الفصل 3
ليلة زفافها...ولا جدوى ان تسأل مارك امهالها حتى تعتاد عليه وعلى بيته..اجفلت عندما سمعته يدخل الغرفة المجاورة ومع مرور الثواني ازداد قلقها وراحت تعبث بخاتم زواجها الذهبي الذي احست به ثقيلا في اصبعها وسمعت صوت سقوط مفتاح على المنضدة وحرير السرير الذي نم عن جلوس مارك على حافته ليخلع حذائه. لم تستطع رافينا ان تبارح مقعدها حينما فتح باب الغرفة المجاورة فجأة ووجدته ماثلا امام عينيها في روبه الحريري الاسود وراحت تحدق فيه بعينيها الواسعتان وقد استحال لونها الى صفرة اشبه بصفرة ثوبها. قال لها بينما شعرها الاحمر ينسدل مسترخيا على كتفيها: " يجب الا تجلسي هكذا فالنار ذوت تقريبا اقفزي الى فراشك " ولكن رافينا لم تستطع التحرك من مكانها وبدت الغرفة يثقلها ظله حينما اقبل عليها ورفعها من فوق المقعد وحملها الى السرير ووضعها على الفراش واقترب بوجهه منها ورأت الغضب مازال يتطاير من عينيه. اصبح يعرف الان انها كانت بصحبة رودري حينما اختفت من قاعة الاستقبال في يوم زفافها وانه لن يغفر لها ما فعلته. قال لها وهو يجدل خصلات شعرها الاحمر حول عنقها: " ايتها الساحرة الصغيرة " انتابتها رجفة لم تستطع السيطرة عليها لان رودري وحده كان يناديها بعبارة الساحرة الصغيرة فأغمضت عينيها حتى لا ترى وجه مارك المعذب في ضوء المصباح. قالت له صائحة: " اطفئ المصباح..اطفئ المصباح " وخيم الصمت... وسمعت صوت فرقعة ولم يكن صوت اطفاء المصباح وانما صوت مزلاج الباب الذي اغلقه مارك بعد مغادرته غرفة النوم اذ تركها وحدها بينما كانت خصلة الشعر مازالت مجدولة حول عنقها والدموع تنهمر من وجنتيها.
***نهاية الفصل الثاني***
-رجل لا كالرجالاخيرا نامت رافينا بعد ليلة حالكة وسهاد طويل. وعندما استيقظت في الصباح كانت الشمس تتسلل الى غرفة نومها تحمل معها الدفء وشذى الاعشاب ونسمة البحر. ظلت في فراش العرس تتأمل الغرفة ووقع بصرها على المقعد المستدير قرب المملكة فتذكرت انها جلست عليه بانتظار مارك وحملها كالطفل بين ذراعيه وربما لسلوكها الطفولي معه تركها ولم يمسها. فنشجت بالبكاء ونامت وحدها في غرفة الزفاف. غادرت الفراش لتجد دلوا نحاسيا مملوءا بالماء الدافئ واستمتعت بحمام اعاد الانتعاش اليها ثم فتحت خزانة ملابسها واحست برغبة تحدوها ان تتمتع بالحرية والانطلاق خلال يومها فاختارت بلوزة ملونة وسرولا فضفاضا ومشطت شعرها وارسلته على ظهرها ووضعت لمسة من احمر الخدود لتخفي معالم شحوب وجهها الذي نجم عن التوتر الذي كابدته خلال اول ليلة امضتها في الكازا. وعندما اتخذت طريقها للخروج من الغرفة وشرعت تهبط درجات السلم الحلزوني للبرج شعرت بالجوع ينشب اظفاره في معدتها. ولم تجد اي اشارة تنم عن وجود مارك افترضت انه يقوم بجولة تفقدية على البساتين وحقول الكرم التي تحيط بالكازا. وبدأت رافينا تتسائل اذا كان البيت قد هجره اهله عندها رأت رينزيو يعبر الصالة في سترته البيضاء ثم قال لها بالايطالية وهو يحدق في سروالها الفضفاض: " صباح الخير يا بادرونسيتا " قالت له بالانجليزية: " احب ان اتناول طعام الافطار يا رينزيو " وكانت تعلم انه يفهم الانجليزية لان مارك اخبرها اثناء تناول طعام العشاء بأن رينزو كان يعمل في فنادق اوروبا. قال: " البادرون لم يعد بعد من جولته الصباحية وعلى البادرونسيتا ان تنتظره لتنضم اليه في الشرفة المطلة على البحر حيث اعتاد تناول افطاره" بدت رغبة شفافة في نظرتها وهي تسأله: " الشرفة التي تطل على البحر؟ انني لم ارها...هل تقودني اليها؟ " وانحنى رينزيو ثم سار في ممر ضيق وعبرا مدخلا يؤدي الى الشرفة التي امتلأت بأشعة الشمس والمفعمة بهواء البحر وكانت الشرفة تبرز من الامام لتطل على البحر مباشرة ومحاطة بسياج من القضبان الحديدية تأمينا لسلامة الواقفين. وتمتم رينزيو قائلا: " البادرونسيتا سوف تنتظر وصول طعام الافطار " قالت: " اجل " وسارت الى نهاية الشرفة مأخوذة بمنظر الجبال والامواج تتكسر فوق الصخور التي تجمعت على الشاطئ كأنها اطلال قلاع محطمة وشاهدت النسور ترفر فوق صفحة المياه ادهشها ان يحب مارك تناول طعام الافطار في مثل هذا المكان. هذا الملك الذي يتمتع بمشاهدة هذه المناظر الطبيعي وسيد هذا البيت الكبير القائم على المعقل الصخري...هاهنا ملأت المرارة فمه فقسا قلبه بعد موت ابنه دريستي وخاصة انه يملك كل هذه القرى بلا ابن يرثها. وقفت رافينا عند سور الشرفة والريح تعبث بشعرها وعلى سماتها ملامح العروس الاسيرة وكانت تعلم ان مارك سينظم اليها حالا فتوترت اعصابها من مقابلته بعد الموقف الدرامي الذي شاب فراقهما ليلة امس وانذرتها اعصابها بدنو وصوله قبل انتسمع وقع خطواته فوق ارضية الشرفة. امتلأ الجو بشحنة كهربائية استطاعت ان تشعر بها وهي تسري في عمودها الفقري الذي تجمد عندما وقف وراءها وهو يقول: " صباح الخير. اظن انه لم يستغرق منك وقت طويل حتى تعثري على وكري اخبريني كيف ترين الكازا والبقاع المحاطة بها بعدما اشرقت عليها شمس الصباح " قالت: " اكثر وثنية مما كنت اتصور " وشعرت بضربات نبضها عندما تحولت لمواجهته ووجدته يتأمل الشمس وهي تسقط بأشعتها على شعرها وكانت تتوقع ان تلاقي منه برودا هادئا ومقاطعة مهذبة بعد ما حدث ليلة امس ولكنه ابتسم ورفع حاجبا متعجبا للملاحظة التي ابدتها وسألها: " هل ترينه وكر قاطع طريق يحتفظ بك رهينة انتظارا لفدية يدفعها اهلك لانقاذك؟ " وتناول يدها التي تتحلى اصابعها بخواتمه واحنى رأسه الاسود ومست شفتاه يدها فاشتمت رائحة ثمار الليمون عالقة بثيابه كان اذا يقوم بجولة في حقول الليمون التي نضجت وغدت معدة للعصر وتعبئة عصيرها في مصانع الحمضيات التي على مبعدة من الجزيرة ذلك ان دي كورزيو ماركة مميزة على جميع المشروبات المماثلة. وتتمثل الماركة بصورة نمر جاثم فوق صخرة يلعق الماء من نهر متدفق. سألها وفي صوته نبرة سخرية: " هل استمتعت بنوم عميق؟ " لم تستطع ان تتطلع الى نظراته وهي تجيب على سؤاله بأنها نامت نوم عميقا. قال: " حسنا " وتحول عنها عندما ظهر رينزيو في الشرفة وهو يحمل صينية عليها الوان من الطعام ويتبعه خادم صغير السن يحمل دورق القهوة. وراح الخادم الصغير يحدق في شعر رافينا الاحمر لانه اعتاد ان يرى فتيات كاسيل دي توري بشعر حالك السواد واضطر رينزيو الى ان يزجره فانصرف خائفا وشعرت بان الخادم الذعور بعث في اعماقها بمزيد من الغربة عن ذي قبل وقام رينزيو باعداد مقعد امام المائدة جلست عليه رافينا فقال له مارك: " يمكننا ان ندبر امر افطارنا بأنفسنا " قال لها: " يبدو سلوكك غريبا معهم " وراحت تراقبه وهو يصب لها القهوة ويقدم لها طبقا من حلوى التروفيل وشريحة من الخبز المقدد. واستطردت تقول: " انهم غرباء بالنسبة الي. انك لا تتصور ماهية شعوري يا مارك نصف حالمة لا اكاد اتصور ان هذا المكان واقع حقيقي. وان زواجنا تم فعلا " قال لها: " تناولي طعامك يا رافينا. ان التروفل مثل الحب يفقد شيئا من نكهته عندما يصبح باردا " وكانت رافينا تشعر دائما بقبضة تعتصر قلبها اذا ما بدأ يتحدث عن الحب. ماذا يقصد بالحب؟ ان يمسك بها بين ذراعيه يمتلكها دون ان يشعر بأية حرارة مما كان يشعر بها نحو دوناتا...فتاة الجنوب التي فقدها كما فقد دريستي. كسرت رافينا الخبز ودهنته بالزبدة ووجدت التروفل حلو المذاق واللحم لذيذ وحاولت الا تفكر بطعام الافطار الذي اعتادت ان تتناوله مع جارديوقريبا من جبال ويلز المألوفة لديها ومن وراء نوافذ رافنهول. سألته: " هل تتناول جدتك طعام الافطار في غرفتها؟ "
