6-5-4
*ـ ࢪواية. ليس لها ذنب🥳🥀↻≯🍒⸙•♡»»)) 4/5/6
غرام الروايات
تابع قناة غـ͓̽ـرٍآمـ͓̽ـ آلَرٍوٌآيـ͓̽ـآتـ͓̽ـ 🧚♀️📚💅💫 في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029VakuN1aHwXbJf5jj7w0J
ليس لها ذنب
الفصل الرابع
الدادة فاطمة، وقد اعترى صوتها هلع شديد، أمسكت بالهاتف وصرخت فيه:
– "الحقني يا سليم بيه! نور... نور يا بيه! أغمي عليها ومش راضية تفيق! حاولت فيها بكل الطرق، لا بترُد ولا بتتحرك!"
سليم حس بنغزة في قلبه، نغزة غريبة ما فهمش سببها، كأن حد ضغط عليه من جوه، كأن قلبه سمع الكلام قبل ودنه. وقف مكانه ثواني، مش قادر يحدد إذا اللي بيحصل ده خوف... ولا حاجة تانية! لكن في اللحظة دي، معرفش يفكر، معرفش يتردد... كل اللي قدر يعمله إنه يخرج جاري من المكتب، وعيونه ما بقتش شايفة غير صورة واحدة... نور.
سليم دخل القصر وهو بيجري، خطواته سريعة كأنه بيجري يسبق الزمن نفسه. قلبه بيدق بسرعة، وصوته عالي بينادي:
– "يا دادة فاطمة! فينها؟!
ردت عليه من فوق بصوت باين فيه الارتباك:
– "هنا يا بيه! في الصالون... تعال بسرعة!"
من غير تفكير، طلع سلالم القصر اتنين اتنين، وهو مش شايف قدامه من القلق. أول ما وصل، لقى نور على الكنبة، ملامحها متغيرة، التعب مرسوم على وشها بشكل ما شافهوش قبل كده. كانت عينيها مغمضة، خدودها باهتة، وأنفاسها تقيلة... المشهد كله وجعه.
قرب منها بخطوات مترددة، وحس بحاجة غريبة بتخبط جوه صدره...
هو مش بيحبها، دي الحقيقة اللي بيكررها لنفسه كل يوم. دي مراته غصب عنه، جواز انتقام مش أكتر، وكل لحظة كانت معاها، كان فاكر إنها وسيلة يعذبها بيها
بس دلوقتي... دلوقتي وهو شايفها بالضعف ده، وهو شايف جسمها الضعيف مرمي كده قدامه، حاجة فيه اتكسرت.
– "هي تعبانة كده من إمتى؟!" قالها بصوت غليظ لكنه مهزوز، وهو بيبص للدادة.
الدادة فاطمة مسحت دموعها وقالت:
– "من وقت ما نزلت تنظف البيت كله يا بيه ثم وقعت فجأة وما ردتش عليا... خفت عليها قوي."
سليم سكت، لكن نظرته كانت كأنها حرب جواه. هو اللي أمرها تنزل وتنضف، هو اللي كان عايز يذلها، بس أبداً ما تخيلش إنها توصل للدرجة دي. مشهدها وهي سايبة نفسها كده، أضعف من إنها ترد عليه، عمل جواه شرخ صغير... بس واضح.
قرب منها، وركع على ركبته قدامها، حط إيده على جبينها، كانت سخنة جدًا، حرارتها نار. حس بكتمة في صدره... مش عشان الندم، لأ... عشان الخوف. خوف حقيقي.
نور، اللي هو المفروض يكرهها... فجأة بقت أهم من كل خططه.
من غير ما يتردد، مدّ سليم إيده بسرعة وطلع موبايله، وضغط على الاسم اللي كان في باله من أول لحظة: "د. ليلى".
ضغط على الاتصال، وصوته كان متوتر وهو بيستنى إنها ترد.
– "ألو؟ ليلى؟"
ردت بصوت ناعم لكن مستغرب:
– "سليم؟! ياااه، من زمان! خير؟ في حاجة؟"
قال بسرعة، وصوته مزيج بين قلق وأمر:
– "محتاجة تيجي دلوقتي حالًا… واحدة تعبانة عندي، حرارتها عالية جدًا، ومش بتفوق."
– "واحدة؟!" ردت ليلى باستغراب، وبنبرة فيها فضول خفي.
– "مين؟ أختك؟ حد من أهلك؟"
سكت لحظة، ثم قالها بسرعة كأنه بيهرب من الكلمة:
– "مراتي."
جملة قصيرة… لكن وقعت في ودنها زي القنبلة.
– "مراتك؟!" صوتها ارتفع بصدمة.
– "إنت اتجوزت؟ من إمتى؟! وإزاي… وأنا ما سمعتش؟!"
سليم لف وشه ناحية نور، اللي كانت لسه على الكنبة، عرق خفيف على جبينها، نفسها متقطع، وشكلها بيكسر قلبه وهو مش فاهم ليه.
– "هفهمك كل حاجة بعدين… دلوقتي بس تعالي بسرعة، حالتها مش مطمّنة."
ليلى سكتت شوية، وبعدها قالت بلهجة جادة:
– "تمام…، وأنا جاية حالًا."
قفل المكالمة، وبص لنور تاني… ملامحها هادية بس متعبة، كأنها بتحارب في حلم طويل ومش قادرة تصحى.
سليم لأول مرة من وقت جوازهم… حس إنه خايف يخسرها.
بعد شوية، صوت جرس القصر قطع السكون اللي كان مالي المكان... ليلى وصلت.
الدادة فاطمة كانت واقفة مستنياها، وبمجرد ما فتحت ليلى الباب، قالت بسرعة وقلق باين في عينيها:
– "حضرتك الدكتورة؟ تعالى ورايا بسرعة، البنت فوق مش بتفوق."
ليلى اتبعتها بخطوات سريعة، والقلق بدأ يتسلل لقلبها من غير ما تعرف السبب. أول ما دخلت الأوضة، وبصّت على السرير... وقفت مكانها مصدومة، ووشها اتغير في لحظة.
– "نور؟!"
سليم لف ناحيتها، ودهشته بانِت على وشه:
– "إنتي تعرفيها؟"
لكن قبل ما حد يرد، ليلى كانت اتحولت للدكتورة اللي جواها. نسيت كل حاجة وبدأت بسرعة تفحص نور، قاست حرارتها، حطت كمادات، وطلعت من شنطتها مضادات خفيفة.
