PART 43 🖤
إكتسى الذهول معالم أوليان وهي ترى حال والدتها ذاك ودون تفكير هتفت بجنون وهي تشير اليها بسبباتها بانفعال جلي :«هل انت جادة يا أمي! يستحيل ان يكون اسنتاجي صحيحا يستحيل!»
اتاها صوت عبير المشبع بالتوسل والندم وهي تحاول الاقتراب منها بخطوات متوجسة:«انا اسفة يا إبنتاي ونيران الندم تتآملني ليل نهار من أن خذلت شمس، لم يكن علي الإنجراف وراء مشاعري ولا ان اسمح لنفسي بالتعلق بنزار لكنه مذنب أيضا لم يكن عليه ان يمنحني الأمان والاحتواء ولا ملء ذاك الفراغ الموحش بموت خالي،لم يكن عليه الاقتراب فلم أكن قوية كفاية لأقاوم عاصفة من الحب والإحتواء فكيف للظمآن ان يقاوم الماء!؟»
وكأنها تبدع باجوبتها تلك في اشعال غضب اوليان وكرهها لإمرأة ظنتها ملاكا من السماء فكانت شيطانا من اصل الجحيم، شدت خصلاتها بغضب مستعر وهي تحوم حول نفسها كأسد حبيس :«اهذا هو عذرك على ما كل ما افرقته بحق صديقتك!؟ هل من المفروض ان نقتنع بأسبابك الواهية ونهبك مواساة ايضا!؟ من اي طينة خلقت يا إمرأة !؟ اقترفت جرما شنيعا وتحاولين تبرئة نفسك بأي ثمن ومهما كانت السبل قذرة؟ لا شيء يبرر خيانتك لمن احتوتك وحمتك من كلاب الشوارع ومن بؤس حياة التشرد والضياع ، لاشيء يبرر الخيانة ولايحق لك بتر اليد التي إنتشلتك من القاع لأي سبب كان لكنك تحاولين جاهدة لاخماد صوت ضميرك ان كان لك ضمير يا امي!»
اغمضت عبير عيونها الباكية باحتقار للنفس ففاضت دموعها اكثر لتغرق وجهها وتمسح شيىا من خطاياها بينما تولى نزار دفة الحديث:« انا كنت نذلا لكن شمس لم تكن ملاكا! اي امرأة تسمح لنفسها بارتكاب خطا مبتذل كهذا لقد حذرتها وعارضت الامر طويلا لكنها لم تأبه لرأيي البتة معتقدة انني ملاك وما كنت سوى بشر لم يعصم من الخطيئة!»
إستنشقت عبير ماء انفها لتردف بحشرجة:« حين انفصل نزار عن شمس وغادرنا المنطقة لنتزوج اكتشفت انني امراة عاقر يستحيل ان تنجب فاضطرت الى اقناعه بضرورة استعاد بناته لنبيرهم معا ورسمنا خطة! خطة تقتضي ان نقنع المولدة بمنحنا الطفلتين مقابل قدر من المال وهي من ستتكفل بشمس ولحسن الحظ انها كانت عابدة للمال لم تتردد في فعل ذلك»
ضحكت روما باستخفاف لتضع ساقا فوق اخرى وسند ذقنها الى اناملها بحركة راقية:« لايعقل ان الشياطين يمكننا ان تتشكل على هيئة زوجين عجوزين ذوي ملامح تغشاها الطببة والوقار حتما بت ادرك لما خلق الله الجحيم!»
بهتت ملامح نزار وازداد نحيب عبير تحت نظرات أبيل المشفقة وصدمة أوليان الواضحة وكانها بخضم مسلسل متشابك الخيوط او انها تعيش كابوسا طال ليله فحتما لاتفسير ثالث لهاته الحقائق التي تنهال على رأسها دون فواصل اعلانية فتكشف لها عن شر النفس البشرية وتعطشها لتطال ماهو ملك لغيرها وفي زمن باتت فيه الطيبة غباءا حتما عليها أن تستفيق.. عليها أن تستفيق!
« لفد جعلتني أكن الضغينة لامراة لا ذنب لها سوى ان ظنتك رجلا ونسيت ان الظن اثم وانها تعيش بمجتمع لايحمي المغفلين ، أنت حرمتنا من دفء الأم لسنوات في سبيل غرائزك ودون ان يراودك الندم الا بعد ان كشفت حقيقتك أي أب أنت!؟»
ردت عبير بخزي وهي تجيل نظراتها الزائغة بين التوأمين :« انا من سرقتكما واقنعت شمس بوفاتكما لكن قلب الأم صادق لا تنطلي عليه الأكاذيب حدسها انبأها ان في الأمر خديعة وان هناك خططا حيكت من ورائها فلم تستسلم لواقع وظلت تبحث عنكما إلى أن..»
توقفها المباغت دفع التوجس من ان يعرف طريقه صوب قلب الاختين لتكمل روما بشك:«إلى ان!؟»
- إلى ان اختفت!
- اتقصدين انها توفيت!؟
- لا علم لي!
مسحت أوليان على وجهها بغيظ مكتوم خلافا لروما التي علقت بسخرية:« اي مسلسل حقير هذا بحق الله !؟»
ليلة طويلة وحقائق انجلت لتقلب قواعد اللعبة رأسا على عقب ولأن أعصابها لم تعد تحتمل نقاشا آخر وحقائق ستجعلها تحتقر أبويها اكثر انسحبت الى غرفتها متجاهلة استجداء عبير وتوسلها ان تنال عفوهما فتلك العواصف التي تموج بجوفها تجعلها تكاد تطردهما خارجا كما فعلا بشمس لولا أن المبادئ التي ترعرعت عليها كانت حاجزا دون ذلك فمهما بدوا ناكرين للجميل وللعشرة إلا ان حقيقة كونهما والديها غير قابلة للدحض وهناك خطوط حمراء حسن يتعلق الامر بالوالدين!
