1✨🦋
البحر… ذاك الامتداد الذي لا يسأم الانتظار، كان ما يزال هناك، كما تركته "ليان"، بعينيه الواسعتين وصدره المليء بالأسرار. عادت بعد خمس سنوات، وكلّ خطوة على الرمال كانت كأنها تمشي فوق ذاكرة مبتلّة.
الهواء لم يتغير، ولا الملوحة التي تلدغ الوجوه، ولا رائحة الطحالب التي لا تزال تذكّرها برسالة لم تجرؤ يومًا على كتابتها. وقفت عند حافة الموج، خلعت حذاءها، وتركت قدميها تغوصان في الرمل البارد، كأن الأرض تعاتبها على الغياب. البحر نفسه همس وكأنه يقول: "ألم تقولي أنكِ لن تعودي؟"، لكنها لم تُجب… فهي نفسها لا تعرف لمَ عادت.
هل عادت لتبحث عن حبٍ غرق قبل أن يولد؟ أم عن نفسها التي دفنتها في زبد الوداع؟ مرّت أصابعها على وشم صغير في معصمها: قاربٌ مكسور الشراع. كانت قد رسمته بعد اختفاء "آدم"، ذلك الفتى الذي علّمها كيف تحبّ البحر، ثم علّمها أن البحر لا يحب أحدًا.
لكن شيئًا ما تغيّر اليوم… على الصخور المقابلة، كان يجلس رجل بملامح حادة، سكونه يشبه تمثالًا من ماضٍ بعيد. كان يراقبها منذ اللحظة الأولى. لمحت عينيه السوداوين، وفي عُمقهما شعرت بشيء يشبه "آدم". هل يعقل؟ هل يكون هو؟ أم أن البحر يلعب لعبته القديمة من جديد… يُريك ما تريد أن تراه ثم يبتلعك؟
"ليان؟" جاء الصوت من خلفها. التفتت بسرعة، فتوقّف قلبها لحظة، لكنها وجدت العجوز "نعيمة"، صاحبة الكوخ الأزرق القريب من المنارة. ابتسمت المرأة وقالت بصوتها الدافئ: "البحر ما تغيّرش… لكن إنتِ تغيّرتِ بزاف، بنيّتي". ابتسمت ليان بمرارة، وقالت وهي تنظر إلى الأفق: "ما يتغيّرش غير البحر؟".