4 الاخيرة
في عينيها او بادرة تشير الى انه وزوجته سيواجهان مأساة في ذلك اليوم " نهضت رافينا واقفة على قدميها وراحت تنفض الرمال العالقة بثوبها القطني وقالت: " بربك...لا تقل المزيد عنها خذني في الرحلة البحرية ارجوك " وقطعا شوطا في عرض البحر حتى وصلا الى احد الجزر الصغيرة حيث يوجد كهف يمكن للزورق ان يندفع خلاله وكانت المياه تحت الزورق صافية وزرقاء يمكن من خلالها رؤية الاسماك وهي تقفز كالسهام . ابتسم ستيليو وقال: " هنا يجب ان ارسم صورتك وانت جالسة على الصخر مثل حورية تشدو اغنية " قالت وهي تعبث بأصابعها في الماء: " من المفروض ان اشدو بأغنية من اغنيات ويلز " وعندما بدأت تغني ترددت اصداء الاغنية بين جنبات الكهف مما اثار الكلب تيو وراح ينبح نباحا اشبه بنحيب جنية ايرلندا التي فقدت عزيزا لديها فانفجر استيليو ضاحكا وبدأ يدير المحرك ويتجه ثانية بالزورق الى عرض البحر وكانت الشمس قد بدأت في المغيب عندما القى الزورق مرساه تحت المنزل واشتعلت الشمس بلهب قرمزي القى ظلاله على البحر واخذت سحب الصيف تستكين في الافق وعندما تطلعت رافينا الى مغيب الشمس ادركت عدد الساعات التي امضتها غائبة عن الكازا . قال لها استيليو وهو قابع في زورقه: " احب ان ابدأ غدا برسم الخطوط الاولى لصورتك " وقفت على الشاطئ تلوح له بيدها وترسم على شفتيها ابتسامة وهي تقول له: " لن استطيع. يجب ان استأذن مارك اولا " سألها استيليو ساخرا: " هل تخضعين دائما لاوامر زوجك ؟" بدأ الجو يميل الى البرودة والسحب تلقي وشاحها على الشمس الغاربة وكانت رافينا تدرك ان الكآبة والانقباض قد يأتيان في ختام اليوم. قالت له: " انت تعرف ان مارك لم يعد الشخص الذي التقيت به في روما. ان من الكياسة ان تتحدث معه اولا...يا استيليو " قال لها: " سأمتثل لطلبك يا رافينا. الوداع " " وداعا يا استيليو. وداعا يا تيو " وتردد نباح تيو عبر الماء...بينما اخذ صوت المحرك يخفت تدريجيا عندما اخذ الزورق يبتعد عن الشاطئ واخيرا خيم الصمت. ولكنه صمت لن يطول امده فبعد لحظات سوف يبدأ المد وتتلاطم الامواج فوق الصخور فأدارت رافينا ظهرها للبحر واتخذت سبيلها الى المنزل. وارخى الليل سدوله فأضيئت مصابيح باب الفناء ودلفت الى المنزل على امل ان تتجنب لقاء دونا جوكاستا ولكن السيدة العجوز كانت تجلس على مقعدها بجوار المدفأة وقدماها الصغيرتان تستريحان فوق المقعد الصغير وعيناها الحادتان تتطلعان الى عقارب الساعة التي تشير الى الوقت الذي عادت فيه العروس الهاربة. سألتها: " اين كنت طوال اليوم؟ " اجابت: " على الشاطئ " كانت رافينا تقف وسط الصالة بقوامها النحيل وشعرها المشعث وثوبها الغضن وذرات الرمل عالقة بأطرافه واحست انها صغيرة امام الجدة. فراودتها الرغبة في الفرار ولكن هروبها كان يدينها بارتكاب جريمة وهي لا تشعر بأي جرم في تمضية الساعات بصحبة استيليو فابريزي فقد ساعدها على ان تخفف من الم ابتعادها عن وطنها وهي ممتنة له. قالت الجدة: " بابتيستا قالت انك كنت في صحبة رجل. ارسلتها للبحث عنك ما قولك؟ " قالت رافينا بصوت يشوبه التحدي: " بابتيستا تتمتع بحدة البصر التقيت على اشاطئ بصديق لمارك وهو السنيور فابريزي " التقطت الجدة انفاسها وقالت متسائلة: " الفنان ؟ " اجابت رافينا: " اجل " " كل الفانون مرحون ولكنهم اشرار مع ذلك امضيت اليوم بكله معه؟ " قالت رافينا: " اغلب اليوم....وبصحبة كلبه " ثم اتجهت لترتقي درجات السلم وهي تقول: " انني متسخة وارغب في الاستحمام " قالت السيدة العجوز: " لحظة ارجوك...." فاستدارت رافينا طائعة " لن تري هذا الرجل مرة اخرى انني امنعك " قالت رافينا وقد شاب الغضب صوتها: " انا لست طفلة يادونا جوكاستا. ليس في وسعك ان تمنعيني من اقامة اي صداقة مع احد او تنصبي نفسك تنينا علي لمجرد ان مارك غائب عدة ايام عن البيت. انني لن انصاع لامرك " " ماركوس تركك في رعايتي " " هل طلب منك حبسي في البرج وان يقتصر طعامي على قطعة خبز وماء؟ حسنا لن انوي ان اكون سجينة في هذا البيت المظلم. سأتوجه غدا الى الشاطئ وارجو ان اجد سنيور فابريزي هناك انه يضحك دائما يا سنيورا انه ممتلئ بالحياة ويتطلع الى المستقبل ولا يعيش في الماضي كل وقته " واخذت رافينا ترتقي درجات السلم بسرعة وعبرت البهو الى الفسحة المؤدية الى برج الفارس حيث كانت وجنتاها ساخنتين وقلبها يدق دقات متلاحقة وشعرت انها تكره مارك لانه اصدر اوامره للتجسس عليها كما تكره هذا البيت لذا قررت ان تقضي غدا اليوم بطوله في احضان الشمس والريح....وفي صحبة استيليو .
***نهاية الفصل الرابع***
5-أصدقاء أم عشاق ؟شعرت رافينا باجهاد في اليوم الذي امضته على الشاطئ لذلك استيقظت اليوم التالي في ساعة متأخرة من النهار ورأت اشعة الشمس تملأ غرفتها وادركت انها نامت فترة طويلة. جلست على الفراش فوجدت صينية بجوار السرير وضعتها على ركبتها وصبت فنجانا من القهوة واكلت المربى والبيض بشهية واحست ان النهار ملك لها تفعل ما تشاء فان دونا جوكاستا لن تستطيع ان تجعلها سجينة غرفتها. وبعد انقضاء ساعة اغتسلت رافينا وعقصت شعرها في تصفيفة ذيل الحصان وارتدت بلوزة وسروالا فبدت اكثر شبابا وعندما تطلعت الى المرآة تبادر الى ذهنها صورة دوناتا المعلقة في برج المادونا وتذكرت ما قاله لها ستيليو فابريزي عن مارك عندما التقى به في روما منذ ست سنوات. كان بهي الطلعة سعيدا بلا ظلال شقاء في عينيه. راودتها الرغبة في ان تشاهد الصورة الان قبل ان تذهب الى الشاطئ واسرعت بفتح باب غرفتها فلم تجد احدا فالخدم منهمكون في تنظيف الدور السفلي ولن تحظى غرف الدور العلوي بالاهتمام الا فيساعة متأخرة من النهار وهذا يتيح لها فرصة التسلل الى برج المادونا دون ان يلحظها احد. انسلت من باب صغير في جدار برج الفارس ووجدت نفسها امام جسر حجري صغير يربط بين البرجين وكان برج المادونا يشبه برج الفارس في تصميمه فعثرت على باب صغير في الجدار قادها الى ممر معتم يتسلل اليه النور ضعيفا من نافذة ضيقة وكانت الغرفة التي عاش فيها مارك ودوناتا لا تختلف عن غرفة العروس التي يشغلها الان مع رافينا. كانت غرفة دوناتا تكسوها الاتربة واسرار الماضي اصبحت رهينة اثاثها وتحفها والستائر المسدولة تطوي الهمسات التي دارت بين الجدران والسجادة صامتة صمت الدخان وهو يسعى هادئا والحائط يحمل صورة الفتاة التي عبدها مارك. لم تستطع رافينا ان تدرك ملامح زوجة مارك في البدية او الثياب التي ترتديها وكانت الشمعدانات مطفأة وهي قابعة تحت اللوحة والى جوارها علب الثقاب وتشير الى ان شخصا ما يأتي بينحين واخر ليشعلها ويقوم بتأمل اللوحة وسط السكون الهامس الذي يشيع في ارجاء الغرفة. اشعلت رافينا الشموع فألقت بأضواها على الصورة فرأت الثوب الذي ترتديه دوناتا كان يمثل عصر ميدتشي وقد تهدل في ثنايا رقيقة فأبرز قوامها النحيل وتناثرت اللألئ على شعرها الاسود وصفوف اخرى منها تحيط بعنقها الابيض الطويل. من الممتع ان يتأمل المرء صورتها بقدر المه لفقدها. حملت رافينا شمعدانا واحست انها فقدت الاحساس بالزمن عندما راح تتأمل الفتاة التي منحت مارك نعمة السعادة لدرجة ان اي امرأة لم تستطع ان تشغل بعد رحيلها مكانها في قلبه او عقله او احاسيسه. كانت تبدو شابة ومارك في العشرين عند زواجهما. كانت