حين تهمس القلوب
كانت الليلة قد تقدمت، وباريس لا تزال تتلألأ كعقدٍ من الذهب. اختار أدريان ومارينت أن يقضيا هذه اللحظات في الحديقة الصغيرة خلف بيتها، بعيدًا عن الضجيج، عن الخطر، وعن العالم بأسره. هناك فقط… كانا هما.
مارينت جلست على الأرجوحة الخشبية التي لطالما كانت ملاذها في الطفولة، تتمايل ببطء بينما أدريان جلس على العشب أمامها، ينظر إليها وكأنه يراها من جديد، بكل تفاصيلها، من تلك الخصلة التي تسقط على جبينها إلى بريق عينيها حين تضحك.
"هل تتذكرين أول مرة جلستِ فيها هنا؟" سألها بلطف.
ضحكت وقالت: "أجل. كنت أبكي لأنني أحرقت قطعة قماش وأنا أخيط أول حقيبة لي… فهربت من العالم وجلست أبكي في الظل."
أومأ. "وأنا مررت صدفة من الشارع… رأيتك دون أن تلاحظيني. كنتِ تبدين حزينة جداً… لكن رغم الدموع، كنت جميلة. غريبة، أليس كذلك؟"
نظرت إليه، وابتسمت بخجل: "كنتُ أتمنى حينها أن تلاحظني. رغم أنني كنتُ فوضى."
"لقد لاحظتك، مارينت. ربما أكثر مما لاحظتِ نفسك."
توقف الأرجوحة عن التأرجح، فنزلت وجلست بجانبه على العشب، وأمامهما ضوء الفوانيس يلمع بخفوت. للحظة، لم يقولا شيئًا. فقط الصمت، والهواء، وصوت قلبيهما يتكلمان دون كلمات.
"هل تعلم ما يخيفني أكثر من أي شيء الآن؟" همست مارينت.
هزّ رأسه: "قولي لي."
"أن نفقد هذه اللحظة. أن تسرقنا المعارك مجددًا. أن نُنسى في زحمة الأدوار، أنا ليدي باغ، وأنت شات نوار… وننسى أننا مارينت وأدريان أولًا."
مدّ يده، ووضعها فوق يدها.
"لن أنسى. لن أدع العالم يأخذك مني مجددًا. حين أنظر إليكِ، لا أرى البطلة. أرى الفتاة التي وقعتُ في حبها في صمت… والآن أريد أن أقول لها كل شيء."
نظرت إليه، وصوتها متهدج: "كل شيء؟"
"كل شيء. مثل كيف أحب صوتك حين تضحكين بصوت عالٍ دون خجل. كيف ترتبكين حين تخفين مشاعرك. كيف ترسمين خريطة باريس بعيونك كلما أردتِ إنقاذ أحدهم."
اقترب منها أكثر.
"وكيف أريد أن أكون جزءًا من هذه الخريطة، دائمًا."
تنهدت مارينت، وقد اغرورقت عيناها بالدموع.
"أدريان… أريد هذا أيضًا. أريدك بجانبي، لا فقط في المعركة، بل في الصباح حين أستيقظ، وفي ليالي الشتاء حين أكتب أفكاري، وفي الأحلام التي لم أجرؤ على رسمها."
سحبها بلطف إلى صدره، وعانقها طويلًا. لم يكن عناقًا عابرًا، بل وعدًا صامتًا، تعهّدًا من قلب لقلب.
همست: "أحبك… ليس فقط لأنك معي، بل لأنك أنت."
أجابها: "وأنا أحبك… لأنك كل شيء كنت أبحث عنه، حتى حين لم أكن أعرف ذلك."
حين ابتعدا قليلًا، نظر إليها وقال:
"مارينت، حين تنتهي هذه الحرب، حين نُعيد الميراكيولوس إلى السلام… أعدك، سأطلب منك أن نبدأ حياة جديدة، لا أبطال فيها، فقط نحن."
نظرت إليه، وابتسمت، ووجهها مغمور بالدفء:
"وحتى إن بقيت الحياة مليئة بالظلال… سأظل أختارك."