2🦋✨
جلست ليان قرب العجوز نعيمة على دكة خشبية أمام الكوخ الأزرق. الشمس تميل نحو الغروب، والبحر يبتلع الضوء شيئًا فشيئًا. كانت الصمتُ طويلًا، لكن الأرواح كانت تتحدث رغم السكوت. نعيمة قطّبت حاجبيها فجأة وقالت دون أن تنظر إليها: "البحر ما ينساش، وكل واحد يعود له يلقاه حافظ السرّ وشارب النية." لم ترد ليان، فقط أغمضت عينيها وشهقت نسمة مالحة. كم تمنت لو أن هذا البحر ينسى، لو أنه يدفن الوجع كما يدفن القوارب الغارقة.
سألتها نعيمة وهي تقطّع بعض أوراق النعناع: "وش رجّعك للمدينة؟ على الأقل خبرتيني قبل ما تجي." ردت ليان بنبرة لا تشبهها: "جيت نسأل البحر، ما عاد عندي غيره." نظرت إليها العجوز مليًّا، ثم قالت: "ولا عاد عندك آدم، صح؟" اشتعلت عينا ليان بلحظة، وانكسرت في داخلها مئات الكلمات. لم تجب. كانت قد أقسمت أن لا تعود إلى هذا الاسم، أن تطوي صفحته، لكنه كان حاضرًا، حاضرًا كأنفاس الموج.
دخلت الكوخ بصمت، وكأنها تهرب من الإجابات، من عين نعيمة، من كل شيء. على الجدار صورٌ قديمة، وأصداف، وبوصلة مكسورة، وخريطة صغيرة للبحر الأبيض. جلست على فراش بسيط، فتحت حقيبتها، أخرجت دفتراً جلديًّا أسود، وراحت تقرأ ما كتبته ذات يومٍ من خمس سنوات. في أول صفحة، كانت هناك جملة صغيرة بخط يدها: "لو عاد، هل سيعثر عليّ؟ أم أني غرقتُ فيه كما غرق هو فيّ؟"
في الخارج، كانت أصوات خطوات تقترب من الكوخ. رجل يمشي بثقلٍ على الرمل، خطواته مألوفة بطريقةٍ مؤلمة. وقفت ليان خلف الستار، تنظر دون أن تُرى. الرجل ذو الملامح الحادة… نفس الشخص الذي رأته على الصخور، يقف الآن أمام الكوخ. وقفت نعيمة، رفعت حاجبيها، وقالت: "آدم؟ انت؟"
ارتجّ قلب ليان، لكنها لم تتحرك. كل شيء داخلها تجمّد. هل يعقل؟ هل هو حيّ؟ هل عاد… أم أن البحر قرر أن يفتح قبره أخيرًا؟