دوناتا هبة من السماء. التقت عينا رافينا بعيني دوناتا وفي لحظة رأت فيهما الحيوية والوعي والعداء لها. وفجأة سرى تيار من الهواء اطفأ اللهب المشتعل في الشمعة فتراقصت الظلال في الغرفة وعندئذ انتابها ذعر شديد فأسرعت الى الباب تبغي الهروب وادارت المقبض يمينا ويسارا ولكن الباب كان مغلقا بل موصدا ووقفت رافينا مذهولة ولم تصدق انها اصبحت سجينة البرج وان احدهم تسلل عبر الممر الضيق واغلق الباب عليها وهو يعرف انها هنا وحدها مع الصورة. تملكها الغضب وراحت تدق الباب بقبضة يدها مرة ومرتين حتى ادركت الا جدوى من محاولاتها وانها اصبحت سجينة لاحد سببين: اما لمعاقبتها على ما حدث بالامس او بهدف ارهابها. ادارت ظهرها للباب واسرعت الى اقرب نافذة وازاحت الستارة جانبا وفتحت مصراعيها واطلت برأسها فوجدت ان المسافة طويلة بين البرج وفناء البيت الواقع تحتها. كانت عيناها الحزينتين وشعرها المتهدل يوحيان بأنها حورية سجينة البرج منذ مدة طويلة ولكنها تبحث عن طريقة للهروب او فارس يسرع الى انقاضها. ولكن ليس من منقض كان الفناء شاغرا والعمال في حدائق الليمون مختفين وراء الاشجار وكانت الريح تهب حول البرج وصرخات الطيور اشبه بصرخات السخرية لديها اجنحة تطير بها كما تشاء اما هي فسجينة هنا حتى يأتي احدهم ليطلق سراحها. دونا جوكاستا سجنتها هنا او ارسلت بابتيستا المطيعة لتفعل ذلك انها ظل سيدتها التي لا تفارقها. سرت قشعريرة باردة في جسم راينا ولا تدري كم من الوقت مضى عليها وهي سجينة ولابد ان تمر ساعات طويلة قبل ان تطلق دونا جوكاستا سراحها من البرج انه مجرد درس تلقيه على عروس مارك لأنها تجرأت وتحدثت الى رجل وتحدتها بعزمها على مقابلته ثانية. تطلعت الى الجدران لعلها تجد سردابا سريا لاشك ان هذه الفكرة محتملة. فقديما في عصر غارات القراصنة كان الانسان يشيد بيته بحيث يضم غرفا سرية فيها تختبئ اسرته او يبني سردابا يساعدها على الهرب اذ ما فكر المهاجرون في اقتحام البيت وشرعت رافينا في الطرق على اماكن متفرقة من الجدار ولكن لم تكن هناك اي استجابة لطرقاتها او يدور اي اطار بارز ليفتح لها سردابا يساعدها على الهروب من الجدران السميكة. دارت بعينيها في ارجاء الغرفة ووقع بصرها على المرآة فرأت نفسها ترتدي السروال والقميص الصبياني فلم تصدق انها زوجة مارك وبدا لها ان دوناتا مازالت تحتل مكانها كسيدة القصر اما الصورة التي تعكسها المرآة فهي لا تعدو ان تكون صورة طفلة شقية وقد قال لها مارك ذات يوم وهما يغادران رافنهول" انت ترتدين ثياب صبي وانا اتوقع ان اتزوج امرأة ". وادارت باصابعها خاتمها الذهبي الذي يدل على زواجهما وعادت تتجول في الغرفة حتى وقفت امام النافذة حيث وجدت فيها فجوة عميقة فقبعت فيها كما يقبع القط المتفطر قلبه وبدت السماء الزرقاء ساخنة واشجار السرو داكنة وهي تناطح عنان السماء. كان الصباح جميلا فضحكت رافينا لانها احتجزت بهذه الطريقة الغريبة في خلال هذه الساعة المشمسة التي كان من المنتظر ان تقضيها مع ستيليو فابريزي وكلبه تيو ولابد انه حدث الشاطئ بأنها لا تتمتع بالحرية التي تبيح لها ان تنضم اليه في الشاطئ وتتمتع برحلة بحرية ولا يدري ان الابواب اوصدت عليها واصبحت سجينة. فكرت في جاردي الذي يعتقد الان انها سعيدة عندما يتلو رسالتها التي تسلمها الان منها ولكن اي سعادة تتكلم هي عنها؟ كيف تجدها في مثل هذا البيت المسكون بالفتاة الفاتنة دوناتا وتحكمه سيدة عجوز كانت ترغب ان يتزوج حفيدها بفتاة من اختيارها. شعرت رافينا بوطأة السكون والوحدة تجثم على صدرها وبخوف مفاجئ من ان يمضي مارك غائبا لعدة ايام فتقع تحت رحمة تصرفات شاذة اخرى ومزيد من المؤامرات التي تثبط من روحها وتصبح في النهاية ظلا مطيعا مثل بابتيستا. عندئذ صرخت قائلة: " لا ". وجرت نحو الباب لتتبين ما اذ كان مفتوحا ام مازال مغلقا ولكنها وجدته مؤصدا وشعرت برغبة في البكاء وبلعت ريقها وحاولت ان تعزي نفسها بأن دونا جوكاستا سوف تطلق سراحها حينما يحين موعد تناول طعام الغداء ولن تكون قاسية فتدعها سجينة حتى يحل الظلام وتسمع نعيق البوم . اخذت وسادة من احد المقاعد وازالت الغبار عنها وهيأتها بحيث تستطيع ان تغمض عينيها عليها....وتعود القهقري الى رافنهول....اجل حيث توجد شجرة الدردار والارجوحة التي سقطت منها يوم دفعها رودري عاليا واحست بالسعادة عندما طارت عاليا ويغمرها الخوف في الوقت نفسه وصاحت به ضاحكة: " كفى ". ولكن رودري لم يأخذ بصيحتها وواصل دفع الارجوحة حتى سقطت منها وسمعت صوتا يقول: " رافينا " احست بفزع وشعرت بألم في ذراعها فقالت: " او....رودري..." انسحبت اليد فجأة من فوق رأسها بعنف واستيقضت تماما وهي فزعة عندما رأت ان الشخص الماثل امامها كان مارك وان الالم الذي احست به كان نتيجة ضغط كتفها فوق سور النافذة. قالت بدهشة: "مارك! " قال: " انا اسف لازعاج احلامك الجملية " دعكت رافينا ذراعها الخدرة واحست قليلا بالدوار: " لقد..لقد خلدت للنوم " سألها: " ماذا تفعلين هنا ؟" احست بعينيه تتأملان شعرها وسروالها الصبياني وشعرت ببرودة تسري في اوصالها وقالت له: " اوصد احدهم علي الباب منذ ساعات مضت. جدتك فعلت هذا يا مارك ان اعرف ذلك تماما " قال متجهما: " اوصدت عليك الباب؟ الباب كان مفتوحا وفي وسعك ان تتأكدي بنفسك. لماذا تتوهمين ان دتي تفعل مثل هذا الامر معك؟ " قالت: " انا لا اتوهم شيئا. ان دونا جوكاستا تكرهني وتريد ان تخيفني " بدت الدهشة وعدم تصديق كلامها على وجهه. سألها: " اعتقد انك اتيت الى هنا من قبيل حب الاستطلاع . لم نعد نستعمل هذه الغرف فأصبحت اقفالها صدئة " " اوصدوا الابواب علي وقرعت ولكنها لم تفتح " سألها: " ولكن اين كان المفتاح؟ " " كل مفاتيح البيت مع دونا جوكاستا. اخبرتني ليلة امس انها بحوزتها وانها لن تعهد بها لأحد "
" هل سألتها عنها؟ " تنهدت رافينا: " بالطبع لم اسألها. لم نتشاجر بسبب ادارة الكازا وانما..." " اذن اخبريني عن سبب المشاجرة؟ " " ذهبت الى الشاطئ وكنت انوي الذهاب اليو ايضا. هناك قابلت ستيليو فابريزي وخذني في ورقه وقمنا برحلة بحرية وعندما عدت الى المنزل سألتني جدتك اين كنت ولما اخبرتها امرتني بألا ارى سنيور فابريزي مرة ثانية وظننت انها شخص دكتاتوري فقلت لها بأنها لا تستطيع ان تمنعني من ان اعقد صداقات مع الاخرين. وهذا الصباح لابد انها رأتني اعبر الجسر المؤدي الى برج المادونا وانا واثقة تماما انها امرت بابتيستا ان توصد الباب علي حتى لا استطيع الذهاب الى الشاطئ " " وهل اعددت الامر لمقابلة فابريزي اليوم ؟؟" ووقع السؤال عليها مثل لسعة السوط وتذكرت ان الشخص الذي تتحدث اليه هو زوجها وان من حقه ان يعترض بشدة على ان تقيم اي صداقة مع الفنان الجذاب قالت بصوت مرتجف: " اخبرني انه يريد ان يرسم رسوما تخطيطية لصورتي فقلت له يجب ان يسألك اولا " احكم مارك قبضته وضغط بها على رسغها وبدأت الجهامة تزول تدريجيا من وجهه وقال: " انا ممتن انك مازلت تتذكرين وجودي. سوف لا اغضب منك فأنت جديدة على اساليب معيشتنا وتعتبرينها قيدا على حريتك " " اعتقد ان حبسي في البرج يعد قيدا لحريتي " " لانونا واحدةمن اهالي ساردينيا ومن المحتمل انها ظنت بأن ما تفعله هو تأمين لسلامتك " " مارك...