" اجل...لانونا بدأت تشعر بسنها المتقدم وغالبا ما تمضي الليل تكابد الارق فينتابها الاعياء في الصباح وقد اعنادت وصيفتها بابتستا ان تقرأ لها اذا جافاها النوم. ستجدين القوة في شخصية السردي فلا يلتبس عليك الامر فتظنين انهم يفتقدون الحنان. وحينما تعتاد لانونا عليك وتتقبل حقيقة كونك زوجتي ستكتشفين انها اقل تهكما عما حدث حينما التقيت بها يوم مجيئك " لم تستطع رافينا ان تمنع نفسها من السؤال: " هل هناك علاقة بين كون المرء سرديا وبين كلمة ساردونيك* ؟ " " هل تظنين انني شخص متهكم مرير؟ " قالت: " بالتأكيد ان زواجنا اكبر دليل على مرارتك " " اذن انا شخص مرير...وانت تشعرين انك ضحية لمرارتي " " اعرف انه شئ فظيع بالنسبة اليك ان تجتاز هذا الشعور ولكنه دفعك الى ان تكون قاسيا وانه لقسوة منك يا مارك ان تتوقع ان يكون سلوكي ينم عن رغبة في انني اريد ان اكون هنا وما المسألة الا مجرد وقت اعد فيه نفسي كزوجة للتكيف على حب زوجها " قال: " لا اطلب ان تمنحيني حبك " فسألته: " لكنني اسأل عن نفسي انا...وماذا اريد؟ " " اذا كنت تريدين رودري برينين فأظن انه خير لك ان تبقي معي " وكانت كلماته باترة كحد السكين التي كان يستخدمها في قطع شريحة من البطيخ المفعمة بالعصير. سألها: " هل تحبين ان تتناولي شريحة منها؟ ان بطيخ الجزيرة حلو المذاق " هزت رأسها وقد تشبثت اصابعها بحافة المائدة عندما رأته يضيف السكر الى شريحة البطيخ وراح يلتهم الثمرة بهدوء يبعث على الجنون ورأت ان اهتمامه بها كامرأة لا يزيد عن اهتمامه بشريحة البطيخ. سألته: " هل تأذن لي بالانصراف؟ " وامسكت بمنشفتها والقتها الى جانب طبقها وشعرت بنظراته مسلطة عليها عندما تركت المائدة وتوجهت نحو جدار الشرفة ووقفت تحدق في الجبال التي لمستها اشعة الشمس الذهبية ولقي الجمال الوثني للمنظر صدى لشعورها بالشقاء ورأت ان هذا المكان يجب الا يكون مضيئا وانما يجب ان يكتنفه الظلام الدامس حتى يتلائم مع حالة اليأس التي تكابدها. سألها مارك: " هل تذكرك جبالنا بويلز؟ " " لا شئ هنا يذكرني بوطني " " انت تحملين في نبرة صوتك برودة ويلز " قالت: " وفي قلبي ايضا...يا مارك " واستدارت للتخذ وضع المدافع ثم اردفت تقول: " الا يكفي اتك حصلت علي لا تطلب ان احب سجنك " " يبدو لي كأنك تزمعين الثورة ضد الجزيرة...وضدي انا " نهض واقفا وسار نحوها مثل النمر المتحفز للوثوب وحينما دنا منها رأت بوضوح الندوب محفورة على يديه فتذرعت بالصبر لكي تتحمل لمساته حينما ادار ذقنها واجبرها ان تنظر الى عينيه قائلا: " هل تظنين انني تزوجتك لشعوري بالمرارة فقط؟ هناك شئ اكثر من هذا يا رافينا " قالت: " الرغبة...." وشاب كلمتها احساس بالكراهية له. قال وعلى شفتيه ابتسامة متهكمة: " اجل...بعض من هذا بالاضافة الى انني اكتشفت انك مثيرة مزيج من البراءة والخداع. انت وحدك يا رافينا لديك القدرة ان تجعلي اعصابي تفلت مني او اسيطر عليها بسرعة. لديك روح عالية وانا لا احب تحطيم اي روح عالية " " ولهذا السبب لا تحمل في يدك سوطا...لانك في غنى عنه؟ " " الشخص الضعيف فقط يحتاج ان يمسك سوطا ليروض امرأة او حصانا " " اذن انت تنوي ترويضي؟ " هز رأسه وراح يدفع خصلة من شعره الى الوراء بعيدا عن حاجبيه ثم قال: " لا...عندما نمتطي سويا جوادينا ربما ستعثرين لجواب على سؤالك وعندما نكون سويا على صفحة الماء وفي خضم العاصفة ستعرفينني اكثر. لست احب الاشياء التي تروض. انني سردي احب بربرية شمسنا في اوج الصيف وقوة الريح عندما تهب من الجبال ولسعات اشجار السرو ولطمات امواج البحر وسقوط حبات الزيتون تحت اشجارها. انا سردي يا عزيزتي! اننا لا نقبل اية تسوية للامور مذلة ولا نقبل ترويضا لاخضاع المرأة " وعندما نظرت اليه عرفت السبب الذي دفعه الى ان يتركها ليلة امس فان الخوف الذي تملكها لم يجذبها اليه فالرجل يحب من المرأة ان تتحول دموعها الى ابتسامة وتشعره في انها بحاجة اليه فقالت فجأة: " دعني ارحل يا مارك " وتطلع اليها بابتسامة لوت شفته وابعد يديه عنها واستند على سور الشرفة الذي يحول دون سقوط المرء الى اعماق البحر واستطردت تقول: " دعني ارحل الى وطني اعني ..حررني من هذا الزواج " " هنا وطنك " " يمكننا...يمكننا ان نفسخ هذا الزواج...يا مارك... " وتحول ببصره ليحدق في امواج البحر الثائرة وبدا جانب وجهه المشوه مثل الحفر على وجه عملة برونزية وقال: " تطلبين شيئا لا استطيع ان امنحك اياه. اطلبي ملابس...حلي...حديقة تزرعينها بالورود...حصانا لنفسك وفتيات يسعدهن التعرف عليك. لا ابخل بأي شئ ولكن في حدود المعقول " " هل يعتبر فسخ الزواج شيئا بعيدا عن المعقول...اننا لم... " قال مقاطعا حديثها: " سيحدث يا رافينا...فقط انني لم استعد شيئا مما قلته لك يوم اتيت من رافنهول واخبرتك عن دريستي. سأمنحك كل شئ يمكن لرجل ان يقدمه لفتاة. فقط امنحيني طفلا منك انت يا رافينا بكبريائك وعينيك الجميلتين وولائك لأسرة برينين " " الولاء! الولاء! " كانت الامواج تردد الكلمة في عقل رافينا وطيور البحر تصرخ عاليا وكان مارك وحده يرددها وهي تشعر امامها بالعجز يشل سكناتها. قالت: " الطفل يولد من الحب...كما ولد دريستي " نظر اليها بخشونة فبدت اكثر غورا عن ذي قبل وقال: " لن نتحدث عن دريستي ولكني اريد ان اريك بعضا من ضيعتي الشمس حارة ومن الافضل ان اعثر لك على قبعة "
