أُوار - بدايه مايو - بقلم حور فارس | روايتك

اسم الرواية: أُوار
المؤلف / الكاتب: حور فارس
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: بدايه مايو

بدايه مايو

كنت دائماً اكره شهر مايو مدري من متى بالضبط بدأ هذا الشعور، بس أذكر إن أول يوم منه دايم يجيب معه شعور غريبه، كأن الدنيا ناويه تصب لك قهوه مره بدون ما تقول لك انها مره ذاك الصباح، الشمس طلعت بدري، كنت صاحي قبل المنبه او بالاصح نايم نص نومه، سمعت صوت أخوي حسن يطقطق بأصابعه وهو يحاول يفتح جواله اللي فصله عن الشاحن وطاح منه على الأرض بالغلط، وبده يسبب بمعاذ الي كان يتصل عليه كل دقيقه "رائد، قم اليوم عندنا تمرين الساعة 8 معاذ بيزعل لو تأخرنا" "والله إني نعسان تمرينات من الصبح، روح انت حسن.. معاذ موب صاحي يتمرن الساعه ثمانيه الصبح خلني أرجع أنام" ضحك، ورمى المخدة علي، وقال بصوت نص نايم "لو ما قمت، بقِلبك من الكابتن للحارس لو لعبنه كُوره في الليل مثل ما سويت مع سند" حسن كان دايم يبدأ يومه كأنه سباق نفس اللي يخاف يفوت لحظه، طالع على معاذ ما يشبهني في شي، ما اقول لكم اني كسول او مدري يمكن كنت كسول، بس حسن يمكن لأنه يعرف بقلبه إن بعض اللحظات ما تتكرر، وهل شيء عكسي تماماً، ما كنت اهتم للحظات اهمشي كان عندي يعدي اليوم على خير قمت من مكاني بعد ما حسن طلع النوم من عيوني بأفعاله، ساعه كان يشد الغطى عني ساعه يصعد فوقي، ساعه ياخذ المخده من تحت راسي ويخنقني فيها بالمزح، غسلنا وجيهنا ولبسنا ملابسنا ونزلنا بعدها ولقينا أمي واقفة عند البوتجاز، تطبخ بيض بالخضار الأكله الي يحبها حسن والي انا كنت ما احبها بس بقول لهم اني احبها، قاطعناها يوم حطت الشاي على النار "صباح الخير" قلت لها اصبح عليها مثل كل يوم واقرب ابوس راسها وحسن بعدي يسوي مثل الي اسويه "صباح الخير يا وجيه الخير" قالتها، تناظرني وتناظر حسن "أبوي هنا" قلت لها أناظرها وبنفس الوقت انا وحسن اخذنا طريقنا نجلس على الطاوله الي في المطبخ "لا" قالتها بأختصار، تكمل اللي كانت تسوي كان دايم يطلع قبلنا، وما يفطر معانا، ما كنا نتكلم معاه كثير وعلاقتنه فيه ماهي قويه جلست على الطاوله، وسرار جايه تدور مصروف المدرسه وهي لابسه شنطتها بالمقلوب، ضحكت، وعدلتها، وأعطيتها ريالين "ما يكفي للبطاطس والعصير!" قالتها بعقده بين حاجبه تصنع أمي ابتسمت لها، وطلعت ريال ثاني من شنطتها، وقالت "شاركي مع صديقتك نوره نصه مثل كل مره، مو بس لك" سرار ابتسمت لها وهزت راسها، وطلعت كانت كل صباحاتنا كذا بسيطه، متكرره وهاديه بس أنا كنت حاس بشي، مدري وشو بالضبط أحياناً، تحس إنك داخل فصل ما تقراه، بس تعيشه وكل شي حولك يلمح إن فيه سطر جاي، تحاول انك تجنبه، لكن حتى لو تجنبته بيأثر على الاحداث الجايه