حقيقة مجهولة
هنا الدعسوقة 🐞 في روايتها اولى
---
كان صباح باريس بارداً، والضباب يلف الجسر الحجري القديم كأن المدينة تخفي شيئًا عن أعين البشر.
على ضفة نهر السين، كانت فتاة ممددة بصمت. شعرها الأسود المتشابك، ووجهها الشاحب الذي بدا وكأنه نُحت من الصمت، وملابسها المبللة… كلها تشير إلى شيء غير طبيعي. فتحت عينيها ببطء، تنفست الهواء البارد، ونظرت إلى السماء الرمادية بعينين زرقاوين خاليتين من أي إدراك.
همست بصوت مكسور:
"أين… أنا؟ ومن… أكون؟"
مرت لحظات قبل أن يسمع صوت خطوات سريعة تقترب. فتى بشعر أشقر وعينين خضراوين ركض نحوها، وصوته يحمل مزيجًا من القلق والراحة:
"مارينت!!"
حدقت فيه وهي تتراجع قليلًا، غريزة الخوف أقوى من صوتها.
"هل… هل تعرفني؟"
تجمد الشاب، وكأن كلمتها ضربته في قلبه مباشرة.
"أنا… أدريان. صديقك. كنا نبحث عنك منذ أيام… ظننا أننا فقدناكِ للأبد."
لم ترد. كانت تنظر إلى وجهه الجميل ببرود الحيرة. قلبها ينبض، كأن شيئًا فيه يعرف هذا الشاب… لكنها لا تعرف كيف أو لماذا.
قالت بصوت أقرب للبكاء:
"أنا لا أتذكر شيئًا… لا اسمي، لا من أكون… ولا حتى أنت."
شعر أدريان بطعنة خفية، لكنه أخفى ألمه خلف ابتسامة مطمئنة.
"لا تقلقي، سنعيد كل شيء معًا… فقط تعالي."
جلسا في حديقة هادئة قريبة. نسيم خفيف يحرك أوراق الخريف حولهما. ظهرت على كتف أدريان قطة سوداء صغيرة تتكلم!
"مارينت، أرجوكِ، الوقت يداهمنا!" قال بلاغ.
"باريس في خطر… إن لم تستعيدي نفسك، سيستغل هوك موث ضعفك."
رفعت مارينت حاجبيها بصدمة، وهي تنظر إلى القطة المتكلمة.
"ما هذا؟ هل… هل أتخيل؟ قطة تتكلم؟"
أدريان تدخل سريعًا:
"إنه بلاغ. وهناك أشياء كثيرة لا تتذكرينها… لكنكِ لستِ مجنونة. أنتِ… مميزة."
وضعت مارينت يدها على رأسها، وشهقت فجأة:
"صور… تومض في رأسي… شرفات، قفزات في الليل… زي أحمر… أقراط… وقطة؟" نظرت إلى بلاغ، ثم إلى أدريان.
"أنا… كنتُ بطلة، أليس كذلك؟"
قبل أن يتمكن أحدهما من الرد، اهتزت الأرض بانفجار بعيد، ودخان أسود تصاعد من أحد الأبراج.
قال بلاغ بقلق:
"أطلق هوك موث شريرًا جديدًا. الوقت ينفد."
أدريان نظر إلى مارينت بحزم، ثم أخرج صندوقًا صغيرًا من حقيبته. فتحه أمامها ببطء.
كانت الأقراط الحمراء بنقاطها السوداء تنام بداخله، بانتظار من تستحقها.
حدقت فيها مارينت، ثم مدّت يدها ببطء، وبدت يدها ترتجف.
"لقد… رأيت هذه من قبل. هذه… لي، أليس كذلك؟"
أجابها أدريان بهدوء مليء بالرجاء:
"هي جزء منك، جزء من قلبك… مارينت، أنتِ ليدي باغ."
شهقت، ووضعت يدها على قلبها مجددًا.
في أعماق عقلها، شيء ما بدأ بالتحرك… لم تكن تعرف تمامًا من هي بعد، لكنها شعرت أن هذه اللحظة كانت البداية…
بداية رحلة لاستعادة نفسها، وقلبها، وقدرها.
كانت الأقراط تلمع بين يدي مارينت، وكأنها تناديها، تشدها من أعماق روحها.
ل
كن قلبها كان يرتجف.
"أنا لا أعرف كيف أستخدمها…" تمتمت، وعيناها لا تزالان غارقتين في الحيرة.
"ماذا لو فعلت شيئًا خاطئًا؟ ماذا لو أذيتُ أحدًا؟"
قال بلاغ وهو يقفز إلى الأرض:
"القوة في داخلك، ليست في ذاكرتك. ميراكولوس ليدي باغ مرتبط بشجاعتك، وليس فقط بمعرفتك."
أدريان مدّ يده نحوها بلطف.
"أنا هنا… سنواجه هذا معًا، كما كنا دائمًا."
ترددت مارينت، ثم وضعت الأقراط في أذنيها.
وفي لحظة…
دوامة من الطاقة اجتاحت جسدها. شعرت بنبضات قلبها تتسارع، والهواء حولها تغير، والضوء الأحمر يلفها، رغم أنها لم تنطق الجملة المعتادة…
ومع ذلك — تحوّلت.
فتحت عينيها لتجد نفسها ترتدي بدلتها الحمراء المنقطة، وقناعها يغطي نصف وجهها.
لكنها لم تكن تشعر بالقوة… بل شعرت وكأن جسدًا غريبًا يلبسها، وكأنها زائرة في جسدها.
في الجانب الآخر من المدينة، كان الشرير الجديد يُرهب الناس في ساحة برج إيفل.
رجل طويل بلون رمادي، يطلق دخانًا أسود من يديه، ويجعل كل من يلمسه يتجمد مكانه، تتحول مشاعره إلى ظلال.
كان اسمه: "سيد الخواء" — وهدفه واحد: سرقة قلب ليدي باغ وهي ضعيفة.
أمسك أدريان يده خلف ظهره، ونظر إلى مارينت:
"هل أنتِ جاهزة؟"
أجابت بصوت خافت:
"لا… لكني سأفعلها على أي حال."
قفزت إلى السطح المجاور، بخطوات غير واثقة، لكنها شجاعة.
تحركت في الهواء كما لو أن جسدها يذكر ما نسيه عقلها… لكنها لم تكن قادرة على استخدام يويوها بمهارة، وكانت حركاتها مرتبكة.
سيد الخواء نظر إليها وابتسم بسخرية:
"ليدي باغ… بدون ذكريات؟ يا لها من فرصة ذهبية."
هجم عليها بموجة من الدخان، لكنها تجنبتها في اللحظة الأخيرة — ليس بحركة مدروسة، بل بحدس خالص.
في اللحظة الحرجة، سمعته يهمس:
"أنت لا تستحقين هذه القوة. أعيدي الميراكولوس، أو سأجعلك تنسين من تكونين… إلى الأبد."
ترددت مارينت للحظة، ثم أغلقت عينيها، وصرخت:
"أنا لا أتذكّر من كنت… لكنني أعرف من أريد أن أكون!"
في تلك اللحظة، ومضت صورة في عقلها — لقطة من الماضي:
هي، وأدريان، يقاتلان جنبًا إلى جنب… ضحكتها… ثقتها… قوتها.
فتحقت عينيها بثقة للمرة الأولى.
"لن أسمح لك أن تؤذي أحدًا!"