وعثر مارك على قبعة قش في كهفه وهو غرفة فيها كل اسباب الاسترخاء والهدوء. ثبتت رافينا القبعة فوق رأسها دون الاستعانة بمرآة وسوت شعرها تحتها وجعلت حافتها تظلل عينيها. " انت لست مغرورة بمظهرك " " الغرور كالخوخ سهل الخدش وفي اي حال انا لست فاتنة " قال مارك : " انا سعيد بذلك. ان اي رجل يعيش في اعماقه شيطان الغيرة لا يستطيع ان يتحمل مغازلة احد لزوجته. تعالي دعيني اريك حدائق الليمون " وفتح بابا يفضي الى الحدائق التي امتلأت بأشجار الليمون حيث راح عدد كبير من الرجال يتفحصون الثمار وتمهل مارك ليتحدث معهم وليقدم اليهم عروسه. وادركت رافينا انه يبغي بذلك ان يوطد اواصر زواجه فأصبحت في نظرهم امرأة البادرون واي تفكير في فسخ الزواج يقلل من قدر سيدهم ومكانته عندهم. وتذكرت انه قال لها في استعلاء وكبرياء: " انا سردي " وبدأت رافينا تدرك تماما ان الكبرياء والكرامة تعنيان الشئ الكثير لدى اهالي سردينيا...ساردينيا حيث تنمو ازهار الزيتون بين صخورها والشمس تغرق التراب بأشعتها وقوة الارض تكسو وجوه ناسها ورائحة الاعشاب واشجار السرو تملأ التلال التي انتشرت فوقها حدائق الزيتون. كانت القرية تقع على قمة التل وابواب المنازل والنوافذ ضيقة وسطوحها تميل في انحدار واحد والحوانيت اشبه بالكهوف تنبعث منها رائحة الحبوب والاعشاب وقامت رافينا بجولة في القرية فشاهدت الكنيسة العتيقة ورأت النافورة التي تتوسط الميدان وكانت النساء قد تعودن على تعبئة جرارهن منها حتى تمديد انابيب الماء من الجبال الى البيوت. وادركت رافينا ان مارك بذل جهده لتوصيل الماء الى بيوت القرية ولمحت بعض النسوة جالسات امام الابواب يعملن في مغازل صغيرة كل واحدة تنحني برأسها للبادرون بينما تحدق في قوام رافينا النحيل وسروالها الفضفاض. رؤية هؤلاء النسوة ذكرتها بدونا جوكاستا التي كانت تأمل ان يتخذ مارك عروسا من بنات جنسه ولم تستطع رافينا ان تقاوم رغبتها في ان تتطلع الى داخل البيوت فرأت الدجاج يمرح في الفناء والاثاث العاري من كل مخيط وكان الاطفال يتلقون تعليمهم في مدرسة القرية وعندما مرا ببابها قال مارك: " المعلم السنيور لاندولفو يتناول احيانا طعام الغداء في الكازا " وفي هذه اللحظة خرجت طفلة من المدرسة تبحث عن شئ فقدته على الارض وفجأة انحنى مارك ليلتقط منديلا سقط بالقرب من الباب وتحدث معها وهو يقدمه لها ولكنها ولت هاربة عندما رأت وجهه المشوه ورأته رافينا يسحق المنديل في قبضة يده ثم وضعه على قمة عمود الباب وواصلا سيرهما. قالت رافينا بسرعة: " لا تأبه يا مارك " ولأول مرة ادركت مدى الجرح الذي اصابه عندما فزعت الطفلة من رؤية الندبة الغائرة على وجهه وولت منه هاربة. ولمست ذراعه ولكنه سحبها بعيدا عنها ليس غضبا وانما كنوع من الشعور بالاستقلال والكبرياء. قال: " ليست هذه المرة الاولى التي ارى فيها النظرة الخاصة في العيون. تعالي ان هذه الدرجات الضيقة ستقودنا الى الممر المؤدي الى الكازا " اشتدت حرارة الشمس ولمحت رافينا منظر البحر وودت لو تسأل مارك ان يتوجها الى الشاطئ فيرطبا اقدامهما في مياه البحر لكن صمته بعث القشعريرة في اوصالها وشعرت بالسعادة عندما بلغت اخيرا جدار فناء الكازا واخبرها ان هناك بعض الاوراق تنتظره في مكتبه ويريد انجازها. القى نظرة على ساعة يده وقال: " يمكنك تسلية نفسك بأي شئ او ربما تحبين التحدث الى جدتي فهي في هذه الساعة تتناول قهوتها في صالونها واظن انك تشعرين بالجفاف في حلقك بعد رياضة المشي تحت اشعة الشمس " وادركت رافينا انها لابد ان تعقد صداقتها مع لانونا اجلا او عاجلا فوافقت على اقتراحه بتناول فنجان من القهوة معها وقالت له وهو يسير نحو المكتبة: "هل تنوي احتساء قهوتك...وحدك؟ " فالتفت نحوها وهو يضع يده فوق مقبض باب مكتبه ثم قال لها: " ان ما لا ابتغيه منك هو الشفقة " وفتح الباب ودلف الى المكتب وحده. نزعت رافينا قبعتها وسوت شعرها ودخلت الصالون وكانت دونا جوكاستا جالسة تحتسي قهوتها وتدخن سيكارا رفيعا ولم تستطع رافينا ان تمنع نفسها من التطلع الى السكار وهي تقول: " هل استطيع الانضمام اليك؟ " القت لانونا رماد السكار وهي تقول: " يوجد فنجان اضافي لماركوس اين هو؟ " " لديه اعمال يريد انجازها في المكتبة " " كنت اظن انك شغلته لتستمتعي برؤية القرية. تعالي واسكبي قهوتك لا تقفي هكذا نصف جسمك داخل الغرفة ونصفك الاخر خارجها " اجابت رافينا بلهجة من يدافع عن نفسه: " ارادني مارك ان ازور القرية " وسحبت العجوز نفسا من سيكارتها بشكل ساخر وقالت: " الم يقل لك ايضا ان تحاولي مصادقتي؟ " ثم اضافت: " انت بحاجة الى اكثر من عينين خضراوين لذلك " وتحرك اندهاش عميق في داخل رافينا حين تبين لها انها ومارك على علاقةوطيدة وانها لا تعلم كم هي جزء من مأساة مقتل دريستي وتشوه حفيدها. ارتجفت يد رافينا قليلا وهي تسكب القهوة وسرت حين جلست في الكرسي المريح لان الاعصاب خانت قدميها. ولم تكن الدونا جوكاستا تقبلها لانها ليست من الجزيرة فكم سيكون كرهها لها اعمق لو عرفت سبب اختيار مارك لها عروسا . سالتها العجوز: " ه اعجبك شئ في بلدنا؟ " قالت رافينا وهي ترتشف القهوة: " انا اعتدت اناكون بنت قرية ولذا استمتعت بالتجول في القرية ووجدتها مثيرة للغاية " قالت الجدة بتحامل: " انت تتحدثين وكأنك تقومين بزيارة سريعة لها. يجب ان تعتبري كاسيل ديل توري من الان فصاعدا بيتا لك. هنا ستعيشين حيث تسلط الشمس اشعتها على جدران الكازا والرياح الشرقية تهب ساخنة وجافة وتدفع الاعصاب الى التوتر وعندما يأتي الشتاء تهطل الامطار فتتعرض الطرقات للمخاطر ولكنها لا تحول دون سفر مارك وحده فهو اعتاد على الا يصحب زوجته معه في مثل هذه الاحوال الجوية حتى لا تصبح الكازا تنعى الوحدة عندما يرحل في رحلات العمل " قالت رافينا بيأس: " انا...انا سوف ارحل معه. عندما يسافر الى بريطانيا سوف يأخذني معه. ان اهلي يعيشون هناك "
