العروس الاسيـــــــــــــــــــرة - الفصل 2 - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: العروس الاسيـــــــــــــــــــرة
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل 2

الفصل 2

عاطفي وجلس الى جوارها مدهوشا. اشعل لفافة تبغ وسحب نفسين ثم سحقها والقى بها خارجا وكأنه يكابد مرارة الصدمة ثم قال لها: " لا يمكنك احتمال الامر. سأخبر ابي بكل شئ " قالت ببرود: " وتقتله؟ الا تظن انك ارتكبت ما فيه الكفاية؟ مات طفل صغير " وكسا وجهه قناع من الالم والاسف المرير وهو يقول: " رافينا انا...ظننت انه يمكن نسيان كل شئ. انني اخطو على درب الجبن مرة اخرى " " كل ما سنفعله هو عدم ايذاء جاردي. هل تسمعني يا رودري؟ " " لكن ما هو الثمن يا رافينا؟ " " زواجي " واوقفت السيارة عند منحنى هادئ والتفتت تتطلع اليه واردفت قائلة: " سأعتاد العيش في ارض غريبة " " مع رجل لا تحبينه ؟" " هل قلت اني لا احبه؟ " " انا اعرفك جيدا يا رافينا عيناك لا تجمدان بل تبعثان الدفء ما دمت سعيدة كانت تتألقان يا رافينا في الايام الخوالي " قاطعته قائلة: " لا داعي للحديث عن الايام الخوالي لن تخر غاردي بأي شئ عما حدث في ساردينيا انتهى الامر ولن يعود الصبي اصغير الى الحياة " " انت فتاة صغيره حمقاء يا رافينا هذا الزواج يجب ان يفسخ قبل ان يبلغ مداه. يا الهي. هل تظنين اني سأدعك تعيشين مع رجل اجبرك على الزواج منه؟ هل تعتقدين ان ابي سيتخلى عنك لو عرف الحقيقة؟ " قالت: " يجب الا يعرف يا رودري! ان قلبه لن يتحمل الموقف اسأل دكتور شاني " سألها وقد لاح وجهه في عينيها وكأن السنين تقدمت به: "بهذه الدرجة من السوء؟ " سألته: " هل اعتقدت انك تستطيع الافلات دون ان تنال عقابك؟ مارك دي كورزيو يكابد ندوبه على وجهه وفي اغوار نفسه. هل تسمعني يا رودري؟ انه يكابد ندوبه " عندئذ انهار رودري وبدأ ينتحب كالطفل الصغير فربتت على شعره الاسود وحاولت تهدئته وتمتمت قائلة: " يجب ان تمكث في فندق القرية الى الغد. انت لا تستطيع ان تقابل جاردي في هذه الحالة ومن الافضل ان تتوجه الى البيت بعد ان ارحل ان ومارك الى ساردينيا هل تفهمني؟ " هز رأسه. وعندما استعاد رباطة جأشه ثانية ادارت المحرك وقادة السيارة في اتجاه الفندق ولكنها لم تجرؤ ان تترك رودري وحده كان اليأس مسيطرا عليه وفي امس الحاجة اليها فمكثت معه في ردهة فندق ]الذئب والحمل[ وراحت تجاذبه اطراف الحديث. وقال رودري شاحب اللون: " رافينا سيقتلك عندما تعودين اليه " وتطلعت الى الساعة المعلقة على الحائط وشعرت باصابع باردة تعتصر قلبها ولاول مره فكرت في مارك وفي غضبه قالت: " اجل..يجب ان اعود يجب ان تعدني يا رودري بأنك لن تفضي بشئ لأبيك. سيكون الامر فوق طاقته " وثبت عينيه على وجهها وقال: " وماذا عنك انت؟ " وقفت على قدميها وتناولت حقيبة يدها ووشاحها وقالت: " سأكون بخير كما يقول لي كل واحد اليوم. مارك ثري وصاحب قرى وله مكانة مرموقه في سردينيا وسوف اصبح سيدة بيته " وزمجر رودري قائلا: " كأن هذا كله هو ما يهمك. انت الفتاة التي اعرفها جيدا انت ابعد عن كل انانية " قال ضاحكة: " لا تجعلني ابدو في صورة ملاك. وعلى فكرة جونيث كيريو مازالت عزباء وفاتنة كأغنية ويلز. تذكر كيف كنت دائما ميالا اليها. جاءت اليوم لتشهد حفل زفافي واشارت قائلة ( اليس من العار ان لا يحضر رودري زفافك) " وعندئذ هرعت رافينا تبتعد عنه وعن الردهة وعن الفندق لترتمي في احضان الليل والمطر. قادت سيارتها عائدة الى رافنهول عيناها الخضراوان متجمدتان كحجر الزمرد الذييزين خاتمها وحدثت نفسها في انها تستطيع ان تتحمل اي شئ الان حتى غضب مارك. دخلت المنزل لتجده خالي من المدعوين ولم يبقى شئ سوى الزهور مدلاة في مزهرياتها وقد تناثرت بتلاتها على ارضية القاعة. وعندما اغلقت الباب الامامي وقع نظرها على شبح طويل يقف وسط الصالة الخافتة الضوء وسعى مارك اتيا من لمكتبة وشعرت بوخزة من الخوف تسري في اعماقها وهو يتقدم نحوها في سترته السوداء. سألها غاضبا وهو يهز كتفيها بيديه: " اين كنت؟ " ظلت صامتة وعندما اشتدت قبضة اصابعه على كتفيها ولم تتح له الفرصة ليدرك مخاوفها. وكان الهدوء الذيتكلم به اشبه بلسع السياط تنزل فوق جلدها وبعد هذا الصمت قال: " هيا..اخبريني اين كنت؟ سوف تفسرين لي سبب غيلبك وسوف تنتحلين كذبة. كان علينا ان نخبر المدعوين ان وعكة المت بك وان رحيلنا الى المطار قد تأجل. انني اكره الخديعة يا رافينا " " هل حقا تكره الخديعة يا مارك؟ " تطلعت اليه وتساءلت: " اي اسم اخر يمكن ان يطلق الناس على زواجنا؟ " ثم اردفت تقول: " لاشك انك سمعت عن الاضطرابات العصبية التي تعتري العروس في ليلة زفافها سيطرت بعضها على نفسي ووجدت انه من الخير لي ان انطلق بنفسي خارجا لفترة وجيزه " طوى طرف كم سترته وتتطلع الى ساعة يده وقال: " لكنك امضيت عدة ساعات ومن حقي ان اعرف اين امضيت هذه الفترة؟ " قالت: " كنت اقوم بجولة في السيارة؟ " كان ما تقوله نصف الحقيقة ولكنها لم تستطع ان تواجه نظرات عينيه وراحت تتطلع الى باب المكتبة المفتوح وسألته: " اين جاردي؟ " " خلد الى النوم وهو جالس على مقعده متوتر الاعصاب قلقا عليك " ومست هذه الكلمات عصبا حساسا عندها وعندما شرعت السير اتجاه المكتبة امسك مارك برسغها وجذبها ثانية واوقفها في مواجهته وسألها: " هل امضيت كل هذا الوقت مع رجل؟ " كان من المحتم ان يحدس جزءا من الحقيقة ولكنها لا تستطيع ان تخبره بالباقي. انها لا تقوى ان تفضيله بعودة رودري الى انجلترا وانها اصحبته في سيارتها. سوف يدركان قاتل ابنه هو الرجل الذي تحب وانها تورطت في زواج لا يقوم على الحب من اجل حمايته. انتابها شعور من اليأس البارد بعث الشجاعة في اعماقها لأن تتحداه فقالت له: " هل ان الاوان يا زوجي لان تصفع عروسك؟ هل رأيت انه من المزلة ان تختفي عروسك في ليلة زفافها وانها لا تمتثل بالخضوع لك حتى يبدأ شهر العسل؟ " حملق في وجهها وشعرت بقبضة اصابعه تهشم عظامها وسألها معايرا: " كم يلزمك من الوقت حتى تعرفيني حق المعرفة؟ هل تتصورين ان ما احبه في المرأة هو الخضوع فقط وليس شيئا اخر؟ " " يبدو انك قدمت اعذار واهية للمدعوين عن غياب عروسك. وهذا ما دعاهم للدهشة " " اظن ان دهشتهم منا ستلازمهم لعدة اسابيع مقبلة. وسيتوهمون يا رافينا انك ما تزوجت مني الا لاجل مالي, واين اجد المرأة التي يمكن ان تحب وجها مثل وجهي؟ " التوت شفته بابتسامة شاحبة وامسك بذراعها الاخري ومال عليها ولكنها جاهدت لكي تبتعد عن وجهه المشوه بالندبة. ولابد انه قرأ في عينيها ما يخالجها فقد كانت لا تحس بأية رقة في لمسته وهو يميلها فوق ذراعه حتى بدا شعرها وكأنه جناح من اللهب يجابه نسيج كمه الداكن. تمتم قائلا: " انظري مليا في وجهي. يجب ان تعتادي عليه لاني لا اريد ان يكون زواجنا مجرد ظل " تركها وسار بعيدا عنها تجاه السلم حيث استدار ينظر اليها وقال: " نمضي الليلة في رافنهول ونرحل غدا " وصمت فجأة ثم انفجر ضاحكا وبهدوء قال ساخرا: " لا حاجة بك الى اغرائي بعينيك. ان شهر العسل سوف يبدأ في سردينيا وليس هنا " وتراجعت اصابع يدها في بطء عندما غاصت فحوى كلماته فيعقلها المتعب وقالت: " انت تقصد...." قال: " سنطير غدا جنوبا. الليلة ستقفين صامدة على قدميك فأنا لست شيطانا كما ابدو لك " ولاح الاجهاد والدموع في عينيها وهي تتطلع اليه. لو ان لها الشجاعة ان تفضي له بأنها كانت بصحبة رودري ولكنها كانت تخشى ثورة غضبه. كما انها لا تثق في رحمته واخيرا قالت له: " انا..انا..