أُوار - قتامة - بقلم حور فارس | روايتك

اسم الرواية: أُوار
المؤلف / الكاتب: حور فارس
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: قتامة

قتامة

رن المنبه، وصوته كنه منشار على طبلة أذني قفلت المنبه بظهر كفي، وتمططت وأنا أحس الجبيره تاكل يدي اكل فتحت عيوني، ولقيت حسن متمدد جنبي، نايم على بطنه، ويده تحت خده، ونفسه يطلع هادي كنه طفل ما قدرت أمنع نفسي من الابتسامه، وقلت بصوت خفيف "هذي آخرتها، قلت بنام معك الليله، وقلبتها نومه عمر" رفعت ظهري من الفرشه، وجلست شوي، فركت عيوني، والمكيف لا زال يطن، والجو بارد، واللحاف نصه طايح نزلت رجولي على الأرض، وتحسست الجبيره كانت لا زالت تضغط، بس صار الألم أقل، أو يمكن أنا تعودت رحت أغسل وجهي، ولما طلعت، حسن كان جالس على طرف الفرشه يفرك عيونه، وشعره منكوش ويقول بنص صوت "وش ذا المنبه الي كأنه دجاجه تصيح فوق راسك يقعد الواحد من أحلى حلم" "ماهو مثل منبهك اللي يجلد روسنا كل صباح وأنا ما نمت أصلاً، يديني تنبض طول الليل" قلت له وانا أنشف وجهي بالفوطه "اجل وش فايدت نومتي معاك قلت باخذ الالم عنك" قال وهو يحك ظهره والنعاس لسه ماكل ملامحه "أي ألم الي خذيته؟ انت خذيت الفرشه كلها بس، ما خذيت شي عني" قلت له وضحكت على وضعه، كنت عارف انه ما نام على طول وتأخر في نومته، بس عشان يطمئن علي طلعنا من الغرفه سوا مثل كل مره، ونزلنا الصاله لقينا أمي واقفه عند الطاوله تحط الصحون، وسرار جالسه تحل واجبها، حافيه كعادتها، وكل شوي تمسح الكعب بكعب "صباح الخير، يلا تعالوا افطروا، الشاي بيبرد" قالت أمي يوم شافتنا "صباح الخير يا وجه الخير، الله يبارك بمنبه رائد الي قومني عشان اشوف الوجه الحلو هذا، يا سلام ريحه البيض توهق الواحد إنه لازم يقعد حتى لو تعبان" رد حسن وهو يقرب من راس امي ويبوسه، مخلي الابتسامه تغزوا ملامح وجهها لكنها اختفت يوم لمحتني انا والجبيره في يدي كانت أمي تراقب يدي من أول ما جلست على السفره، وكل شوي ترفع عيونها، تلمح الجبيره وتنزلها بسرعه، ما قالت شي، بس النظرات تكفي سرار ما سكتت، قالت وهي تمضغ لقمتها "رائد وش فيها يدك؟ ليش ملفوفه كذا؟" أمي رفعت عيونها وقالت بصوت ناعم، بس فيه توتر "وش صاير؟ وش ذا؟ متى؟" ابتسمت وأنا أمد يدي وأطالعها بهدوء، بعدها طالعت حسن وعطيته نظرات الي تكفى اسعفني وبردها لك في الأزمات "لا تشيلين هم، طلعت أمس في الليل أتمشى كتمت فيني الجدران، قلت أطلع أستنشق هوا" "طيب؟" سرار سألت وهي تمسك ملعقتها "وما انتبهت، جت سياره وصدمتني خفيف مره كسر بسيط، ما هو خطير" قلت وانا اشير على الجبيره، بعدها لفيت صوب امي وكملت شرح بشكل ما يخليها تجلس تصارخ كأني بموت، ابتسمت لها وكملت كلامي بعد ما شفت ملامح القلق واضحه في وجيها "أقسم بالله يا يمه، الدكتور قال إنه مجرد كسر شعري، يعني حتى ما يحتاج جبره ولا شي" أمي مالت راسه شوي تطالع