– "حرارتها نازلة شوية الحمد لله، بس جسمها محتاج راحة... النوم دلوقتي أفضل حاجة ليها."
سليم كان واقف جنبها، ساكت، لكن عينيه بتقول ألف كلمة. وبعد ما اتأكد إن نور بقت أهدى، شالها بين إيديه بحنية غريبة عليه، كأنها مش بس مراته... كأنها بقت حاجة أغلى.
دخل بيها أوضته، حطها على السرير بهدوء، وغطاها كويس. وقف يبصلها ثواني، وبعدين رجع بسرعة عند ليلى، والفضول بيأكله.
– "قوليلي بقى... أنتي تعرفيها منين؟"
ليلى تنهدت، ونبرة الحزن لمعت في صوتها:
– "كانت طالبة عندي في الجامعة... وكانت من أنبغ وأشطر البنات. بنت جدعة ومجتهدة، بس الظروف كسرتها."
سليم كان بيستمع بتركيز، كل كلمة بتنزل على قلبه زي الحجر.
– "كانت جاية بمنحة، لكن لما والدتها تعبت، اضطرت تشتغل وتدرس في نفس الوقت. وبعد فترة... ماتت أمها. ومن يومها اختفت، مبقتش تيجي الجامعة، ولا حد عرف عنها حاجة."
سليم حس قلبه بيضرب بسرعة، عقله مش قادر يربط الكلام كان واقف متخشّب، عينيه ثابتة على الأرض وكأنها بتبتلع عقله.
سليم:
– "نعم؟ بتقولي إيه يا ليلى؟ البنت دي بتكون بنت حازم" حازم الجبار الراجل اللي دمر حياتي، سرق كل حاجة مني"
صوته عالي، وكل حرف فيه بيترن في المكان زي الرعد.
نبرة صوته كانت مش مصدّقة، وكأنه بينكر الحقيقة اللي لسه سمعها.
ليلى اتجمدت مكانها، مش مصدقة الكلام.
ليلى:
– "مستحيل! مستحيل تكون بنته! أنا... أنا زرت بيت نور، لما أمها كانت مريضة. البيت كان بسيط جدًا، يمكن يقع في أي لحظة. وأمها؟ ست غلبانة، كانت بتشتغل خدامة في البيوت علشان تاكل لقمتها بالحلال!"
نبرة صوتها فيها حزن وغضب في نفس الوقت.
– "يعني إزاي دي تبقى بنت حازم؟ الراجل اللي كان من أغنى أغنياء البلد، وعايش في قصور؟ إزاي؟!"
سليم رجع خطوة لورا، كأن الأرض تاهت من تحته.
في عقله كان فيه دوشة، صور متقطعة، وذكريات مش مفهومة.
سليم (بصوت داخلي، بيكلم نفسه):
– "أنا اتجوزت مين؟
مين اللي دخلت بيتي وأنا شايفها عدوتي؟
أنا كنت فاكر إن الانتقام جاي في وقته... بس دلوقتي؟ أنا مش عارف حتى أنا بانتقم من مين!"
سكت لحظة، وبص في الفراغ:
– "لو كانت بنت حازم فعلًا... ليه كانت عايشة كدا؟
ولو مش بنته... يبقى إيه الحقيقة؟"
سليم كان واقف قدام الشباك، إيده في جيبه، وعيونه بتسرح في الشارع تحت... بس عقله مش هنا.
الكلام اللي سمعه من ليلى عن نور... عامل فيه زلزال.
قلبه بيخبط... ووش نور قدامه،
وفجأة، ليلى قالتها... بصوت حنين، لكنه مليان وجع:
ليلى (وهي بتقرب منه):
– "سليم... انت دايمًا بتقولي إني أختك، وفعلاً أنا كده.
بس بما إني أختك... فاسمعني كويس."
سليم لف ليها ببصّة شبه غايبة، بس ما قالش حاجة.
ليلى (بحزم دافي):
– "أنا عارفة نور أكتر مما تتصور... دي أجمل روح شفتها في حياتي.
يا سليم، البنت دي... مش شبه أي حد.
فيها نقاوة مش بتتشاف، فيها وجع مش بتشتكي منه، وفيها صبر يخلي الجبل يحنّ."
سليم حس قلبه بيضرب جامد، بس لسه لسانه مربوط.
بيحاول يفهم، يربط، يصدق... بس الغضب القديم جواه لسه بيدّي له وش تاني.
ليلى (بنبرة أهدى، وأقرب):
– "أنا ما بعرفش إذا كانت فعلاً بنت الراجل الحقي*ر ده اللي كسرك زمان...
بس حتى لو كانت...
ما ينفعش تحكم عليها بذنوب أبوها.
إنت بتنتقم من مين بالظبط؟
منها؟
ولا من نفسك اللي لسه بتنزف؟"
سليم اتحرك خطوة لورا، كأنه اتصدم من السؤال.
كأن ليلى لمست الجرح اللي محدش قرب له.
ليلى (بهدوء):
– "سليم... ما تعذبهاش.
لو شفت فيها ذرة طيبة، ذرة إنسانية، ارحمها.
مش عشانها بس... عشانك إنت كمان."
سكتت لحظة، وبعدين ابتسمت ابتسامة حزينة، ومشيت ناحيت الباب.
ليلى (قبل ما تفتح الباب):
– " فكر في كلامي كويس ... أنا رايحة، عندي شغل، بس ما حبيتش أمشي وأنا شايفة الظلم في عينيك و ساكتة."
فتحت الباب، وقالت بهدوء:
– "سلام، يا سليم."
وسابت الباب يتقفل وراها برقة، بس الصوت كان في ودانه زي صفعة.
سليم وقف لوحده، والسكوت عامل دوشة...
فيه ألف صوت بيزعق جواه، وكلهم بيقولوا نفس السؤال:
"إنت بتنتقم من مين؟"
سليم دخل الأوضة بخطوات هادية، النور كان خافت، بس كفاية يشوف ملامحها وهي نايمة.
نور كانت غرقانة في النوم، ملامحها هادية لأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، يمكن بسبب الدوا اللي أخدته.
قعد على الكرسي اللي جنب السرير، وساب نفسه يتأمل فيها...
الوش ده... اللي مش بيبان عليه غير التعب، والقهر...
بس جواه حاجة تانية، حاجة مش مفهومة.
