الفصل الاول : اللقاء الأول
كانت هند واقفة رفقة مريم أمام بوابة الجامعة، ترمق المكان بعينين مليئتين بالفضول والخوف. يومها الأول في هذا الفضاء الجديد، حيث الأحلام تصطف على أبوابٍ لا تزال غامضة. الشمس ما تزال محتشمة، والهواء يحمل شيئًا يشبه الترقّب.
دخلتا القاعة بعد بحثٍ عن مكان هادئ يضمن لهما راحة البال، واختارتا الجلوس في الصف الثالث، بجوار النافذة، حيث الضوء يتسلل دون أن يُزعج، وحيث يمكن للأنثى أن تُراقب العالم دون أن تُكشف تمامًا.
بين دفاتر وأحاديث مرحة، توقفت الكلمات فجأة عند فتح باب القاعة بقوة.
دخل سيف.
وجه جامد، عينان سوداوان ساكنتان، خطوات باردة، كأن كل ما حوله لا يعنيه. يرتدي قميصًا داكنًا، يحمل حقيبة سوداء، ويضع سماعة واحدة في أذنه، تفصله عن الواقع. لا ينظر لأحد، لا يبحث، لا يبتسم.
مرّ بين الصفوف بخطوات متثاقلة، ثم جلس في الصف الأخير، مباشرة خلف هند.
سكون مفاجئ.
مريم همست وهي تراقب:
"هل رأيتِ؟ ملامحه تشبه الليل… لكن دون نجوم."
هند لم ترد، فقط أحسّت بثقل خلف ظهرها، وكأن ظلاً جديدًا حلّ دون إذن.
لكن قبل أن تتفاعل، دخل مروان.
شعرٌ مرتب، عيون خضراء ناعمة، ابتسامة ساحرة، لباس يجمع بين الأناقة والثقة. دخل وكأنه يعرف المكان مسبقًا، وكأنه ليس غريبًا على القلوب.
اقترب من الصف الخلفي، وجلس بجانب سيف بهدوء، ثم ألقى عليه تحية خفيفة لم تُردّ.
قال ممازحًا:
"لا يزال صديقنا يفضل المقعد الأخير… كأن العالم هنا لا يستحق النظرة."
سيف لم يرد، فقط فتح دفتره الأسود وبدأ يكتب.
هند التفتت برأسها بخفة نحو الخلف، نظرت في وجه سيف وقالت ببرود:
"إذا كنتَ تنوي الجلوس خلف الناس... حاول على الأقل أن لا تكون مزعجًا."
سيف رفع نظره ببطء، عيناه ثابتتان، وصوته بارد:
"الجلوس خلفهم لا يعني أنني أتابعهم."
نظرت إليه هند بثقة وقالت:
"واضح، أنت لا تتابع أحد… حتى نفسك."
مروان تدخّل وضاحكًا:
"أوه، لم أكن أعلم أن أول يوم سيكون مشتعلاً بهذه السرعة."
مريم ابتسمت وقالت:
"مع هذا الثنائي خلفنا، سأطلب خوذة بدل الدفاتر."
ضحك الجميع بخفة، ما عدا سيف الذي ظلّ ساكنًا كأن شيئًا لم يحدث.
لكن داخل هند، وُلد نبض… لم يكن حبًا، بل كان شيء آخر.
تحدٍ.
---
مع اقتراب نهاية اليوم، خرجت هند ومريم من القاعة، تتبادلان حديثًا خفيفًا عن أساتذة الغد ودفء البداية. كانت الشمس تميل نحو المغيب، والهواء في الساحة الجامعية يعبق برائحة الزحام الأول.
لكن فجأة، توقفتا.
أمام بوابة الجامعة، وقفت سيارة سوداء فاخرة، لامعة بشكل غير مألوف في هذا المكان. تصميمها أنيق ونادر، لا يُرى في محيط الطلبة، كأنها انفلتت من فيلمٍ آخر.
نزل سائق يرتدي بدلة رسمية أنيقة، خطواته منضبطة ونظراته لا تلتفت إلا لأمر محدد. فتح الباب الخلفي بكل هدوء.
خرج سيف أولًا، عابسًا كعادته، لا يكترث بنظرات المحيط، وكأن الرفاهية لا تغيّر من ثباته الداخلي.
ثم تبعه مروان، بابتسامته المعتادة، ينفض شعره بخفة وكأن الفخامة تُناسبه أكثر مما تُبهره.
ركبا السيارة بصمت، وانطلقت بهما ببطء وهدوء مُربك.
هند وقفت جامدة، ومريم شهقت بخفة:
"هؤلاء... معنا في نفس الفصل؟"
هند قالت وهي تحدّق:
"يا لغرابة التناقض... كيف يجلس خلفي اليوم شخصٌ يُنقَل بسيارة كهذه عند الغروب؟"
ثم صمتتا.
لكن بداخل كلٍّ منهما، كانت الفكرة تولد، تنمو، وتُشعل تساؤلًا:
ما السر خلف هذين الوجهين؟ ولماذا اختارا هذا الفصل بالذات؟