فيني، قربت شوي ناحيتي وملامح العتب وضحت عليها وقالت "وتطلع في نص الليل، وما تقول لأحد؟" قبل لا أجاوب، تدخل حسن بسرعه وانقذني لكنه بيذلني فيها بعد كم يوم "أنا كنت معاه يمه، هو ما كان لحاله، بس يوم صار الحادث كنت رايح أجيب له مويا من البقاله، وما شفت السياره إلا عقب ما وقفت" سرار قطبت حواجبها وسألت، كأنها صايده كذبتنا "السيارة وقفت؟" هزيت راسي وطالعت حسن وآشرت له في عيني على النكبه الي دخلنه فيها "ايه، وقف ساعدني، ووداني المستشفى انا وحسن رجال محترم، ما قصر معي" طالعت أمي حسن وبعدها رجعت تطالع فيني وقالت بصوت منخفض، تحاول تحبس دمعتها "الحمد لله، الحمد لله إنك بخير، بس لا تعيدوها وتطلعون بالليل لحالكم، ولا بدون ما تقولون لي" "يمه، وعد، ما نعيدها، وربي سترها هالمره" قلت وانا أمسك يدها اليسره واربت عليها بيدي السليمه حسن التفت لي وناظرني نظره سريعه، كأنه يقول راح أستر عليك قدامهن هلمره، بس احفظها ورديت له النظره نفسها بمعنى أدري وشايلها في قلبي رجعنا نكمل فطورنا، بس الجو صار أثقل شوي أمي تسحب أنفاسها بصوت واضح، وسرار تحك رأسها وتحرك رجلها تحت الطاوله بعد ما خلصنا فطور، سرار راحت ترتب شنطتها وهي تحوس الكتب يمين ويسار وقبل لا تطلع، جت عندي، ورفعت حاجبها وقالت "ما زلت أطالب بحقي في الكتابه على الجبيره" "إذا نجحتي بالاختبار اليوم، أكتب لك قلب واسمك بعد" ضحكت على جملتها ووعدتها عشان تهتم اليوم وتجيب درجه عاليه، وحتى احفظ مويه وجهي تخيل اروح شغلي وفي قلب على الجبيره وربي فيصل بيضحك علي العمر كله "تم!" قالت وهي تلبس شنطتها، بعدها راحت تركض عشان تلحق صديقتها، وأمي لحقتها وفي يدها سندويشه وهي تقول "روحي مع نوره، سويت لك سندويشه وسويت لها بعد" هزت راسها وباستها من خدها وودعتها خلصنا احنا بعد فطورنا، وقمنا ونحن نمشي بنفس الخطا، قدام الباب، وقفت أمي، تمسح يدها في مريولها وتطالعنا، قربت منها وبست راسها "الله يحفظك لي، محتاج دعائك" "الله يرضى عليك يا رائد، لا تتعب روحك وخذ اجازه كم يوم" قالت بصوتها الي فيه حنان الكون كله وهيه تقرب من خدي وتبوسه، هزيت راسي لها بمعنى ابشر وحسن قرب منها وباس راسها بعدي "يبي منك تكتبين على جبيره يده زي سرار عارفينها الحركات ذي ما تمشي علينا" طالعته بحده ودفيت يده بيدي لكن امي قاطعتنا يوم قالت "خل عنكم المبزره ويلا" طلعنا وركبنا السياره، وربطت الحزام بصعوبه بسبب الجبيره، وقلت وأنا أعدل المرايه "والله حتى ربط الحزام صار تحدي، تحمد ربك إني ما طلبتك تربطه، تحسب أني بقولك تعال سوق بدالي!" طالعني بطرف عينه وكان واضح انه زعلان من الحركه هذي "كان ربطته لك برجولي لو طلبت، بعدين لو معاذ اشترى سياره تحسب برجع اقلب سيارتك" الطريق للجامعه كان هادي، الشمس ما بعدها ضربت بقوه، والناس توها تصحى والي صاحي من زمان وينتظر الرزق "تتذكر يوم نروح البقالة مشي وإنت