هل من المعقول ان اعمال معاملة الطفل العاق لمجرد انني تناولت السجق والجبن مع سنيور فابريزي " انت لست طفلة في نظر جدتي انت امرأة..بل زوجتي واهل الجزيرة يعتبرون لقاء رجل بأمرأة وحدهما انما لغرض واحد وهو ان يمارسا الحب " صاحت قائلة: " مارك هذا كلام غريب! في وطني يمكن للنساء والرجال ان يكونوا اصدقاء دون ان يكونوا عشاقا " " انت الان هنا في وطنك يا رافينا " اشتدت قبضة يده واقترب منها وهو ينظر الى عينيها مليا ورفع رأسها بيده الاخرى حتى تألق احمرار شعرها في ضوء الشمس الذي تسرب من خلال النافذة " هل لي ان اذكرك بأن من حقي ان اكون الرجل الوحيد الذي يحتل كل تفكيرك؟ هل جئت هنا لرؤية الصورة المعلقة على الجدار؟ وهل كانت تحدوك الرغبة في معرفة ما اذا كانت دوناتا اجمل وادفأ واكثر انوثة منك؟ " وحملها مارك بين يديه ولم تبدي اي مقاومة واتجه الى الجسر ثم اضاف: " سأطلب من فابريزي ان يرسمك عرفته في روما قبل ان يصبح مشهورا في دنيا الفن. طبعا اخبرك بأننا التقينا هناك " " اجل يا مارك انزلني من فوق ذراعك اشعر بالدوار وانا انظر حولي دون ان اتعلق بسور الجسر " " تعلقيبي ضعيذراعك حول عنقي ايتها الساحرة الباردة " ضحك مارك وترددت ضحكته في كبرياء وهما يسيران فوق الجسر. انه رجل قوي وقاس لا يلين مثل الارض التي يمتلكها ولا تستسلم بسهولة لليد التي تحرثها. وحتى هذه اللحظة كانت رافينا تحس بالخجل من ان تلمسه وتمنت ان يدعها تقف على قدميها حينما رأت شخصا يقف تحت المنزل ينظر اليهما فقالت: " مارك...انظر سنيور فابريزي يتطلع الينا " كان ستيليو يلوح لهما وشعرت بنفسها تحرر من ذراعه وهي تقول: " يجب علي ان اذهب لاغير ملابسي وسوف انضم اليكم " واسرعت عبر الجسر ودلفت الى رج الفارس واحست بالراحة عندما وجدت نفسها وحيدة في غرفتها وجذبت حبل الجرس لتستدعي الخادم وسألته ان يحضر لها ماء ساخنا وتعجبت ان مارك لم يمد بيته بأنابيب المياه الساخنة وسوف تتحدث معه في هذا الامر واجفلت عندما امتد تفكيرها الى نفسها كزوجة وان من حقه ان يملي عليها طلباته. عاد مارك الى البيت وفي هذه الليلة سيحاول ان يوقظها ليس من اجل ان تستجيب لهذا الخدر الغريب الجامح الذي نسميه الحب انما لتستجيب لهذا الجوع الذي يعربد في اعماقه وتكون ثمرته طفلا جديدا تلده له. احضر الخادم الماء يتصاعد منه البخار وعندما خرج فضت ثيابها وراء الستائر وغسلت جسمها النحيل وتخلصت من التراب واحاطت جسمها بفوطة
ثم سارت الى خزانتها لتنتقي احد الاثواب لابد ان ستيليو سيبقى ليحتسي شرابا مع مارك وان يتبادلا الرأي حول موضوع الصورة وتحديد موعد الجلسات التي تقف فيها امام الفنان كانت ترغب في ان تظهر على لوحة القماش في صورة ابهى من صورة دوناتا حتى تثير اعجاب الجميع بها. ابتسمت رافينا وهي تتطلع الى نفسها في المرآة فرأت ساقين طويلتين ونحيلتين وقدمين باصابع طفل وذراعين لهما استدارة محببة وخصلات شعرها الاحمر تنسدل مثل ذوائب الهب فوق كتفيها الشاحبين. سمعت صوتا يأتيها من خلفها يقول: " ياللأسف انني لا اسمح برسمك في مثل هذا الوضع الذي اراه الان " سرت قشعريرة في اوصالها بينما كان مارك يعقد رباط عنقه عند باب الغرفة فهو الشخص الوحيد الذي يحق له التطلع اليها وهي في غرفة نومها. قال لها: " دعوت فابريزي لتناول طعام العشا معنا " قال: " هذا شئ جميل " وامسكت بثوب اصفر اللون واكمام من الشيفون وكان مارك قد اقترب من المرآة ليثبت ربطة عنقه فسألها: " هل تحبين احتسا الشراب في الشرفة المطلة على البحر؟ " ثم تحول لمواجهتها واجفلت كعادتها من نظرة افتراسها التي تتلألأ في عينيه ورسمت ابتسامة على شفتيها حتى تخفي اجفالها وقالت له: " وشيئا لنأكله. انني لا استطيع ان ابقى بدون طعام حتى موعد تناول العشاء. يكاد يغمى علي " ضاقت عيناها وهو يسألها: " الم تتناولي طعام الغداء؟ " قال وهي تضحك: " اخبرتك ان احدهم اوصد الباب علي وانا في البرج ولم يكلف نفسه حتى تقديم كسرة خبز او كوبا من الماء " تقدم نحوها في خطوة حازمة وقال: " رافينا انا اسف ان تفوتك وجبة طعام الغداء وهذه تجربة مثيرة للاعصاب ولن تحدث ثانية. سوف اتحدث الى جدتي بقسوة " هزت رافينا يده وقالت: " لا يا مارك سوف يزيد ذلك من عداوتها لي اذا ما تحدثت معها بعنف " تجهم وهو يقول: " عداوتها؟ هل تظنين الامر كذلك؟ " قالت: " وماذا يكون الامر غير ذلك؟ كانت ترغب في ان تتزوج فتات من سردينيا بدلا من ان تأتي بفتاة غريبة ربما فطنت ان زواجنا يا مارك لا يقوم على الحب " حدق في وجهها وارتفع حاجباه فرأت فيه الرجل الذي اجبرها على الزواج دون ان يتفوه بكلمة رقيقة وجذبت نفسها منه وتحولت عنه لترتدي الثوب وسألته: " كيف عرفت انني في البرج الاخر؟ " قال: " الستائر كانت مفتوحة. كان يجدر بك الا تذهبي الى هناك. الغرف كلها كئيبة ويجب ان تظل مغلقة سألقي عليها نظرة " وفي اللحظة التالية غادر الغرفة بسرعة تاركا رافينا وراءه لترتدي ثوبها وتصفف شعرها في شينون وكانت فتحة الثوب تمتد ما بين كتفيها لتبرز نضارة بشرتها وعظمتي الترقوة. وراحت تتأمل نفسها في المرآة وقررت ان تزين صدرها بالصليب الذي اهداه اياها مارك. تحولت رافينا عن المرآة لانها رأت نفسها في صورة فتاة اشبه منها بالمرأة الناضجة التي يبحث عنها مارك لتنجب له الطفل الذي يتوق الى رؤيته ليمحومن ذاكرته ذكرى الطفل الذي فقده بقسوة. اقبل ستيليو وعلى شفتيه ابتسامة ثم قبل يد رافينا وقال لها: " التقينا ثانية يا دونا والسنيور زوجك اذن لي برسم صورتك ولا استطيع الانتظار طويلا " حيا ستيليو مارك بابتسامة سريعة ثم قدم مارك مقعدا لرافينا لتجلس عليه بالقرب من ازهار البرتقال التي كست جدار الشرفة المطلة على الشاطئ. قال الفنان: " ليست السنيورا موضوعا يسهل ابرازه على اللوحة ولكنني استمتع بالتحدي " سأله مارك: " لماذا لا تجدها موضوعا سهلا ؟"
ثم راح يتأمل مليا ثوبها الاصفر ويقارنه بلون نبتة البرتقال المرتعشة واشعة الشمس الحمراء التي تنعكس على شعرها ثم اردف يقول: " يبدو لي ان زوجتي لديها الالوان التي تحوز اعجاب الفنان تيتان؟ " قال ستيليو مؤيدا: " تماما كما تقول. العينان تتغيران من خضرة البحر الى لون اشجار الغابة الغامضة تبعا لتغير مزاج صاحبتها " وشعرت رافينا بالخجل من الطريقة التي تناقش بها موضوع رسمها واحست بالارتياح عندما ظهر رينزو حاملا صينية عليها المشروبات والساندويتشات وفي اعقابه يسير الظبي بامبو فأقبلت عليه رافينا بفرح شديد. قال رينزو معتذرا: " ظن نفسه كلبا كبيرا يا سنيورا فاقتفى خطاي هل اعود به الى الاسطبل ؟ " ابتسمت رافينا وربتت على اذني الظبي وقالت: " دعه لي يا رينزو...انه جذاب اليس كذلك " قال مارك: " لا يمكنك ان تتناولي الساندوتشات والظبي في حجرك. انظري انه يحك انفه في شعرك " اشارت رافينا بأصبعها الى الظبي تحذره قائلة: " اهدأ " ثم التفتت الى مارك وقالت: " سيكون رائعا متألقا مثل الذهب " قدم مارك لها طبقا عليه ساندوتشات ثم التفت الى ستيليو وقال: "هل تشرب كأسا يا سنيور فابريزي؟ " قال ستيليو وهويتقبل الكأس: " شكرا " ثم تطلع الى رافينا والظبي واردف يقول: " وجدت الان فكرة الصورة التي سأرسمها لك بينما الظبي يقبع في حجرك او ربما ادعه تحت قدميك " " هذا اذا جلس فترة طويلة ساكنا. الا تشاركني تناول الساندويشات انها لذيذة " كان مارك غارقا في مقعده ممسكا كأسه وهز رأسه بالرفض بينما استند ستيليو بظهره الى حائط الشرفة والقلق يتراقص في عينيه وتحدوه الرغبة في ان يبدأ العمل على قماشالرسم ويقول لنفسه: " انها فتاة جذابة كأي فتاة ايطالية" ولاحظ ضوء النهار وهو يبعث بأشعته على الشرفة في هذه اللحظة من وقت الاصيل وقال: "هل تأذن لي يا سنيور بأن ارسم الصورة هنا في الشرفة. احس ان السماء والجبال تمثلان اروع خلفية لصورة رافينا " تطلع مارك بعينيه الى رافينا وقال: " يعجبني ثوبك يا رافينا. هل يمكنك ارتداءه عند رسم صورتك؟ " " كما تشاء يا مارك " قال ستيليو مقترحا: " وشعرها مسترسل وقد تطاير قليلا مع مهب الريح " راحت رافينا تراقب الشمس وهي تحترق في الافق وبعد قليل اقترحت الدخول الى البيت فقد احست بالبرودة تشيع الجو...قال ستيليو: " لاشك انك تعرضت لرياح الجبل بعدما غابت الشمس " قالت رافينا: " هناك نار في مدفأة الصالون " حملت رافينا الظبي وساروا جميعا الى الداخل وكانت ترجو ان لا تشاركهم دونا جوكاستا طعام العشاء وتحققت امنيتها واقبلت بابتيستا وقدمت ورقة لمارك وغادرت المكان قرأها بتجهم ثم القى بها في النار وسأل رافينا وضيفه ان يسمحا له بالانصراف لعدة دقائق. وخيم الصمت على الصالون لمدة وجيزة قطعه صوت تكسر الخشب المحترق في المدفأة. سألها ستيليو: " كيف تسير اموركا مع البادرونا العجوز؟ " نظرت اليه رافينا بتأمل وقالت: " انها لا تسير سيرا طيبا. اصيبت بخيبة امل عندما تزوج مارك بأجنبية اظن انها كانت تعبد دوناتا وهي دائما تعقد مقارنة بيني وبينها " قال ستيليو بهدوء: " ليست هناك اي مقارنة " ركعت رافينا على ربتيها فوق السجادة ومدت يدها تلتمس الدفء من نار المدفأة وقالت: " اعرف ذلك. كانت دوناتا جميلة كما انها كانت تتمتع بكل اسباب الكياسة " ساعدها ستيليو على الوقوف على قدميها وراح يتأملها على ضوء اللهب ثم قال لها: "لكنك تتمتعين بجمال الروح يا رافينا في كمال المقياس ولديك جمال الجسم"
وجذبت نفسها من يده مذعورة كانت تخشى ظهور مارك المفاجئ فيراها على مقربة من الفنان المليح الوجه واردفت تقول: " اريد ان نكون اصدقاء ومن المستحيل ان تتفوه بمثل هذه العبارات التي لا يحبها مارك " قال بهمس: " هل اتظاهر بعدم وجود امس..فيه رأيتك اسعد حالا من اليوم هل تشعرين بالسعادة عندما يغيب زوجك عن البيت؟ " واحست انه يطرق الحقيقة فقال له: " ليس من حقك ان تقول اشياء مثل هذه. لقد سألك مارك ان ترسم لي صورة لا ان تقوم بدور محلل نفسي لي" " الفنان يتعلم قراءة لغة العيون والعيون نافذة تطل على الروح. كم تمنيت ان تكون دروبنا التقت قبل ان يطرق مارك باب حياتك. اظن يا مادونا اننا انت وانا كنا سنعثر على الشئ الكثير الذي نستمتع به سويا " قالت بحزم: " اعتقد انك تجاوزت حدود كرم مارك انا لست واحدة من زبائنك التي تستهويها مغازلة فنان مليح الوجه مثلك واظن انه من الافضل ان نلغي جلساتنا : قال بهدوء: " سوف تندمين " " اندم؟ ماذا تقصد؟ " " اعتقد انك بحاجة الى صديق ولم افترض ابدا انك واحدة من النساء الاتي جلسن امامي. ان سعادتهن تبلغ درجة عالية عندما يقوم فابريزي برسم صور لهن ومغازلتي لهن ترضي غرورهن اما انت فشصية مختلفة تماما انا معجب بك واريد رسم صورتك لانك صورة للتحدي وادهشني كثيرا عندما اسائل نفسي هل في وسعي ان انقل الى القماش هذا السحر الذي اراه في عينيك وجوهر الحزن الذي يشوبهما وهل يمكن ان يكون الامر غير ذلك وانت شابه تعيش مع زوجها ويشاركهما الحياة شبح امرأة اخرى " وتطلع كل واحد منهما الى الاخر حينما فجأة توهج لهب النار وكش لها الحقيقة واضحه فحاولت رافينا ان تبدو مثل المضيفة الفخورة ببيتها. قالت: " هذه الغرفة جميلة اليس كذلك؟ " وراحا يتبادلان الرأي حول النقوش المرسومة على السقفعندما رأت مارك يقبل عليها شاهدت مسحة من التجهم مرتسمة على جبينه وادركت ان دونا جوكاستا بعثت الضيق في نفسه ولكنه سرعان ما تخلص من مزاجه المنحرف وبدا جذابا وهم يتناولون الطعام وحاول ان يذكر رافينا كيف استطاع ان يجذب اليه جاردي عندما كانا يتناولان الطعام في رافنهول وراح يسرد عليها قصص طريفة اشاعت في نفسها الضحك وجعلها تنسى ندوبه المخيفة فبدا لها ساحرا. اخذت رافينا تعبث باصابعها فوق حافة الكأس ولاح لها ان هذه الغرفة الكئيبة لم تشهد منذ فترة طويلة ضحكات مجلجلة كما تشهد الان ستيليو وهو يضحك بمرح. كان في ضحكه جذابا تتلألأ اسنانه وسط بشرته الايطالية وعليها ان تكون حريصة في الايام المقبلة على الا تظهر اعابها للرجل التي ستمضي معه في الشرفة اصيل كل يوم. استعد الفنان للرحيل فقالت له رافينا: " احضر معك تيو سيفتقدك كثيرا بحضور وحدك هنا " وجه ستيليو حديثه الى مارك وقال: " زوجتك يا سنيور تتمتع بقلب حنون. انها تفكر ايضا في كلبي الصغير سأحضره معي احيانا بعد ذلك " قال مارك " طبعا " ثم وضع يده حول خصر رافينا وسقط نور مصابيح الباب فوقهما بينما ستيليو كان يستعد للجلوس خلف عجلة القيادة فالتفت اليهما وقال : " وداعا " وكان الليل ينبض بالحياة بصوت محرك سيارته ولكن الصمت خيم على المكان بعد رحيله كان الليل سانا الا من همس خافت يجوب بين اشجار السرو ووميض خفيف ينبعث من الازهار الغامضة التي تتبدل من اللون الازرق الى اللون الابيض عندما يرخي الليل سدوله . تمتم مارك قائلا: " الزهور مثل افكارنا تتغير مع مجيئ الليل انت صامتة يا رافينا وهذا يدعوني الى معرفة افكارك " قالت: " انا...انا ارجو ان تكون الامور قد استقرت في المصنع "
اجل...انتهينا من موضوع الالة الجديد. بعض العمال يتشككون من الالات الحديثة. الم اقل لك ان اهالي سردينيا يتمسكون دوما بالاساليب القديمة " اصاب رافينا التوتر عندما شعرت بيده تتلمس شعرها فقالت: " مارك...ارجو ان لا يكون قد نشب جدال بينك وبين جدتك " اجابها ضاحكا: " هل تتصورين اننا لم نتبادل الكلمات من قبل اننا نتميز بالعزيمة القوية وبالطبع الحاد في الجدال كل منا مولع بالاخر وسرعان ما ننسى ونغفر. اخبرتها ان السنيور فابريزي سيأتي الى هنا كل يوم ليقوم برسمك فاتهمتني بالحماقة وسألتني ان اعهد برسمك الى فنان اقل شبابا وجاذبية من ستيليو " وبحركة سريعة دار جسم رافينا حتى واجهته واحاط خصرها بذراعيه وقال: " ان شرف بيت السردي يقوم على طريقه محافظته على زوجته " قالت: " لم اجد مشقة في فهمك ولكن ماذا تفعل لو انني خنتك هذا اذا اكتشفت الامر بنفسك " وتلألأ نور المصباح في عينيه السوداوين وهما تتطلعان في عينيها ورأت في اغوارهما شيئا يخيفه وقال بهدوء: " اذا تجاوز رجل حدوده معك سأحطمه سيفقد كل شئ ثمين لديه " تطلعت رافينا الى وجه مارك ورأت نور المصباح يكشف الندوب الغائرة على صفحته والقسوة في كلامه فتراجعت الى الوراء واحست ببرودة تهز كيانها وخضرة عينيها تخفق عبر رموشها. سألته: " هل ندخل البيت؟ " قال: " اجل " دخلا البيت واوصد الباب الكبير وراءه ثم امسك بيدها وسارا عبر الصالة التي تؤدي الى السلم فأحست بيده دافئة وقوية وهما يرتقيان الدرجات وذكرت الليلة التي حملها فيها مارك الى برج افارس والغضب يموج في اعماقه اما هذه الليلة فان مزاجه يبدو ارق وهو ممسك بيدها كأنه يخشى ان تهرب منه.