سليم بص لها وسأل نفسه بصوت واطي جدًا:
– "إنتي مين يا نور؟
يا ترى إنتي فعلاً الشخص اللي أستحق أفرّغ فيه انتقامي؟
ولا... أنا ظلمتك؟"
وبينما هو بيغرق في دوامة تفكيره، نور بدأت تفتح عينيها على مهل...
شافت وشه أول ما صحت، فانتفضت بخضة، قلبها كان هيوقف.
نور (بخوف واضح وصوت متلخبط):
– "أنا... أنا آسفة، مش عارفة إزاي وصلت للسرير... والله ما كان قصدي... أنا كنت تحت، بعدين... بعدين الدنيا لفت بيا..."
وبدأت تتلخبط في كلامها أكتر، وهي خايفة يزعقها أو يضربها
وبحركة لا إرادية، شدت الغطا أكتر عليها كأنها بتحتمي بيه.
نور (بحرج وهي بتحاول تضحك ضحكة باهتة):
– "وبعدين يعني... السرير ده قاسي أوي، كأنه معمول من صوان...
تحسه فرشة عليه حجارة مش سفنج!"
سليم بص لها... وساب ضحكة خفيفة تخرج منه لأول مرة من زمان.
ضحكة مش بصوت عالي، بس كانت صادقة.
نور وهي شايفاه بيضحك، قلبها اتلخبط أكتر...
وقالت في سرّها وهي بتبص له بذهول:
– "يالله... ده بيعرف يضحك؟!
كنت فاكراه روبوت مبرمج على الزعيق والضرب..."
بس في اللحظة دي، رغم كل حاجة، الجو اتغيّر.
بقى فيه لحظة هدوء... لحظة نادرة بين اتنين مش فاهمين هما فين من بعض،
بس كل واحد فيهم بدأ يشوف التاني بشكل مختلف.
سليم قطع لحظة الهدوء اللي كانت بينهم، صوته كان هادي بس في نبرة فيها لهب بيغلي:
– "نور... أنا هسألك سؤال، وعايز إجابة صريحة... ."
نور رفعت راسها بتوتر، عنيها مليانة تساؤل وخوف...
بس أول مرة تسمع صوت اسمها خارج من شفايفه...
ولسبب غريب، حسّت بحاجة غريبة جواها... دفّا مش مفهوم... خوف مش طبيعي.
هزت راسها بهدوء:
– "اسأل..."
سليم بص في عنيها، وصوته كان حاد كالسيف:
– "إنتو... كذبتوا عليا؟
إنتي مش بنت حازم... صح؟"
نور اتفاجئت، وعنيها وسعت:
– "لأ... بنته."
سليم شدّ إيده في قبضة عنيفة، عروق إيده برزت،
كأن حاجة جواه اتكسرت، حلم الانتقام اللي كان بيغذيه سنين... اتشقلب.
كان بيتمنى... بيترجى إنها تطلع مش بنته، بس الحقيقة طلعت أسوأ.
ضحك ضحكة قصيرة، كلها مرارة وسخرية:
– "بنت حازم؟!
وإزاي يعني؟!
وإنتي كنتي عايشة في بيت... قصدي كوخ؟!
ده بيت يدوب بيستحمل نفسه، ده حتى البلاط فيه بيترج لما الواحد يمشي!"
نور حست بالإهانة، كلامه دخل فيها زي السهام، بس كتمت،
شدّت نفسها، وحاولت ترد... بس بصوت كله كسر وضعف:
– "آه... بنته.
بس مش من اللي كان بيحبهم، مش من مفصلاته يعني
أنا... مش بنته من مراته ثريا.
أنا بنته من... من الخدامة."
سليم اتصدم، حرفيًا وشه اتجمّد، عينيه فضلت مركزة عليها كأنه مش قادر يصدق اللي بيسمعه.
بس هي كملت، الصوت كان باين فيه الوجع أكتر من أي حاجة:
– "أمي كانت بتشتغل عندهم...
و حازم اتجوز بيها بالسر عن مرتو و لما امي حملت مني رفض تخلفني فتركه و هو سابنا نعيش لوحدنا...
ما سألش، ما صرفش، ما اهتمش.
وأنا كبرت وأنا شايلة اسم ما بيحمينيش، بالعكس... بيطحنني.
ولما أمي ماتت، فجأة افتكرني...
قرر يجيبني بيته، مش عشان حب أو ندم،
لأ... علشان يثبت إنه أب عظيم!"
سليم كان بيتنفس بسرعة، دماغه مش مستوعب،
الانتقام اللي كان شايفه قدامه اتحوّل لضباب، والضحية اللي كان فاكرها جزء من الجريمة طلعت... مجرد ورقة منسية.
نور كملت والدموع في عنيها بتلمع،
بس كانت بتحاول تثبت، رغم إنها كانت عايزة تنهار:
– "ولما جه يختار بنت من بناته للجوازة دي...
أكيد ما اختارش بنات ثريا العزيزة،
اختارني أنا...
أنا اللي لا ليّا ضهر، ولا لقب،
أنا اللي... محدش هيسأل فيا."
سليم حسّ بنار بتاكل قلبه،
مش عارف يقول إيه،
هو مشفق؟
ولا ضايع؟
ولا ندمان؟
ولا لسه شايل جواه غلّ مش قادر يفكّه؟
سكت للحظة، ووشه اتحوّل لصراع حيّ،
فيه ألف سؤال...
بس ولا إجابة.
.... يتبع
بقلمي ميلي ميس
رواية : ليس لها ذنب
أعزائي أكتبولي رأيكم و توقعاتكم 🥰رواية ليس لها ذنب
الفصل الخامس
كان سليم في صراعٍ داخليّ لا يرحم.
صوتٌ في داخله كان يهمس بإصرار:
>"البنت مالهاش ذنب… مش هي اللي دمرت حياتك، هي ضحية زيه زيك… شافت الويل. كفاية."
لكنه ما إن يبدأ في الميل لهذا الصوت، حتى يرتفع صوتٌ آخر، غاضب، جارح، كأنه يصيح في وجهه:
> "ضحية؟! دي بنت المجرم! بنت اللي خلّى كل حاجة فيك تموت. دمّها من دمه، وتستاهل تدفع الثمن!"
أغلق عينيه بقوة، كأنه يحاول يخنق الصمت اللي بين الصراعين. لكن لا فائدة. كل ما يتذكّر دموعها، صوتها المرتعش وهي بتعتذر من غير ما تكون غلطانة... بيحس بشيء يتكسر جواه. شيء مش مفهوم، ولا مقبول.