دايم تخليني أشيل الأكياس؟" قال حسن وعيونه تطالع الطريق، طالتعه شوي وبعدها رجعت نظري على الطريق "ايه كنت مخليك خادم عندي" "بس ما كنت أكرهها، كنت أحس إنك ما تثق بغيري" قال وابتسمت له وطالعت فيه وقلت "صح ما كنت أثق، ولا زلت ما اثق في احد الا فيك" ابتسم لي ورجع يطالع الطريق، ومر الوقت لين وصلنا قدام الجامعه، وقبل لا يفتح الباب، ناديت عليه "حسن" التفت علي، وعيونه مليانه تساؤل طالع فيه وقلت بهدوء "إسمعني زين، ركز على دراستك، لا تخلي أحد يلعب في عقلك، لا صداقات تاخذك ولا كلام يخدرك فيه الناس الي برا الي تحب تشوه اللي قدامها فانتبه" هز راسه وقال بصوت خفيف فيه وعد "أبشر، كم رائد عندي أنا؟" "أدري، ما يحتاج اخاف عليك" قلت له ببتسامه، وفتح الباب، ونزل، وقبل لا يقفله انحنى وطلع راسه من الباب وقال "لا تخلي جوالك على الصامت، وتصك الخط في وجهي إذا كلمتك" "إذا ما أزعجتني بسنابات معاذ، أبشر برد عليك انشالله" قلت له بهدوء وضحك، وسحب الباب بخفه، ومشى للبوابه وهو يطالع جواله،وقفت أراقبه، لين دخل وضغطت رجلي على البنزين، طلعت من عند الجامعه، لفيت على شارع الحي القديم فيه بقالة صغيره على الزاويه نعرف راعيها من سنين، كل شي فيها ضايق، من رفوفه لريحته، حتى لمبة الباب اللي تشتغل وتطفي بس أنا أحب الأماكن اللي مثل كذا، تعودت عليها كأنها ما تتغير لو كل شي تغير وقفت قدام الباب، ودفيته، ورفعت عيني، إلا العم صالح قاعد ورا الطاوله يعد كراتين بيض، يوم شافني ابتسم ابتسامه صادقه نعرفها من ايام كنا انا وحسن صغار وقال "هلا والله برائد، حي الله وجهك، ما شفتك من زمان" ابتسمت له وعيوني تدور بكامل تفاصيل المحل وقلت له "والله مشاغل يا عم صالح، تسرق الوقت سرق" مشيت للطرف الثاني من الثلاجه خذت لي مويه صغيره، وجيت أوقف عنده قلت له وأنا أمسك طرف الطاوله "عطني باكيت مالبورو أحمر، العلبه الصغرى" "ليه ما بطلت للحين؟ وجهك ما عاد يتحمل" قال وهو يمد يده للرف اللي فوقه "لو الدخان يقتل مثل الناس يا عمي، كان ارتحت من زمان" قلت له وانا اضحك ضحكه خفيفه مد لي الباكيت، وخذ حسابه، وقال لي والابتسامه ما فارقت وجهه "الله يستر عليك يا ولدي" ما رديت، بس هززت راسي ببتسامه له وطلعت وقفت عند الرصيف، فتحت العلبه بهدوء، َطلعت وحده وولعتها، وسحبت نفس ثقيل كأني أبي أنفس فيه هم سنين الشارع كان فاضي، بس فيه كلب يتمشى آخر الشارع كأنه مديري، والعصافير تصارخ فوقنا كأنها تهاوش على شي ما له داعي جلست على الرصيف شوي، ما كنت أبي أروح الشغل بسرعه، حسيت إن يومي ما بدأ صح خلصت سيجارتي ورجعت أركب السياره، شغلت الراديو على موجه قديمه دايم أحبها، فيها مذيع صوته ناعم ويقرف، بس الأغاني اللي يشغلها ترجعني لروحي شوي وصلت للدوام قبل الوقت بعشر دقايق، الموقف فاضي إلا من سيارة المدير، كالعادة أول واحد يجي وآخر واحد يطلع، مو حباً في الشغل، بس