اغلقت الباب بعنف لتسند ظهرها إليها وكفيها تخبئان تلك الملامح الباكية وان لم يكل بكائها حين طرق الباب معلنا عن اختراق متطفل لمساحتها الشخصية ورغبتها في البقاء وحسدة لذا انجلى صوتها بانفعال مكتوم:« اذهب لحال سبيلك ايهم فلن افتح الباب !»
طان الجواب عبارة عن ضحكة خالتة ثم صوت لاتخطئه الأذن قبل القلب:«حتى ولو كانت روما برفقتي!»
لم يستغرق الامر سوى ثوان معدودات قبل ان يفتح لتطل اوليان بعيون محمرة تركزت حول أيهم لوهلة قبل ان تشير إلى روما بالدخول هامسة:«تفضلي روما لقد كنت بحاجة إليك!»
اتسعت بسمة روما بخلاف ملامح أيهم التي غشيها بؤس طفيف: «يا لي من بائس وانا من خدعني غروري وصور لي انك تحتاجينني دون الجميع !»
ابتسمت باستفزاز مثير للأعصاب لتجيبه ببرود:«ليلة سعيدة زوجي!»
هز رأسه ببسمة مماثلة تحمل بين طياتها وعودا بالويل الاسود ثم اتجه الى الأسفل تحت نظراتها الباسمة، ايفترض ان تنتهي اجمل ليلة بعمرها بمثل هذا الشكل المريع!؟
حتما باتت توقن ان شؤما ما يلاحقها!
اعادت انظراها الى الداخل لتلمح روما تستلقي على السرير بسعادة لا تتماشى ووضعهما الحرج بعد ان كشف الستار عن حقائق لاتسر الناظرين لكن يبدو ان روما ستظل منفصلة عن العالم دوما!
« ما هاته الفخامة التي تعيشين بكنفها يا فتاة!؟ قصر وثراء فاحش زيادة على السيد الوسيم أيهم شاهين لاينقصك سوى ان يخط اسمك برواية كاللواتي تقرأينهن ليل نهار »
ثم اعتدلت بجلستها حين جلست اوليان على حافة السرير مسترسلة ببسمة صافية :« ادرك ان الحقائق كانت أقوى من أن تستوعبينها دفعة واحدة لكن لاتسمحي لشيء ان يفسد كل شيء، فكري ان الله كشف لك براءة والدتنا وخلصك من تأنيب الضمير الذي لم يفارقك جراء كرهك لها لأعوام!»
- ماذا عن عبير وخيانة أبي لأمي هل سأتجاوزها ايضا!؟
- ستفعلين ! ليس لنا أحقية محسابة الغير مادمنا بشرا يخطئ ويتوب فلندع الخلق للخالق ولنفكر في طريقة لايجاد والدتنا!
تأوهت أوليان بتعب لتتمدد بجوار شقيقتها محدقتين بالسقف بنظرات باسمة ثم همست بحيرة :« تعبت حتما، الا يمكن لسعادتي أن تدوم لساعات دون أن يعكر صفوها شيء!؟ أينك يا سعادة!؟»
نبرتها الدرامية والقائها المسرحي حرر ضحكات روما قبل ان تعلق بمكر تجيده:« سعادتك كانت تقف أمام باب غرفتك قبل لحظات!»
ردت اوليان بببسمة شريرة :«وسعادتك هي ابن عم سعادتي او ليس!؟»
- أجل! سعادة وسيمة جدا جدا جدا!
شاركتها اوليان الضحك وانهمكا في استعادة الذكريات و الضحك طوال الليل كما كانتا تفعلان بطفولتهما قبل ان تباعد بينهما الأيام وتلقي بهما بتيارات متعارضة، رافق أيهم عبير ونزار إلى غرفة مخصصة لهما بناءا على توصياته السابقة للخدم وحين هم بالرحيل استوقفه صوت نزار وكفه الذي اشتد على رسغه باحكام :«انت رجل يا أيهم لذا ستقدر موقفي وربما تعذرني!»
سحب ايهم كفه بلطف ليكمل طريقه بعد ان منحه الجواب المستحق :«و لأنني رجل يستحيل ان اخون زوجتي لأي سبب كان، ليلة سعيدة سيد نزار»
يوم جديد استهلوه بإفطار جماعي كالعادة حيث انهكمت أوليان في تناول طعامها بجمود دون ان ترمي أي منهما ولو بنظرة خاطفة في حين كانت روما تثني على جودة اللحم وطريقة طهيه مصرة على استعارة الطباخة لأيام فإبتسم أيهم على خفة دمها وسرعة تخطيها للأزمات فيبدو أنها حتما تلائم أبيل، وحين طال صمتها انحنى ايهم صوبها هامسا :«ما سمي ماضيا الا ليمضي في حال سبيله فسامحيهما أولي!»
وضعت شكوتها على الصحن لترفع عيونها صوبه وبجوفهما نظرات كالجحيم ثم ردت مصر على أسنانها لتخرسه :«تدرك جيدا أنني اغفر كل الخطايا ماعدا الخيانة! الخيانة ذنب لايغتفر!»