" اهل سردينيا يؤمنون ان مكان المرأة هو بيتها " " مارك لن يتوقع مني ان اخضع لهذه القاعدة " وسحبت دونا جاكوستا نفسا عميقا من سيكارها وقالت: " وماذا تعرفين انت عن مارك بعد بضعة ايام من زواجك منه؟ انا تعهدته بنفسي منذ وفاة امه عند ولادته ورأيته يشب حتى اصبح رجلا هذا الرجل الذي لا تعرفينه...الرجل الذي كان قب الحادثة تتاهفت عليه فتيات القرية. وكان في وسعه ان يختار اجملهن... ذات العطر الفواح...والمزاج الحلو " وتطلعت البادرونا العجوز مليا في وجه رافينا ثم اشارت الى خزانة خشبية تستند الى الحائط وقالت لها: " اذهبي وافتحي الدرج الثاني وستجدين في داخله اطار صور من الجلد احضريه لي " وامتثلت رافينا لطلبها فتوجهت الى الخزانة وفتحت الدرج الثاني وشاهدت اطارا جلديا من النوع الذي يضم صورتين فأحضرته ادونا جاكوستا التي قالت: " افتحيه وشاهدي الصور " واطاعت رافينا بينما قلبها يخفق خفقات سريعة وكما توقعت كان الالبوم يضم صورتين احداهما صورة لعروسين والاخرى صورة شخصية لمارك فتطلعت اليها ورأت وجه شاب نحيل شديد الجاذبية عيناه السوداوان تضحكان ويملاهما الفرح والرغبة في الحياة وفمه جسور ينعطف حادا مما يتوافق مع حاجبه الايسر. كانت هذه هي ملامح صورته منذ ستة اعوام اما الصورة الاخرى لمارك فلم تكن معروفة لها وهي صورة زواجه بفتاة مشرقة ترتدي طرحة تحيط بشعرها الاسود وعينيها المخمليتين. وسألتها دونا جاكوستا: " هل تعرفين ان زوجة حفيدي الاولى كانت بهذه الصورة الجميلة ولها لوحة زيتية في برج المادونا تصوري روعة جمالها حينما كانت هي ومارك في اوج سعادتهما. يجب ان تذهبي لمشاهتها. دوناتا كانت حقا هدية من السماء لرجل مثل حفيدي وعندما استعادتها السماء اخذت معها معظم قلبه. وعندما مات طفلهما ادرك مارك بأنه لن يحب مرة اخرى بالرغم من انه كان من المحتم عليه ان يعيش مرة ثانية " واطفأت سيكارها في مطفأة نحاسية وكانت طريقة اطفاء السيكار لها دلالتها الواضحة وكأنها تريد ان تؤكد لها ان الحب لن يستطيع ان يندلع مرة اخرى في قلب مارك. قالت الجدة: " من فضلك ارجعي اطار الصور الى الدرج ثانية. انها ذكرى مؤلمة لمارك ولذلك احتفظ بها سرا " واطاعتها رافينا طاعة عمياء ولكن الوجوه التي رأتها في الصور راحت تجول في اعماق عقلها ويطردها شبح سعادتهما وعندما عادت تواجه لانونا قالت لها: " ارجو ان نكون اصدقاء اما اذا اصررت على معاملتي كانسان غريب..." قاطعتها الجدة قائلة بوضوح: " انت فعلا غريبة دخلت المنزل ليلة امس وكأنك اتيت ضد رغبتك هل كنت تأملين ان يعيش حفيدي معك في بريطانيا " واطلقت الجدة ضحكة ازدراء ثم واصلت حديثها : " انت تزوجت من سردي وجذوره ضاربة في هذه الارض وارضه هي حياته. وتزوج ثانية مثلما يفعل عندما يريد ان يزرع ارضه من جديد بعد موسم الحصاد...انه يريد ابنا له " واشاحت رافينا بوجهها عندما احست بالعداوة في عيني الجدة التي راحت تتفحص قوامها النحيل وقالت لها: " مارك احمق. ان اي فتاة في الجزيرة تستطيع ان تمنحه نصف دسته اطفال اذ يبدو من تصرفاتك كأنك لم ترغبي يوما في ان يلمسك رجل " وكانت ملاحظة شديدة ابدتها دونا جاكوست التي رأت جانبا من الحياة فأصبح في وسعها ان تتبين بوضوح نظرة العروس المدلهة بالحب وقد رأت من رافينا موقف الممانعة متخذة مظهر الانسانة الاسيرة وكأن افكارها واشواقها تعيش على مبعدة اميال سألتها لانونا: " هل انت شقية؟ " بدأت رافينا تسير نحو الباب وهي تقول: " كيف اكون سعيدة وانت تقولين لي انني افتقد المزايا التي يجب ان تتوفر في الزوجة. لست محبوبة ولا يرحب احد بوجودي ومع ذلك لا استطيع ان اعد حقيبتي وارحل بحرية من هذا البيت " وجذبت الباب تفتحه واسرعت تهرب من صالونها وانزوت في كهف مارك راغبة الا يعثر عليها احد. كان موعد تناول طعام الغذاء قد حان وعثر عليها رينزو ولكنها تمسكت بالصمت وهي تتناول الطعام مع مارك وجدته. وعندما غادرتهما الجدة لتستمتع بالقيلولة علمت رافينا من زوجها ان حفل الزفاف قد اعده اهل الضيعة وسيقام هذه الليلة. واشعل مارك سيكارا واستلقى على المقعد ثم قال: " هذا الحفل دائما يقام عندما يتخذ البادرون لنفسه زوجه. سوف تستمتعين به وسيرقص الشباب رقصة ايطاليا الشعبية...الترنتيلة. وسترتدي الفتيات ثيابهن القومية وستنتخب فتاة منهن لتقدم لك هدية " وعضت رافينا شفتيها ورأت بعيني خيالها وجه دوناتا المشرق فقالت: " ولكن يا مارك هذا معناه انه لم يسبق لك الزواج من قبل " لاحت مظاهر القوة في عينيه وعلى فكه وهو يقول : " سيقام الحفل وعشيرتي في انتظاري. انهم يعملون بجد واهتمام وعند حدوث مناسبة سعيدة يمرحون بحماس شديد وانت يا سنيورا دي كورزيو ستشعرين بالسعادة وانت مرتدية اجمل اثوابك " قالت له: " هل نسيت انك القيت الماء البارد ليلة امس على اجمل اثوابي " قال: " اجل حتى انقذك من الاحتراق وانا اعرف كيف يشعر المرء عندما يلسعه نار الحريق " قالت: " مارك انني اسفة لانني ابدو بلهاء في موقفي تجاه الحفل. لم اتوقع اقامته..و.. " واكمل كلامها : " والحديث الذي تبادلته مع لانونا ترك في نفسك شعورا بالاكتئاب " ومال بجسمه الى الامام وتطلع مليا الى وجهها وكانت رافينا تجلس على وسادة وذراعيها حول ركبتيها فبدت صغيرة السن ووقورة. واردف سألها: " ماذا قالت لك جدتي؟ هيا اخبريني " " هي...حسنا... قالت انك سوف تتركني في الكازا عندما تقوم برحلات العمل. لي الحق يا مارك...." فقاطعها قائلا: " في ان تكوني بصحبتي.. اليس كذلك؟ " " ان ارى جاردي عندما تذهب الى بريطانيا "
قال مارك وهو يعود بظهره الى الوراء ويرفع يده ليدخن السيكار: " مفهوم ولكنني لن اذهب الى بريطانيا الا بعد فترة طويلة. رحلتي المقبلة ستكون الى روما " قالت: " مارك...هل تدعني اذهب معك " ولم تكن رافينا تتصور انها سوف تبقى في هذا المنزل الغريب المسكون بتلك الفتاة التي تضع طرحة فوق شعرها الاسود وصورتها المعلقة في برج المادونا والتي رحب بها الجميع واردفت رافينا تقول: " اعتدت ان اتجول بطريقتي الخاصة ولن اكون مصدر ازعاج وسأبتعد عن طريقك عندما تلتقي بالناس لتجري معهم محادثات العمل " ولاح لها ان وقتا طويلا انقضى قبل ان يقول لها متهكما: " طبعا سأصحبك معي لانني اذا تركتك هنا وحدك ربما تفكرين في الهرب ثانية " وتصاعد دخان سكاره فاختلط بأشعة الشمس التي كانت تتدفق عبر النوافذ النصف مفتوحة وكان لون عينيه السوداوين عميقا وكان جانب وجهه غارقا في الظل فلم تجد الامر هينا لان تشكره على وعده لصحبتها معه في رحلته الى روما. انه يريدها معه لتظل تحت بصره ولم تعد تثق في عدم ثروته اذا ما فكرت في الهروب مرة ثانية. سألته سريعا: " هل زرت روما من قبل؟ " قال: " اجل " ونزع بتفكيره الى الماضي وكأنما كان يتطلع الى الاماكن التي رأها ويحمل لها اجمل الذكريات ثم عاد الى الحاضر ليستطرد قائلا: " قضيت شهر العسل هناك! "