***نهاية الفصل الخامس***
6-أدونيس جواد أسودوعد مارك رافينا ان يقدم لها جوادا يكون ملكا لها تمتطيه وقتما تشاء واختار لها مهرا اغبر ابوه ذو فحولة يركض بجنون عبر تلال سردينيا وكان المهر رقيقا استطاع ان يربط اواصر الصداقة بينه وبين رافينا. وكان ادونيس الاسود هو الجواد المفضل عند مارك وذات صباح هبطت رافينا الى الاسطبلات لتلهو مع المهر وعلمت من صبي السائس ان ادونيس قد القي بصاحبه السابق ارضا ووطأه بحوافره. قال الصبي موضحا: " ادونيس يحب الا يضربه احد بالسوط ومارك لا يحمل اي سوط ولهذا كان الجواد اليفا معه " وقفت رافينا على باب حظيرة ادونيس تحمل قطعة من السكر في راحتها واشاح الجواد بأنفه ورفض ان يقبل الرشوة من شخص مازال غريبا عنه. ضحكت رافينا وقالت: "ايها الشيطان المتنكر لشدة ما اتساءل اي شخص تريد ان يمتطيك؟ " عندما كانت رافينا قاصرا تعيش تحت وصاية واحد من الفرسان كانت تستمتع بركوب الخيل وهي مازالت شابة صغيرة..تعلمته هي ورودري حتى اتقنته واصبحت الان تمسك بمقود الجواد وتقوده وهي ثابتة الجنان فوق السرج فاستحقت ان تكون فارسة ممتازة ونالت اعجاب مارك عندما رأها تمتطي برشاقة فوهبها المهر كدليل على تقديره لطريقتها في ركوب الخيل وادركت ان زوجها سردي لا يعبر عن اطرائه بالكلمات وانما هو رجل عملي. وبينما هي واقفة تتأمل ادونيس باعجاب تناهى الى سمعها وقع حذاء يعبر فناء الاسطبل فاستدارت لترى مارك يرتدي سروال ركوب الخيل وقميصا ابيض اللون جعله يبدو اكثر شبابا ورياضيا في لباس الفرسان. وفي الحقيقة لم تعرف رافينا رجلا سليم البنيان دؤوبا مثل زوجها فهو يمضي ساعات طويلة يتفقد اعماله ويعكف في مكتبه على دراسة اوراقه الهامة حتى ساعات متأخرة كما انه يعمل على انجاز شؤونه المحلية بنشاط ملحوظ. ابتسمت وهي تشعر بالخجل يعتصر قلبها ثم قالت: " صباح الخير..احاول ان اكسب صداقة ادونيس ولكنه يبدو خجلا مني " " ارجو ان لا تكوني حاولت دخول حظيرته لقد اسيئت معاملته مرة فأصبح يشك في اغلب الناس " قالت: " اكره التفكير في ان يكون احد ألم مثل هذا الحيوان المتكبر " ارتسمت ابتسامة على شفتي مارك وهو يدلف الى حظيرة ادونيس فناولته رافينا السكر الذي التهمه الزواج وهو يدفع عنقه في كتف مارك ثم وضع السرج على متنه واللجام في فمه وادركت تماما مدى التفاهم بينهما. انهما يقتسمان ألم الذكرى السوداء ويشتركان في الخطر الداهم الذي يتعرض له المرء اذا ما راودته فكرة الاقتراب منهما. ثم سمعت وقع حوافر مهرها على ارض الاسطبل بعد خروجه من حظيرته وقد اعد السرج على ظهره استعدادا لرياضة الصباح فأسرعت الى امتطائه وتألقت شمس الشروق فوق شعرها المتوهج وسرح المهر الذي انتصبت اذناه واهتز لجامه وكأنه يقول لراكبته ( هيا بنا... دعينا ننطلق ). استدارت لترى ما اذا كان مارك قد امتطى جواده فتبينت انه قد استقر فوق ظهر الحصان وارخى حافة القبعة فوق وجهه الاسمر وغادرا فناء الاسطبل وانطلقا الى رحاب الريف. واحست رافينا بالحرية وهي تركض بجوادها عبر الارض الشاسعة رغم وجود مارك بجوارها. هناك سحر يكسو المكان في رائحة العشب وقطرات الندى التي فوق عيدان الحشائش وسيقان الاشجار الشوكية وبعد قليل سوف تستنزف الشمس بيد حانية الالوان من الحشائش والزهور البرية . كان قلب رافينا يشدو بأغنية غريبة نصفها مرح ونصفها الاخر دهشة اذ احست انها قريبة من دنيا السعادة وخيل لها ان الريح تلهب سياطها فوق شعرها فانطلقت بجوادها تسابق مارك على ارضه التي يعرف فيها كل شبر وكل صخرة وكل شجرة زيتون وسألت نفسها: هل تريد الهروب منه؟. والتفتت تنظر اليه فرأت ابتسامة تكشف عن اسنانه البيضاء وسط وجهه الاسمر وقد كبح جواده عن المضي في الجري تاركا اياها تعتقد ان في وسعها الهرب منه واندفعت قبعته لتسقط وراء رقبته فبدا لها في صورة قاطع طريق يتعقب خطاها وتولتها رعدة من الخوف سرت في اوصالها رعدة دفعتها الى ان تحث مهرها الى الاسراع وتشبثت ركبتاها بالسرج وهو يتخذ طريقه الى غابة الصنوبر الكثيفة وعندها تناهى الى سمعها صوت الحصى وهو يتناثر تحت وطأة حوافر ادونيس كان المهر قد بلغ الممر الطحلبي المؤدي الى داخل الغابة ثم شمت رائحة الراتنغ الصمغية المنبعثة من الاشجار ويبدو انها خدرتها هي ومهرها وحينما بلغت رافينا موقع جدول يتدفق فيه الماء عبر الغابة توقف المهر فجأة فاهتز جسمها فوق السرج وانتابها دوار وتقطعت انفاسها ولفتها ظلال اشجار الصنوبر ونظرت حولها فرأت مارك في محاذاتها. قالت لاهثة: " هذا...هذا الماء اهو صالح للشرب يا مارك؟ " قال: " انه يتدفق من الجبال عذبا صافيا " رمقته بنظرة سريعة ثم انزلقت بجسمها من فوق السرج واسرعت تركع فوق ضفة الجدول واستخدمت راحتيها لشرب الماء وكان باردا كأنه مثلج وطفقت تستعذبه وهو يجري لذيذا عبر حلقها. سألت مارك وهو يترجل من على حصانه ويسند ظهره الى شجرة صنوبر: " الا تشعر بالظمأ؟ " قال: " في وسعي ان احتسي قليلا من القهوة " وشعرت انه يتطلع اليها وهي جالسة على حافة الجدول تجفف يدها ثم اردفت يقول: " اتحبين الذهاب الى مطعم صغير اعرفه حيث نتناول طعام الافطار؟ انهم يصطادون السردين مباشرة من البحر ويعدونه مشويا او محشوا بالخضرة" قالت: " انا جائعة. ان ركوب الخيل يفتح شهيتي " " انت تحبين ركوب الخيل...اليس كذلك يا رافينا ؟ " قالت: " لم امتطي جوادا رائعا مثل هذا المهر " ورمقت المهر بشغف ثم اردفت تقول: " احب رائحة الصنوبر انها نقية منعشة طلقة مثل ركوب الخيل السريع عبر الريح الباردة وكل شئ له لذعة قارصة " وتطلعت الى مارك ورأت لمعان اسنانه وعلى شفتيه ابتسامة وادركت انهما وحدهما. انه زوجها ومع ذلك انه الشخص الوحيد الذي يستطيع ان يدغدغ اعصابها وقد بدا جسمه واضحا لها انه عريض المنكبين وتتراقص الرغبة تحت قميصه الابيض واطرافه طويلة واضاف حذاءه الذي يصل الى ركبته سمة القوة الى هيئته وكان لابد لها ان تمر بجواره كي تصل الى مهرها فأخذ قلبها يدق وهي تنهض واقفة واتخذت سبيلها نحوه. مد يده في تراخ وجذبها نحوه ونفذت يده الاخرى في اغوار شعرها المتطاير وفجأة اشتدت قبضته عليها وهو يتحدث اليها: " قبلتك تبدو وكأن الثلج يسري في عروقك بينما تبدو النار في نظرة عينيك ما من مرة يا رافينا خلال الاسابيع التي امضيناها سويا شعرت بالدفء في قلبك " قالت والبرودة تشوب صوتها : " منحتك كل ما يمكنني ان اعطيك اياه. اذا كنت تريد الحب يا مارك كان الاحرى بك ان لا تجبرني على الزواج منك " سألها وفي صوته نبرة سخرية: " هل كنت تصيغين السمع لي لو غازلتك بالطريقة التقليدية؟ ماذا كان تفكيرك عندما التقينا في المرة الاولى ؟ " احست بنبضات قلبها تخفق قريبا من قلبه وادركت انه يشعر بهذه الدقات المجنونة حينما قالت له: " كنت ارجو ان تذهب بلا عودة " لمس وجهها وراح يتحسس العظام الرقيقة اسفل بشرتها الناعمة وسألها: " كأن الشيطان قام بزيراتك اليس كذلك؟ هل كنت ابدو شيطانا امامك يا رافينا؟ هل بعثت الشقاء في نفسك ؟ منذ لحظة وجيزة كانت عيناك تتألقان " قالت: " انا...انا احب ان امتطي مهري. من الافضل ان تعطيني جوادا استطيع ان امتطيه جيدا ". "لا بد انك تعلمت ركوب الخيل منذ طفولتك". " اجل..جاردي كان دائما يعاملني وكانني ابنته،وما تعلمه رودري لم يكن ضنينا على به. ذهبنا سويا الى مدرسة تعلم ركوب الخيل". "هل عشتما مع بعضكما البعض فترة ". وتطلعت اليه، ولمحت القسوة في عينيه وقالت له: " كما اخبرتك من قبل يا مارك انني لا استطيع ان امحوذكرى رودري من عقلي كما عرفته كان مرحا انيقا في زيه العسكري وجذابا " قال مارك بنبرة مريرة متسائلا: " جذابا؟ هيا بنا دعينا نذهب لتناول طعام الافطار " وقاما بامتطاء الجوادين وقفلا عائدين من غابة الصنوبر وكانت الشمس دافئة وهما يمضيان في الممر المؤدي الى الفندق الصغير القائم فوق التل المطل على الشاطئ وكانت جدرانه الخشبية بيضاء وسطحه منحدرا قليلا وله حديقة تناثرت فيها اشجار الكروم والجميز وشجرة توت كبيرة صفت الموائد تحت اغصانها. قادهما شاب خجول الى احد الموائد وكان يتحدث بانجليزية ركيكة سريع الحركة اطاح الحركة وهو يفرد الفوطة ويضعها على حضن رافينا وقال: " اجل...اجل يا سيدي..سيدتي السردين طازجا من البحر مباشرة " وظهرت في الحديقة شابة حافية القدمين ترتدي ثوبا قرمزي اللون وتحمل فوق كتفها سلة مملوءة بالسمك منحت مارك ابتسامة سريعة ورمقت رافينا بفضول ثم قالت: "صباح الخير يا سيدي هل اتيت لتتناول السردين المشوي كما كنت تفعل في الايام الخوالي؟ " " اجل يا سانتوزا. احضرت زوجتي لتأكل الذ طعام افطار موجود في كل ساردينيا " قالت سانتوزا: " لطيف منك ان تقول هذا يا سيدي " ومنحته الشابة انحناءة احترام وادهش رافينا جرأتها ونظراتها الضاحكة وقد اضافت بلوزتها الزرقاء وتنورتها القرمزية الحيوية لشبابها كما لاحظت انها تنظر الى مارك كما لو كان بينهما صداقة قديمة. حملت سانتوزا السلة الى الفندق وطلب مارك كوبين من اللبن ليحتسياه حتى الانتهاء من طهي السمك واتت سيدة عجوز بالكوبين وكانت ترتدي وشاحا اسود اللون فوق رأسها شأنها في ذلك كل جيلها المسن. قالت بالانجليزية: " اتذكر يا سيدي عندما كنت تحضر ابنك معك هذا الصقر الشقي ليحتسي لبننا"....ثم اضافت بالايطالية: " كوزي ايستا لافيتا " ثم طفقت تجوب بنظراتها لتتأمل رافينا فأدهشها لون شعرها الاحمر وبشرتها البيضاء واردفت تقول بالانجليزية : " انها قطعة رائعة الجمال لابد انها تدير رأس اي رجل ولكن من الافضل ان تقترن بواحدة منا " وراحت تتمتم وهي تغادر المكان وتركت وراءها رافينا مدهوشة وسألت مارك: " انها تعني...هكذا هي الحياة " وكأنما الكلمات التي تفوهت بها العجوز اعادت الزمن القهقري وتذكر مارك بوضوح عدد المرات التي جاء فيها الى الفندق بصحبة فتاته ذات الشعر الاسود لتتناول معه طعام الافطار وبعد مدة كان يأتي معهما ابنهما الصغير... الصقر الصغير الشقي. احتست رافينا رشفة من اللبن وراحت تبحث عن شئ تقوله...اوه لماذا اتى مارك بها الى هنا ؟ لماذا..... وهذا المكان يحمل ظلالا من الذريات وقد يحدث ان يسمع ضحكات طفل توارى وراء اشجار الكروم والجميز. قالت: " مارك " ولكنه قاطعها قائلا: " كل شيئ على ما يرام رافينا. اشكرك على تلك النظرة التي تجول عينيك...الشفقة من اجل الطفل. كان يحلو له المجئ الى هنا والاختباء وراء الاشجار ورش الماء من النافورة العتيقة ولكن الذكريات لا يمكن محوها كما تقولين كما انه لا يمكن الاختباء منها. هاهي نتاليا تأتي بالسردين " اقبلت رافينا على الطعام بشهية وهي تقول: " لم اذق في حياتي مثل هذا السردين اللذيذ والخبز ما زال دافئا خرج لتوه من الفرن والزبدة تسيح من شريحته " قال مارك: " يبدو منظرك كتلميذة جائعة " حقا كانت رافينا بشعرها المتطاير وقميصها المفتوح وهي ممسكة بقطعة الخبز المدهونة بالزبدة لا تكاد تبدو انها زوجة ولا يؤكد زواجها شئ سوى خاتم الزفاف الذي يزين يها اليسرى وادركت ان مارك يعقد مقارنة بينها وبين دوناتا. لابد انها كانت هادئة وفاتنة ورشيقة وشعرها الاسود ناعما وعيناها على استعداد لان تهبه ابتسامة خلابه وصوتها الناعم فيه سحر اغراء. مسحت رافينا شفتيها ولابد انها كتمت الصرخة التي ندت من قلبها. لقد عرف مارك الحب ولكنه حرمها الفرحة الممتعة لهذه العاطفة كل ما لديه هو الرغبة فقط. سألها: " ماذا تريدين الان ايتها العروس؟ هل تودين مشاركتي تناول فاكهة بيرسيفون ؟" راحت تراقبه وهو يقطع الفاكهة مناصفة ورأت العصير يجري فوق يده التي كستها الندوب واردف يسألها: " هل تعرفين اسطورة بيرسيفون؟ " التهمت رافينا قطعة من الفاكهة اللذيذة وقالت : " التقى بها ادونيس مصادفة وهي تقطف الزهور وحملها معه الى قصره. هل تسمح لي بعد مضية ستة شهور ان اعود الى عالمي مرة اخرى " تطلع اليها مارك وقال: " اذا كنت ترغبين في رؤية جاردي فلن اقف دون ذلك ولكن ان كنت ترغبين في رؤية رودري الجذاب فهذا شئ اخر " " ارجوك هل من المحتم ان يدور حديثنا عنه ؟" قفزت رافينا واقفة على قدميها واخذت تتجول بين اشجار الكروم والجميز وكانت عناقيد العنب صغيرة ومرة وعثرت على عريشة تظلل مقعدا صغيرا من الحيد جلست عليه واخذت اصابعها تلوي بعنف منديلها ولم ترفع رأسها حينما اظلم المدخل بجسم مارك الفارع. قال: " يجب ان نعود الى البيت " وتذكرت بيتها في وطنها وتواردت الصور في عقلها عندما فكرت في العودة الى بيتها الى غرفتها في رافنهول بنافذتها الدائرية وشرفتها الممتدة وكتبها وخلوتها التي تطمئن اليها في احضان الجدران البيضاء . قال لها : " تعالي " وشعرت انها وقعت في شر ولا سبيل لها للخروج من العريشة الا الوقوع في احضانه فصرخت قائلة : " اكرهك....لن اشعر بشئ سوى الكراهية نحوك والقلعة والريح التي تهز اشجار السرو انها تبكي في الليل لا شئ سوى النحيب في الكازا هل شعر هذا البيت يوما بالسعادة؟ " قال لها: " مازلت صغيرة " وجذبها نحوه ولما حاولت ان تفلت هاربة من بين يديه شعرت بقوته تجذبها ثانية فقالت له: " انت تحب ان تثبت لي انني لا استطيع الفرار منك. هذا ما تحبه...اليس كذلك؟ " ضحك بمرح وجذب وجهها نحوه وتمتم: " عيناك خضراوان وثائرتان " اشاحت بوجهها وهي تقول: " لا تفعل...." وكانت تدرك انه يحاول تقبيلها فضحك ثانية وجرت يده التي تكسوها الندوب على طول شعرها الاحمر وقال: " هيا بنا نعود ".
