✨3🦋
قبل خمس سنوات… كان البحر كما هو اليوم، أزرقاً واسعاً، لا ينتهي. كانت ليان تجلس على حافة الرصيف الحجري، تسحب خصلات شعرها خلف أذنها بفوضى، ترسم بقلم رصاص على دفترها الأبيض شكل قاربٍ صغير. لم تكن تعرف كيف ترسم، لكنها كانت تحب أن تشوّه الصفحة بشيء يُشبه قلبها… نصفه ماء، ونصفه حنين.
كان هو هناك، آدم، ذلك الغريب الذي جاء من أقصى المدينة، يحمل كاميراه كأنه يسرق بها الضوء من العالم. لم يتحدث إليها في البداية، فقط جلس على مقربة، التقط لها صورة دون إذن، فاستدارت بعصبية وسألته: "وش تصور؟ ما سمحتلكش." ابتسم، رفع الكاميرا، وأراها الصورة، كانت تضحك في اللقطة، مع أنها لم تكن تضحك في الواقع. سألته بدهشة: "كيف صورتني وأنا نضحك؟" فأجاب: "الناس تضحك قدامي من غير ما تحس."
ومنذ تلك اللحظة، بدأ كل شيء… كانت تكتب، وكان يصوّر. كل مساء، يجتمعان على الرصيف، هي تبوح للورق، وهو يبوح للعدسة. كانت تحكي له عن الوحدة التي تعيشها رغم الازدحام، وكان يحكي لها عن أمٍّ ماتت وهو في الخامسة، عن أبٍ هاجر، وعن حبه الأول للبحر. قال لها مرة: "أكثر حاجة تشبهني في هذا العالم هو البحر… تحبيه، لكن ما تقدريش تفهميه." ضحكت وقالت: "ونزيد، البحر يحب يسرق. يسرق القلوب، ويغرقها." هزّ رأسه وقال: "صح. وأنا خايف يسرقك مني."
لكن البحر لم ينتظر. ذات مساء، جاءت ليان ولم تجده. انتظرته لثلاث ليالٍ، ثم اختفى. قيل إنه سافر فجأة، قيل إن موجة أخذته، وقيل إنه اختار الرحيل دون وداع. ومنذ ذلك الحين، توقّفت عن الرسم، وتوقّفت عن الحلم.
**
عادت إلى الحاضر على صوت نعيمة وهي تقول: "آدم؟ انت؟ واش راك تدير هنا؟" ردّ بصوتٍ متغيّر: "رجعت… سمعت إن البحر ما زال ينادي، وحسّيت إن الوقت رجعني." لمحت ليان ظله من خلف الستار، أطول قليلًا، أهدأ في المشية، لكن نفس النظرة. كأن الزمن لم يأخذه، بل صقله.
كانت تقف دون أن تتنفس، تسأل نفسها: هل أخرج؟ أم أهرب من جديد؟ هل أواجهه؟ أم أترك الموج يقول كلمته؟ لكنها كانت تعلم أن هذا اللقاء مؤجل منذ خمس سنوات… وحان موعده.