يمكن ما له حياة برا دخلت المبنى، واستقبلتني ريحة المكيفات المغبره ومكينة القهوه اللي أبداً ما تغير طعمها، حتى لو غيروا البن دخلت المكتب وأنا ماسك كوب القهوة بيدي السليمة، ووجهي مصفر شوي من التعب، بس احاول أبين طبيعي فيصل كان قاعد على مكتبه، وما إن شافني إلا وهو يصفر لي بصوت خافت ويقوله "حي الله الكاسر! عاد ما شاء الله، كاسر يدك ولا كاسر قلوب البنات؟" لفيت عليه بنظرة تعب، وقالت وهو اقطب ما بين حواجبي "يا رجال تكفى، لا تصارخ، باقي الصداع في راسي مثل طبلة حرب" ضحك وقام من كرسيه وقالي وهو يطالع الجبيره "وش صار؟ تصارعت مع ثلاجة؟ ولا الباب قال لك ما تمر إلا على جثتي؟" ابتسمت نصف ابتسامة، كلامه دائماً يفوز بأنه يضحكني "لا والله، السيارة اللي صدمتني شكلها مغبونه على الدنيا، وأخذت حرتها فيني" راح جاب قلمم من مكتبه وقرب عند الجبيره ناوي يكتب وهو يقول "أجل قل تم، نطبع لك ورقة تعليق، لا تقترب هذا الإنسان خبطته الحياة مرتين، سياره مغبنه وكرشة مديره" نزلت راسي وانا وضحك بهدوء، طالعته وهو يكتب على الجبيره وانا معطيه الحريه، كامله "ترى لو يسمعك المدير، يرفدك اليوم قبل بكره" فيصل ضحك وطالعني وهو يكتب "صدقني، لو شاف المرايه رفد نفسه قبل لا يرفدني" (يرفدني : يفصله من شغله) ابتسمت له وكمل كتابه وهو مستانس،  خلص وراح عند مكتبه يكمل شغله، جلست في مكتبي بعد وفتحت اللابتوب بيدي السليمه، وقلت "بعدين تعال فهد وين صاير يتأخر كثير" ترك فيصل القلم من يده ورجع في كرسيه للخلف وشبك يده ورا راسه وقال "تلاقيه مرسبن عند المصري ذاك" فور ان اكمل فيصل جملته دخل فهد كعادته، متأخر وبروده سابقه بخطوات، شنطته مدلدله على كتفه وكيس الفطور بيده كأنه راجع من طقه مشوار، مو جاي دوامه، ناظرنا وقال بصوته اللي دايم يسبق ضحكته "وش السالفه شفيكم تطالعوني كذا؟ وانت شفيها يدك" فيصل التفت عليه، وسحب أوراق من على الطاوله وقال له "إيه فيه غياب وتأخيرك وقع هنا، بس لا توقع باسمك وقع (متهاوش مع المنبه)، بعدين انت وش عذر تأخيرك مع المدير ساحره، غريبه ما يسوي لك شي" كنت أرتشف القهوة الباردة اللي بردت واطالعهم  بنص ضحكه وقلت "حلال عليه تأخيره، دام عنده كود اسطوري ما حد يقدر يلمسه" طالعني فهد واقترب يجلس قدامي وقال لي وهو يطلع في فطوره ويحطه على الطاوله "تكفى شف الفطور قبل تحكم علي، فلافل من عند المصري، قسم بالله تحس إنك بعد اللقمه تبي تصيح" "فلافل؟ من الصبح؟ تبي تبخرنا بالروايح انت؟" قال فيصل وهو يرفع حاجبه بأستغراب "شفه دايم هو اللي يغار من شهيتي، كل مره يطالع أكلي كنه يكتب له قصيدة" قال فهد وهو يطالعني بدراميه متقصدها "إيه صح بس قصيدة عزاء، الله يرحم معدتي لو جربت" قال فيصل وهو يلف شماغه حول فمه، قام فهد وقرب من فيصل وهو  شايل ساندويتش في يده "جرب ذا، قسم بالله إنه من الآخر، تحس وراك غنم وتبي تحوشها" "وخر الله يلعن