ودعنا أمي مثل كل مره، بسنا راسها، وهي مثل عادتها ودعتنا بكلمة "الله يحفظكم" وابتسامتها اللي تشبه حضن بدون ذراعين ركبنا السياره، وكان حسن ماسك جواله، يضحك على شيء أرسله له سند "من تكلم" سألته وأنا أشوفه يضحك بدون صوت "سند يقول إن أبراهيم أمس دخل على بيتهم وهو لابس فنيله سندي وسروال، وأمه كانت بالمجلس" "يا الله إنكم بزران... ما تفهمون الحياة إلا بالمصايب" قلت وضحكت غصب عني وصلنا النادي، لقيناهم هناك يتصارخون كأنهم في ملعب، ما في شي جديد، سند يرمي كوره رياضيه كبيره على إبراهيم، وخالد يسجل سنابات وهو يقول الأسطوره توها تصحى، وكان يقصد نفسه جلست معهم انا وحسن، وكان تعاملهم معي يختلف عن تعاملهم مع حسن، يمكن لأني كنت دايم أسكت إذا صاروا يتهاوشون، أو لأني الوحيد اللي إذا تكلم، يسمعون له بعد التمرين، جلسنا نضحك ونمزح برى النادي، حسن كان مروق مره "أصلاً أنا ما كنت ناوي أحضر محاضره اليوم" قال حسن وهو يفتح باب السياره بدون ما يصعد "يعني كذا؟ تضيع مستقبلك.. مو لازم يرحون هم بعد!" قلت له بحده وانا افتح باب السياره ما رد، نزل راسه، وضحك كأنه يحاول يهرب من العتاب "الله يهديهم ويهديك بس يا حسن" قلت له وأنا أحاول ما أكون قاسي، بس كنت متضايق من تصرفهم، كانوا اغلب الايام ما يحضرون لدوامهم وحسن صار مثلهم مع الايام ركبنا، ووصلته للجامعه، ونزل بدون ما يتكلم كثير، وأنا كملت طريقي للشغل كان دوامي يبدأ 10، ووصلت قبله بشوي دخلت المكتب، وشفت زميلي فيصل قاعد على مكتبه، وابتسم لي من ورا الشاشه "هلا والله، هاه بشر، مديرنا العظيم جا اليوم؟" قالها وعيونه كلها تساؤل "إي، كرش الشركة حضر من بدري، شفت سيارته واقفة تحت" قلت بضحكه، وانا اجلس على كرسي المكتب فيصل كان الزميل الوحيد اللي أرتاح له، نكره مديرنا نحنا الاثنين، مو بس لأنه دايم يصرخ بدون سبب، بس لأنه يتعامل مع الناس كأنهم آله، حتى السلام ما يعرف يقوله "اليوم ناوي يسوي اجتماع، وهم بعد احذر منه، أمس شافك وانت تطلع بدري" تنهدت، وجلست على مكتبي، أحاول أفتح اللابتوب، بس أحس أن عقلي في مكان ثاني كنت توي أفتح الإيميل، ما قرأت إلا أول سطر من الرساله، إلا وصوت نعله يضرب الأرض، ما كنت متأكد اذا كان صوت نعله او كرشه وهو يهتز "رائد، تعال مكتبي" رفعت راسي، ولقيته واقف عند الباب، عيونه دايماً تناظرك كأنها تتهمك، حتى لو ما سويت شي مشيت ورا صوته، دخلت المكتب، وقبل لا أقول صباح الخير، قال بصوت عالي شوي "أنت وش مفكر نفسك؟ تطلع أمس قبل الوقت، ولا كأن فيه دوام ولا مسؤوليه؟" وقفت، ويدي ورا ظهري، أضرب بإبهامي عليه بهدوء، حاولت أضبط نبرة صوتي، وأكون هادي قد ما أقدر "كان شغلي منجز، وأرسلت لك إيميل فيه كل التقارير" "ماني مهتم بتقاريرك، أنا أتكلم عن احترامك للنظام الشغل موب تفضل، إذا ما ناسبك تقدر تستقيل" وقتها حسيت الدم يصعد، مو بس لراسي، حتى لأذني، بس سكت... سكت كأني أحاول أدور أي شي اهدي نفسي فيه "أنا أشتغل، وأحترم النظام، بس بعد أحترم نفسي وما أحب أحد يكلمني بهالطريقه" قلت وحاولت قد ما اقدر اخلي صوتي مايرتفع "تحترم نفسك؟ لا يا حبيبي احترم قوانين الشركه أول، بعدين تعلم تحترم غيرك وبعدين احترم نفسك مثل ما تبغى" قالها بنبره فيها احتقار، واضح انه ما كان ناويلي خير دخل فيصل بهاللحظه، كأنه حاس إني على وشك أنفجر واشق له كرشه الي كأنه حامل بتوأم وبعد في الشهر التاسع "أستاذ سالم، أنا كنت موجود أمس، ورائد خلص شغله كامل، وكان باقي بس عشر دقايق على نهايه الدوام، وكان فيه ظرف شخصي بسيط، وأنا أذنت له" قالها فيصل بهدود وبأبتسامه باهته يحاول يهدي الوضع سالم سكت شوي، تنفس بصوت عالي، وبعدين قال "هذي آخر مرة، واضح؟" ما رديت عليه، طلعت من المكتب، وفيصل اعتذر له ولحقني، يمشي جنبي وهو يقول "وربي كانت وشيكه احسني سبايدرمان، بس سويت الصح يا رائد، تدري وش تخيلت تقوم تضربه وبعدها ننطرد نحنَ الاثنين" ضحكت بخفه، بس ما كانت ضحكة صدق "هالأيام أي شي بسيط يخليني أبي أصرخ مدري وشهو، بس حاس إني مو طبيعي" قلت وكان في ضيق في صدري "يمكن ضغط، أو شي في بالك بس صدقني، تمر كلنا نمر بضيقه ما نفهمها إلا بعد ما تعدي" قال وهز راسه، كان يتكلم من باب الطيب بس شكرت ربي على وجوده طلعت من الشركه، ومعاي مزاج ما يصلحه إلا القهوه، مو من ذيك القهوه اللي تحطها الشركه عشان تقول عندنا ضيافه قهوه مالها طعم، وريحه البلاستيك مغلفه فيها من كل جهه، مدري من وين جبت الطاقه هذي وقلت أمر الكافي اللي ورا الشارع، أشتري لي وحده ولفيصل، يمكن يروق راسي وصلت، ودفيت الباب الزجاجي، كانت الزحمة خفيفه بس فيه شخص واقف قبلي، لابس بدلة رسميه وظهره مستقيم كأنه سيف، أكتافه عريضه ووقفته فيها هيبة ما تنشرى، كان لابس زي عسكري واضح من الكتف والنياشين اللي تلمع، ومعاه سلاح في خصره، شعره أسود قصير ماهو طويل، ممشط بنظام، لكن بدون تكلف ولحيته خفيفه ومشذبه بدقه، كأن كل شعره فيها واقفة مكانها بحساب، كان طويل وجسمه متناسق، وخصره مره واضح، بس أكثر شي شدني عيونه، عيون سوده من النوع اللي تشوف فيها شي أعمق من الكلام، فيها كحل رباني، من اللي تحسه مرسوم في الجفن من يومه، ما تحتاج فرشاه ولا تجميل طلب قهوته بنبرة هاديه كأنه يعرف هو وش يبي بالضبط، بدون تردد، بعده تقدمت عطيت الطلب، ولما جيت أدفع، قلبت جيبي ما فيه شيء قلبت الثاني برضو ما فيه شيء عرفت في ذيك اللحظه إني نسيت المحفظه على مكتبي حسيت الدم يضرب في وجهي، والتفت للباريستا وقلت بخجل "آسف، نسيت محفظتي... ألغي الطلب" وقتها سمعت صوته من وراي، بصوت