أغمض مما تتوقع - لقاء لا ينسى - بقلم ياسمين أحمد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: أغمض مما تتوقع
المؤلف / الكاتب: ياسمين أحمد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: لقاء لا ينسى

لقاء لا ينسى

> "ثمة لحظات تُولد صدفة، لكنها تزرع مصيرًا جديدًا." على رصيف محطة القطار – مساء بارد كان الهواء يحمل نسمات خريفٍ متأخرة، وسماء المدينة خفيفة الغيم، بينما وقفت تالين، بشعرها الأسود المسدول تحت قبعة صوفية رمادية، تمسك كتابًا بين يديها وتقرأ بتركيز، رغم الضجيج من حولها. وجهها لا يشبه إلا الأساطير، فيه قوة وسكينة، عينيها بلون الليل الهادئ، وجسدها الرياضي بدا واضحًا رغم معطفها الأنيق. كانت واقفة بثقة من يعتاد المواجهة، وكأنها لا تنتظر أحدًا، بل هي التي تُنتظر. وفجأة... – "آه انتبهي!" ارتطم بها شاب مسرع، سقط هاتفه، بينما وقعت حقيبة يدها وانفتحت، لتتناثر بداخلها كتب الطبخ، ومفكرة فيها مواعيد للتمارين، ومفتاح سيارة فاخرة، وسماعة لاسلكية. رفع الشاب رأسه، وعلى وجهه ملامح الارتباك. تيم – بشعر بني غير مرتب، وعينين عسليتين فيهما شيءٌ غريب من الدهشة والهدوء – قال وهو يلتقط أشيائها: – "أنا آسف جدًا… ما شفتك، كنت…" قاطعتْه بابتسامة خفيفة: – "بتركض من شبح؟" ضحك بخفة، ثم نظر إلى المفتاح وقال مازحًا: – "سيارة رياضية؟ شكلِك خطيرة مش بس في الطريق." ردّت وهي تأخذ منه الأشياء: – "خطيرتي في التوقيت بس." أراد أن يقول شيئًا، لكنه صمت وهو يراقبها تضع الكتب في الحقيبة، لاحظ عنوانًا لكتاب في علم الأعصاب وآخر في الشعر العربي القديم. – "أنتِ طبيبة؟ شاعرة؟ طباخة؟ مدربة؟ ولا كلهم؟" نظرت إليه للحظة، ثم قالت بهدوء: – "أنا… تالين. والباقي هتكتشفه لو كنت تستحق." – "أنا تيم. وشكلي محتاج وقت طويل أستوعبك، تالين." رفعت حاجبيها، ابتسمت، ثم قالت: – "ولا تستعجل، الحكايات الحقيقية بتيجي على مهل." --- مقهى وسط المدينة بعد أيام قليلة، تكرر اللقاء… لكن هذه المرة كان الصدفة أغرب. تيم كان يجلس في مقهى يكتب في دفتره الأسود. لم يكن يعلم أن صوتًا مألوفًا سيسرق تركيزه. – "كابتشينو مع شوكولاتة خام وقرفة… من فضلك." رفع عينيه. هي. تالين. تجلس على الطاولة المقابلة، نفس الهدوء، نفس الحضور الذي يفرض نفسه بلا ضجيج. قرر تيم أن يقترب. – "عذرًا… هل عندك مانع أشارك الطاولة؟ المكان زحمة." – "ما دمت جاي بدفتر وقلم، تفضل. الكُتاب دايمًا عندهم عذر لطيف." جلس وقال: – "هو مش عذر… هو وسيلة للهروب." نظرت إليه بعمق: – "ولا للبحث؟" قال وهو يضحك: – "يمكن… وأنتِ؟ شو بتعملي هنا؟" – "بكتب وصفتين جديدتين، وأراجع محاضرة بكرة، وفي نفس الوقت بقرأ ديوان لشاعر مجنون." – "غريبة… إزاي حد يقدر يعمل كده كله؟" – "ببساطة… لما تكون الحياة مش خيار واحد." ثم نظرت في عينيه وقالت: > "تيم… في ناس بتعيش تمشي في خط مستقيم، وفي ناس بتختار تمشي متعرج، بس في ناس… بتبني الطريق وهي ماشية." موقف لم يُنسَ في أحد الأيام، خرج تيم من المكتبة، ليجد حشداً مجتمعًا أمام الشارع. امرأة تصرخ: "بنتي… بنتي جوه العربية!! المفتاح ضاع والباب اتقفل!" اقترب الناس، بعضهم يصور، بعضهم مرتبك. فجأة، ظهرت تالين، بثياب بسيطة، منطلقة نحو السيارة. طلبت من الناس الابتعاد، وأخذت دبوس شعرها، وركّزت قليلًا، ثم ببراعة فتحت الباب في أقل من دقيقة. أمسكت الطفلة بحضن أمها، وسط تصفيق الناس. تيم كان هناك، يراقب بدهشة. اقترب منها وهمس: – "كل مرة بشوفك… بلاقي حكاية جديدة." – "وكل مرة بشوفك… بتسأل من غير ما تحكم." ابتسم وقال: – "تالين… أنتِ مش فتاة عادية." قالت بحزم رقيق: > "أنا مش استثناء… أنا احتمال. ومش لازم تكون نادر عشان تكون مميز، أحيانًا كل اللي تحتاجه… تكون حقيقي." > "ما بين لقاءات القدر، وانعكاس الروح في العين، تبدأ الحكاية. تالين وتيم… اسمان يتقاطعان في زمانٍ لم يكن عاديًا."