* * * * * *
وصل ستيليو عقب الغداء ليواصل رسم صورة رافينا ولكنه بعد مضي ساعة القي بفرشاته وسار تجاه المائدة ليحتسي كوبا من عصير الاناناس المثلج الذي يحبه ثم قال بتجهم: " انني اتحدى يدي اليوم. هل ترغبين في كوب من العصير؟ " هزت رأسها وهي تسترخي على سور الشرفة وقد تبين لهما ان الظبي لن يكون هادئا اثناء الرسم لذلك فضل ستيليو ان يرسمها وحدها بجوار السور وساعده ذلك على مواصلة عمله. القى عليها نظرة فاحصة طويلة ثم سألها: " ماذا يزعجك؟ بدوت غريبة على الابتسامة. انني اصر ان ترسم ابتسامة الموناليزا على شفتيك وانا ارسمك " قالت: " المرء لا يستطيع دائما الابتسام انني...انني اشكو من صداع خفيف " سار نحوها بقميصه الازرق الشاحب وتطلع اليها بعينين تتلألأ فيهما اضواء كهرمانية اللون وسألها: " هل انت صادقة معي؟ ربما قلبك يسبب لك الما؟ " اجفلت رافينا لنفاذ بصيرته ورأت ان عليها ان تكون حريصة مع ستيليو فهو شخص جذاب وعطوف وفي هذه اللحظة احست انها بحاجة الى قليل من هذا الحنان والى كتف تريح رأسها عليه لمجرد لحظات قليلة ولم تحتمل نظراته الغاوية التي تتلألأ في عينيه فأشاحت بوجهها بعيدا عنه وشخصت ببصرها نحو الجبال ومياه البحر التي تجري تحت البيت وكانت تنبض مثل نبض قلبها في موجات متتالية وكان الجومشبعا بالحرارة وكأن عاصفة تنذر بالقدوم. قالت: " الجو ثقيل يدفعني الى القلق " لقترب ستيليو منها وقال: " انها الرياح الشرقية الحارة التي تهب من افريقيا وهي تثير اعصاب اي شخص غريب "
قالت بحدة : " كفى....يا ستيليو " " اريد ان اقول انها اثارت اعصابك خلال الساعة الماضية. انت تعيسة يا رافينا وانا اعرف السبب " ورسمت ابتسامة على شفتيها وهي تنظر اليه ثم قالت: " لا تستطيع ان تعرف السبب بسهولة. ارجوك يا ستيليو اصحبني بجولة في السيارة " قال والاضواء الكهرمانية تحترق في عينيه: " على الرحب والسعة ولكن ماذا عن زوجك؟ " " ان مارك في اجتماع مع صانعي الشراب ولن يعود قبل ساعات وانا اريد ان اشعر بالريح تلفح وجهي " قال: " اذن هيا بنا " امسك ستيليو بيدها ومثل اطفال المدارس انطلقا يهبطان درجات السلم ويخترقان الصالة ويغادران باب البيت. ولم يلحظ احدهما السيدة ذات الرداء الاسود وهي تتلصص عليهما واقفة في الرواق بنظرات تومض ومضا سريعا ثم هرعت لتفضي الى سيدتها بأن البادرونسيتا انطلقت تجري من البيت يحدوها مرح القبرة وهي ممسكة بيد الفنان الايطالي. كان اون سيارة ستيليو اللوتس رماديا واخذت تسابق الريح عبر الطرقات التي تخترق الجبل وفي كل منحى كانت رافينا تمسك انفاسها وتشعر انها تطير في الهواء ولن تفكر في ركوبها مرة ثانية اما الان فهي ترغب ان تمتع نفسها وكان ستيليو يهلل كلما لفحته نسمات الهواء ويقول لها: " انها منعشة اليس ذلك؟ " ضحكت قائلة: " انها رائعة من الافضل لك ان تكون سائقا لسيارات السباق " قذفها بابتسامة سريعة وقال: " ان الريح تلسع شعرك بالسيط. ما رأيك يا رافينا ان نتوجه الى الساحل..." " لا..لا..انه بعيد جدا " " ليست المسافة بعيدة وانت تركبين لوتي وفي وسعي ان اقدم لك شرابا مثلجا في مسكني وسأعود بك في الساعة السادسه. هل انت خائفة ؟ " قالت ساخرة: " منك..؟ " " لا...وانما من زوجك " ويبدو ان شيئا اعتصر قلبها ودفعها الشعور بالخوف من مارك الى التمرد فقالت بلا اكتراث: " يمكنك ان تقدم لي شرابا باردا. انتظر...دعني افكر ثانية " قاطعها ضاحكا: " افلت الامر من يديك. لقد بلغنا الطريق المؤدي الى الساحل " " كنت اود ان اقول انني افضل عصير البرتقال " واخذت السيارة تطوي الطريق الناعم المحاذي للشاطئ وانقضت فترة قبل ان يرخي الخوف اصابعه التي نشبت اظافرها في قلب رافينا. كانت تدرك انها ترتكب جرما تجاه مارك وقررت ان تخفي عنه زيارتها لفلا ستيليو ما يجهله مارك لا يسبب في قلقه...اخيرا وقفت السيارة امام فيلا رائعة الجمال تقع في ميدان يضم عددا من المنازل الفاخرة ورأت سلما ابيض اللون عربي التصميم يؤدي الى الشرفة كان المنزل يبعث على الشعور بالبهجة والمكان يناسب حقا فنانا غير متأهل. وضع ستيليو مرفقه على عجلة القيادة وسألها: " حسنا...هل تدخلين الفيلا؟ " قالت: " كيف لي ان اقاوم " وانزلقت تغادر السيارة واستدار هو من الجانب الاخر لينضم اليها وارتقيا السلم المؤدي الى الشرفة وفتح الباب ودخلا غرفة واسعة وباردة بها اريكة هلالية الشكل مكسوة بالقطيفة وبعض الزخارف النحاسية ودولاب للشراب فارسي التصميم ولوحات ايطالية تزين الجدران وولاعة على شكل بجعة فوق منضدة صغيرة. قالت رافينا بابتسامة : " انت مترف " نظر اليها بجسارة وقال: " كنت شابا محروما. ذقت الفقر والحرمان في مطلع حياتي. اجلسي من فضلك وسو اسكب لك شيئا " قالت بخفة: " اريد ان احتسي عصير البرتقال " ثم جلست في احد المقاعد الوثيرة وامتزج لون فستانها الاصفر بلون قماش القطيفة البرتقالي الذي يكسو المقاعد ووضعت يدها على شعرها لتسوية خصلاته والقى ستيليو نظرة اليها قبل ان يتوجه الى دولاب الشراب وفتح احد مصراعيه وقال: " لم يعد عندي عصير برتقال...الا تثقين بي؟ " قالت: " افضل ان احتسي مقويا ممزوجا بالثلج " تطلعت الى خاتم الزفاف في يدها اليسرى ثم تفرست في ستيليو وسألته: " هل تعيش وحدك هنا ؟ " " اجل الا تشعرين بالاسف لي. هناك سيدة تأتي لتنظيف البيت وتلمعيه وتقوم بطهو الطعام اذا دعوت بعض الضيوف ولكني اعتدت ان اتناول عشائيفي المطعم " قدم لها الشراب في كأس على شكل زهرة التيولب ثم سألته: " دائما وحدك؟ " جلس على الاريكة الهلالية الشكل ومد ساقيه حتى تقاطعا ورفع كأسه وقال لها: " في صحتك..ان الرجل يعتاد على الوحدة ولكن يوجد علاج واحد لها. في اي حال هل ابدو لك انني من النوع الذي يستطيع ان يعيش حياة الرهبان؟ " ابتسمت وهزت رأسها وقالت: " كنت دائما اعتقد ان الايطاليون يتزوجون في سن مبكر ليكون لهم عائلات كبيرة " قال: " لكل قاعدة شواذ خذي نفسك مثلا انت فتاة جميلة...