قام من كرسيه بعصبية، وبدأ يتمشى في غرفته الكبيرة كأن الجدران بتضيق عليه:
"لو سبتها، هيكون ضعف... ولو آذيتها أكتر، أنا اللي مش هنام بالليل."
ضرب الحائط بيده فجأة، وقال بصوت خافت لكن مسموم:
"أنا مش هرحمها... مش هرحمها... بس ليه قلبي بيرتجف كده؟"
تقدّم نحو النافذة، وشاف نور قاعدة في الجنينة، وحيدة، ضامّة نفسها من البرد رغم إن الشمس طالعة. ملامحها مش بنت عدوه… كانت هادئة، مكسورة، بس فيها نوع غريب من الكرامة.
ووقتها، عاد الصراع.
"هي متألمة كفاية… خلّص بقى."
"لا! لسه ما دفعتش التمن الحقيقي!"
سليم ابتلع أنفاسه ببطء…
وتمتم لنفسه:
"أنا اللي محتاج أقرر… الرحمة؟ ولا الانتقام؟"
لكنه ما كانش عارف، إن القرار اللي هياخده في اللحظة دي… هيغيّر كل شيء.
.
ليفتح درج المكتب… طلع صورة قديمة، فيها أخته بتضحك…
ضحكة بريئة… ضحكة راحت.
قرب الصورة من وشه وقال:
ـ "هو ما قتلهاش بس… قتلني معاها."
سكت شوية… عينيه راحت ناحية الشباك.
وشافها.
نور… قاعدة زي طفلة ضايعة،
إيديها حضن نفسها، كأنها بتستجدي حضن حقيقي.
لكن القلب اللي كان هيترقّ، افتكر الدم…
افتكر الصراخ…
افتكر القبر.
ـ "ذنبها؟ إنها اتولدت بنته… وده كفاية."
قام… ومسك المفتاح.
ـ "الرحمة انتهت من يوم ما ماتت أختي."
خرج من الأوضة…
خطواته بتدق ف البلاط كأنها إعلان حرب.
وفي الجنينة... نور رفعت راسها.
شافت سليم جاي…
بس ملامحه مش راجل…
ده كان قاضي… وحكمه جاهز
وقف قدامها… ضله غطّاها بالكامل،
رفعت راسها ببطء… ولقيته واقف بعينين زي النار.
ـ "فاكرة نفسك هربتي؟"
صوته كان حاد، كأنه سكين بيدوّر على مكان يطعن فيه.
ـ "فاكرة إنك كده بقيتي ملاك؟ قاعدة ساكتة، بتبصي ف الأرض، عاملة فيها بريئة؟"
نور ما ردتش…
بس عنيها اتسعت، مش خوف… يمكن صدمة، يمكن محاولة تفهّم.
ـ "لا… ما تتكلميش! ما تفتحيش بقك!"
سليم مد إيده ناحية صدره وضربها بقبضة إيده:
ـ "هنا… هنا في وجع مالوش آخر، وسببه أبوكي!
اللي انتي شايلة اسمه… اللي اتخلقتي من دمه!"
قرب منها خطوة، صوته انخفض بس بقى أخطر:
ـ "ضنيتي إني ممكن أنسى؟
ضنيتي إن شوية دموع، أو صوتك الواطي، أو رعشة إيدك… هيرجعوا أختي؟"
نور همست بصوت شبه ميت:
ـ "ليس ذنبي ..."
قطعها بعصبية:
ـ "كفاية!! متلعبيش دور الضحية…
انتي مش ضحية… انتي غلطة!
غلطة لازم أدفعك تمنها!"
عينه بتلمع…
ماكانش فيها دموع، لكن كان فيها حاجة تانية…
نار.
مد راسه ناحيتها، قالها بصوت كأنه بيرن جواها:
ـ "مش معنى إني سبتك تاكلي، أو تنامي، أو تعيشي…
إني نسيت.
أنا بس كنت بستناك تظني إنك اتحسّنتي…
بس الحقيقة؟
انتي لسه في بدايات العذاب."
لف ضهره، ووقف لحظة…
وبص فوق كتفه، قالها بنبرة خالية من الرحمة:
ـ "متنسيش… كل يوم ليه تمن، وانتي لسه ما دفعتيش ربع الحساب."
ومشي.
وسابها…
مش مكسورة،
لأ…
لكن خايفة من اللي جاي.
وقفت ثواني مكانها بعد ما سليم مشي،
كأن الهوا اتسحب من المكان، وكأن الأرض تهزّت تحت رجليها.
بس شدت على نفسها… بلعت الوجع، ومسحت دمعة خافت تطلع.
اتوضّت بكلمة واحدة بس في قلبها:
"توكلت على الله."
خطواتها كانت هادية… بس جواها عاصفة.
راحت على المطبخ.
المطبخ كان دافي، ريحة اليانسون والمخبوزات ماليين الجو،
والدادة فاطمة واقفة جنب الفرن، لابسة مريلتها القديمة اللي متقطعة من جنب،
ونسرين بنتها كانت بتقشّر بطاطس وهي بتغني بصوت واطي.
أول ما شافوها… وقفوا فجأة.
الدادة فاطمة مسحت إيدها فمريلتها، وقرّبت منها بسرعة:
ـ "يا بنتي… كيف صرتي دلوقتي؟ …"
نور حاولت تبتسم، بس التعب كان واضح في عينيها:
ـ "الحمد لله يا خالة… أحسن كتير."
نسرين قربت وهي ماسكة منديل، حطته في إيد نور:
ـ "الحمد لله على سلامتك يا هانم…"
نور بصتلها، وابتسامة خفيفة خرجت من بين شفايفها:
ـ "نور… ناديني نور بس. مفيش لا هانم ولا حاجة بينا."
نسرين اتفاجئت، بس ضحكت بخفة:
ـ "حاضر يا نور… بس أنا متعودة أقول كده!"
الدادة فاطمة مدت إيدها وسحبت نور تقعد على الكرسي الخشبي:
ـ "اقعدي يا بنتي… خديلك نفس. هنا مفيش أوامر ولا نظرات قاسية…
هنا في شوية دفء يمكن يهونوا عليك."
نور أخدت نفس عميق… وشافت بخار الشاي طالع من الكوباية اللي حطتها قدامها نسرين.
وفي اللحظة دي… حسّت إنها لسه على قيد الحياة.
بس جوه عقلها…
كان صوت سليم بيرن تاني:
"كل يوم ليه تمن… وانتي لسه ما دفعتيش ربع الحساب."