أصابته كلماتها في الصميم وجعلت اللقمة تعلق بجوفه كما علقت كلماتها بذاكرته.. الخيانة ذنب لايغتفر! اسيكون حاله مشابها لنزار حين تعرف بوجود ميرنا وهل سيخيب ظنها فيه هو الآخر!؟
مجرد التفكير في الأمر يجعل من معدته تتقلص باضطراب لذا تنحنح ليجلي صوته :«كل سعادة تبنى على أنقاض ماض مؤلم تكون مشوهة فاهدمي الأنقاض حتى تحظي بالسعادة!»
اخفضت عيونها صوب طبقها كإشارة صريحة انها لاتود خوض نقاش مماثل فتنهد بخفوت قبل يكمل طعامه بصمت يسود المكان وبعد الإنتهاء اتجهت الى الحديقة لتكمل قراءة روايتها في حين لجأ ابيل ألى المطبخ ليحضر قهوته السحرية فاقترح ايهم مرافقته ليتخلص من ملله وظلت روما ممدة على مقعد مخملي تحدق بالسيدان داغر دون ان يرف لها جفن، ولم يتخلصا من نظراتها المحرقة تلك إلا بعد ان حضرت طيف ببسمة إتسعت ما إن لمحت روما لتهرع صوبها وترتمي بأحضانها بسعادة حررت ضحكات روما باستمتاع بخداع طيف، فحتما هاته الفتاة لطيفة وذات روح طيبة والدليل انها احضنتها دون تردد لمجرد الشبه الرهيب بينها وبين أوليان كدليل قاطع أنها ستظل تعانق أشباهها الأربعين كلما صادفتهم، حتما لطيفة! غادر ايهم المطبخ وبين كفيه كوب القهوة مرتشفا منه باستمتاع وما ان بلغ الصالة حتى ضحك بخفوت مجيلا نظراته بين أوليان المسندة كتفها الى باب الشرفة في انتظار انتهاء طيف من ثرثتها مع توأمها وبين روما التي تكتم ضحكاتها بصعوبة والتي انفجرت تلقائيا ما إن انتبهت طيف إلى وجود أوليان لتشهق برعب وعيونها باتتا كبؤرتين مجوفتين لشدة اتساعهما وبسبب منظرها الغريب ذاك صدحت ضحكات أبيل الشامتة بينما أجاد اين عمه كتم ضحكاته مراعاة لشعورها فيكفيها الجنون الذي يضرب رأسها الان!
تساءل ايهم بتلاعب وهو يرتشف من قهوته بتلذذ :«ما الأمر طيف!؟»
نقلت عيونها بين التوأمين بجنون لتجيبه بنبرة متلعثمة وهي تشير بكفيها :«هــــ.. هــنـــاك»
إدعى الغباء متسائلا:« ماذا هناك!؟»
«بل هنا!»
تدخل أبيل بدوره حين تساءل بجدية مصطعنة يوارب من خلفها ضحكاته المكتومة :«هل اصابك الخرف المكبر يا عزيزتي!؟»
شدت خصلاتها بجنون هاتفة:«لقد فقدت عقلي فعلا هل ترون ما أراه!؟ هناك نسختان من أوليان.. نسختــــــــــــــــــــان يا ويلتي جننت قبل أن اتزوج حتى يا حسرة تيم!»
قهقه أبيل بقوة في حين طوق أيهم كتفيها بحنان موضحا سوء الفهم الذي يحدث هنا :«ليس هناك أي عطب بعقلك ولاوجود لنسختين من أوليان فتلك أوليان اما التي تقف بجاورك الآم فهي توأمها روما!» ازدادت ملامح طيف بلادة وكان التوضيح الذي أدلى به أيهم لم يكن كافيا فعلت ضحكات أبيل مجددا باستمتاع بهذا الوضع وروما تدفن وجهها بكتفه بجسد يهتز بفعل ضحكاتها الهستيرية لتتسع عيونها بذعر حين وضح ايهم بقوله :«تلك زوجته اما زوجتي فتقف هناك!» تتبعت مسار كفه لتلوح لها اوليان بأناملها باسمة باتساع وضحكاتها على وشك الاندلاع هي الاخرى لتبتسم بسماجة معلقة :«يا الهي انتما حتما نسختان متطابقتان ياله من مشهد لطيف حقا و... ابيل انت متزوج من شقيقة اوليان!؟»
هز رأسه ايجابا لتردف بتوعد :«ايها الاحمق اخفيت الأمر عني طوال الوقت!»
رمش ببراءة لتتأمله روما باسمة وحين التفت صوبها فطن إلى الغاية من نظراتها تلك فشد على أناملها بإمائة خفيفة كانت كإشارة صريحة لأن تفعل! تسللت اناملها لتحيط بطنها ببسمة شاردة وعيونها تلمع بدفء غريب :« بما انكم مجتمعون اليوم أدنا أنا وأبيل أن نشارككم فرحتنا الصغيرة بانضمام عضو جديد لأسرة شاهين هيا حيي الحاضرين يا صغيري!»
عم الصمت لوهلة وكأن العقول تحاول إستيعاب المفاجأة السارة وكان أول من استفاق هي أوليان حين صرخت بسعادة معانقة روما بحرارة والدموع باتت تتجمع بعيونها الرمادية وانضمت اليهما طيف في حين ربت ايهم على كتف أبيل معلقا بضحكة :«كانت شهد محقة بشأن ولي العهد!» ضحك أبيل بحياء داراه بقوله:«هيا انجب لنا طفلة صغيرة وأعدك أن تكون زوجة لولي العهد!»