وتتزوج ضد رغبتها " تجمدت الابتسامة على شفتيها وقالت : " ما جئت هنا لنتحدث عن زواجي انما جئت...." قاطعها قائلا: " لتنسيه فترة. لا داعي للتظاهر معي رأيتك على حقيقتك وانا اقوم برسمك وكيف يكون شكلك عندما ينضم مارك دي كورزيو الينا ونحن على الشرفة في الكازا كأن الضوء يهرب من عينيك...وكأنك تتخلين عن نفسك " وضعت كأسها على المنضدة وقفزت واقفة على قدميها وقالت: " كفى ما جئت الى هنا لتقوم بتحليل زواجي او مناقشة مشاعري الشخصية ليس هذا من شأنك " قال: " هل تظنين ذلك؟ " ثم وقف بدوره ورأت سمة الجدية في نظراته ثم اردف يقول: " التقين على الشاطئ وكنت جذابة والتقيت بك ثانية في بيت دي كورزيو ورأيت فيك فتاة تختلف تماما عن تلك الفتاة التي توجهت معي الى الكهف. في كل يوم منذ التقينا وانا احوال ان انقل الاضواء الضاحكة التي تتلألأ في عينيك الى اللوحة لكن هذا مستحيل! انها لم تعد هناك شئ غامض يحاول ان يقبعها" وتجرع بقية الشراب ثم استطرد يقول: " سيدتي هل تتصورين اني احمق؟ هل تظنين انني خبرت هذه الدنيا قليلا فلا ادرك حقيقة المرأة التعيسة عندما يقع بصري عليها؟ " " وهل تظن اني جئت الى هنا لتقدم لي العزاء؟ وهل هذا هو الاسلوب الذي يستجيب به زبائنك التعساء الى سحرك؟ " قال لها: " لكنك صرحت لي بأنك تعيسة " وقام ليتناول سكارة ثم توجه ليغلق الابواب الزجاجية التي كانت تسمح بدخول نسمة حارة جعلت رافينا تلهث بأنفاسها ولما عاد وقف الى جوار كتفها شعرت بالتوتر ولم يكن سبب توترها خوفها من دافع غريزي منه وانما كانت تشعر بنوع من الود يضفيه عليها والحنان يعتبر اخطر عاطفة عندما تكون المرأة بحاجة اليه. قالت: " كل شئ يسوده الهدوء حتى جمع الحصاد هدأ والاشجار نسجت خيوطها بزرقة السماء الحارة " تمتم قائلا: " كم احب سماع بلاغة وصفك. لديك سمة تصيب المرء بالهوس لم اجدها من قبل في اي امرأة اخرى " " هل عرفت نساء كثيرات يا ستيليو ؟" " انا في الثانية والثلاثين من عمري وفنان له مكانته لابد ان يتعرف بالناس" " انا اسفة انك تلقى المتاعب بسبب صورتي وربما تنفض يديك منها قريبا "
" يجب ان اتخلى عنك لأتخلى عن الرسم. لقد فتنت بجمالك يا رافينا ارجوك لا تغادري المكان انني لن المسك او اجبرك على مشاطرتي مشاعري انا اعرف انك فتاة وفية لزوجك حتى لو لم تشعري بالحب نحوه. ذات يوم...ربما...سوف تفضين لي بسبب زواجك منه " تولتها رعدة خفيفة ربما كان السبب زمجرة الريح او وميضا في السماء دفعها الى ان تتراجع عن النوافذ وجعلها تقترب من ستيلو ليصتدما برفق. اغمضت عينيها واندفعت ذكرى جاردي الى عقلها. كان رقيقا وحانيا عليها واعتاد ان يقبلها على وجنتها حين عودتها من المدرسة طفرت الدموع من عينيها وانسابت على وجنتيها بينما كانت السحب تبرق خارجا وهدير المطر يتدفق من عنان السماء ويتطاير رذاذ منه على زجاج الابواب المفتوحة فسحبها بعيد واظلمت الغرفة وبدأ الهواء يهب بعنف. مسحت رافينا وجنتيها المبللتين وفتحت عينيها تشاهد العاصفة وقالت: " ما كان يجدر بي ان اتي الى هنا. الى متى سيدوم هطول المطر ارغب في العودة الى البيت يا ستيليو " فنظر اليها مأخوذا وقال: " لا استطيع ان اعود بك في مثل هذا الجو انت لا تعرفين كم هيسيئة طرق الجبل حينما يكسوها المطر اهدئي وكوني ظريفة ان المطر المنهمر لا يدوم طويلا وسأعود بك بأسرع ما يمكن " راحت رافينا تقطع الغرفة جيئة وذهبا وهي تسائل نفسها: لملاذ وافقت على المجئ معه؟ ادركت انها اخطأت ووقعت في شراك العاصفة ويبدو ان غضب المطر لن يتوقف . قال لها: " اجلسي " وسكب لها شرابا طازجا احتسته وشعرت برأسها يسبح بخفة والحرارة تدب في اوصالها وزاد نحيب قلبها كانت خائفة على نفسها وعلى ستيليو. قالت: " مارك سيغضب. انني لن اخبره بمجيئي معك الى هنا " مال ستيليو نحوها وقال: " ماذا في وسعه ان يفعل؟ علام يغضب اذا علم الحقيقة..بأننا شربنا..بأننا تحدثنا..بأننا اصدقاء " " من الصعب تعليل هذا التصرف " " حاولي يا رافينا...دعيني افهم السبب الذي يدفع فتاة مثلك ان تعيش في خوف من رجل من واجبه ان يشعر بالحب نحوك وان يرغب في اسعادك " حاولت ان تبتسم ولكن محاولتها باءت بالفشل. سألها ستيليو: " الا تخطئين فتتصورين الحب...جاذبية ؟" قالت متسائلة: " الحب؟! " وحدقت في المطر المنهمر كأنه سياط تلهب ارضية الشرفة فسارع ستيليو الى غلق الابواب الزجاجية فتوقف تيار الهواء. قالت رافينا بهدوء: " عندما يوجه القدر حياتك بقسوة يتوقف ايمانك بالحب. لم يطلب مارك مني حبي مطلقا ولم يسألني الزواج منه الا امتثالا لاسلوبه معي " امسك ستيليو بيدها اليسرى وتحسس خاتم الزواج وقال: " لماذا؟ الانك شعرت بالشفقة نحوه؟ الانك لا تحتملين ان تكوني سببا في ايلام رجل سبق ان لحق به اذى؟ رافينا ان زواجك منه يعد تضحية " بدا وجهها في ضوء العاصفة مستغرقا في التفكير وعيناها مثل البرك الموحلة بالطين. اجل انها تضحية ولا يمكن انكار هذه الحقيقة ومع هذا فانها لا تسمح لاستيليو ان يعزف على لحن حاجتها الى الحنان وعليها ان تحارب هذا الضعف الذي تشعر به في اعماقها والا سيصبح مصيرها الارتماء بين احضانه. قالت: " عندما كنت طفلة وكان المطر يحول دون خروجي اعتدت ان اردد اغنيى يا مطر...يا مطر...ارحل بعيدا وعد ثانية في يوم اخر. فهل تظن ان سحريسوف يفلح؟ " قال واصابعه تقبض على اصابع رافينا: "اعتقد ان هناك فرصا تتحقق فيه الامنية ولم يحدث ان التقيت شخصا في وسعه ان يلقي بسحره مثلما تفعلين " وفي هذه اللحظة ترددت اصداء رنين اجراس الباب في ارجاء الفيلا وزمجرة الرعد وتألق البرق في عيني ستيليو عندما راح كل منهما يحدق في الاخر. كانت عيناها تنذران بهجوم مباغت تردد صداه عبر عيني رافينا "
***نهاية الفصل السادس***
-ليلة العاصفةسأل ستيليو متجهما: " من يطرق الباب في مثل هذه العاصفة ؟" ونهض واقفا عندما دق الجرس مرة
النهايه