5✍🏻✨
الهواء في تلك اللحظة لم يكن هواءً… كان ثقيلاً كأنه يحمل السنوات الخمس كلها فوق ظهره. فتحت ليان الباب ببطء، كمن يفتح قبرًا أو رسالة قديمة كتبتها بدمع ولم ترسلها. أمامها وقف آدم، يشبهه ولا يشبهه. جسده هو، صوته هو، لكن عينيه… كانتا تحملان لون الغياب.
"كنت نعرف تلقاي الرسالة" قالها بصوت خافت، ونظر إلى يدها التي كانت لا تزال تمسك زجاجة البحر. لم ترد عليه. فقط كانت تنظر. لا بكاء، لا صراخ، لا احتضان. كان اللقاء أهدأ من العاصفة، لكنه أشد منها وقعًا.
قالت أخيرًا: "وين كنت؟"
أجاب: "غِرقت… موش في البحر، غِرقت فالحكاية."
سكت، ثم أضاف: "ما هربتش… والله ما هربت. كانوا ناس يلاحقوني، حاجة كبيرة، وأذيت بزاف ناس بلا ما نقصد. كان لازم نغيب."
ضحكت ليان بسخرية، تلك الضحكة التي نعرفها حين يتحول الوجع إلى سخرية: "يعني البحر خطفك؟ ولا القصة حلوة أكثر وانت ضحية؟"
قال: "أنا ما جيتش نبرّر، جيت نوضح، ونسمع… حتى لو ما تسامحيش، على الأقل نعرف شكون بقيت فالقلب."
نظرت إليه مطوّلًا، ثم قالت: "آدم، خمس سنين مشيت وأنا نقول: لو يرجع، وش نقول له؟ كيفاش نصرخ؟ كيفاش نحكي؟ اليوم رجعت… وقلبي ساكت."
ردّ وهو ينظر للأرض: "لأن الكلام ما يكفيش، والوجع كي يكبر، ما يبقاش فيه صوت."
اقترب خطوة منها، ورفع رأسه لأول مرة منذ بداية اللقاء. كانت نظرته صافية… لا تبرير فيها، فقط رجاء.
قال بهدوء: "ما نطلبش ترجعيلي… نطلب تسمعي قصتي، كي تكوني جاهزة. ونكتبلك الباقي، في ورقة، ونرميها للبحر… كعادتنا."
هزّت رأسها بخفة. لا رفض، لا قبول. مجرّد موافقة على التأجيل.
كان البحر خلفه، هادئًا بشكل غريب. كأنه يحبس أنفاسه هو الآخر، ينتظر أن يعرف… هل هذه المرة سينقذ الحب، أم يغرقه من جديد؟
آدم التفت لينصرف، وليان أغلقت الباب ببطء…
لكن شيئًا ما تغير: قلبها لم ينكسر هذه المرة، بل بدأ ينبض بطريقة جديدة، وكأن اللقاء أعاد ترتيب الموج بداخلها.