***نهاية الفصل الثالث***
-الظبي والجزيرةزادت ظلمة الليل باختفاء القمر وازدادت النجوم تألقا وبهاء. وامتلأ المكان بشذى الزهور ورافينا واقفة وحيدة في الشرفة المطلة على البحر تستجمع شجاعتها لتبدو مرحة في الحفل فبعد قليل تتدفق جحافل الناس الى فناء الدار وتضاء المصابيح وتبدأ جوقة الموسيقى بالعزف. ارتدت رافينا ثوبا رائعا لم تجرؤ السؤال عن صاحبته وانما وجدته على فراشها في غرفة برج الفارس وزاد الثوب من تألق سحر عينيها وابرز فتنة وجهها وانتظرت في عصبية حتى يراها مارك وسمعت وقع خطواته الهادئة تعبر ارضية الشرفة حتى وقف بجوارها وامسك برسغها وادارها نحوه لينظر اليها ولم تتفوه بكلمة عندما راحت عيناه تتأملان مظهرها في ثوب الجزيرة. قال: " كم انت فاتنة ولكن ارجوك ان تبتسمي الثوب يخص جدتي وقد طرأت لي فكرة انه يناسبك " وبدت الدهشة في نظرات رافينا وقالت: " هل تقصد ان لانونا سمحت لي بارتدائه؟ " تلألأت اسنانه وسط وجهه البرونزي في ابتسامة وقال: " ليست لانونا...انما جدتي السلتية ديلمزا التي كانت تتحلى بصليب وهي ترتدي هذا الثوب " حكت اصابعه عنقها وهو يثبت حوله السلسلة الذهبية التي تحمل الصليب المرصع باللآلئ واستقر الصليب على صدرها ولمسته رافينا فأحست الدفء الذي بقي فيه من يد مارك. فتمتمت قائلة: " كم هو جميل. شكرا لك يا مارك لانك سمحت لي بارتدائه هذه الليلة " " انا اعطيته لك " " ولكن...." ووضع مارك اصبعه فوق شفتيها ليمنعها من مواصلة الحديث وقال: " لم يرتده احد سوى ديملزا وقد قدمه لها جدي عندما جاءت الى هنا " وشعرت رافينا فجأة بالدموع تحرق مآقيها فقالت: " مارك احيانا تبدو رحيما للغاية " وعرفت يداه طريقهما الى وسطها وقال لها: " ولكني في اغلب الاحيان ابدو قاسيا اليس كذلك؟....كم احب ان تقبليني يا رافينا " ووقفت رافينا على اطراف اصابع قدميها وكانت تنتعل خفي ديملزا الاسودين وقد زينا بشرائط وردية ثم مست شفتاها خد مارك غير المشوه وفجأة شعرت به يتوتر فقد ادرك انها لا تستطيع ان تحتمل لمس ندوبه لأن التفكير في لمسها كان يثير الرعب في قلبها. واحكم قبضة يده حول وسطها فمالت برأسها الى الوراء وزادت عيناها الخضراوان اتساعا عندما مال بوجهه نحو وجهها وظنت انه سيقبلها ولكنه قال: " كان يجب ان يكون الحفل تنكريا...ما رأيك لو انني غطيت وجهي؟ " انطلقت من بين شفتيها صرخة قائلة: " مارك...لم اقصد..." ولكن قاطعها قائلا: " وجهي يفزعك...كما افزع تلك الطفلة التي خرجت من المدرسة " " كفى...." " افزعك ولكنك ستتعلمين كيف تعيشين معه مثلي" وانسحب وقد ثبت ربطة عنقه وارتدى سترة سوداء وقميصا ابيض اللون ثم قال: " تعالي..من الافضل ان نهبط لمقابلة الناس الذين وصلوا فالحفل اوشك على الابتداء " وكان الفناء حاشدا بالناس رجالا ونساء يرتدون افخر ثيابهم يحدوهم المرح والضحك وبدا حب الاستطلاع في عيونهم عندما ظهر مارك في الفناء بصحبة عروسه الشابة فصاحوا: " مرحبا بك في منزلك يا بدرون جئنا للاحتفال بالزواج السعيد " واقبل عدد كبير منهم لتحية رافينا. البعض يضغط على يدها والبعض يقبلها واحست ان ابتسامتها تجمدت على شفتيها ازاء الطريقة المتكلفة التي تنظر بها النسوة اليها وادركت انهن يقمن بمقارنتها بالعروس التي سبقتها ووقفت الى جوار مارك. كانت دوناتا واحدة منهن مشرقة ذات وشاح يكسو شعرها الاسود مثل لون بشرة مارك اما هي فشعرها احمر اللون وبشرتها شاحبة. شعرت رافينا بالتوتر وودت ان تبكي. واحست بالمهانة من الصورة التي تعرض بها على الجميع ولكن سرعان ما زايلتها هذه المحنة عندما اقبل الخدم يحملون اللحم الذي تنبعث منه رائحة الشواء والخبز واطباق المكرونة
والزيتون والجبن والطماطم والفاكهة وقناني الشراب الاحمر والابيض وملئت الكؤوس وشرب الجميع نخب البادرون وعروسه وهم يرددون قائلين: " مبروك...فالتباركما السيدة العذراء " واجبرت رافينا ان تجلس بجوار دونا جوكاستا وعدد من صديقاتها وانهلن عليها بالاسئلة العديدة وكانت لانونا تقوم بترجمة فحواها لرافينا التي اجابت عنها افضل اجابة وكم كانت سعادتها عندما بدأت رقصة الترانتيلة. لم تشاهد رافينا الرقصة من قبل وشعرت بعد لحظة بسحرها وخاصة بعدما بدأ الرجال يتسللون الى داخل الحلقة التي عقدها بعضهم وشرعت الموسيقى تسارع في وقعها وبدأت الفتيات في نداء اسماء الشبان الذين يعجبن بهم. وكانت فتاة فاتنة تقف بالقرب من رافينا عندما التقطت زهرة من شعرها والقت بها الى راقص خبير في الرقصة فأمسك بالزهرة ووضعها بين اسنانه البيضاء وترددت ضحكات لم يسبق لرافينا ان سمعتها كانت ضحكات اناس يشتغلون بجد واهتمام ويلعبون بحماسة شديدة وتجري في عروقهم حرارة الشمس الساخنة والريح العاتية وجمال الجزيرة المتوحش. وعندما انتهت الرقصة بدأ الراقصون يرطبون حلوقهم باحتساء الشراب بينما كان عازف الجيتار يشدو بأغنية عاطفية وكانت رافينا تراقب كل ما يجري فرأت مارك يتحدث الى بعض رجاله...ربما كانوا هم هؤلاء الذين سارعوا الى اطفاء السنة الحريق التي كانت امتدت عليه. كانت رافينا تحاول ان تتوارى في الظلال بينما كان مارك يدور بنظراته بحثا عنها وكشف المصباح عن الصرامة التي ارتسمت على ملامح وجهه. قال له احد الرجال بصوت عالي: " بادرون يجب ان نذهب لصيد السمك عندما يحين الوقت. اه يجب ان نصطاد بالرمح حوتا رهيبا " قال رجل اخر ضاحكا: " الرجل صياد وعليه ان يجد فريسته " لطم الرجل الاول ظهر الرجل الاخر وقال: " انت تتكلم عن النساء وتقارن بين صيدهن وصيد السمك. ان صيد النساء افضل رياضة للرجال لانه في الحقيقة ليس من السهل ترويضهن. ما قولك يا بادرون في ان المرأة في ان المرأة الايفة اشبه بالمعكرونة الخالية من الصلصة " اجابه ماركوهو يبحث بعينيه عن رافينا: " المرأة التي لا تتشاجر معها ثمنها يقل. انها تحتل قلب الحياة وحيثما توجد الحياة لابد من نشوب معركة " ضحك الرجال وراحت عيونهم تتفحص النساء في ثيابهن الملونة وكانت هالة من الكبرياء والصراحة تحيط بهن دون ادنى لمحة من خضوع في سلوكهن. وتقدمت فتاة فأزاحت الوشاح الذي يغطي رأس رافينا ومررت اصابعها فوق وجنتها وهي تتمتم: " سيدتي العاشقة " وكشف صوت الفتاة المرتعش عن المكان الذي اختبأت فيه رافينا فأضطرت هذه ان تتسلل من مخبئها وتقف في دائرة ضوء المصباح وفي الحال رأها مارك وعندما اقترب منها احست بأنفاسه تلفح عنقها وكان طويلا اسمر اللون يحدق فيها بنظرة تنبئ الجميع بأنها ملك له. سألها بصوت ساخر: " هل استمتعت بالحفل؟ كما ترين الرجال يرقصون مع زوجاتهم وسيبدو الامر غريبا لو اننا لم ننضم اليهم في رقصهم " وجذبها الى حلبة الرقص وكانت الرقصة لا تعدو ان تكون خطوتين بسيطتين ولكن رافينا كانت تتعثر في رقصها وفجأة اطبقت اصابع مارك على وسطها وهمس في اذنها بقسوة: " هل تكرهين لمة يدي كثيرا؟ " وضغطت وجنته على وشاحها الذي يغطي شعرها وبدت همسته امام الجميع انه محب لها وله بها فأغمضت رافينا عينيها حتى لا ترى المصابيح والمرح الذي ارتسم على وجهه وقالت: " انني احاول يا ماركان ابدو عروسا سعيدة في الحفل. انها لا تكاد تكون غلطتي اذا لم يستطع قلبي مشاركتهم " وتوقفت الموسيقى عن العزف وحانة اللحظة التي يقدم فيها الناس للبادرونسيتا هدية الحظ السعيد. هؤلاء الناس توافدوا يحدوهم حب الاستطلاع لرؤية عروس البادرون ويشعرون بالشفقة نحو هذا الرجل الذي قاس كثيرا من مأساته وهو الان يعيد بناء حياته مع عروس جديدة شابة. تجمع الناس حول العروسين وتقدمت فتاة تفوهت ببعض الكلمات الخجلة وقدمت لها هدية غير مألوفة وكانت الهدية ظبيا منقطا بعيون واسعة وسيقان طويلة وكان دور رافينا ان تقوم على رعايته وتدليله. ربت مار على اذني الظبي وقال مبتسما: " من اين حصلت عليه؟ " تقدم احد الفلاحين وانحنى امام رافينا وقال: " ابني الفلاح اتى به من رحلة بحرية كان يقوم بها سيدي البادرون زوجتك يبو على وجهها تعبيرات ذات مغزى والظبي يجب ان يكون ملكا لها . هز حديثه مشاعر رافينا وقالت له: " اشكرك..اخبرهم يا مارك كم انا ممتنة بهديتهم " مست يده كتفها واحست بالدفء يسري خلال بلوزتها الحريرية فقال لها: " انه في وسعهم ان يشعروا بسرورك...يا عزيزتي " قالت: " الف شكر " وانفرجت شفتاها عن ابتسامة وقورة وكانت عيناها ممتلئتين بالدموع بينما تشعان بشعور الامتنان والخجل لانها استطاعت ان تعقد صداقتها مع اهل ساردينيا الذين يتصفون بالطبية. وكان الوقت يشير الى منتصف الليل عندما بدأت الجموع تستقل عرابتها او تمتطي دوابها عائدة الى ديارها. وكانت تصيح وهي تودع العروسين قائلة: " وداعا...ليلة طيبة " وبدأ وقع الحوافر يخفت تدريجيا وهي تبتعد عن المنزل واطفئت المصابيح واحدا تلو الاخر ووجد البادرون وعروسه نفسيهما وحيدين في فناء الدار. واستند مارك الى شجرة سرو وراحت عيناه تلاحظان الطريقة التي يقبع بها الظبي على ذراع رافينا وكأنه طفل صغير فقال لها: " يبهجك هذا الظبي الوليد...اليس كذلك؟ " قالت: " لم امتلك شئ يبهجني مثل هذا الظبي وانني افكر في اختيار اسم يناسبه وافضل ان اطلق عليه اسم (بامبو) اذا لم يكن هذا الاسم يعني شيئا " قال مارك بكسل: " يبدو الاسم غريبا. علينا ان نجد له مأوى في الاسطبل. هناك يمكن ان يعقد صداقة مع مهر يتيم " حملا الظبي ووضعاه بجوار المهر الذي اجفل وصهل واراد مارك ان يهدئ من روعه فربت عليه بيده وسطع اضوء من مصباح معلق فكشف عن الندوب التي بدت واضحة في يديه. وتطلع اليها مارك فرأها تحدق في هذه العلامات الرهيبة وادرك انها اثارتها وتطلعت عيناها الى عينيه فشاهدت فيهما الرغبة متأججة فقال لها: " هل تحبين ركوب الخيل؟ " " اجل قليلا ". قال: " غدا ستمتطين جوادا معي لنقوم بجولة سويا. اما الليلة....." وصمت قليلا ثم واصل حديثه: " اما الليلة فسوف تتعلمين كيف تعيشين مع وجهي ولمسة يدي التي قد تحرق جسمك " وقبل ان تشرع في التحرك لف ذراعه حول وسطها وبدأت خطواته تغادر الاسطبل وهو يحملها ليمر من تحت البهو المؤدي الى المنزل الغارق في الصمت. والان اصبحا وحيدين تماما بعدما انتهت الحفلة وشعرت رافينا بضربات قلب مارك تدق وهو يرتقي درجات السلم ليصل بها الى برج الفارس. كانت يداه قويتين وهما ممسكتان بها وشعرت انه ليس هناك اي سبيل للهرب منهما. واخيرا وصلا الى الباب فدفعه بقدمه فانفتح وكانت القناديل المعلقة بجوار الفراش مضاءة وتلقي بظلالها المتوهجة على الاغطية المطرزة التي تكسو السرير الكبير وتتطلعت ببصرها الى الفراش ثم الى الوسادتين عندما انزلها مارك عن ذراعيه لتقف على قدمها. ترنحت رافينا من جراء المرح الذي استمتعت به وشراب الجزيرة الذي انتشت به ولانه حملها على ذراعيه الى غرفة العروس بمقصد لا يخطئ معناه ولم تشعر الا ويدها تمسك بأحد اعمدة السرير وتاجها الاحمر يهوي من فوق رأسها ووشاحها يتهدل من فوق كتفيها. وشخصت ببصرها نحو مارك فامتلأت عيناها بالخوف من هذا الغريب الاسمر الذي يعد زوجها وهو ينظر اليها بعينين سوداوين تحترقان بلهب مكبوت. قال لها بهدوء: " لم يكن من شروط الاتفاق ان نعيش منفصلين. انت تعرفين بنوده قبل زواجنا ولابد انك ادركت معنى كل كلمة من كلماته. انني اريد زوجة " وابيضت اصابع يدها وهي تقبض على عمود السرير ثم قالت: " لكي انجب لك ولدا...اه اجل اعرف الشروط يا مارك ولم يراودني الامل يوما بأنك سوف تعدل عنها بل لم اتوقع ذلك منك " " هل كنت تتوقعين ان تجدي عاشقا؟ " واجهت عينيه وهي تقول: " طبعا انا لست طفلة يا مارك انا اعرف ان في وسع الرجال الشعور بالرغبة دون الاحساس بالحب "
سألها: " اي رجل علمك هذا؟ " اجابت: " المرأة تعرف اشياء كثيرة من دون حاجة الى ان تتعلمها " وتركت شعرها يتهدل حتى وصل الى مستوى قلبها بينما كان مارك يخطو خطوة كبيرة نحوها ويقبض على رسغها ثم يقول لها: " هل تظنين انني لا اعرف انك تشيرين بذلك الى رودري برينين وانك مازلت تهتمين به الى الان؟ " سألته: " وكيف لي ان اقول انني لا اشعر بشئ؟ كيف لي ان انسى السنوات السعيدة؟ " فاشتدت قبضة مارك على رسغها وكأنه يبغي تحطيم عظامها فنظرت اليه ورأت في عينيه صورة لكل ما فعله به رودري اذي شاطرها اسعد ايام الطفولة وسنوات المراحقة وحفلات الرقص التي دعاها اليها وهو متألق في زيه العسكري ولكنه كان يبدو ضعيفا في حين ترى مارك قويا لا تنثني قناته. قالت له: " اننا نحكم على الناس من زاوية شخصية بحته فأنت تكره رودري وانا ادرك...." فقاطعها مارك قائلا: " انا لا افهم كيف يمكن ان تحبيه! " وتوقف قليلا عن الحديث فرأت وجهه كالثوب الابيض وعينيه الغاضبتين تعكسان نظرة الم ثم اردف يقول: " كلما نظرت اليك ارى برينين في عينيك وكلما اختلينا سويا اراه يشاركنا الغرفة " فقالت له: " لانك تحاول دائما ان تتذكر اسمه في حديثنا. هل من المحتم عليك ان تبدو قاسيا هكذا يا مارك؟ الا تظن ان رودري قاسى هو الاخر الشئ الكثير؟ " " انني اتوقع ان يصحو ضميره. هل عاد الى انجلترا لان ضميره دأب على مطاردته ورأى ان بغرق دوي الحادثة بين ذراعيك؟ " صمت مارك وعندما اقترب منها سطع ضوء المصباح فوق صفحة وجهه ثم اردف يقول: " هذه الليلة سوف تنسين رودري سوف تنسين كل انسان في الوجود الا انا" انصتت رافينا اليه ولم تستطع ان تتفوه بكلمة وكان الصمت مطبقا وهي واقفة تتطلع اليه والى عينيه السوداوين كسواد الليل الذي غاب فيه القمر واحاط المنزل في كنفه. وكان البحر صامتا واشجار السرو ساكنة وألسنة الغضب والالم تتوهج في عينيه. واخيرا...قالت شيئا. هل تفوهت بأسمه؟...كل ما تعرفه ان الارض اختفت من تحت قدمها عندما حملها على ذراعيه واخفى الندوب في لهب شعرها الداكن.