يجب ان اذهب الى جاردي " الا انها لم تكد تبلغ باب المكتبة حتى استدارت لتلقي نظرة اخرى على مارك. وعندما اسرعت بالدخول الى المكتبة تململ وصيها في مقعده وفتح عينيه وابتسم قائلا: " مارك كان غاضبا. لا تهربي ثانية يا عزيزتي انت امرأة متزوجة الان. انت تعرفين ذلك " وضغطت وجنتها على كتفيه وقالت: " اجل يا جاردي " " كنت دائما فتاة ذات بصيرة نافذة. اليس كذلك؟ هل انت متأكدة من انك سعيدة مع هذا الرجل؟ " وادركت نبرة الحرص والشك في صوته وفي الحال رأت انه من الضروري ان تبعث الطمأنينة اى نفسه: " واي شئ تنشده الفتاة عندما تتزوج من رجل؟ " وابتسمت ابتسامة عريضة في وجهه الذي تحبه وتحترمه كثيرا. ثم قبلته في وجنته وحدثت نفسها بأن غدا سيعود رودري الى البيت والى ابيه وسيكون في ذلك عزاؤه عندما يجتمع شملهما. *** نهاية الفصل الاول*** 2-من يجرح الحجر؟الدروب حول الجبل ضيقة ملتوية حول نفسها وبدت السيارة وكأنها تحيد عن مسارها لتستقر في اعماق البحر. وكانت الرياح تلطم زجاجها مما اضاف مزيدا من الاحساس بخطر داهم خاصة ان قيادة سيارة على حافة ارض غريبه ومتجهة الى غاية مجهولة كان في نظر رافينا ضربا من الخيال. جلست رافينا صامتة في المقعد المجاور قرب زوجها واغمضت عينيها حتى لا ترى المنحنيات التي تتلوى عبر الطريق ويبدو ان عاصفة الصيف اقتفت اثرهما منذ غادرا بريطانيا وظلت ملازمة لهما طوال الطريق. قال مارك بعد مضي ساعة من الصمت: " اسف ان صورة الجزيرة التي افسدتها مياه الامطار هي اول منظر يقع عليه بصرك " وفتحت رافينا عينيها فوقع بصرها على الصورة الجانبية التي حدد معالمها ضوء العاصفة فشاهدت السنة النار وقد تركت بصماتها على صفحته وبعد صمت وجيز استطرد قائلا: " يعتبر كاستيل دي توري واحدا من اجمل معالم سردينيا عندما تلقي الشمس بأشعتها عليه ويعبق الهواء برائحة الليمون " كان يتحدث اليها كواحد من ممثلي شركات السياحة وهو يحاول ان يقنعها بأنها بحاجة الى الشمس فقط لكي تعشق مدينته. تسائلت هل يمكنها ان تحب هذا المكان النائي الذي يقع بعيدا عن وطنها وعن جاردي الذي استأجر مدبرة منزل لترعى شؤونه. بذلت رافينا جهدها لكي تقاوم حنينها الى الوطن الذي راح يؤرق مضجعها وتطلعت الى يد مارك وهو يدير عجلة القيادة ثم نقلت نظرها الى اثار الندوب التي انحرفت غائرة في جلده الاسمر وكان مارك يركز انتباهه على الطريق عندما قال لها: " لابد انك تشعرين الان بالاعياء ولكن بعد ميل او اكثر ستلوح لك كازاتشيبريسو وستشاهدين اشجار السرو التي تعلو في كبد السماء كالمشاعل وسط الامطار. ومن المحتمل جدا ان يصفو الجو غدا وتشرق الشمس وتحت الكازا تقع بساتين الليمون التي تقترب من البحر والكروم المزروعة على جوانب التل. سألته بأدب: " هل تمتلك حصة من الارض؟ " وشعرت انه يبتسم باستياء واجاب: " مساحة جيدة انا معروف هنا باسم بارون الارض والفلاحون الذين يعملون في ارضي هم احفاد الفلاحين الذين عملوا عبر السنين مع اجدادي الاحداث لا تتغير سريعا في سردينيا لان اسلوب حياتنا ماهو الا صورة مستمرة للماضي" قالت واصابعها انعقدت على حقيبة يدها وتشبثت بالجلد: " انت تقصد النظام الاقطاعي وانت نموذج للاقطاعيين. كلمتك هي القانون في هذه الجبال والناس يحنون هاماتهم اجلالا لك " قال: " لا ينحني اي سرديني لاحد انا احمل اللقب فقط ولكنني لا احصل على حصة من انتاج الارض اكثر مما يحصل الاشخاص الذين يفلحونها " " وانت لك العسل اليس كذلك؟ ام ان زوجتك وحدها سوف تستخلص العسل لك " القى مارك نظرة سريعة عليها وسألها : " عم تتحدثين؟ " " في الايام الغابرة كان الاقطاعيون في مقاطعة ويلز يفوزون بنصيب الاسد في كل شئ ويستخلصون العسل للحاكم ويقمون بتقديمه له في قصره الذهبي" " اذا سوف تستخلصين العسل يا رافينا لتقدميه قربانا لسيد القصر " قالت ضاحكة: " اجل يا مارك سأقدم ثيابي وشعري كما يفعل اي عضو سابيني فانني لا املك سواهما " " سيانديك اهلي باسم ((بادروتشينا)) اي السيدة الصغيرة " واشاحت ببصرها عنه وتطلعت زائغة البصر عبر النافذة المجاورة لها وراح يتحدث اليها وهو يعتقد ان عروسه سعيدة وفي لهفة الى رؤية بيته الجديد . ويبدو انه كان لا يأبه كثيرا انها ستعاني الوحدة والخوف من وجودها في ارض غريبة مع رجل لا يحبها ولا يهتم بامرأة لا تكن له الحب. كانت ترى ان الحب وحده كفيل بان يبعث في المرء الشجاعة والرغبة في رؤية الاشياء الجديدة ومقابلة حب استطلاع الناس ومواجهة عداوتهم. كانت رافينا هي الزوجة الثانية التي تأتي الى قصر السرو وحدثتها غريزتها ان دوناتا كانت جذابة ومحبوبة من الجميع وتتميز بالشعر الاسود والعينين الناعستين كفتيات الجنوب. استدارت العربة عند احدى منحنيات الطريق الجبلي ولاحت في الافق اشجار السرو وبرجا منزل مارك الذان يبرزان عاليا فوق الصخور المطلة على البحر. كان القصر يبدو كقلعة مظلمة كئيبة واشجار السرو في هيئة حراس حوله ومضى لبرق بصورة متقطعة عندما اوقف مارك السيارة ورأت رافينا درجات سلم حجري وعددا من المصابيح الحديدية معلقة على الجدران التي تحيط بالباب الامامي المرتفع. لفحت الريح خصلات شعرها وملابسها وهي تغادر السيارة وسارت حتى وقفت عند اولى درجات السلم ويبدو انه لم يكن مناسبا ان تصل الى هنا اثناء هبوب العاصفة. انضم اليها مارك ولاحظت قطرات المطر تعلو صفحة وجهه وبريقا يتلألأ في عينيه. قال لها: " اهلا في بيتك الجديد " وقبل ان يلمسها هرعت تصعد درجات السلم لتقف تحت المدخل هربا من المطر كانت ترتجف اضرابا وتحرص الا تكشف اضطرابها قالت له وهو يقرع الباب: " استطيع ان ادرك سبب عدم وجود مفتاح للباب في حلقة مفاتيحك. هل الامور هنا في الكازا تأخذ مظهر الفخامة الملكية؟ " قال مارك وهو يتأمل الباب الكبير المثبت في الجدران السميكة للبيت: " البيوت تبنى هكذا عاليا حتى تتحمل موجات الرياح اشمالية العنيفة الباردة وموجات الرياح الشرقية الجافة المثقلة بالغبار. ولاشك ان الابراج اقيمت لتعطي القلاع مظهرا يشيع الرعب في قلوب القراصنة الذين ينزلون في الساحل تحتها. وقديما قالوا ان بيت الرجل هو قلعته التي توفر الحماية لعماله واهل بيته " وادركت من طريقة حديثه انه يجد سعادة وفخرا بالبيت القديم المتين البنيان الذي عاشت فيه اجيال متعاقبة من اسرته واحبته اشد الحب ولهذا السبب كان يتوق الى انجاب ولد يكون وريثا لهذه القلعة. وفي هذه اللحظة انفتح الباب وسارت رافينا الى القاعة الكبرى حيث كان وميض البرق يكشف دروعا عربية واثاثا عتيقا ولوحات عائلية معلقة على الجدران المطلية باللون البرونزي المتوهج كقطع الخشب المشتعلة بالمدفأة. صاحت رافينا قائلة: " نار!! " صيحة ارتياح من شخص يكابد البرد في داخل جسمه وخارجه واسرعت تركع فوق السجادة الصوفية وتشابكت اصابع يدها طلبا للدفء وطقطقت الاخشاب المشتعلة التي كانت الظاهرة الوحيدة المرحة في تلك القاعة الكبيره ثمسمعت صوتا يتسائل: " اذن...هذه هي العروس؟ " جاءت الكلمات فجأة من بين الظلال فالتفتت رافينا واجفة القلب ورأت شخصا يجلس في مقعد بجوار المدفأة. كان للمقعد ظهر مرتفع والنقوش تزين مسانده وارجله وكان الشخص الذي يحتل المقعد امرأة عجوز ترتدي ثوبا اسود بينما ارتاحت قدمها على مسند القدمين. استقرت عيناها على رافينا. عينان سوداوان لا تشع الابتسامة فيهما راحتا تتأملان وجه الفتاة الشاحب وعيناها الخضراوان وشعرها الاحمر الذي بلله المطر. وتطلعت رافينا الى مارك ورأت سمات الكبرياء في ملامحه وهو واقف الى جوار المدفأة وامتدت يده ليساعدها على الوقوف فتوهج خاتمه والقى الضوء على ندوب وجهه فأجفلت رافينا من لمس يده ونهضت واقفة على قدميها دون الاستعانة به ولم تحاول ان ترى القسوة التي ارتسمت على فمه فقال لها: " دعيني اقدم لك زوجتي دونا جوكاستا ليوناردي عادة ادعوها لانونا عندما اكون هادئ المزاج " تمتمت رافينا بالتحية