حديثه كان تلقائيا لكنه آلم أيهم واعتصر فؤاده بشدة فوهبه نظرات هادئة وبسمة مصطنعة وعيونه تتقفى أثر زوجته التي تمسد على بطن روما ببسمة متمنية لم تنجح في إخفائها وكانت ضربة موجعة وصخرة جثث على صدره فأشعرته بالإختناق وحين تقابلت نظراتهما لوهلة وهبتته بسمة صافية وكأنها تؤكد من خلالها أنها بخير وإن لم تكن كذلك وهو خير من يدرك حقيقة شعورها الآن، وحين بات دموعها على شفا حفرة من الانسياب تحججت برغبتها في الحظو بشيء من الراحة والتجأت الى غرفتها لتبكي خسارتها كما لم تبك من قبل صحيح انها سعيدة لأجل روما لكن هاته النار المستعرة بأيسرها تأبى الخمود ونظرات أيهم باتت تؤججها أكثر فأكثر كلما تراقصت أمام عيونها لتذكرها برغبته في ان يحظى يوما بسماع خبر كهذا على لسانها، في ان يحل محل أبيل لكنه لن يختبر شعور إبن عمه أبدا ...!!!
جاور ايهم طيف ليسألها باهتمام :« كيف حال امي!؟»
تنحنحت بإحراج محاولة ايجاد رد ملائم ومراع لشعوره :«بخير! هي فقط احبت المكوث عند العمة دارين!»
- جميعنا ندرك السبب الرئيس وراء رفضها للقدوم!
- ستتاقلم مع الوضع صدقني!
- ما يؤلمني أنيي لم أغضبها بيوم ولاسعيت إلى إحزاننا كنت لها السند والإحتواء وتمنيت أن تسعى إلى سعادتي بدورها!
- جميعنا نعلم منذ متى باتت امي تعارض فكرة إرتباطك!
شرد بالأفق البعيد فوالدته باتت تخشى عليه من الإنكسار منذ أن خانته روما ورحلت مخلفة بروحه الخراب حتى بات يسعى إلى أذية كل من حوله وحين عادت أوليان خشيت ان تلحق الضرر بابنها من جديد ما ان يتعلق بها للشبه بينها وبين حبيته اضافة الى ذلك انها تمنت لإبنها زوجة أفضل من أرملة شقيقه وفتاة مجهولة النسب ، مسح على وجهه مجيبا بحزم :« عليها ان تعتاد الامر فلن اخسر أوليان لأي سبب وحتى الابناء فليذهبوا إلى الجحيم!»
ثم اردف باسما ليغير دفة الحديث :«كيف حال تيم!؟»
- بخير ويود زيارتك لتحديد موعد الزفاف لكنني طلبت منه الانتظار قليلا ريثما تفرغ من تحضيرات زفافك!»
- لا بأس أخبريه ان يزورني لنضع موعد زفافكما أيضا!
𖡼⏝꒦✧꒷⏝𖡼⏝꒦✧꒷⏝𖡼𖡼𖡼⏝꒦✧
بمقهى راق جلس أيهم وأبيل وبجاور كل منهما زوجته في انتظار شيء مجهول وبعد ملل مقيت علقت أوليان باهتمام مجيلة انظارها في المكان :« لما أشتم ريح مفاجأة!؟»
رد ايهم باسما:«لأنك سريعة البديهة يا حبيتي!»
مطت روما شفتيها بتعجب قائلة :«هناك مفاجئة اذن!؟»
- اجل لكن قبل الكشف عنها أريد معرفة رأيكما بشأن حقيقة السيدان داغر!
هزت روما متيفها بلا اكثراث مجيبة :«بالنسبة لي لا أكثرث للأمر صراحة فقد نشأت وحيدة على كل حال وامضيت سنوات ببلد اجنبي في سبيل تحقيق احلامي لذا كانت اوليان عائلتي الوحيدة وما اطمح اليه الآن هو لقاء مباشر مع أمي البيولوجية»
انجرفت عيون أيهم صوب اوليان لتنطق ببرود:« لا اظنني قادرة على منحهما عفوا لايستحقانه تخيل ان عبير جعلتني اكره امي لسنوات واعيش تأنيب ضمير قاس ما بين رغبتي في لقائها ولو لمرة وبين كره ولدته اكذوبة قذرة ، حتما لا انفك عن طرح سؤال ماذا لو قابلتها قبل كشف الحقيقة!؟ حتما لم اكن لأسامح نفسي على مقدار الالم الذي كنت سأسببه لها بفعل كلماتي الجارحة !»
احتوى كفها الناعم بين قبضته القوية ليهمس بنبرة حنونة خدرتها :«لا باس حبيبتي فلا يحق لي التدخل بقرارك!»
أشار أيهم بكفه إلى شخص ما ليدنو منهم بخطوات نشيطة متأبطا ذراع عجوز تتشح بالسواد فتخفي عبائتها الثمينة جسدها الهزيل وتواري نظارات سوداء كبيرة عينيها الضريرتين ورغم ذلك كانت بسمة هادئة ترتسم على ملامح شاحبة وإن كانت تحمل شيئا من الجمال والملاحة العربيين ساعدها الشاب على اتخاد مكان بجوار روما بينما تحدث أيهم بنبرة ودودة:« ممتن لقدومكا!»
جلس الشاب المليح بجوار العجوز تحت نظرات روما وأوليان المتعجبة ولولا الباقة لسألته اوليان عمن يكون ولانه يتميز بذكاء فطري فقد اجاد قراءة التساؤلات من على ملامحها ووهبها جوابا سريعا :« أدعى آصف الرشيدي مهندس زراعي ومقيم بانجلترا لكن زيارتي للأهل وهبتني فرصة للقاء السيدة شمس فبت اوزر بيتها بين الفينة والاخرى وتعلبت بها جدا لكونها تذكرني بجدتي رحمها !»