رجولي وهادي، فيه نبره ثقه "خلها علي... خذها على حسابي" التفت له وقلت بسرعه "لا، لا والله ما يحتاج" ابتسم لي ابتسامه خفيفه وقال "هي بس قهوة... خذها، لا تكبر الموضوع" وقبل لا أجادل أكثر، الباريستا كان يحط الكوبين قدامي، وهو يطلب قهوته الثانية له وقفت جنبه ننتظر، التفت علي وسألني "شكلك توك طالع من الدوام؟" "إي، دوام ونق.. ومدير ثقيل دم" قلت وأنا امد يدي في جيوب ثوبي الاسود "اذا القهوه تصلح مزاجك، فأنت ماشي صح" قال وضحك بخفه "رائد." رديت وأنا امد له يدي "علي" قال ومد يده وصافحني بنظره ثابته كانت المصافحة سريعه، بس فيها شي غريب... ما أدري هو الشعور، أو اللحظه، أو يمكن العين، بس ما كنت أدري إن الاسم اللي نطقه قبل شوي بيصير يوم من الأيام نقطه تحول في حياتي كلها وشي اندم عليه باقي عمري كل واحد منا أخذ كوبه وطلعنا "إن شاء الله يومك يعدي بخير" قال علي بهدوء وببتسامه خفيفه "وإنت بعد... شكراً على القهوة" قلت له وأنا احاول امسك القهوة زين وكل منا كمل طريقه بأتجاه معاكس ............. الساعة 5:11 مساءً طلعت من مبنى الشركه، أدف كرتي على جهاز الخروج كأنها آخر معركه في اليوم، والشمس كانت تميل شوي للغروب، حر الرياض بدا يخف، بس الهواء ما زال يصفق الوجيه كأنه يحاول يصحي الناس اللي للحين مدفونين وسط زحمة الحياة ركبت سيارتي، وفتحت الشباك شوي مشغل الراديو على صوت منخفض، ما كنت أركز على اللي ينقال، كنت أفكر كيف اليوم مر، وكيف أني تعبت بدون ما أنجز شي يرضيني فعلاً وصلت البيت، ودخلت بهدوء ريحه طبخ أمي كانت تملأ المكان، هذي الريحه ما تخيب انها تغير مزاجي، حتى لو النفس ضايق تعبي بطني بشعور أمان أمي كانت بالمطبخ، تلبس مريولها الماروني اللي دايم تغسل فيه الصحون، وواقفه تنشف المواعين سرار كانت جالسه عند الطاوله، ترسم شيء على دفترها ومعها كاسه عصير "هلا يمه رائد، رجعتك السلامه" قالت أمي بدون ما تلتفت، بس صوتها كان فيه دفء الأم اللي تحفظ خطوات ولدها "الله يسلمك" قلت ورميت مفاتيحي على الطاوله ورفعت كمي وغسلت وجهي في المغسله الصغيره عند المطبخ ومسحت على شعري اللي متعرق شوي "وش سويت في الشغل اليوم؟" سألت وهي تحط الغطاء على قدر الباميه "مثل العاده، مافي شي جديد" قلت وأنا أجلس على طرف الطاوله أطالع رسمه سرار ومنها ارتاح شوي قبل لا اصعد لغرفتي "اف اف يزينها من رسمه" قلت وانا ابتسم لها، بس موب مجامله كانت فعلاً حلوه "هذي نوره، صديقتي وهذي انا معاها، أعطتني لون بنفسجي وقلت أرسمها واعطيها لها بكرا" قالت بحماس تشرح لي رسمتها ضحكت، ومديت يدي أمسح على راسها، لكن قبل لا أكمل، جوالي رن، كان حسن رديت، وأنا حاس من نبره اسمه في الشاشة إن وراها شيء "هلا" قلتها، بس بنبره واضحه اني لسه منزعج منه "هلا؟ بس؟ ما تبي تسبني بعد؟" جاه صوته من الجوال وقال بأستغراب "وش فيك تضيع محاضرتك؟ تحسب ما عرفت انك طلعت من الجامعه يوم وصلتك وش هالاستهبال؟" قلتها بعصبيه من تصرفه " من ويه عرفت؟ ياخي، مره وحده! محاضرة وحده، مو نهاية العالم!" قالها حسن بشويه حده "ما خصك من وين عرفت، بعدين وش الي مو النهايه، ذي بس البدايه، وراح تضل كل مره تقول كذا، تراك بتهد تعبك بيدك يا حسن" قلت بقلق من التصرفات الي جالس يتصرفها حسن الفتره ذي، يا انه ما يحضر محاضراته ويا انه كل دقيقتين تجي منه مشكله "خلاص، انا راجع للبيت" سكت شوي ثم قال بصوت اوطئ "ارجع، وأبوك لسه للحين ما رجع، لا تتأخر تعال قبله ما ناقصين نقنقته الليليه" قلت بقلق انبهه مثل كل مره "سم، مع السلامه" قالها بهدوء، بعدها قفلت الخط وأنا أتنهد أمي ما كانت تقول شيء، بس صوت القدر وهو ينحط على النار صار أعلى من اللازم، واضح انها سمعت المكالمه وعصبت من حسن شوي، وسمعنا صوت الباب الأمامي ينفتح ناصر دخل كان وجهه مكفهر، مثل دايم، شِماغه ملفوف فوق راسه بعشوائيه ولحيته مبعثره، وعيونه ما كانت عيون رجال راجع من شغل، كانت عيون أحد راجع من حرب داخل نفسه هو "السلام عليكم" قالها ببرود وهو يطالعنا مروراً، احمد الله انه يعرف يسلم "وعليكم السلام" قلناها أنا وأمي وسرار بصوت واحد، وكأننا حافظين الرد مثل النشيد جلس ناصر على الكرسي الكبير، وبدأ يفك شماغه وهو يقول "وينه حسن؟" "جاي بالطريق" قلت وأنا أحاول ما أبان توتري "جاي؟ الساعة كم الحين؟ متى ينضبط ذا الولد؟ ما عمره عرف شي اسمه توبه" قبل ما أرد، الباب فتح، ودخل حسن، وقف شوي وشاف أبوي، ثم مشى بهدوء ناحية غرفته، وهو متجنب يناظره، لكن ناصر صرخ عليه "وقف!" حسن وقف، بصوت منخفض وقال "سم، يبه؟" "وش كنت تسوي؟ وينك من الصبح؟ تضيع دراستك؟" حسن كان بيقول شي، لكنه سكت وطالعني بنظرات كأنه يقول لي أنت قلت له؟ لكن انا مثله بنفس الدهشه من وين عرف؟ انا عرفت من خالد لكن هو كيف عرف؟ "رد!" قالها ناصر بحده وهو يقوم من الكرسي "كنت مع رائد، بعدين رحت الدوام لكن ما كان عندنا محاضرات مهمه، وطلعت من الجامعه بعد ما اخذت أذن رائد" قالها حسن بصوت ثابت ينقل انظاره بيني وبين ابوي "لا تبررلي، المرة الجايه لا تدخل البيت، إن جيت متأخر" سكت حسن، وتحاشى نظراته، وأنا كنت أطالع أمي وهي تحاول تلحق على الموقف من بعيد، بس ما قدرت تقول شيء دخل حسن غرفته، وأنا بعد مشيت خلفيات بس ما دخلت ضليت واقف قدام الباب ثواني لين حركت مقبض الباب بهدوء وفتحته ودخلت، قابلتني نضرات حسن وهو جالس على سريره يهز برجله بحركه مستمره "كيف تقول له رائد" قالها حسن وهو يقوم ويخطي ناحيتي "وربي ما قلت له مدري كيف عرف" قلت احاول ابرر له موقفي "قول لي انت من وين عرفت؟" قالها حسن يناظر وسط عيوني تحاشيت نظراته وعبرت من جنبه ورحت اجلس على سريري، وبدوره لحقني وجلس جنبي مكرر نفس السؤال "وش فيك ساكت؟ قول من وين عرف" "ما اقدر اقول لك لكن ابوك من وين عرف انا مو عارف، وانا مستغرب اكثر منك بعد" قلت احاول ابين انفعالي قدامه عشان يقوم ويهدني بحالي، اقصد من جد انا شعرفني من وين عرف الشيبه ذا هز راسه لي وقام وباين انه عصب راح عند الكبت وطلع له كم قطعه ملابس ودخل الحمام، تنهدت وقمت انا بعد وراه اطلع لي ملابس من الكبت وانتظره يطلع عشان ادخل وراه ............ وقت العشاء جلسنا على الطاوله كلنا، حتى ناصر، الصمت كان سيد الموقف، صوت الملاعق وهو يضرب الصحون كان مزعج، كأنه يظهر توتره بدالنا "حسن، عط سرار العصير" قالت أمي تحاول تكسر التوتر "هاك" قالها حسن وهو يمد الكوب لها أبوي رفع نظره، وطالع في حسن نظرة طويله بعدها طالع فيني "وإنت؟ وش سويت بشغلك اليوم؟" قالها بهدوء، ما اقول لكم بلعت العافيه وقتها "أبد، شغل روتيني، نفس كل يوم" قلت احاول ابين أني هادي ولا اذكر كرش المدير ذاك "ولا شيء جديد؟" قالها يناظرني بطرف عينه، كأنه يعرف وش صار اليوم "ولا شيء" قلتها بهدوء وأنا أقطع قطعه خبز واتحاشى أناظر بعيونه سكت شوي بعدها قال وهو يقلب ملعقته داخل الصحن "أنتم ما تفهمون قيمة النعمه اللي أنتم فيها، وتضيعونها بحجه الحريه والمزاج" ما رديت، ولا أحد رد سرار كانت تاكل بدون ما ترفع عيونها، أمي تناظر الأكل كأنها تنتظر كل شي يخلص او تنتظر ابوي الي يخلص ويقوم من السفره وتبقى بس هي وعيالها كان العشاء بارد، مو بدرجة حرارته، بدرجه المشاعر اللي ماتت داخل الي كانوا جالسين حول الطاوله ......... الساعة 9:27 مساءً الغرفة شبه مظلمه، لمبه السرير الصفراء تشتغل وحسن منسدح على سريره، يحرك الاوراق الي بيده ناحيه وجه ويرجع يرفعها ومكرر نفس الحركه "تدري؟ أنا ما عاد أتحمل" قالها بصوت منخفض وهو يعدل جلسته، كأنه ما يبي أحد يسمعه إلا أنا "من؟" قلت له ورفعت وجهي من جوالي "أبوي رائد ابوي وش ذا؟ وش هالتحكم؟ الحين أنا رجال كبري كبرك وكبره وتوني جاي، مو المهم جاي من وين ما كان المهم رجال، ويصرخ علي كأني مطلع رخصه من جيبه!" "هو دايم كذا، وش الجديد؟" عدلت جلستي وقلت له بنبره هاديه "الجديد؟ الجديد إني بديت أفكر إني ما أبي أعيش كذا، ناطرنا نمشي على كلمته كأننا في معسكر، ولازم كل شيء يصير حسب مزاجه، حتى لو ماله معنى المهم الي يقوله ناصر يتنفذ" قالها بحده وهو يحرك يده بعشوائيه وبأنفعال كنت بقول له شي، لكن فجأة، الباب انفتح بهدوء ودخلت سرار، لابسه بيجاما ورديه ومربطه شعرها فوق، وشايلة كتابها "رائد ممكن تساعدني، ما فهمت المسأله ذي، كل البنات فهموها وأنا لا، ما بي أكون الوحيدة اللي ما حلتها