التقليدية وكانت قد تمنت ان تلتقي بجدة مارك اذ اعتاد ان يتكلم عنها بحنان فهو سلتي وبينها وبينه شئ مشترك ولو ان دونا جوكاستا تتحدث الانجليزية بطلاقة الا انها لم تكن على مودة معها ولا شك انها تفكر هذه اللحظة في عروس ساردينيا التي اتى بها حفيدها الى البيت منذ ست سنوات مضت وكان على مارك ان يبتسم وتألقت عيناه عندما طلب شرابا وقال: " انه من الواجب احتساء نخب لهذه المناسبة السعيدة " ونهضت دونا جاكوستا واقفة على قدميها فجلجل ثوبها الحريري الاسود مثل اوراق الشجر الجافة وقالت: " هل تسمحون لي بالانصراف لانني امضيت اليوم بطوله في الاشراف على اعداد غرفكم وتنظيف البيت. انا متعبة يا ماركوس وسأتناول وجبة خفيفة في غرفتي قبل النوم " قال بصوت يشوبه غضب هادئ : " ان تناول كأس معنا لن يستغرق وقتا طويلا " وتطلعت جدته نحوه ثم الى رافينا ولاحت ومضة من الحقد في عينيها عندما استقرتا على رافينا وقالت: " لم تتقدم بي السن كثيرا حتى انسى ان العشاق يحبون الانفراد وانا واثقة من ان عروسك تفضل ان تستحوذ عليك لنفسها " وسارت الجدة نحوه وربتت على خده المشوه بالندوب وجالت يدها المتألقة بالخواتم فوق صفحته لتشاهد رافينا ملامحه مرة اخرى ورأت الجدة في عينيها نفورا من لمس مارك لذلك قررت ان تتركها وحدها في صحبته حتى تعلم نفسها ان تكون تحت رحمة طلباته. واحست رافينا بالبرودة تسري في اوصالها حتى وهي قريبة من دفء النار حين قالت السيدة العجوز لها : " ليلة طيبة. ارجو ان تجدي غرفتك مريحة. حجرة العروس حجرة كبيرة ولكن ولا واحدة من عرائس اسرة كورزيو كانت تشكو منها " رافق مارك جدته حتى فسحة واسعة تقع عند اول درجات السلم بينما وقفت رافينا تتطلع الى النار. وتنبهت رافينا عندما شعرت بيدي مارك فوق كتفيها عندما انضم اليها وهي مستغرقة في هذا الجو الصامت وقال لها : " لا تتبرمي بما قالته لانونا انا سيدة عجوز من اهالي سردينيا وهي غاضبة لانني لم اتخذ زوجة من بنات جنسي فأهالي سردينيا متعصبون لعشيرتهم ويتصفون بالكبرياء " قالت رافينا بصوت هادئ: " يبدو لي يا مارك ان زواجك مني جلب الشقاء الى قلوب ثلاثة افراد! " وادار وجهها لمواجهته ورحلت يده اليسرى من كتفها حتى استقرت على رسغها وسألها: " ما الذي يدعوك الى الظن بانني شقي؟ بالتأكيد انت تعرفين يا رافينا انني اجدك فتاة جذبة بشعرك الاحمر وبشرتك البيضاء وعينيك البحريتين اما عن سحرك....." وحدقت في وجهه واحست كأن قناعا اسدل على وجهها فحال دون رؤيته فسألته: " الا تجعل لمشاعري حسابا لديك؟ هل انا مجرد شئ بالنسبة اليك؟ " انفرجت شفتاه وتلألأت اسنانه وسط وجهه الاسمر المشوه بالحريق واستدار عنها وهو يقول: " انت انسانه تدخل السرور الى القلب يا سيدتي ....هاهو ذا رينزو اقبل لنا بالشراب سوف نحتسي نخبا وسنشعر بالدفء يسري في عروقنا " وصب الشراب من قنينة زجاجية في كأسين ثم ناولها احداهما واحست ببرود الكأس في يدها اما الشراب فكان ذهبي اللون ورفع مارك كأسه وقال بلهجته الايطالية: " تحياتي " ونظرت رافينا اليه برزانة وقالت له ببرودة: " لم اتعود بعد على لغة اهل ساردينيا " قال: " سأعلمك كل شئ عن اهل ساردينيا " كانت عيناه تحملان معنى عميقا وهو يقرب الكأس من شفته ثم اردف قائلا: " لا يمكن ان يتحقق التفاهم يا رافينا بدون نشوب معركة او اثنتين..هذا ما يدفئني " جالت رافينا ببصرها على الجدران وتطلعت الى صور الاشخاص الغريبة عنها وابصرت الظلال تلقيها الشمعدانات وفسحة السلم الكبير المؤدي الى البهو ثم عادت لتقول له: " ان ما يدفئني حقا مختلف تماما يا مارك لانني لست ممثلة كتبت لها عواطفها لكي تؤديها انا هنا معك ومع هذا لا اشعر بأي عاطفة " فسألها ساخرا: " ولا حتى الخوف؟ " وتحولت ببصرها من سلم الغرف العليا الى غرفة العروس التي سوف تقاسمه النوم فيها وقالت له : " هناك عواطف اقوى من الخوف يا مارك " احتسى نصف مافي الكأس ثم قال: " اظن ان العاطفة المخادعة اقوى من الخوف ولكن لا مبالاتك تسعدني الى ابعد حد " وفي لحظة ارات ان تقول انها تشعر بالامبالاة نحوه ولكن هذا الشعور لم يكن صحيحا لانها كانت تحس بقوامه ولونه الاسمر وكبريائه كلها ممثلة في وقفته امام المدفأة بل انها كانت تحس بعظمته...فقط عندما كان يشيح جانب وجهه المشوه بالندبة بعيدا عنها . قال: " انتهي من احتساء كتفك حتى نتوجه الى غرفتنا انت في حاجة الى انعاش جسمك بعد هذه الرحلة الطويلة وقبل ان نتناول طعام العشاء " واتخذا سبيلهما الى فسحة السلم ورأت وجود عدة غرف وممرات تؤدي الى اجزاء مختلفة من المنزل ولكن رافينا احست انها ليست سيدة القصر وشعرت بانها شخص غريب لا يشعر بالالفة في بيته. قال ماركوهما يرتقيان السلم متجهين الى البهو: " جناحنا يقع في برج الفارس " ثم استدار شمالا وسارا في ممر يقود الى سلم ضيق واحست رافينا وهي تسير الى جواره بانه لم يقم مع دوناتا في جناح الفارس وانما عاشا في الجناح الاخر فسألته: " ماذا يسمى البرج التوأم؟ " " برج المادونا اطلقت عليه هذا الاسم احدى جداتي وهي فتاة حالمة من توسكانا وان كان اهل ساردينيا لا يستسلمون لمثل هذه الخيالات الرومانتيكية لانهم اناس عمليون " كانت هناك نافذه تجاور سلم البرج وتسمح بدخول ومضات البرق التي كانت تهز اعصاب رافينا وربما كان البرق والظلال المتراقصة سببا في ان تسرع بارتقاء الدرجات حتى كادت تقع على وجهها لكن مارك كان اسرع منها اذ مد يديه ليحفظ توازن جسمها وفجأة التفت ذراعاه حولها فقاومته رافينا وهي تحاول الفرار منه مرددة: " لا...لا..." لكنه امرها قائلا: " اهدئ تماسكي...اليس من التقاليد المتبعة ان يحمل العريس عروسه ويعبر بها عتبة المنزل؟ " وفي خطوة طويلة حملها وعبر بها عتبة غرفة النوم حيث كانت المصابيح مضاءة والحطب مشتعلا في المدفأة والدفء يشيع في ارجاء الغرفة واثاثها. وظل مارك حاملا رافينا ووجهها على مبعدة من شفتيه اللتين لا يبدو عليهما اية ملامح من الرحمة وقال: " انت تنظرين الي وكأنك تزوجت شيطانا " قالت: " انا متعبة يا مارك وانت دائما تعذبني " واسبلت جفونها كأنها لا ترغب في رؤية نظراته ومع ذلك كانت تحس بعينيه تتأملان شعرها وبياض بشرتها ولاول مرة في حياتها ادركت كيف تبدو امام رجل وكيف جعلها تشهر بانها مسلوبة الارادة. ولما كان هذا الرجل هو مارك فانها كانت تود ان تنشب اظافرها في جسمه حتى يشعر بالام. قالت له بوحشية: " كم اكرهك. واكره هذا المنزل وهذه الجزيرة التي تفخر بها احجار مبنية على احجار وانت لا تقل حجرا عنها " قال ساخرا: " مجرد كلمات, هل تظنين ان مجرد كلمات تستطيع ان تجرحني؟ " قالت له: " وهل تظن ان شيئا يمكن ان يجرح حجرا الا الحجر. ولا يوجد شئ اكثر برودة من امرأة باردة " قال: " مجرد وعود من شفاه ناعمة " ثم اردف يقول: " انني لم اتزوج منك من اجل كلمات ناعمة او نظرات ناعسة او خضوع مستأنس وانما تزوجت منك لانني اريد طفلا بكل الروح والمرح الذي ان يتمتع به دريستي " واحست في هذه اللحظة انه يتجرع الالم وان العذاب القاسي هزه حتى دفعه الى ان ينزلها من على ذراعيه ويبعدها عنه بقوة والقسوة تكسو وجهه المشوه بالندوب. قال: " لقد احضروا لك ماء للاستحمام " واشار الى اباريق نحاسية موضوعة على عتبة الحمام ومناشف دافئة وستارة شفافة اسدلت امام الحمام ثم اردف يقول: " اسباب الراحة هنا ضئيلة الى حد ما ولكنك ستشعرين بالدفء قرب المدفأة. دبرت لانونا وصيفة صغيرة لخدمتك لان اغلب الخدم هنا من الرجال وهذه الليلة يمكنك تبيرها بنفسك " قالت رافينا بهدوء: " لا حاجة بي الى وصيفة. انت تعرف انه ليس لدينا واحدة في رافنهول واني اعتدت ان ادبر اموري بنفسي " " انت الان في كازاتشيبريسو والموقف متغير. سوف اخبر رنزيو بأن يجلب فتاة صغيرة من فتيات القرية. انت البادروتشينا ولابد ان يكون لك وصيفه خاصة تهتم بملابسك وتصفيف شعرك " قالت له وهي تنظر اليه بنظرات متحدية: " الا يعجبك شعري كما تراه يا سيدي؟ " " ستعيدينه كما كان بالامس وهو تحت طرحة الزفاف وسوف ترتدين ثوبك المخملي الذيشاهدتك به حينما قدمت لتناول الطعام في رافنهول اول مره. هل احضرت الثوب معك؟ " وراودتها الرغبة في ان تخبره بانها نسيت الثوب في انجلترا وقبل ان تتفوه بكلمة سار مارك الى دولاب ملابسها وفتح ابوابه الكبيرة ورأت ثيابها منسقة على المشاجب وبدا لها الثوب المخملي الذي رفعه مارك من مكانه. واحست ان اصرار مارك على ارتداء هذا الثوب يعد تدخلا سافرا في استقلالها الشخصي وارادت ان تنتزع الثوب من يديه وان يدعها وحدها. قالت له: " حسنا لن ارتدي الثوب " وضع مارك الثوب على الفراش وقال لها: " سأكون في الغرفة المجاورة وسأدعك وحدك حتى تستعدي لحفل العشاء الذي اعد خصيصا لزفافنا " توارت وراء الستارة وفضت ثيابها عنها وراحت تستمتع بدفء الماء الساخن الذي هدأ اعصابها المضطربة وبعدما استحمت لفت جسمها في منشفة كبيرة وغادرت الحمام وسارت حتى وقفت امام منضدة الزينة وشد انتباهها علبة من القطيفة مفتوحة تحتوي على قلادة زمرد مزينة بسلسلة مرصعة بالماس. سرت رعدة في بدنها وخشيت ان يكون مارك دخل الغرفة اثناء استحمامها ليضع العلبة على منضدة الزينة وشاهدها من خلال الستارة الشفافة. وكلما فكرت قليلا وجدت انه من حقه ان يأتي ويخرج من غرفة نومها كما يشاء وان يقدم لها حلية اعجابا. ورأت ان القلادة تتماشى مع خاتمها وثوبها المخملي الاخضر وشعرها الاحمر. اشاحت بوجهها عن الهدية وارتدت ثيابها بيدين باردتين كالثلج وعقدت شعرها في تصفيفة كالتاج وسمعت مارك مرة او مرتين يسير في الغرفة المجاورة وثارت اعصابها عندما قرع الباب يستأذن في الدخول فأذنت له ودخل وهو يرتدي ثياب السهرة وبدا في قوامه الفارع رجلا بل سيدا للموقف. قال: " اه...انت مستعدة...تقريبا ! " وتطلع اليها من قمة رأسها الى اخمص قدميها فرأى بشرتها البيضاء تبرزها فتحة ثوبها المخملي وشعرها الاحمر الذي يزين رأسها وعينيها الخضراوين كالزمرد في اصبعها. واحست رافينا باغماءة خفيفة عندما رأت ومضة اعجاب من نظراته. تقدم مارك والتقط القلادة من علبتها المخملية واستدار حتى وقف خلفها وقال: " دعيني اثبت القلادة حول عنقك " وتطلع الى المرآه وسلط بصره على نظراتها واردف يقول: " تعجبك القلاده يا رافينا اليس كذلك؟ " قالت بصوت بارد: " انها رائعة للغاية انها جزء من ميراث العائلة وانا اخذته اليس كذلك؟ " فقال لها: " انت اخذتيه لاني اعطيته لك. هناك قرط يتماشى معها ولكنك في الوقت الحاضر صغيرة على ارتدائه. اذناك صغيرتان وهما جميلتان في حد ذاتهما ويجب الا نفسد جمالهما بأقراط ذهبية ثقيل. انت فاتنة وكل عرائس اسرة دي كورزيو ترسم لهن صورة ذاتيه في السنة الاولى من الزفاف وسوف استدعي الرسام ستيليو فابريزي ليرسم لك صورة " لم تجد رافينا اي جدوى من المعارضة ولو قدر لها ان تعيش في ساردينيا لتمنت ان تفجر الصخور التي يقوم عليها القصر والبحر الذي يقع تحته وفي هذه اللحظة راودتها الرغبة في ان تسبح ولكن خالجها شعور بالبكاء وهي تتقدم مارك وتخلف وراءها غرفة نوم الزفاف. اعدت مائدة العشاء وصفت عليها اطباق لحم السمان والفاكهة وكؤوس الشراب وفي وسطها وضعت الزهور وعلى ضوء الشموع اقبلت رافينا على تناول الطعام بشهية ولم ترفض كأسا ثانية قدمها لها مارك بعثت الدفء في جسدها واصابت عقلها بخمول وكان ذلك مقبولا مع الغربة التي تحيط بها. تحدث مارك اليها عن الجزيرة وتلريخها حتى تركا المائدة وتوجها للجلوس بالقرب من المدفأة وجلس مارك على اريكة كبيرة بينما راحت رافينا تصب له فنجان قهوة. قال لها: " الامسيات بدأت تميل الى البرودة " ناولته فنجان القهوة وهي تتجنب لقاء نظراته وقالت له: " احب النار انها تجعل الغرفة تبدو في صورة بهيجة " قال بالايطالية: " حسنا " وشعرت بنظراته تحدق فيها وهي تجلس على مقعد بمساند. سألها: " هل تبعث هذه الغرفة على البهجة؟ " وتطلعت حولها وشاهدت الشموع مازالت مشتعلة ورأت لوحة جص في السقف تصور عاشقين من العصور الوسطى تشابكت ايديهما والحوريات ترقص مع الهة الاغريق. كانت الغرفة تتسم بالوثنية مثل الرجل الذي يراقبها برأسه الاسود الذي اسنده على ظهر الاريكة الحمراء. قالت: " لابد اننا نعيش في قرن اخر غير هذا القرن كأن الزمن توقف هنا وان ايام الثأر والمبارزات وصيد الصقور مازالت تعيش بيننا " " هل ضايقك ذلك؟ ربما تمتين بصلة لتلك الايام. لديك سمة العصور الوسطى التي قيل انها تعود تحيا على بعض الوجوه. انها سمة من الكآبة والحزن " سألته: " هل لي ان ابتسم يا مارك؟ " وبينما كانت رافينا تسأله التقت بعينيه الحالكتين السواد. نزعة الثأر بدأت تموج في اعماقه ولن يسلم شرفه حتى يدفع برينين ثمن موت دريستي ويطفئ لهيب الالم الذي يحرق قلبه. وتحولت نظراتها الى النار واللهب الذي راح يسري في اطراف الحطب وفكرت ان تهرب من مارك كان في متناول يدها اذ كتب لها رودري ذات مرة رسالة بعث بها من استراليا متوسلا لها والى ابيها ان يلحقا به هناك لانه اصبح يفتقدهما كثيرا ولكن نيوسوث ويلز كانت تبدو لها نهاية العالم وان الرحلة منهكة لجاردي. سألها مارك: " هل ان قلقة على جاردي؟ " انتابها توتر مفاجئ اليس غريبا ان مارك يقرأ افكارها. اجابت بصوت يشوبه الالم: " انا..انا افتقده " " هذا شئ طبيعي " " اوه....مارك " واحست كأن سكينا يغوص في قلبها واردفت تقول: " هل تهمك مشاعري..وهل يقلقك انني اشعر بالاسى لبعادي عنه..ان عزائي الوحيد هو وجود رودري معه " وخيم صمت مطبق عقب ان تفوهت بكلماتها وتطلعت الى مارك ورأت الشرر يتطاير من عينيه فقال: " اذن رودري برينين موجود في رافنهول. انه برينين الذي توجهت اليه لمقابلته عقب زواجنا مباشرة. وكان يجب عليك رؤيته! كان من المحتم عليك تحذيره لكي يكون بعيدا عن طريقي " قال بيأس: " اجل ارسل برقية وكان لزاما علي ان اراه. كنت خائفة للغاية " سألها : " خائفة على عنقه الثمين؟ " كانت عيناه تتألقان بوميض يجذبها اليهما ويغرقها في بحرهما فقفزت واقفة على قدميها وفي قفزتها اقتربت حافة ثوبها من لهيب النار وتعلق لسان من السنة النر بحافته وعندما ادركت الخطر الداهم اطلقت صرخة ووجدت الماء ينسكب من دورق زجاجي واحست بيدين تمسكان با وترفعانها بعيدا عن النار. قال مارك: " ايتها الحمقاء الصغيرة !" ولاح امتقاع لون وجهه تحت جلده المحترق فبدت الندبات جلية واضحه. واردف يقول: " هل اعماك رودري برينين حتى اصبحت لا ترين شيئا ابدا " وراحت يداه تعالجان الكدمات التي لحقت بها وكانت تنورة ثوبها المخملي بللها الماء واصبح غير صالح للارتداء. ولم تعد ترى سوى جانب وجهه المحترق والجحيم الذي ذاقت به ذرعا وقالت معارضة لا مدافعة: " لا " وكانت صرخة اطلقتها ضد الالم الذي قتل شعور الرقة فيه وكل اتزان في نفسه. وتركها ترحل عنه وادار وجهه بعيدا عنها وقال لها: " خير لك ان تتوجهي الى الدور العلوي لتستبلي ثيابك المبتلة وسألحق بك بعد فترة " تركته واتخذت سبيلها عبر الصالة وارتقت الدرجات وارتجفت بردا عندما لمست اصابعها ثوبها المبتل الذي شوهه الحريق فلن يكون في وسع مارك يدع الرسام يمسك فرشاته ليرسمها وهي مرتدية هذا الثوب المشوه. انه سيجف حتما ولكن الحروق افسدته وشعرت بارتياح حينما وصلت غرفتها في البرج وخلعت الثوب. كانت اغطية الفراش مطوية وعليها ملابس النوم فأرتدت ثيابها على ضوء المصباح والنار المشتعلة في المدفأة ثم جلست فوق مقعد مستدير وراحت تتأمل الوهج الاخير للنار. كانت هذه