شدت نفسها فجأة…
والدنيا بدأت تلف جوا عينيها،
ما بقتش شايفة المطبخ ولا سامعة صوت نسرين.
اتسحبت جوه ذكرى…
زمان… في بيتهم الصغير.
كانت قاعدة على الأرض، والكراسات حواليها، والمذاكرة خنقاها.
وهي بتتنهد وتقول:
ـ "ماماااا… زهقت! دماغي مش عايزة تشتغل خلاص!"
ووقتها… كانت أمها، بطلتها الحقيقية، جاية من المطبخ بكوباية شاي، وحطته قدامها بلطف.
مسحت على شعرها وقالت بابتسامة دافية:
ـ "انتي نوري… اللي منوّر حياتي،
وانتي اللي عمرك ما كنتي ضعيفة…
بنتي القوية مش بتستسلم، ولا التعب بيغلبها.
انتي هتنجحي يا نور… عشان انتي اتخلقتي تنوري الطريق حتى في عز الضلمة."
الذكرى دي غرست نفسها جوا قلبها،
زي نبضة حياة وسط رماد الألم.
رجعت فجأة لوقتها الحالي،
ولقت الدموع بتلمع في عينيها، بس مسحتها بسرعة قبل ما حد يشوف.
وبهمسة ما بين شفايفها… قالتها، بقوة كانت مدفونة من زمان:
"كفاية بقى…
مش هستسلم…
ولا هكسرك فيا يا سليم يا أسيوطي."
رفعت الكوباية، وشربت أول رشفة شاي…
بس المرارة اللي في قلبها كانت أقوى من أي حاجة.
دقّ… دقّ… دقّ.
صوت الباب خبط فجأة، والدادة فاطمة كانت قاعدة في المطبخ بتجهّز العشا.
رفعت راسها باستغراب وقالت لنسرين:
ـ "مين اللي ييجي في الوقت ده؟ مش العيلة كلها مسافرة عند بنتهم ليلى؟! وسليم بيه في الشركة."
قامت بحذر وفتحت الباب…
وقفت شوية، عينيها وسعت،
قدامها كان فيه راجل ضخم، طوله فارع، ولابس بدلة سودا فخمة.
قال بصوت تقيل وجاد:
ـ "أنا عايز مدام نور… ضروري."
الدادة بصّت له بقلق:
ـ "حضرتك مين؟"
ـ "أنا كنت شغال مع والدها… الموضوع مهم جدًا. لازم تشوفني فورًا."
نادت بصوت عالي:
ـ "نور! يا نور يا بنتي… فيه حد بيطلبك."
نور طلعت بخطوات مترددة…
ولما عينيها وقعت على الراجل، قلبها وقع.
عرفته فورًا… شافته قبل كده في بيت أبوها…
كان من أقرب رجاله،
وشه ما بيتنسيش.
قال بنبرة صارمة:
ـ "مدام نور… والد حضرتك…
اتعرض لـ سكتة قلبية.
هو في المستشفى دلوقتي… وبيسأل عليكي.
قاللي بالحرف… لازم يشوفك. ضروري."
نور اتجمدت في مكانها…
كل حاجة حواليها اختفت…
صوت الراجل بيتكرر في ودانها زي الصدى:
"سكتة قلبية… لازم يشوفك… ضروري…"
الدادة فاطمة قربت منها:
ـ "بنتي… إنتي كويسة؟"
بس نور ما ردّتش… كانت حاسة الدنيا بتلف بيها…
إزاي فجأة كده؟
بعد كل اللي حصل؟
وهو دلوقتي… عايز يشوفها؟ ليه؟
إيه اللي خلاه يفتكرها بعد ما رماها؟!
نور خدت نفس عميق… وعينيها كانت مليانة صدمة وتردد، بس صوتها خرج ثابت:
ـ "أنا رايحة… لازم أشوفه."
الدادة فاطمة قربت منها بسرعة، وعينيها فيها قلق واضح:
ـ "يا بنتي… إنتي ناسية نفسك ولا إيه؟ سليم بيه لو عرف إنك خرجتي من غير إذنه… ده يودّيكي في داهية! ده ممكن يعمل مصيبة!"
نور بصّت لها، وفي عينيها وجع… بس كمان كان فيه قرار.
ـ "أنا مش خايفة…
لو ما رحتش دلوقتي، هافضل أندم طول عمري.
ويمكن… يمكن يكون دي آخر مرة أشوفه."
نسرين كانت واقفة ساكتة، بس عنيها بتراقب الموقف، وشها متوتر.
الراجل الضخم اللي واقف عند الباب لسه مستني، وصوته رجع هادي لكنه حاسم:
ـ "العربية مستنياكي تحت، يا مدام. المستشفى مش بعيد."
نور عدّت جنب الدادة، لمّت طرحتها بسرعة، وهي بتقول بهدوء:
ـ "لو سليم بيه عرف… يبقى يعرف.
أنا مش ههرب… ."
وخرجت من الباب…
ورجليها كانت بترتعش، بس كانت ماشية…
في طريق يمكن يغيّر كل حاجة.
الدادة فاطمة كانت واقفة قدام الموبايل… صوابعها بتترعش وهي بتتصل. أول ما سليم رد، كان صوته جامد:
ـ "أيوه؟"
الدادة بلعت ريقها وقالت بسرعة:
ـ "سليم بيه… معلش، بس لازم أقولك…"
سليم بحدة:
ـ "في إيه؟ اتكلمي!"
الدادة صوتها مهزوز:
ـ "مدام نور خرجت… جالها واحد من شوية وقال إن والدها تعبان واتنقل المستشفى، وعامل سكتة قلبية… وهي أصرت تروح تشوفه… وقالتلي: "أنا لازم أروح، وخرجت."
سليم سكت ثواني… بس كان صوته بيتحوّل، زي النار اللي بتغلي في حنجرتُه:
ـ "إيه؟! خرجت؟!
وإنتي ازاي تسيبيها تخرج من غير ما ترجعلي؟!"
الدادة حاولت تهدي الموقف وهي مرعوبة:
ـ "يا بيه، حاولت أمنعها… والله العظيم! بس كانت مصممة، وقالت إنها مش خايفة، وإنك مهما عملت مش هتقدر تمنعها من تودّع أبوها لو جراله حاجة…"
سليم قفل الخط فجأة… وإيده كانت بتترعش وهو بيشد جاكيتُه من على الكنبة.