بكرا!" "والله دامك جايه تطلبين مساعدتي، أجل شكل المسألة فيها بلا" قلت بضحكه، وحطيت جوالي على الكومدينه "لاا جد والله تعال" نزلت كتبها على الارض وسحبتني من يدي وجابتني عندها، وجلست على الأرض تشرح لي الأرقام وهي تلخبطها، وأنا أعدل لها كل شوي "هنا، مو تضربين، تقسمين، يا العبقريه" قلت لها وانا اعيد نفس الشي عليها من نص ساعه وترجع تغلط فيه "يا رجال! شكلي بغش من نوره بكرا" قالت بأنزعاج تمسك راسها بيدينها "مافي غش سرار ادرسيها الحين وبكرا قبل تروحي المدرسه راجعيها ما فيها شي" قلت لها بحده في البدايه "لا تنسون تضربون الجذر الثالث في المجهول عشان تطلع النتيجه فاشلة!" قالها حسن بعد ما رجع انسدح بسريره يناظرنا بطرف عينه "اسكت انت! محد فاشل غيرك الله يفشلك زياده بعد!" قالتها بحده وهي ترمي عليه واحد من اقلامها ضحكت عليه، وحسن نهض من مكانه وقرب عنز وبدأوا يتدافعون، لين دخلت أمي وهي شايله صحن حلا فيه كنافه وبيدها الثانيه عصير واضح انه لحسن "ما شاء الله! مدرسه الليل مفتوحه؟" قالتها، وهي تعطيني الصحن بعدها مدت العصير لحسن اللي شكرها وسحب يدها يبوسها "يمه شوفيني أشرح لرائد، بس شكله هو ما يفهم" قالتها سرار تضرب جبينها وتصنع الدوخه "عاد؟! رائد ما يفهم؟ لا والله، واضح إنك انتي المعقدة المسأله وجايه يفهمك" قالتها وهي تجلس معانا جلسنا على السجاده وسط الغرفه، ناكل من الكنافه ونضحك، نحكي عن أشياء مالها قيمه بس كانت تملي الجو، أمي كانت تضحك على حسن وهو يقلد معاذ، وتضحك أكثر على محاولات سرار في فهم المعادلات الغامضة "أقسم بالله ما عمري شفت أحد يحل مسأله وبنفس الوقت يرسم قلوب جنب الأرقام" قلت لها وأنا أوريها دفترها "هذي خطتي الجديده أحبب المادة فيني عشان أحلها!" قالتها وهي تضحك الضحك بينا كان صادق، اللحظه كانت صافيه، كأننا عايشين في فقاعه صغيره معزوله عن ناصر وعن كل شيء برا الغرفه، لكن ما طالت " وش مجلسكم للحين الساعة تعدت الـ11!" صوت ناصر جاء من فوق، صوت جهوري يقطع الهوى، بس قبل الهوى قطع ضحكتنا سكتنا كلنا، حسن رفع نظره للساعه، وأنا تنهدت، وسرار قامت تسحب دفترها وهي تتنهد كأنها داخل زنزانه وأمي وقفت بهدوء ورفعت صحن الحلا "يلا سرار على غرفتك ماما، وانتوا تصبحون على خير" قالتها بابتسامة خفيفه، لكنها كانت باهته، كأنها تعرف إن الجو الحلو لازم ينكسر لأنه فيه نظام ما نقدر نكسره دخلت سرار غرفتها، حسن طفى النور وعلامات عدم الرضا واضحه عليه، رقدنا بس محد فينا نام كان واضح إن كل واحد فينا عنده شي بخاطره، بس ما يقدر يقوله مو خوف، لكن كأننا نحاول نحتفظ بالأمان اللي نحسه للحظات أطول بس أي أمان؟ ناصر ما في أمان معاه .......... يا أن يدي تكسرت وافكاري تبخرت في ذا البارت لكنه اعجبني وانا راضيه فيه