دفتر الضوء
باريس، بعد عام.
كانت المدينة تعيش في هدوء نادر. لم تعد تُلاحقها الظلال، ولم تعد السماء تختبئ خلف سحبٍ من القلق. ومع كل صباح، كانت تتفتح الورود في الشرفات القديمة، كأنها تحيي الشمس باسمين.
في شقة صغيرة تطل على الساحة، كان هناك دفتر أسود مغطّى بالجلد. بسيط. خالٍ من الزينة. فوق غلافه، كُتب بخط أنيق: "دفتر الضوء."
كان ذلك دفتر مارينت الجديد. لا للرسم، ولا للتصميم، بل للذكريات. لأول مرة في حياتها، شعرت أن لديها الوقت لكتابة حياتها، لا صنعها فقط.
جلست في زاوية الغرفة قرب نافذة مشرّعة، ترتدي قميصًا صيفيًا فضفاضًا، وشعرها مربوط بخفة.
فتحت الدفتر على الصفحة الأولى، وكتبت:
“في البداية، كنت أخاف من النسيان. ثم عرفت أنه كان هدية.”
وتوقفت.
ثم ابتسمت.
أدريان دخل الغرفة حاملًا كوبين من القهوة. عابس الوجه، ناعس الشعر.
"هل تكتبين مذكراتنا؟"
قالت دون أن تنظر إليه:
"بل أكتب ما لا يجب أن يُنسى."
"إذن اذكري أنني صنعت لك قهوة أفضل من الأمس بخمس درجات."
ضحكت، وأخذت منه الكوب.
جلس قربها، ورأسه يتكئ على كتفها.
قال بعد لحظة:
"تعرفين؟ أحيانًا أستيقظ وأفكر… كل ما مررنا به: القتال، الظلال، الأصل، التكوين… هل كان حقيقيًا؟ أم حلمًا طويلًا جدًا؟"
أجابت وهي تنظر في الأفق:
"ربما كان حقيقيًا لأننا حلمنا معًا."
"جميل،" قال وهو يضحك، "سأسرق هذه الجملة لاحقًا لأضعها في كتاب مذكراتي."
فقالت بعبث:
"لا تجرؤ. أنا كتبتها أولًا!"
ثم ساد بينهما صمت ناعم، لا لأنهما لا يريدان الكلام، بل لأن العالم لم يعد يفرض عليهما الكلام. كانت أصوات المدينة خافتة، وبعيدة، كأنها جزء من موسيقى لا يريدان كتمها.
مارينت أغلقت دفترها، ورفعت رأسها نحو السماء.
كانت هناك طائرة ورقية تطير في الأعلى، رسم عليها طفلٌ مجهول عينًا كبيرة وأقراطًا دائرية.
قالت:
"الأطفال سيخترعون قصصًا جديدة. أبطالًا جدداً. وربما ينسون أسماءنا."
"هذا جيد." قال أدريان، "المهم أن يعرفوا أن الضوء لا يُولد من الكمال… بل من الشجاعة."
نظرا لبعضهما طويلاً.
ثم نهضا، وخرجا إلى الشرفة.
كانت شمس الظهيرة فوق باريس خفيفة، ذهبية، دافئة... لا تُشبه ضوء البطولة، بل ضوء الأمان.
ومع كل نسمة تمر، كانت ترفرف في الهواء كلمة واحدة...
سلام.