عينه لمعت بغضب، بس جواه كان في حاجة بتتكسّر… حاجة مش فاهمها.
ـ "روّحتي له يا نور؟
رغم كل حاجة…
روّحتي؟!
في المستشفى
نور كانت واقفة قدام بوابة المستشفى، قلبها بيخبط بسرعة، والمكان حواليها بارد رغم الحر، بس جواها كان في بركان مشاعر ما بين خوف وقلق وحيرة.
دخلت وسألت السكرتير اللي كان قاعد على الكرسي عند المدخل:
ـ "لو سمحت… المريض حازم الجبّار فين أوضته؟"
السكرتير رفع عينه من ورق الجرنان، وبصّ لها باستغراب شوية:
ـ "أه… حازم الجبّار؟ آه، في الدور الخامس… أوضة ٥١١. المصعد ع الشمال."
هزت راسها بشكر، وقالت بهمس:
ـ "شكراً…"
ركبت الأسانسير، وطلعت. كل ثانية كانت بتمرّ كأنها ساعة… قلبها بيشدها لقدّام، بس عقلها بيقولها ترجعي. أبوها اللي زمان كان جبل، دلوقتي مرمي على سرير؟!
وصلت عند الباب… خدّت نفس عميق، وفتحت.
بمجرد ما دخلت، شافتها "ثريا"، زوجة أبوها، اللي أول ما عينها وقعت على نور، وشها اتقلب:
ـ "أيوه بقى… جهتي!
أكيد كنتي مستنية اللحظة دي…
شايفة حالنا؟!
كله بسبب جوزك! بسبب سليم الأسيوطي…"
نور وقفت متجمّدة، لسه مش قادرة ترد، و"ثريا" مكملة وهي بتلوّح بإيدها بغضب:
ـ "سليم دمرنا! أبوكي اتضرب في شُغله… كل الناس بعدت عنه، شركته وقعت، حتى البيت خدوه مننا! ما بقاش عندنا ولا مليم!"
نور حاولت تتمالك نفسها، صوتها كان هادي بس نظرتها كانت بتقطع:
ـ "أنا مليش ذنب في اللي حصل…"
بس قبل ما تكمل، سمعوا صوت ضعيف جداً جاي من السرير، كان حازم بيتكلم، صوته متكسّر ومتعب:
ـ "ثريا… كفاية.
سيبيني مع نور…
لوحدنا…"
ثريا لفّت بعصبية، وبصّت لنور بقرف، وسابتهم وخرجت وهي بتقفل الباب وراها بصوت مزعج.
نور قربت بخطوات هادية من سرير أبوها، عنيها بتترعش من الدموع، وبتتأمل ملامحه اللي غيرها والمرض… الجلد بقى باهت، وعينيه غايصة، وصدره بيطلع وينزل بصعوبة.
قعدت على الكرسي جنب السرير، ومسكته من إيده، كانت باردة كأنها ورقة شتا.
سكت شوية… وبعدين بدأ يتكلم بصوت متقطع، مكسور، كأنه بيستعطفها ومش قادر يطلب منها:
ـ "نور…
عارف…
عارف إني ما كنتش أب حقيقي ليكي…
ما كنتش قدّ المسؤولية… بس…"
دمعة نزلت على خده وهو بيكمل بصعوبة:
ـ "إنتي… طيبة زي أمك…
أمك اللي ما عرفتش أحتفظ بيها…
بس إنتي…
مش هتسيبي العيلة تنهار… مش إنتي…"
نور كانت ماسكة نفسها بالعافية، قلبها بيتكسر وهي شايفاه بيتهز قدامها، بتقول جواها: "إزاي الدنيا قلبته كده؟!"
ـ "شش… انت محتاج ترتاح…"
هزّ راسه وهو بيقاوم التعب، وقال بسرعة قبل ما نفسه يقطعه:
ـ "لا… اسمعيني…
أخواتك…
ما لهمش ذنب…
ولا اختك لينا…
المرض بيكلها يوم بعد يوم…
ومعنديش غيرك، نور…
أنتي الوحيدة اللي تقدر تعملي حاجة."
نور قفلت عنيها ودموعها نزلت، حاولت تمسحها بسرعة بس حازم شد على إيدها رغم ضعفه:
ـ "حاولي…
حاولي مع سليم…
هو جوزك…
راجل، قلبه مهما كان حجر، له مفتاح…
إنتي مفتاحه يا نور…
حاولي توقعيه…
خليه يحبك…
خليه يرجع الشركة…
مش علشاني… علشان إخواتك…"
نور اتصدمت من الكلام، بصت له بعيون متسعة:
ـ "بابا! إنت بتطلب مني أستخدم نفسي وسيلة؟!"
ردّ وهو بيشهق بصعوبة:
ـ "أنا بطلب منك تنقذي اللي فاضل مننا…
بطلب منك تلعبي لعبته…
بس لمصلحتنا…
هو بدأ الحرب…
وإنتي لازم تكسبيه بسلاحه."
نور سكتت، وفضلت تبص في عنيه اللي فيها رجاء يقطع القلب، حسّت إنها واقفة على مفترق طرق… وقرارها مش هيأثر بس عليها، ده هيغيّر مصير عيلة كاملة.
و فجأة يتفتح الباب بقوة و....... يتبع
بقلمي ميلي ميس
يسعدني أقدملكم فصل جديد من روايتي الواقعية والدرامية،
تجربة جديدة ومختلفة عن عالمي المعتاد في الروايات
فأنا متعودة أكتب عن أميرات وتنانين وسحر،
لكن المرة دي دخلت عالم الدراما والواقع… ووقعت في حبّه!
مستنياكم في الكومنتات تقولولي: هل أكمّل؟ ولا أرجع للخيال؟ 😅ليس لها ذنب
الفصل السادس
"
صوت الباب وهو بيتفتح بعنف قطع اللحظة زي سكينة فـ ضلمة.
سليم دخل زي الإعصار، عنيه مشتعلة، وصوته عالي:
ـ "مين سمحلك تخرجي من البيت؟!"
نور وقفت مفزوعة، بس حاولت تتماسك:
ـ "دا بابا… تعبان… جِيت أطمن عليه بس."
سليم ضحك ضحكة كلها سخرية، وعيونه بتلمع بشرّ:
سليم (بتهكم):
ـ جيتي تطمني؟ ولا جايين تحطوا خطط ورا ضهري عشان توقعوني؟
حازم، رغم ضعفه، حاول يرفع نفسه وبيقول بصوت مخنوق وتعبان:
حازم (بغضب ووجع):
ـ كفاية يا سليم… عيلتي مالهاش ذنب… إرجع عن اللي ناوي تعمله… حرام!