تولى ايهم اكمال الحديث:«سيدة شمس هلا رويت لنا القليل عنك!؟ أقصد عن حياتك قبل ان تنتقلي إلى البيت المجاور للسيد باسل فهناك أشخاص متشوقون لسماع قصتك !»
اضطربت نبضات أوليان وروما وتبادلتا نظرات إدراك بينما اخدت شمس نفسا طويلا وشرعت في روي قصة مضت عليها اكثر من خمس وعشرين سنة:« ولدت وترعرعت ببيت جارة لنا كانت صديقة مقربة لأمي وإستئمنتها علي بعد وفاتها ومنذ نعومة أظافري لم اعرف اما غير كلثوم تلك السيدة البشوشة الطلعة ذات الانامل السحرية التي تبدع في حياكة الأطباق بمختلف أصنافها وليلا تطرني بقصص ألف ليلة وليلة وشيء من احاديث كليلة ودمنة وتوالت السنون وبت طالبة بالسنة الأولى بكلية الحقوق ولان الزمن يمر كانت صحة أمي تتدهور بدورها وباتت طريحة الفراش دون اكل ولا شراب حتى استعاد الله امانته ذات ليلة حالكة السواد لم يعتلي فيها البدر السماء ولم تشرق الشمس منذ ذاك اليوم، توفيت السيدة كلثوم وبكيتها كثيرا حتى جفت الدموع واتت اللحظة التي خشيتها لسنوات، اللحظة التي سألملم أغراضي وأغادر بيتي دون علم اي وجتة ستقودني صوب مصيري، وظبت أغراضي وانتظرت قدوم ابن السيدة كلثوم من الديار الاجنبية ليستعيد إرثه ولحسن الحظ ام لسوءه لم يحظر هو بل حضر صديقه المقرب.. نزار الشاب البهي الطلعة الذي يعمل مهندسا منجميا ويقيم بأروبا لظروف عمله قابلني ليخبرني أن فريد (ابن السيدة كلثوم) لم يستطع القدوم لانشغاله بتحضيرات استقبال مولوده الأول وقد تكلف هو باجراءات الارث، كان مهذبا في حدبثه لبقا في تعامله جعل من الألفة تعرف السبيل الى قلبي دون سبب وجيه وحين انتهت اجراءات الإرث إستأجر لي بيتا ودبر لي هملا بمبلغ محترم تمكنت من خلاله بتسديد ايجار البيت واقتناء الاغراض والملابس التي تاقت نفسي لها، لم اقطع علاقتي به في ود الاحترام ورغم ان الأنثى تملك حاسة سادسة تمكنها من إستشعار مشاعر الطرف الآخر وان كانت حفية إلا انن غضضت الطرف عن الأمر واكتفيت بعملي وحياتي البسيطة ناسية ان الصدف لا تخلق عبثا فبعد ستة أشهر على تعارفنا اتصل بي ليزف إلي خبرا مؤلما كان كإسئصال احد أطرافك سيعود نزار الى الديار الأروبية لتوقيعه عقد عمل جديد مع شركة ذات صيت شائع فاقترح علي مقابلته إن كنت متفرغة ولازال ذاك اليوم عالقا بأرفف الذاكرة حين قابلته..!»
اخدت نفسا لترتاح ثم اكملت غافلة عن نظرات الصدمة التي تبثق من عيون التوأمين وعن نظرات الدهشة التي يحيط بها آصف رد فعل الجميع:« صارحني أنه تعلق بي كثيرا ويود ان نرتبط بشكل رسمي قبل ان يستقر ببلد اخر، كادت سعادتي تبلغ عنان السماء وأنا أستقل مقعدي المجاور لمقعده على متن طائرة بالخطوط البريطانية واناملي تشابك أنامله ليتجاور خاتمينا كما تجاورت روحينا لم ادرك وقتها أن الدنيا لاتهبك سعادة كاملة والا ما سميت دنيا وان السنوات الثلاث التي قضيتها بجوار نزرا في حب ووئام ستكون افضل ثلاث سنوات بعمري ولن تتكرر بعدها ابدا، وازدادت سعادتنا اضعافا حين خلق برحمي ثمرة لحبنا وصغير يحمل جيناتنا وملامحنا وبعد ان مرت اشهر الحمل الأولى بسلام طرق زائر باب بيتي ليهدمه ويسبلني سعادة حرصت على حفظها بكل السبل، زائر لو كشف عن نواياه ما كنت لأفتح بابي بوجهه قط:صديقة طفولتي عبير! أشد اللحظات قسوة ليست حينما يطالنا أذى الآخرين بل حين ندرك أننا من سمحنا لهم بذلك باسم الثقة!»
