4 الاخيرة
قلقة على نفسي ، بل على الآخرين . سينتابهم الذعرلاعتقادهم بأنني ضعت وسط الثلوج . لا اظن ان هناك طريقة ما تمكنني الليلة منالاتصال بالفندق لأعلمهم بمكان وجودي ؟ فردّبصوت فاتر : -لا يوجد هاتف ولاكهرباء كما ترين . عليك ان تتذرعي بالصبر وتنتظري طلوع الصباح وحيث من المفروض انتنتهي العاصفة الثلجية .نامي الليلة جيداً لتشعري غداً بالتحسن . سأدلك على الطريقفي ضوء النهار . ان قلقك على أصدقائك لن يجديك نفعاً ، لذا من الأفضل ان تسترخيوتشكري الله على انك سالمة . فأجابته بسرعة خشية ان يتبادر الى ذهنه بأنها وقحة : -اني احمد الله جداً . كذلك اشكرك كثيراً على انقاذك لي . ثم أضافت وهيتبتسم له عبر الغرفة : -لقد تأخرت بشكرك . أليس كذلك ؟ اخشى ان ضربة رأسي قد شتتذهني ، فأنا لا افهم لغاية الآن كيف جئت خلفي في حين كنت انا وراءك. -رأيتكتسقطين على المنحدر وكدت القيك على الأرض مرة أخرى . يجب ان تكوني اكثر احتراساًوتنظري حولك لتتأكدي من خلو دربك من متزلج آخر قبل ان تتابعي الهبوط ، فلو أنناارتطمنا ببعضنا لأصيب كلانا بألم وأضرار على الأرجح ، ولو انك لم تعاودي التزلجفوراً ، لكنت توقفت ورجعت لأساعدك . لكن سقطتك بدت لي سليمة فجئت هنا لأحتمي منالعاصفة . دخلت وأشعلت النار والمصباح ثم نظرت الى الخارج ورأيتك تهبطين في اتجاهالاشجار . توقف قليلا وحكّ جانب وجهه بيده ثم تابع : -كان فيك شيء مألوف لدي . حسبتك امرأة أخرى أعرفها ولذا خرجت لملاقاتك . مررنا ببعضنا بين الأشجار حيثرأيتك لكنك لم تريني . وهنا أدركت انك لست المرأة التي ظننت انك هي ، واستدرت لألحقبك ، ثم شاهدتك تسقطين مجدداً. رفع كتفيه وأنهى كلامه بقوله : -لو لم يحثنيالفضول على الخروج لبقيت حيث سقطت. ارتجفت سوريل قليلا ومحت من ذهنها صورة تخيلتفيها نفسها تستلقي غائبة عن الوعي والثلج المتساقط يغمرها بالتدريج . ثم قالت بشيءمن المرح : -أرجو ألا تكون أصبت بخيبة حين وجدت انني غير المرأة التيتعرفها. لم يجبها فوراً بل استمر يحدق اليها بطريقة حذرة غريبة كما يفعل صياديراقب حيواناً يطارده وينتظر الرد على اية حركة تصدر منه ، مما جعل سوريل تحسبقشعريرة ارتهاب . وقال اخيراً بلطف : -كلا ، لم أصب بخيبة ، بل العكس هو الصحيح . وفكرت سوريل مقطبة ، العكس قد يعني انه مسرور لأنها لم تكن المرأة التي يعرفها. لكن التفكير ومحاولة تفسير ما لمح اليه سرعان ما أرهقا رأسها المصدوع فأطلقتتنهيدة صغيرة واستلقت على الوسادة من جديد. وهنا نزع الرجل عنه جاكيت التزلج وقذفبها على كرسي خشبي قريب ثم سألها فجأة : -ألست جائعة ؟ -ليس كثيراً . -أيمكنك ان تتناولي بعض الحساء ؟ -ألديك حساء ؟ -هناك نوع معلب فيالخزانة ووعاء لتسخينه على الموقد . ليس عليك فعل شيء فأنا قادر تماماً على تحضيره . التقت نظرتاهما ثانية في ضوء الموقد وراحا يقيسان بعضهما بعضاً. لم تستطعسوريل ان تعلم شيئاً من وجهه المظلل انما بدا لها انه يراقبها بجسمه كله وليس فقطبعينيه ، وان كل عضلاته كانت مفصلة ومستعدة للانقضاض في حال صدرت عنها مطلق حركة ... قالت بوهن : -ارحب بشيء من الحساء ، مع الشكر . ثم احست فجأة بحاجة أخرىملحة فسألته : -هل يوجد حمام ؟ -نعم . حمام صغير تصلينه عبر الباب في مؤخرةالغرفة . همت بالجلوس فتحرك كما توقعت ان يفعل وقال : -انتظري ، سأساعدك . قدتشعرين بالدوار عندما تقفين ولا أريدك ان تقعي ثانية . لقد سقطت هذا العصر بما فيهالكفاية . -لابد انك تحسبني متزلجة فاشلة ، وأنا فاشلة فعلا بالمقارنة معك فأنتمتزلج ممتاز . أجابها باستغراب جذل : -شكراً لك ،سنيوريتا . أنا أحاول اقصى جهدي . والآن ، هاتي يدك . ترددت وحدقت الى اليدالممدودة نحوها . كانت واسعة الكف ، مربعة الشكل وتبدو صلبة وعضلية كسائر جسمه . لكنها كانت تخاف أي احتكاك حسي ومصممة على الوقوف بلا مساعدة . تمسكت بالسرير جيداًونهضت واقفة الا ان الدوار عصف برأسها وهوت بين ذراعيه مباشرة . فقال هازئاً : -اذن انت واحدة من النساء المتحررات اللواتي يسخرن من يد الرجل الممدودةللمساعدة . وهذه المرة حركت انفاسه شعر صدغيها وبعواقب مهلكة ، اذ اجتاحتاعصابها مشاعر غريبة ، وأحرقت كيانها رغبة فجائية في الالتصاق به. وقالت مؤكدة : -انني الآن على ما يرام . استدارت بدون ان تنظر اليه وأرغمت نفسها على السيربثبات في اتجاه الباب المذكور . وعندما رجعت الى الغرفة شعرت ان الاغتسال خففصداعها الى حد ما. وجدت الرجل واقفاً امام الموقد يحرك محتويات وعاء أسود يرتفع منهبخار شهي الرائحة . سارت حول الطاولة المستديرة الموضوع عليها القنديل وجلست علىاحد الكراسي تقول بتهذيب : -رائحة الحساء شهية . -انه حساء لحم يحتوي على قمحمجروش ، مغذ جداً ومناسب تماماً في طقس كهذا . سار الى الطاولة حاملا الوعاءوراح يغرف الحساء ويسكبه . سقط شعاع من ضوء المصباح على خده الأيمن فكشف عن ندبةبيضاء بشعة ، تمتد من أسفل أذنه حتى زاوية فمه كما لو ان أحداً تناول سكيناً في مرةما وجرف اللحم من وجهه . وهتفت شاهقة دون تفكير : -اوه ، وجهك ! ماذا تراك فعلتبه ؟ خيم الصمت متوتر ثقيل حين أخذ يحدق اليها ، ثم تلاقت أهدابه السوداءالطويلة مغطية بريق عينيه القاسي وارتفع جانب فمه الأيسر عندما ابتسم . انزلالمغرفة من يده ورفع اصابعه يتحسس الندبة ، وعلق ساخراً : -لا يفترض منك انتذكريها بل يفترض ان تشيحي عنها وتتظاهري بأنها غير موجودة . ألم يخبرك احد بأنك لايجب ان تعلّقي على اي تشوه جسدي ؟ أثرت سخريته في سوريل اكثر مما يجب فتمتمتبحرج : -انا ... آسفة لم انتبه لها بتاتاً . لم أقدر ان أراك بوضوح قبل الآنو... فقاطعها بصوت جاف : -لا تقولي اكثر من ذلك ، اني اتفهم مقصدك ، بل أظنانني أفضل تعليقك الجريء على النظرات المختلسة والصمت المتعمد . والآن ، هل لك انتتناولي الحساء ؟ -اذا كنا سنأكل معاً ونقضي الليلة هنا فيجب ان نتعرف الى بعضنابعضاً. أنا سوريل برستون . -سو...ريل . هل هذا اسم انكليزي ؟ -انه اسم يطلقعلى لون أحصنة معين . ضحكت قليلا لنظراته المندهشة وأردفت تشرح : -انه لونبني يميل الى الاحمرار . والدي سماني هكذا ، وهو مدرب خيول في انكلترا . -هل انتهنا في اجازة ؟ -كلا ، اني اعمل في منزل رجل اعمال في ميدلين ، كرفيقة لزوجتهولابنتيه . فسألها معلقاً : -ورفيقة له ايضاً ! حدقته بنظرة باردة أملت انتؤثر فيه وردّت بحدة : -تعليقك هذا تخطى حدود الأدب . -ليس من غير المألوف انيكون للرجل المتزوج رفيقة في هذه البلاد ، وحتى في ميدلين حيث يميل الناس الىالاستقامة الخلقية التي تتناسب مع مراكزهم الصناعية الوقورة . أجابته بجمود وهيتحاول السيطرة على أعصابها : -لكني لست رفيقة رامون انهل ولا أريد ان اكون كذلك . -رامون انهل ، رئيس شركة انهل للنسيج ؟ -اجل ، هل تعرفه ؟ -سمعت به فقط . لماذا يحتاج رفيقة لزوجته وابنتيه ؟ -زوجته اصيبت بضرر بالغ في تحطم سيارة قبلبضعة أشهر ولا تستطيع المشي . انا مدلكة بدنية متدربة وأساعدها يومياً على تمرينعضلاتها . -اما كان باستطاعة مدلكة كولومبية ان تقوم بهذا العمل ؟ -اجل ، لكن مونيكا انهل لم تقدر ، اولم ترد التعاون مع مدلكات المستشفى . انها انكليزية مثلي ومن بلدتي نفسها . لقدجاءت امها لزيارتها بعد الحادث فقلقت على وضعها ووافقت على محاولة ايجاد مدلكةانكليزية تأتي هنا لتساعدها . قرأت الاعلان الذي أدرجته امها في الصحيفة المحليةفتقدمت لهذا العمل . كنت ارغب دائماً في زيارة امريكا الجنوبية ، وبما اني اتكلمبعض الاسبانية فقد زكت السيدة بولتون مؤهلاتي وأوصت بي لدى السنيور انهل . -اسبانيتك جيدة . اين تعلمتها ؟ -من امي التي هي نصف اسبانية . كان والدهامهندس مناجم بريطانياً في اسبانيا وتزوج آنذاك امرأة من الأندلس . -فهمت . الشعرالأحمر والعينان السوداوان تقريباً ، هما خيط غير عادي . تطلعت اليه فرأته يلصقظهره بالكرسي ويحدق اليها . وتابع : -هل تصبغين شعرك ام تلبسين شعراً مستعاراً؟ -هذا الخليط ليس اكثر ندرة من خليط الشعر الاسود الفاحم والعينين الرماديتين . هل شعرك طبيعي ام انك تلبس قطعة اصطناعية منه لتخفي صلعاً متزايداً يا سنيور ... سنيور ؟ توقفت عمداً ورفعت حاجبيها متسائلة وهي تأمل ان يزودها باسمه . لكنهعلق بجفاف : -انك تستلين أجوبتك من تحت ابطك . ثم رفع يده الى شعره ليشدالخصل القصيرة التي انسلت الى جبينه وتابع: -أترين ، انها لا تسقط . امتحنيهابنفسك ان شئت . فحدقت الى شعره المرن الكثيف ووجدت نفسها تقلص يديها على حضنهاكي تقاوم اغراءا ملحاً بمد يدها وتمرير اصابعها في تلك الخصلات الكثة . وغمغمت : -كلا ، شكراً ... لم تخبرني اسمك . فاستوي جالساً وأجاب بلا اكتراث : -يمكنك ان تسميني دومينغو . -لكن ذلك يعني يوم الأحد بالاسبانية . -وماذا في ذلك ؟ لقد ولدت في يوم أحد وأمي ... وهنا ظهرت ابتسامته الجانبيةالهازئة وأردف : -لابد انك تعلمين عناد الأمهات في مايختص باطلاق الأسماء علىابائهن ، انهن يشبهن الآباء في طريقة تسميتهم لبناتهم . -لكن سوريل هو اسميالحقيقي . -ودومينغو هو اسمي الحقيقي ايضاً. -اتعيش في الجوار؟ -تقريباً. -اوه ، اتعقد انك لا تريد اخباري أي شيء عن نفسك . -لقد اعطيتكاسماً. -اعطيتني اسماً لفقته من عندك . -كلا ، ثقي اني ما فعلت ذلك ياسنيوريتا ، فدومينغو اسم مألوف في هذا البلد . -أجل ، هو عادي الى حد انه لايعني شيئاً بدون اسم العائلة . دومينغو ماذا ؟ -اختاري مايحلو لك من الاسماء. اناطلاعك على اسمي الكامل ومكان سكني ونوع عملي لن يزيدك ثقه بي كما تعلمين، فبوسعيان انسج لك حفنه من الاكاذيب حول نفسي وتأخذينها على محمل الصدق. اضطرت الىالاقرار بأنه مصيب في قوله، فأية معلومات يزودها بها لن تجعله موضع ثقه ان لم يكناهلا لها قطب حاجبيها وتفحصته بفضول. ندبة خده ، عيناه القاسيتان الفاتحتان اللون،فمه المتماسك الحسن التكوين وانحناؤه الساخر، بروز فكه المشاكس والمعبر عن صلابةخشنه.بدا وكأنه يعايش الاخطار ويمارسها. هبطت نظراتها الى عنقه والى سترتهالعاجية المحاكة من اجود الصوف، وخمنت بأنها قد صممت وصنعت على يد دار ازياء رجاليةمعينة متخصصة في تصميم الملابس الرياضية لأهل التوثب والثراء. كانت قد لاحظت انبزته التزلجية وجزمتيه وزحافتيه من اجود الاصناف واغلاها ثمنا. من الواضح انه ثريجدا، ومع انه يتكلم الانكليزية بلهجة أميركية إلا ان لغته الاسبانية قتالية محضةكالتي يتكلم الكولومبيون ذوو الأصل الاسباني. وقال متشدقا بهزأ: -اياك انتحكمي على رجل من خلال شكله او ثيابه، بل احكمي عليه من خلال تصرفاته. -مالذيساقك الى الظن بأنني احكم عليك؟ -الطريقة التي تنظرين بها الي. فأجبت مدافعه عن نفسها: -انني انظر اليك بالطريقه نفسها التي مازلتتنظر بها الي طوال الوقت -لا استطيع موافقتك، فأنت تحكمين علي وتحاولين تحديدنوعيتي بين الرجال.اما انا، فقد استمتعت وما ازال استمتع بالنظر اليك دونما شبع، اذقليلا ما احظى برفقة امرأة مثلك
النهايه