سليم عينه لمعت، ووشه اتقلب حقد:
سليم (بغل):
ـ عيلتك؟… وانا؟ عيلتي؟!
فاكر زمان؟ لما كنت فوق الكل؟ لما سرقتوا كل حاجة من أبوي؟
شوف بقى… سبحان الله، الأيام بتلف…
ابن الراجل اللي خدعتوه، النهاردة هو اللي واقف فوق راسك…
وشايفك بتنهار زي ما بويا انهار زمان.
وقبل ما يكمل جملته، فجأة… الأجهزة بدأت تصفر، والنبض اختفى!
نور (بصرخة قلبها بيتقطع):
ـ بـــابــــــااااااااا!!!
الأطباء دخلوا بسرعة، والدنيا اتقلبت، وسليم حاول يسحب نور من دراعها:
سليم (بحدة):
ـ يلا، اطلعي برا!
نور (وهي بتحاول تفلت):
ـ لأ! مش هتحرك من هنا لحد ما أطمن عليه!
سليم (بصوت عالي):
ـ قلت يــلاااا!!!
نور (بصراخ أقوى، وعنيها مليانة نار):
ـ قلت مش هاتحرّك!
مش هاتحرّك!!!
فاهم؟! مش هسيبه! حتى لو آخر يوم في عمري!
سليم كان الغضب باين في عينه، قرب من نور بسرعة، مسكها من دراعها بعنف وابتدى يجرّها وراه وهو بيزعق:
سليم (بعصبية): قلتلك ما تخرجيش من البيت! إنتي نسيتي إنك تحت أمري؟!
نور حاولت تفلت منه، صوتها عالي ودموعها بتنزل من غير ما تحس:
نور (بصريخ): سِيبني! مش همشي معاك! مش همشي وقلبي سايب بابا كده!
سليم زاد في شدّته:
سليم (بغضب): ما تعلييش صوتك عليّا يا بنت حازم! انتي نسيتي انك مراتي؟!
وفي اللحظة دي… الباب اتفتح بسرعة، وطلع الدكتور بعجلة، صوته عالي ووشه عليه علامات ارتباك:
الدكتور: النبض رجع للمريض!… عايز يشوفك حالاً يا أستاذة نور!
نور سحبت إيدها من سليم بكل قوتها، كأنها بتفك قيود من نار، وجريت على أوضة أبوها، قلبها بيدق بسرعة وخوفها سابقها.
دخلت الأوضة، لقت حازم على السرير، جسمه ضعيف جدًا، بس عنيه مفتوحة وشايلة حزن الدنيا كلها، أول ما شافها دمعة نزلت من عينه.
دخلت نور الأوضة، قلبها بيدق بعنف، لقته لسه عايش، بالكاد عيونه مفتوحة، وجهه شاحب، بس نظرته لسه فيها نفس العجرفة القديمة… نفس السيطرة اللي عمرها ما راحت.
بصّ لها بنظرة فيها أمر، مش حنان، ولا شوق… وقال بصوت متكسر، بس واضح:
حازم (بصعوبة):
ـ نور… لازم تنقذي إخواتك… من سليم…
إنتي الوحيدة اللي تقدري تتصدي له…
نور وقفت لحظة، عينها بتترجم كلماته، مشاعرها كلها متشابكة… بس فجأة، فهمت.
نور (بحدة وصدمة):
ـ حتى وإنت بتموت… شايفني أداة؟
مش بنتك؟ مش بني آدمة؟
حازم حاول يفتح بقه، يمكن يرد، يمكن يبرر، بس ماقدرش… كأنه فجأة حس إن اللعبة خلصت.
نور (بغصة):
ـ عمرك ما فكرت فيا، لا كأب، ولا حتى كحامي
اتنهد حازم نفس طويل… عنيه لفّت ببطء، كأنه بيهرب من الحقيقة اللي قدامه…
مفيش كلمة اعتذار، مفيش ندم… بس سكون بارد.
وبهدوء مفاجئ…
جسمه تراخى، نفسه اتقطع، وعيونه اتقفلت…
نور (بصوت مرتعش):
ـ بابا… لأ، استنى، …
بابااااا!!!
صوتها طلع صرخة مكسورة، فيها خوف وكسرة وحزن سنين…
لكن ماكانش فيه فايدة.
رأسه مالت على جنب، عنيه اتقفلت، ونفسه سكت…
وغاب عن الدنيا.
دخل الطبيب في اللحظة دي، بص عليهم، وبنظرة كلها أسى وحزن، قال :
الطبيب (بهدوء):
ـ البقية في حياتك يا آنسة نور…
نور ما ردّتش… كانت واقفة مكانها، عنيها مغرقين دموع، بس عقلها مش قادر يصدّق…
الصمت اللي بقى حوالين جثته كان أصدق من أي كلمة
كانت واقفة قدام جثة أبوها، الدموع نازلة من غير صوت، صدمة، ألم، وجواها حاجة بتتكسر ومش عارفة تتصلّح.
وفجأة…
الباب اتفتح بعنف، وسليم دخل.
خطواته تقيلة، وصوته عالي:
سليم (ببرود مستفز):
ـ خلاص؟ خلص مات؟
نرجع بقى على بيتنا.
نور بصّت له، عنيها حمرا، مش من البكاء بس، من الغضب… من القهر… من كل لحظة وجع عدّت.
نور (بصوت مكسور لكن فيه نار):
ـ أبويا مات…
مات وإنت السبب…
وأنا مش هرجع معاك!
سليم اتفاجئ من لهجتها، قرب منها بخطوتين:
سليم (بعين ضيقة وصوت حاد):
ـ بتتكلمي كده لمين يا نور؟
نسيتي إنك مراتي؟
نسيتي إنك عايشة تحت سقفي وتحت أمري؟
نور رفعت راسها، وقالت وهي بتمسح دموعها:
نور (بصوت هادي لكن مرعب):
ـ آه… أنا مراتك…
بس مش طول العمر هفضل عبدة عندك…
أنا خسرت كل حاجة…
فمافيش حاجة أخاف أخسرها تاني.