******
هل كان مارك صادقا عندما اخبرها في اليوم التالي بوجود بعض المشكلات في احد مصانع الحمضيات وضرورة ذهابه الى هناك لحلها؟ لم تستطع رافينا ان تقرأ شئ في عينيه بعد ان استيقظت من نومها واكتشفت وجوده بجوارها وشعرها الاحمر ملفوف حول عنقها. رحل ماك قبل الظهر وفي المساء وصلت رسالة تخبرها بأنه سوف يتغيب يومين او ثلاثة وارخت رافينا عينيها وهي تتناول طعام الغذاء مع جوكاستا حتى لا ترى مدى الارتياح الذي غمرها لغياب مارك. انه ارتياح يبعث على الاسترخاء للتخلص من التوتر المستمر الذي يثيره وجود مارك وفي وسعها الان ان تستكشف الشاطئ الذي يقع تحت المنزل. الحياة تدعوها الى الارتماء في احضانها ورافينا تعشق البحر وخاصة انها سباحة ماهرة. وكم كانت ممتعة تلك العطلات التي امضتها على الشاطئ بصحبة جاردي...ورودري. حاولت ان تسدل الستار لتمنع عقلها من التفكير في رودري ولكنه كان دائما يقتحم خلوتها بطريقة تجعلها تحس بأنه يفكر هو الاخر فيها فتنهدت واحست ان دونا جوكاستا تراقبها بحدةوسألتها: " هل تفتقدين وجوده؟ " فتطلعت رافينا اليها ووجدت عيناها مسلطتين عليها: " هل تقصدين مارك؟ " " ماركوس؟ اجل! ومن سواه؟ هل هناك شخص اخر غير زوجك تفكرين فيه؟ "
واكتنف سؤالها شك حاد فقد كانت رافينا تعرف ان الجدة تراقب حياتها طوال فترة غياب حفيدها وربما طلب منها ان تراقبها عن كثب. قالت رافينا بحرص: " اشعر بالحنين للوطن. هذا كل ما في الامر. كل انسان ما عدا مارك يعد غريبا علي وغدا سأعتاد على بيتي الجديد " تجهمت جوكاستا: " انني ادير هذا المنزل منذ ماتت دوناتا ولن يطول بك الزمن حتى تكوني قد تسلمت مفاتيحه مني " قالت رافينا بتأكيد واضح: " انا..انا لا اريد المفاتيح. انني سعيدة بأن ادع لك تدبيير امور الكازا. انني لا اريد ان اقلب وضع الامور او تغييرها " سأ لت الجدة العجوز: " لماذا؟ الأنك لا تحاولين الاهتمام به؟ " وكان هذا الرأي قريبا من الحقيقة وكانت رافينا سعيدة عندما تحولت لتناول قطعة من الكعك المغطى بالكريمة وبعد الغذاء استأذنت من دونا جوكاستا في الانصراف للقيام بكتابة بعض الرسائل وبعدما استجمعت اعصابها بكتابة رسالة الى جاردي تخبره فيها عن سعادتها في المنزل الذي تحيط به اشجار السرو ووصفت له الحفل الذي اقيم احتفالا بزفافها والقرية التي تقع......... ثم راحت تكتب رسالة الى رودري ولكنها ما كادت السطور تبلغ منتصفها حتى كورت الخطاب في قبضة يدها والقته في نار المدفأة فقد رأت انه لم يعد لديها شئ تضيفه الى ماقالته له في يوم زفافها فهي تعرف تماما ان سلامة صحة جاردي تتوقف اساس على السرية التامة لكل ما حدث واذا اعترف رودري لابيه بأنه قتل ابن مارك فمن المحتمل ان النبأ سيؤدي الى قتل جاردي. وفي صباح اليوم التالي توجهت الى مكتب بريد القرية لتبعث برسالتها ثم اتخذت طريقها على الدرب المؤدي الى ساحل البحر وعندما بلغت الشاطئ وجدته مهجورا فتخلصت من خفها وجرت الى الامواج المتكسرة لتستمتع ببرودة الماء فشعرت لاهدوء والطمأنينة. وفجأة قطع عليها خلوتها صوت نباح كلب صغير مبلل بالماء اخذ يتسلل من بين الصخور ليقترب منها ويقف امامها ساكتا مشدوها مثلها. وتحول نباحه الى هرير قصير. قالت له: " حسنا...انا لست اخشاك. وانت بالتأكيد لا حاجة بك الى ان تخشاني " وهمد الهرير وبدأ الكلب يتقدم منها وهو يهز ذيله. كان كثيف الشعر تتهدل خصلات من فوق عينيه. شكله يدعو الى الضحك وهو مبتل وهذا النوع من الكلاب تحبه رافينا اشد الحب. سألته: " من اين اتيت؟ " ومدت له يدا حانية فأحنى رأسه واخرج لسانه ليلعق يدها بينما راح ذيله يتأرجح بقوة وفجأة سمعت رافينا صوتا ينادي: " تيو! " كان الصوت اتيا من وراء الصخور فتطلعت باتجاهه ورأت رجلا ينسل من بين الصخور عاري القدمين, شعره مجعد, نحيل القوام, يرتدي سروالا ضيقا ازرق اللون وتتراقص مدالية على صدره الاسمر العاري. واستطاعت نظراته الجريئة ان تلتقط كل صغيرة وكبيرة من مظهر رافينا ثم استقرت اخيرا على شعرها الذي استحال لهيبا عندما سقطت عليه اشعة الشمس وراحت الريح تعبث بخصلاته فوق كتفيها. قال الشاب وهو يقترب منها وقد انفرجت شفتاه عن صفين من الاسنان البيضاء: " عثرت على صديق لك يا تيو...اليس كذلك؟ " صمت قليلا ثم قال بالايطالية: " صباح الخير سنيوريتا " ثم اردف يقول بالانجليزية وكأنه يعرف شخصية من يحدثها: " كيف للانسان ان يعرف مبلغ سعادته في هذا الصباح عندم يعثر على صديق فوق رمال الشاطئ " تأملته رافينا مليا ولكنها لم تستطع ان تتذكر انها رأته في حفل الامس. كان لديه ذلك النوع من النظرات التي لا يستطيع المرء نسيانها. وتقدم منها وانحنى انحناءة خفيفة وقال: " يجب ان اقدم لك نفسي انا ستيليو فابريزي لا ادري ان كنت قد سمعت عني ام لم تسمعي انني يا سنيورا رسام " وفي الحال تذكرت رافينا الاسم ولكنها شعرت بعينيه تدغدغانها حين تحدثت لتقول له: " هل تقوم بطلاء البيوت يا سنيور؟ انه عمل مثير اظن ان بيوت البحر الابيض التي طليت بالالوان اصبحت شيئا فريدا اذ انها تنسجم جيدا مع اشعة الشمس والبحر
ضحك الرسام بمرح وقال: " من الغرور ان ادعي بأنني احظى بشهرة كبيرة. انت العروس الجديدة وسوف تنسجمين بدورك مع اشعة الشمس والبحر وكان ظني ان تكوني شقراء باردة ذات نظرة نافذة ومقلقة " قالت بهدوء: " انني اسفة ان اخيب تقديرك يا سنيور فابريزي " قال وعيناه تأسران عينيها: " لم يخب ظني بل اعتبر نفسي سعيد الحظ لان اجد فيك الشخص الجدير برسمه. ان صور عرائس اسرة دي كورزيو رسمها مشاهير الفنانين وعندما سمعت ان مارك دي كورزيو قد تزوج ثانية قررت ان اتي والقي نظرة على على عروسه " قالت لتسأله: " اواثق انت ان زوجي سوف يختارك لرسم صورتي؟ " رأت رافينا فيه الجرأة والشجاعة واحست انه من السهل عليها مسايرته وهو في ذلك مختلف عن مارك الذي يموج عامل الخوف دائما في اعماقها معه وتدرك تماما انه متحجر القلب وتبدو قسوته على وجهه. وانتشلها الرسام من تفيرها حينما قال: " مارك دي كورزيو رجل مشهور وحيث انني اقيم في فيلا صغيرة تقع على الساحل الزمردي فانه سوف يستدعيني لرسم صورة زيتية لعروسه البريطانية " " انا من مقاطعة ويلز يا سنيور " وجال ببصره نحوها متفحصا فشاهد شعرها الاحمر وعيناها الخضراوين وشموخها وهي تقف بين الامواج المتكسرة والزبد المتطاير يتناثر خلف شعرها. قال لها متمهلا : " اجل ارى فيك سحرا اخاذا ومن دواعي السرور ان ارسمك يا سنيورا دي كورزيو " قالت: " انني افترض جدلا ان مارك سوف يستدعيك لرسمي " قال الرسام بصوت يشوب الكبرياء نبرته: " لا انتظر عودة زوجك حتى اسأله القيام برسم صورة لك فقد اعتدت الا استأذنه عندما يعجبني منظر طبيعي اخاذ يدفعني الى رسمه. فما بالك عندما ارى امرأة جميلة! " " اكاد اكون جميلة يا سنيور..." قال مبتسما: " اذا دعينا نقول انك فاتنة مثيرة. ما رأيك في ساردينيا هذه الجزيرة التي نطلق عليها نحن الايطاليون هذا الاسم. انها تشبه الخف " اجابت: " انني اجدها جذابة نقية من كل فساد. ولو كنت فنانة لتوقعت الا اقاوم اغراءات الجمال " قال: " عروس لا تقاوم الاغراءات " وتطلع اليها الرسام الشاب بنظرة يشوبها حب الاستطلاع, نظرة دفعتها الى البحث عن خفها الذي تركته في منتصف الشاطئ فقامت لاحضاره. وعندما سار الى جوارها رأت فيه رجلا قوي البنيان ولكنه ليس في طول مارك وفي لحظة تجسدت فيه صورة رودري وهو يسير الى جوارها. واخيرا قال لها ستيليو: " حلقة الصندل التي يتعلق بها اصبع القدم هل هي مؤلمة؟ " ولوهلة لم تستطع رافينا ان تدرك المعنى الذي يعنيه ثم عرفت انه يشير بطريقة مهذبة الى الحياة في الجزيرة والى كونها عروسا لرجل مثل مارك فتألقت عيناها ببريق اخضر عندما غمرتها اشعة الشمس فتوتر الفنان وهو يتطلع اليها. قالت له: " اذا سألتني يا سنيور اذا كنت اشعر بالراحة في الكازا فانني سأجيب عليك بأن الامر سيستغرق من المرء بعض الوقت حتى يحس بالاستقرار في وطن غريب " فقال متعمدا: " لديك عينان جميلتان يا سنيورا ولكنني لا ارى اي نجوم فيهما " سألته: " هل تبحث عنها في وضح النهار...يا سنيور " خيم الصمت عليهما ثم قال: " يجب ان تشاركيني طعام الغداء لدي زورق صغير في المياه وراء الصخور ولدي سلة وضعت فيها مدبرة منزلي الوانا مختلفة من الطعام هل ترغبين في مشاركتي؟ "
تتطلع الى بصرها الموجه الى لسان الارض الداخل في البحر حيث برزجناح من الكازا وفكرت رافينا ان دونا جوكاستا تتوقع عودتها لتناول طعام الغداء معها في الصالون وسوف تسألها عن المكان الذي قضت فيه كل فترة الصباح وعن الشخص الذي امضت معه كل هذا الوقت ولذا وجدت من الصعوبة ان تلبي دعوته لتناول الطعام معه ومع كلبه لذلك قالت له: "شكرا حقا اني جائعة ولكن عبور الطريق الى الكازا يحتاج الى وقت " صوب الرسام بصره الى المنزل ورأى ستارات النوافذ مسدلة تحول دون دخول شمس الظهيرة الى غرفه والشرفة المطلة على البحر تبرز فوق الربوات ويبدو ان للمنزل مظهرا منيعا ومنعزلا وكأنه شيد ليبعد عنه اي طارئ غريب. تمتم ستيليو قائلا: " لن يضيق زوجك اذا ما شاركتني طعام الغداء " قالت: " مارك في رحلة عمل " " فهمت...ترك عروسه ليلهو قليلا...ما رأيك؟ " قالت: " لا اشعر بأي ضيق. مارك لن يدع عمله ينحدر الى الحضيض بسببي " وكز ستيليو عل اسنانه وهو يقول : " يا الهي...لو كان زوجك ايطاليا لن يدعك وحدك هكذا بل سيقضي حياته بصحبتك. لا يفارقك ليل نهار " قالت: " ما ارهب هذا واشبهه بالحجز الانفرادي انه السجن " قال استيليو وكان صوته الاتيني يربت بحنان على لماته: " انك سجينة الحب لا يسع الرجل العاشق الا ان يقول: اذا لم يكن عندي شئ غير باقة من الورد فانني سوف اقاسمك اياها! " " انت شاعر يا سنيور فابريزي ولكنك بالكاد تتلاءم مع متطلبات الحياة اليومية. انا افضل ان يقتسم الرجل طعامه معي. لاني جائعة " قال لها مؤنبا: " انت تقولين عبارات تكاد تتفق مع لهيب شعرك والجواهر التي تتلألأ في عينيك " " ان الشعر يتبدد اذا القي على مسامع امرأة جائعة. هل لديك قهوة في سلتك؟ " قدم لها يده وهو يقول: " دعينا نذهب وسوف ترين " تسلقا الصخور وبلغا خليجا ارسى فيه ستيليو زورقا صغيرا في مؤخرته محرك فنقل من الزورق سلة الطعام تحت شجرة وارفة الظلال وكانت السلة تحتوي على السجق والخبز والجبن والزيتون وشرائح الليمون وغيرها من الاطعمة المنوعة. وبعدما فرغا من الاكل احتسيا القهوة المكثفة وانتابهما شعور بالتخمة فطلبا الراحة. وكان الجو باردا حولهما بينما كانت اشعة الشمس تبعث الحرارة خارج لرقعة التي جلسا فيها. قال لها فابرزي: " يجب ان تتيحي لي الفرصة لرسم صورة لك يا رافينا " " يجب ان استشير مارك في ذلك يا سنيور لانه تحدث معي بصدد رسم صورة لي لكنني لم اكن شغوفة بالفكرة " ومال عليها استيليو يتفرس وجهها ثم سألها: " ولم لا؟ انت خائفة من فنان فطن سوف يرى اشياء في عينيك تكشف عن امرأة غير سعيدة البتة؟ " دفنت اصابعها في الرمل الناعم وودت ان تقول له انها سعيدة تماما ولكن ستيليو راح يربت على يدها. كان طيب القلب متفهما لعواطف الاخرين ويدرك ان الشقاء جزء من الحياة مما يجعل الناس موضع الاهتمام وخاصة بالنسبة اليه كفنان . قال لها: " ان الجو يكون اكثر برودة فوق سطح الماء. دعيني اصحبك بزورقي في رحلة بحرية. ان زوجك غائب عنك " سحبت يدها من تحت يده وقالت: " وهل تظن ان الفأر من حقه ان يلعب في غياب القط ؟" ضحك ستيليو وبصره مصوب نحو شعرها الاحمر وقال: "رافينا انك لست فأرا. انك تشبهين لوحة للرسام تيتان حيث تعكس العينان الحيوية والخجل انت تختلفين تماما عن دوناتا "
سألته: " هل كنت تعرفها؟ " شعرت رافينا بأنفاسها تتلاحق وهي تسأل عنها اذ سرعان ما تتمثل امام عينيها صورة المرأة التي احبها مارك عندما يبدأ اي شخص الحديث عنها . اجاب فابريزي: " التقيت بها في صحبة مارك في روما ولم يكن قد مضى على زواجهما فترة طويلة ورسم صديق لي صورتها في مرسمه. كانت مخلوقا جذابا ذات عينين داكنتين وفم كالزهرة المتفتحة واخبرني صديقي الفنان انه كان مأخوذا بها عندما رسمها لانها تدعوك الى حبها وهي تعيشقصة حب " خفضت رافينا عينيها وكأنها ترى بوضوح اشعاع جمال دوناتا فسألته: "ماهو الانطباع الذي تركه مارك عليك في ذلك الوقت ؟ " قال استيليو عن عمد: " كان في صورة رجل له مهابة رومانية وهو جالس في مرسم ارنو. كان يدخن وكانت عيناه تشعان بالرضا وهو يراقب اللمسات الاخبرة التي يضعها الفنان لصورة دوناتا. اتذكر انه وزوجته كانا ينعمان بكل شئ يرغبان فيه. الجمال, الثروة, الحب ولم اشاهد اي ظلال للشقاء