ارتجفت شفاه أوليان بتأثر بينما أغمضت روما عيونها بشجن لعمق اخر عبارة نطقتها شمس وكأنها لفظت العبارة من أعمق جروح قلبها لتصف مقدار الخيبة التي شعرت بها يوم ان سمحت لاقرب شخص الى قلبها ان يسرق حياتها وحين همت بالحديث رماها ابيل بتحذير فاكتفت بالصمت على مضض بخلافه :« وماذا حدث بعدها يا سيدتي!؟»
- اخبرتني انها التحقت بجامعة هنا لاكمال دراستها بعد ان حظيت بمنحة تفوق ورجتني ان ادبر لها مكانا لتبيم فيه ريثما يسجل اسمها السنة القادمة بالسكن الجامعي ولأنني ظننت البشر بشر عرضت عليها الاقامة ببيتي ريثما تنتهي السنة ورغم ترددها بادئ الامر واعتراض نزار على ذلك الا انني تشبتت برأيي وليتني لم افعل! اويتها وعاملتها كاخت لي لاحظى بالجزاء الاوفر خيانتها لي ومع زوجي ببيتيي وكم كانت اعذارهما واهية جعلت من الاحتقار شيئا قليلا مقابل ما كننته بصدري وانسجبت بعزة نفسي وكرامتي التي فطرت عليها! رفعت دعوى طلاق من نزار واكدت له على امكانية زواجه من عبير ما دمت سأرحل عن حياته للأبد كانت اعذارها واهية وكانت اعذاره افظع ورغم محاولاته اليائسة الا انني تمسكت بقراري وصارحته انني سارحل عن حياته للابد وقد كان! لكن بعد ولادتي لإبنتاي »
تساءلت روما بصوت خافت مهزوز :«ابنتاك!؟»
اتسعت بسمة شمس كشمس مشرقة دافئة النبرات:« أجل ابنتاي، أوليان وروما!»
جوابا لم يخول لها كتم شهقتها الباكية وانسحبت بخطوات متسارعة صوب دورة المياه بخلاف روما التي ربتت على كف شمس بحنو معلقة :«لقد كشف الله لك جوهرهما الدنيئ وسيعوضك بما فيه الخير!»
ورغم محاولات روما المستمية لطمئنة السيدة إلا انها كانت تحرك رأسها يمينا ويسارا محاولة تتبع مصدر الصوت ولسانها لا يكف عن الترديد بقلق:«ماسر هاته الشهقة!؟ ما الذي يحدث!؟»
رد ايهم بهدوء مربتا على كفها المجعد :«لا عليك يا سيدتي زوجة حساسة فحسب وقد تأثرت بقصتك كثيرا !» هزت رأسها بتفهم قبل ان تكمل:«لم يقدر لي رؤيتهما ولا أعرف شكلهما حتى فالمولدة أخبرتني زيفا أنهما توفيتا فور ولادتهما وإن لم اصدقها ودعيت الله كثيرا ان يعيدهما الي سالمتين وقد شملتني رحمة الله حين زارتني المولدة بعد ثلاثة أيام لتصارحني بالحقيقة المفجعة بعد ان راودتها الكولبيس ليل نهار وأرهقها تأنيب ضميرها ويومها علمت أن توأمي لم يمت بل اختطفته إمرأة تدعى عبير وغادرت المدينة من فورها وكأنها تبذل ما بوسعها لتشوه ما بقي من مودة وتسعى الى قطع صلتنا للأبد! »
حين انهت شمس حديثها ناولها آصف كوبا من الماء وساعدها على إرتشافه بحنان كإبن بار بينما نطق أيهم بنبرة مغلفة بالأسى :«سيدة شمس منذ ان حظينا بمرافقتك لم نعرف بأنفسنا كما ينبغي وهذا يخالف البروتوكلات التي تلقيتها منذ الصغر غير أننا فضلنا خوض غمار قصتك والاستماع إلى كفاحك كإمرأة لايتهز لها غبار وآن الآوان لتتعرفي علينا وسأبدأ بنفسي،أنا أيهم شاهين وهذا الشاب الآخر هو ابن عمي أبيل،انا وهو رجال أعمال وأقطاب عائلة شاهين أو ما تعرف بالعائلة المالكة!»
رددت شمس اسميهما قبل ان تضيف بحنو:«سمعت القليل عن هاته العائلة حتى قبل أن اتزوج من نزار»
نظر أيهم إلى أوليان التي تجاوره بنظرات حائرة ومترددة فشدت على قبضته قائلة بثباث:« وأنا أوليان شاهين زوجته والتي بجاورك هي شقيقتي روما ونحن....توأمـــــــــــان!»
لفظت آخر كلماتها بتأن مستشفة رد فعل شمس وانحسبت الانفاس بالصدور بما فيهم انفاس آصف الذي فهم للتو ما الذي دفع أيهم إلى البحث عنه والإصرار على مقابلته فيبدو أن بحثه الطويل كان عن والدة زوجته وذاك المجهود الذي بذله في سبيل إيجادها يؤكد غرامه بابنتها حتى انه بات يسترجع بعض ما شيع عنه بكون حبيبته قد تخلت عنه لتحوله الى شيطان يستيعد منه الجميع ويتجنبه قدر المستطاع، انتقلت انظاره ألى شمس ليلمح دموعا تنساب على وجنتيها بآلية ودون ان تدرك ذلك حتى ان شفاهها بات تهتز بذهول هامسة :«ابنتاي!؟ اتقصدين أنكما صغيرتاي الضائعيتن!؟ فلذة كبدي ياارب! اوليان روما حبيبتاي يا إلهي !؟»
أجشهت ببكاء مرير وهي تتحسس بكفيها الحاضرين بحثا عن ابنتيها فانهارت روما ببكاء وهي تحتضنها بقوة لفتتت انظار الزبائن وباتت الكاميرات المتطفلة تلتقط صورا خلسة للعائلة لوجود أبيل وأيهم بينما تعالت الهمسات عن هوية المرأة وعن من يكون ذاك الشاب الوسيم القسمات الذي يشاركهم الطاولة، عانقتها أوليان بدورها لتمسح على خصلاتهما وتتحسس ملامحهما هامسة بشجن :«ليتني استطيع رؤيتكما يا ابنتاي لكنني وواثقة من انكما جميلتان!»