أبليسك، أصلاً ريحتها تقول إنها مغتربه وتبي ترجع بلدها" قال فيصل وهو يبتعد عنه ويطالع السندويتش اللي بيده "تراكم بتنطردون اليوم، مديرنا مر من شوي وطالع طاولاتكم كأنها مجلس عزاء" كمل فيصل كلامه ولف فهد وجهه علي يطالع طاولتي وبعدها طاولته ولف يطالع طاوله فيصل كانت ارتب طاوله في المكتب بكبره "ماهي بذاك الجمال يعني كلها خلق اوراق واقلام مرتبه" قال فهد ورجع يكمل فطوره، وفيصل يطالعه وهو لاف شماغه على فمه ويسبسب فيه، وهو ولا كأنه موجود ......... 5:11 مساءً رجعت للبيت والجو مشحون كأن الدنيا كلها ضاقت فيني، دخلت الصالة، وشفت ناصر واقف، وجهه محروق من الغضب، وعيونه مولعه حسن واقف قدامه، هو بعد يرد عليه بكلامه، بس اصواتهم كانت عاليه، والكلام ما يبرد ناصر زاد يمشي صوبه بسرعه، ويديه ترتعش من الغضب اللي ما يترك صدره، ما أدري إذا هو ناوي يضربه أو بس يهدد، لكن فجأة، حسيت شي ثقيل طاح على الأرض حسيت قلبي طاح قبل رجلي تطأ البلاط، أمي كانت واقفة عندهم قريب وتبكي بصراخ، والمكان فيه ريحه خوف غريبه، ما هي ريحه بيت ركضت، ورجولي ترجف، وقلبي يدق كنه طبل مكسور سمعت صوت الارتطام قبل لا أشوفه الا وحسن طايح على الزاوية الحديد اللي عند الجدار  وما يتحرك، راسه اصطدم بقوة قدرت احس فيها، وسال دمه "حسن؟" ركضت، وطحت على ركبتي، ما سمعت نفس، ما سمعت شي، بس الدم يسيل، يسيل كنه يكتب نهاية عمره أمي بدت تصيح بهستريه، وصوتها شق قلبي "يا ويلي! حسن، ولدي، قوم، حسن!" أنا ما كنت أقدر أتنفس، حاط يدي على رقبته أتحسس، ما في نبض، رفعت عيوني على ناصر وقلت بصوت خنقته الغصه "وش سويت؟ وش سويت يا بوي؟!" ناصر واقف، متجمد، عيونه كأنها تشوف شبح، ما رد ما قال شي اكتفى يناظرنا وبس "يا قليل الرحمه، صار لك سنين تذبحنا على البارد، وش باقي ما سويته؟! الحين قتلت أخوي، حسن مات بيدك، بيدك انت!" قلت بصراخ وانا اقوم ويدي مغطيها الدم ما كنت أحس بشي، بس كأني أتحطم من الداخل، رجعت اصرخ، وأنا أدزه بصدري "الله ياخذ يدك اللي ضربت، والله ياخذ صوتك اللي ما عرفنا منه كلمه طيبه! الله ياخذك ويفكنا منك يالحقير" أمي طاحت على ركبتها، تحضن حسن، تدعي وتبكي، وسرار من فوق الدرج تناظر، عيونها مفتوحه من الخوف، ما تفهم بس تحس إن أخوها في شي ما أدري كم مضى من الوقت، كل شي صار بطيء كل تنفس، كل دمعة تنزل من وجه أمي، كل دقه قلب كانت تقول لي أني فقدت اخوي خلاص وقفت عند الباب، وعيوني معلقة بوجه ناصر، كان يتحرك رايح جاي، يده على راسه، ويمشي كنه يدور على مخرج وانا اسمعه يقول بصوت مبحوح "أنا ما لي دخل، هو اللي استفزني، هو اللي خلاني" كان رايح جاي يبري نفسه بيده، ولا كأن الي قاتله هو ابنه "وش؟! بتقنع نفسك إنك مظلوم؟! أنت من يومك تضرب وتكسر وتصرخ، وذلحين عقب ما قتلت حسن تبي تهرب؟!" أمي كانت تضم حسن على صدرها، وصوت بكاها ما يشبه أي بكا سمعته في حياتي، وقالت بصوت مخنوق "ناصر إذا فيك ذرة دين، ذرة شهامة، خلك رجال واعترف لا تصير جبان حتى في غلطتك!" التفت لها بحده، وقال "مو انا هو الي طيح نفسه" قربت منه، ودفيته بصدره لين تراجع خطوتين وانا اصرخ علي "عايش بينا زي الشوك، خربتنا واحد واحد واليوم؟ ذبحت حسن بيدك! تبيني أقولك عادي؟ تبيني أغطي عليك؟!" مد يده يدفعني، بس أنا رجعت دفعت أقوى وقلت "أقسم بالله، لأبلغ فيك، وأخليهم ياخذونك من بينا بالسلاسل! مستحيل أستر عليك، ولا أسامحك!" أمي قامت من مكانها، وعيونها حمر، وتكلمت بصوت مهزوز "موتك أهون من وجودك يا ناصر، قتلت ولدي حسن، مات وأنت السبب، ما عاد لي وجه أقولك رجال!" ناصر وقف يناظرها كأنه ما يصدق، كأنه أول مره يسمع صوتها تقول كلمه من قلبها، بس أمي ما سكت لهنا، زادت حده صوتها وهيه تصارخ على ناصر "كم مره ضربتني قدام عيالي يا ناصر؟ كم مره سكت لساني من الخوف على عيالي؟ وهذا نتيجه سكوتي على ظلمك" كان واقف يناظرنا، يبي يقول شي، بس ما طلع منه كان يتلفت، ويروح ويجي، يفتح الدولاب، يطلع محفظته، ياخذ مفتاح السياره حركاته واضحه، يبغى يهرب يبغى يخلي حسن بدمه ويهرب قربت وقلت له وأنا أضغط على كل حرف طلع من فمي "وش ناوي تسوي؟" ما رد، خطوته كانت سريعه، وهو راح صوب الباب "ناصر! لا تفتح الباب! والله العظيم ما راح تطلع!" صرخت عليه بكل قوتي لدرجه صوتي انبح وقف مكانه ولف علي، كان وجهه كنه حجر، ما فيه ندم، ما فيه شي، بس نظرة حاده، كأن اللوم علينا مب عليه "على وين يا ناصر تبي تهرب؟ تذبح أخوي وتمشي؟ كأننا لعبه عندك؟" قلت له وأنا أتقدم خطوتين "أنا أبوك يا رائد!" صرخها، كأنه يذكرني بشي أنا ما نسيته "أنت؟ أبوي؟ اجل الي قتله ماهو ولدك؟ ولد الجيران! من يوم وعيت على هالدنيا ما عرفنا منك إلا الضرب والذل، ما سمعت منك كلمة حلوه، ما حسيت بالأمان دقيقة، واليوم! اليوم قتلت حسن، وبتروح؟" أمي كانت تبكي عند حسن، ودموعها تطيح قامت بشويش وراحت عند سرار "اتصلي على الشرطه بسرعه" ناصر بدأ يصرخ بصوت عالي ويدف فيني بقوه لين رجعنا للصاله، وامي جت تبعده عني وهي تصارخ "حسن ما ترك لي مجال! وانت، وانت بعد" "وأنا؟ وحسن وامي تركت لنا مجال نعيش، ولا الحياة مخلوقه بس لك؟!" صرختها من قلبي، من حنجرتي، من كل سنين القهر الي عشناها معاه "تروح؟ والله ما تطلع!" قلت وأنا أقفل باب الصاله بظهري قرب، من عندي وبده يصرخ "ابتعد!" "ما أبتعد." قلت وأنا أطالع عيونه بحده هاللحظة، عرفت عرفت إنه ناصر ما يعرف يوقف ناصر ما يوقف إلا إذا خرب كل شي مد عينه على المزهريه الزجاجية اللي فوق الرف ما لحقت أرجع، ما حسيت إلا وهـي ترتطم بجهه راسي بكل قوه امتلكها الصوت كان مدوي، زجاج، صدى، وجع، ثم سواد كل شي صار ثقيل، أحس بدمي يصب وعيني تشوفه يركض للباب ويفتحه، وأنا طايح على الأرض لا حول ولا قوه، وأمي تصرخ بكل صوتها "راااائد!" ...... نسيت شي اسمه كتابه