سليم (بصوته العالي ونبرته المتغطرسة، وهو بيقرب منها ووشه مليان سخرية):
ـ شكلك نسيتي نفسك…
بقيتي بتخربشي ؟
اسمعيني كويس يا نور…
دلوقتي هتمشي معايا على البيت زي البنت الشاطرة…
أصلا مافيش حاجة تاني تعمليها هنا…
هياخدوه يدفنوه…
وانسي العزا، لإن بيت الجبار بقى بتاعي…
يعني مش هيحصل عزا في الشارع، مشهد مهين ليّ وللي شافك.
خمس دقايق… تكوني تحت.
وإلا… ماتلوميش غير نفسك.
(نور وقفت مكانها، عينيها ثابتة عليه، بس قلبها بيغلي من جوه… قبل ما ترد، دخل صوت مبحوح، بيقطع الصمت زي سكينة):
نرمين (وعينيها كلها دموع):
ـ هيـاخدوا بابا… يدفنوه دلوقتي…
(سكتت لحظة، وبصّت لنور بعين مكسورة)
ـ نور… إزاي قدرتي تعيشي في البيت ده طول المدة دي؟
ده مكان يخنق… يوجع الروح.
(نور رفعت عينيها بصمت، بتدور على إجابة، بس نظرة نرمين كانت حزينة ومليانة وجع، وكأنها بتحاول تفهم اللي حصل لأول مرة):
نرمين (بتكمل بصوت متهدج):
ـ لما أخدوا مننا البيت رحنا لبيت أمك ، بابا ماكانش عنده مكان يروحله غيره…
رحنا هناك لأننا ماكانش لينا حتة ننام فيها…
ولا كان معانا فلوس حتى نأكل بيها…
وياسين… ياسين اتسجن، قالوا إنه سرق من الشركة!
بابا حاول يطلعه بس… الدنيا كلها قفلت في وشه.
وأمي…
(بصّت بعيد، ودموعها نزلت بهدوء)
ماعرفش راحت فين… شكلها عقلهـا تعب، ماقدرتش تتحمل.
ولينا… من ساعة ما سمعت بموت بابا، وهي هنا في المستشفى…
الدكتور قال إن قلبها تعبان… الرطوبة في ذلك البيت زودت حالتها…
وقال لازم تغير صمام القلب قريب…
نور… أنا آسفة، والله آسفة…
عارفة إني ماكنتش أخت كويسة ليكي…
كنت بغير، كنت فاكرة إنك حتاخدي بابا مني…
(نور سابت نفسها وبكت، وبكل وجع الدنيا حضنت نرمين، وكأنها بتحاول تشيل عنها كل السنين اللي فاتت):
نور (بصوت مخنوق بالبكاء):
ـ ما تفكريش فده دلوقتي…
أنا هنا…
وهحل كل حاجة، والله ماهسيبكم .
لتنزل من المستشفى بعد ما ودّعت أبوها نظرة أخيرة، عينيها كانت ناشفة من كتر البُكا، وشها باهت وروحها كأنها اتسرقت. نزلت بخطوات هادية وميتة، لقت سليم واقف ساند ضهره على عربيته، سايب الدنيا كلها ووشه فيه برود قاتل. بدون ما تبص له حتى، فتحت باب العربية وركبت.
سليم (في نفسه، مستغرب):
"إيه اللي حصل للبنت دي؟... كانت نار… دلوقتي بقت رماد!"
(ركب جنبها، وساق من غير كلمة… الطريق كله كان ساكت، إلا من صوت الموت اللي كان مالي العربية. أول ما وصلوا القصر، الليل كان نازل زي الكفن.)
نور (بصوت هادي، مفيهوش أي إحساس):
ـ ممكن… نحكي؟
سليم (بص لها من طرف عينه):
ـ تمام.
(دخلوا القصر، أول ما شافتها الدادة، جريت عليها ودموعها في عينيها، حضنتها بقوة):
الدادة:
ـ البقية في حياتك يا بنتي… يا حبيبتي.
نور (ببرود موجوع):
ـ تسلمي يا دادة.
(عدّت نور ماشية ورا سليم، وكأنها ماشية ورا مصيرها… دخلوا أوضته، سليم قاعد على الكنبة، حاطط رجل على رجل، وبينفخ نفس طويل، كأنه مستعد لسماع حاجة مش هتعجبه.)
سليم (بصوت هادي، بس فيه سخرية):
ـ سامعاكي…
نور (وقفت قدامه، عنيها ثابتة فيه، وصوتها بدأ يخرج أقوى):
ـ عايزاك ترجع البيت لأخواتي…
عايزاهم يلاقوا مكان يناموا فيه…
ويعرفوا يكلوا زي الناس.
سليم (ضحك ضحكة قصيرة فيها استهزاء):
ـ وليه أعمل كده؟
إيه المقابل يعني؟
الناس ما بتديش ببلاش.
نور (باندفاع حارق، صوتها كان بيترجف):
ـ عشان يكون عندك ضمير!
فيه بنت صغيرة…في أول عمرها… محتاجة عملية قلب!
لو اتأخرت هتموت!
سليم (نبرته اتغيرت، بقت غامقة وسامة، والشر بينط من كل كلمة):
ـ ضمير؟
أبوكي كان عنده ضمير لما سرقنا؟
لما خلانا نبيع كل حاجة؟
لما أختي ماتت قدامي… ومكانش عندي تمن عمليتها؟
أبوكي دفن ضميرنا وهو عايش…
بس أنا…
أنا هكون أكرم منه.
(سكت لحظة، وقرب منها وهو بيكتم غضبه):
ـ هرجع البيت لأخواتك…
و هطلّع أخوكي من السجن…
و يشغل هو و أختك فالشركة…
و أختك الصغيرة… هخليها تعمل العملية…
بس بشرط.
نور (عنّيها اتسعت، وصوتها كان فيه خوف وتوتر):
ـ شرط إيه؟
سليم (قام واقف فجأة، ووشه كله جديّة وصرامة):
ـ تبقي ملكي الليلة
تصيرء مرتي شرعي
تبقي ليّا
جسدًا… وروحًا…
و..... يتبع
بقلمي ميلي ميس
حبايبي الغاليين 💕
آسفة على التأخير، ماقدرتش أنزل الفصل إلا دلوقتي عشان كنت تعبانة شوية 💔
دعواتكم ليا بالشفا 🤲
يارب الفصل يعجبكم ويكون على قد انتظركم وحماسكم، مستنية أعرف رأيكم في الأحداث
إيه أكتر حاجة وجعتكم؟ وإيه توقعاتكم لقرار نور بعد العرض الصادم ده؟ 😢🔥
اكتبولي تحت ❤❤
-