رد أبيل باسما:«أجمل مما قد يصور لك عقلك باشواط وأشواط!»
بادلته روما البسمة من بين دموعها ونظراتها تتأمله بحنان،مسحت روما دموعها باطراف أناملها لتنطق بضحكة متأثرة :« لقد حظيت برؤية إبنتاك وبعد أشهر ستحملين أول حفيد لك !»
علا بكاء شمس من جديد وهي تضم وجه روما بأنامل مرتعشة وأوليان تتأملهما باسمة قبل ان تتقوس شفاهها بحزن ويصدح صوتها المشبع بالندم:« آسفة امي آسفة على كل لحظة كرهتك فيها ظنا انك تخليت عنا بمحض إرادتك آسفة فالذنب كان ذنب من جعلا من نفسيهما ملاكين وصوراك بهيئة شيطان خبيث!»
طبطبت شمس على كفها بدفء أمومي لتجيب:«لاعليك صغيرتي مافات قد مات وليسامحهما الله»
بعد هذا اللقاء الشاعري رافقت شمس أبنتيها إلى القصر في حين رفض آصف الضيافة لإنشغاله بتصفية أمور إدارية تخص انتقال شقيقه الى كلية اخرى فعبر الجميع عن امتنانهم إليه وعن احتوائه شمس وان لم تربطه بها صلة قرابة الى ان ضميره وانسانيته رفضتا التخلي عن سيدة عجوز وحيدة فكان لها الابن الذي لم تنجبه، دخل أيهم وأبيل ليجدوا نزار يشغر مقعده المتحرك كعادته مطأطأ الرأس وبجاوره عبير التي تتتناول دواء الضغط وما ان وقعت انظارها على ما تقف خلف الشابين حتى هوى الكأس لتتناثر شظاياه على الأرضية الرخامية وتشحب ملامحها برعب حتى أنها حاولت النهوض مرارا دون جدوى فقدامها باتتا هلاميتين والارض مادت بها « شمس!؟» خرج صوتها ضعيفا واهنا وبه شيء من الخجل واحتقار النفس وكأن الموت كان اهون من هذا اللقاء الذي سعت الى تجنبه دائما كي لاتشمئز من نفسها ومن الرجل اذي باعت لأجله من احتوتها كأم حنون لكن بعض اللقاءات محتمة وفي الضغائن كما في الحرب لابد من مواجهة مباشرة لينتهي كل شيء رفعت شمس رأسها بتعجب محاولة تتبع مصدر الصوت مادامت عاحزة عن رؤية صاحبته لكن أوليان اختصرت الامر حين سحبت أمها برفق صوب الصالة قائلة :«امي أولن ترحبي بصديقتك المخلصة عبير!؟»
أطرقت عبير بخزي وخطوات شمس تقترب اكثر إلى ان بلغتها لتجيب ببسمة هادئة :«مرحبا عبير كيف حالك يا ماردة!؟»
تساقطت دموع عبير بندم حين نادتعا باللقب الذي اطلقته عليها منذ الطفولة وكان يرسم البسمة على وجهها دائما غير انه كان له وقع مخالف هاته المرة كان مؤلما كخنجر مسموم:« لم اعرف للراحة سبيلا منذ ان غدرتك، سامحيني شمس فأقسم انني نلت جزائي بالدنيا قبل الاخرة سامحيني يا رفيقة عمري ويا من أوتني فخذلتها بقذارة !»
حتما توقعت كل ردود الأفعال الممكن أن تصدرها شمس لكن ان تعانقها وتربت على ظهرها بمودة امر ام يطرا على بالها قط ولو بالخيال حتما خذلت ملاكا طيبا لأجل شيطان وسيم، ليت شمس تكف عن طبيبتها هاته التي توجعها اكثر ليتها تشتمها وتصرخ بوجهها لعل ذنبها يخف لكن ان تقابل اسائتها بالإحسان امر اصعب من ان تتقبله جاورت اوليان ايهم لتترك لهما شيئا من الخصوصية حين تسلل الى مسامعها نبرة شمس الباكية :«سامحتك يا ماردة ولا اكن لك اي ضغينة فيكفي ان الله إستجاب لدعائي واعاد إلي عيناي وفلذة كبدي وماعاد شيء ليهمني بعد الآن فليسامحكما الله !» اعتذر منها نزار بخزي فسامحته بطيبة كانت يوما عشقا جارفا وإخلاصا لم يكن اهل له فكفاها الله شره وبعد تصفية النفوس لم يعد هناك سبب لبقاء عبير ونزار ورغم ان ايهم اصر على بقائهما ألا انهما فضلا الرحيل لعل ما بقي من عمرهما ينذرانه للهعز وجل وللإستغفار عن ذنوبهم فيبدو ان قلب أوليان لازال جريحا ولن يحصلا عن عفوها بسهولة!
انضمت الام إلى أوليان وروما بالغرفة لتتوسطهما على السرير يينما على يمينها أوليان وعلى يسارها روما وكانت هي من استهلت الحديث بمشاكسة كعادتها :«هل تعلمين من يكون ايهم الذي ظل يبحث عنك لشهور ويتفقد اثرك دون كلل !؟»
ابتسمت شمس بتعجب لترد روما:«رجل اعمال مرموق وأهم رجال شاهين تخيلي أن رجل اعمال حازم بات يلغي إجتماعاته ليلاحق ابنتك بين اروقة الكلية وبات يقبل على الروايات بشغف فقط ليجد سببا مقنعا يخول له خوض نقاش معها حتما لقد سحرتن وشغفته حبا»
مسحت أوليان على وجهها بخجل وتبسمت شمس بدفء لتقول :«صحيح ان الله قد سلبني نور البصر لكنه الله وهبني نور البصيرة وان لم اكن قد لمحت الحب بعيونه فقد إستشعرته بصوته فحافظي على ذاك الرجل ولا تسمحي للفراق أن يعكر صفو هذا الحب! حافظي دوما على ذاك الشخص الذي ترين الحياة بعينيه !»
