان وكأنه يعتذر بصمت بعدها نزلت عيناه نحو يدها المصابة فمرر أنامله عليها بلطف يتأمل الجرح بمرارة حتي تنهدت سحابة بضعف ثم فتحت عينيها فجأة وحين وقعت عيناها عليه شهقت بفزع:
ابعد عني... ابعد.. عايز مني اي عاد
مد اسد يده ليهدئها وردد:
اهدي يا سحابة... فارس في أوضته ومش عايزه يشوفك اكده
ازدادت نظراتها حذرا وخوفا ورددت؛
انت مالكش صالخ بيا... طلجني وخلاص
ظهرت على وجهه علامات الحزن الحقيقي ثم تنهد قائلًا:
مش عايز أطلجك... إحنا نجدر نحل ا بينا بهدوء.... أنا عارف إني غلطت... بعترف جدامك اهه مش بنكر.. انا فعلا ظلمتك كتير جوي
نظرت إليه سحابه بعينين دامعتين لكنه أكمل:
أنا مستعد أوافج على أي شرط تجولي عليه... هديكي كل ال نفسك فيه، بس افضلي اهنيه... متسيبيش فارس هو محتاجك
قالت سخابه بجفاء:
مش عايزة حاجة... ولا هعيش في بيتك.. انا كل ال عايزاه ابني وبس
رفع اسد حاجبيه وأسرع في الكلام مردفا :
خلاص هكتبلك البيت ده باسمك يبجى بيتك إنتي مش بيتي وإحنا ال عايشين فيه معاكي .. بس وافجي بلاش تسيبي فارس لوحده.. علشان انا كمان مش ناوي اخليه يبعد عني
نظرت سحابه إليه مطولا وقلبها يضج بصراعات لا تهدأ وكانت على وشك أن ترد...لكن الباب انفتح فجأة. دخلت ريم بخطوات واثقة وبمجرد أن وقع نظرها على أسد ركضت نحوه واحتضنته قائلة بلهفة:
ينفع كده؟ ترجع من السفر من غير ما تيجي تسلم على مرتك
تجمدت سحابة في مكانها ونظراتها بين الاثنين وقلبها يهوى في قاع الخيبة حتي شهقت بصمت و
توقعاتكم