صمت الطفولة
لم تكن fasal تعرف أن الهدوء قد يكون صوتًا... صوتًا لا يُسمع، لكنه يُثقل القلب.
كانت تجلس عند الزاوية، صغيرة الحجم، تحمل دميتها في يدها، وتراقب العالم بعينين لم تخلقا للضجيج.
كلما علت أصوات الرجال في البيت، كانت تقبض على الدمية بقوة… لا لتمنعها من الهرب، بل كأنها تطلب منها أن تبقى، أن تشهد معها هذه الحياة.
لم تكن تفهم سبب الصراخ، ولا تميز بين من يُخطئ ومن يُظلم.
كانت فقط تسمع، ترى، وتحفظ المشهد في ذاكرتها كما يحفظ الرسام ملامح وجع لن يرسمه الآن… بل حين يكبر.
في الليل، عندما يسكن البيت بعد صراع طويل بين الأب والجد، أو بين الأب والأم، كانت fasal تغني بصوت خافت — ليس أغنية حقيقية، بل لحنًا مختنقًا يشبه النحيب، يشبه رجفة صوت لم يُخلق ليُسمع… بل ليرتاح.
"ماما… علاش كيبقاو يتعاركو؟"
كانت تسأل بصوت ضعيف وهي تتمسك بكمّ قميص والدتها.
وكانت الأم، المتعبة، تكتفي بمسح شعرها، وتهمس:
"غادي تفهمي كلشي منين تكبري…"
لكن fasal لم تكبر ككل الأطفال.
كبرت في الداخل بسرعة، وتعلمت أن تكون حذرة مع الناس، حتى من تحبهم.
تعلمت أن تبتسم حين تنكسر، وتضحك حين تخاف، وتصمت حين تشعر بأنها تصرخ من الداخل.
في المدرسة، كانت عادية… لا أحد يلاحظ فيها شيئًا غريبًا.
لكن في رأسها، كانت ترسم كل شيء: الوجوه الغاضبة، الصراخ، الحزن الذي يسكن أمها حين تنظر من النافذة…
ترسمه بخيالها فقط، ولم تكن تملك بعد ريشة ولا ورقًا. كانت ترسم في عقلها، وتخزّن الألم على شكل صور.
ثم جاءت تلك الليلة...
الليلة التي غابت فيها الأم، فجأة، دون وداع.
ودُفنت معها الإجابة عن كل الأسئلة.