علقت روما بخبث:«بل ترى الحياة بغمازتيه!»
ضربتها اوليان عل راسها بوسادة صغيرة لتعلو ضحكاتهما السعيدة قبل ان تسند اوليان رأسها إلى كتف أمها قائلة بشرود :« هل تعلمين يا امي انني ارملة!؟ وان أيهم لم يكن زوجي اللأول!؟»
علت البغتة ملامح شمس وازدادت بغتة ما أن روت لها أوليان القصة كاملة وحين فرغت طبطت على كفها بحنو لتقول:« ماقدر لك لن يكون من نصيب غيرك!»
ثم اردفت بحماس صبية صغيرة لم تتخطى العشرين :«وانت يا روما ما قصتتك مع زوجك!؟»
تنهدت بحنين وهي تحتضن الوسادة محدقة بالسقف ببسمة بلهاء ولسانها يروي حكاية ليست كأي حكاية.
FLASH BACK
بعد سوء الفهم الذي جمع أوليان بأيهم قررت الرحيل عن المدينة حتى تتاح لها فرصة البدء من جديد فبنظرها لايمكن للمرء ان يتعافى بكنف بيئة مؤذية، ولن تتخطاه مادامات كل الاماكن تذكرها به وتحمل عبق ذكرياتهما معا لذا رحلت رفقة روما الى مدينة بشمال البلاد واسقرت هناك بعد ان وجدت عملا بسيطا تقتات منه بخلاف روما التي كان طموحها يبلغ عنان السماء ولم يهدأ لها بال الا بعد ان حصلت على عمل مرموق براتب لايستهان به وببلد تاقت دوما لان تطأ أراضيه « انجلترا»
كان الامر صعبا بالنسبة لأوليان فبين عشية وضحاها خسرت توأمها وحبيها لكنها تمنت لها التوفيق واخفت احزانها كما تفعل دائما في سبيل سعادة روما !
شغرت روما منصب موظفة استقبال بأكبر الفنادق بإنجلترا ولكونها تتمبز بجمال ساحر ولكنة انجليزية بحتة فقد كان العمل فرصة ذهبية لاينبغي توفيتها لاسيما ان الراتب كان مغريا وهدايا الزبناء تتساقط فوق راسها كالامطار، واستمر الحال على حاله لما يقارب سنة ونصف إلى ان حل يوم ليس ككل الايام اتسم بتحضيرات مشددة على قدم وساق اشعلت فضولها ودفعتها إلى سؤال زميلة لها لتزف إليها خبرا سيغير مجرى حياتها كاملا : رجل الأعمال أبيل شاهين سيحل ضيفا على الفندق وليعقد أهم صففاته: لقب شاهين دفع الاضطراب الى ان يسكن جوارحها فلربما قد رآها ابن عمه من قبل وسيظنها حبيبة أيهم وماذا لو حضر برفقته أساسا حتما ستحل كارثة على رأسها.. مر اسبوع والهواجس تتقاذفها والسيناريوهات تحاك بذهنها لتتخلص من هذا الموقف المحرج وأتى اليوم الذي ولج فيه أبيل مدخل الفندق الفخم برفقة حارسين ضخمين كسورين منيعين كانت وقتها مشغولة بإدخال بعض البيانات على الحاسوب ولولا تلك الهمسات المتكررة التي اخترقت مسامعها فجمدت حواسها تلقائيا :«انه هنا» هاء الغائب هاته لا يعقل ان تعود سوى لشخص واحد.... رفعت عيونها ببطء من على الشاسة لتسقر عليه، شاب وسيم بملامح شرقية تقارب ملامح أيهم لولا انها مريحة خالية من الحدة وتشعرك باالألفة حتى ملابسه لم تكن ذات طابع رسمي مجرد قميص قطني رمادي مرفق بسترة سوداء وبنطال جينز باهت امتدت أنامله بخفة لتخلع النظرات الشمسية وهو يحادث حارساه ببسمة رجولية ساحرة خالية من التكلف او العجرفة جعلتها تستشعر انه مجرد شاب عادي لا أهم أقطاب العائلة المالكة، وحين لمحته يدنو من مكتب الإستقبال وقفت بإحترام لتحدق بملامحه التي تغيرت كليا ما ان لمحها وكأنه تعرف أليها من الوهلة الاولى وهذا ماكانت تخشاه، وقف أمامها باعتدال وعيونه الهادئة تتأملها بهدوء مريب قبل ان تنجرف بآلية صوب البطاقة المعدنية المثبثة على سترة طقمها الرسمي ذو اللون الازرق الداكن وما إن تهجأ إسمها حتى تلاشت كل شكوكه بالمرة.. انها هي.. روما!
انجلى صوتها بنبرة دمثة:« كيف يمكنني ان اخدمك سيدي!؟»
رد ابيل ببسمة هادئة :« هل جناحي جاهز!؟»
هزت رأسها ببسمة مغرية لاتفارق ثغرها منذ نعومة اظافرها :«أجل سيدي وسترافقك الآنسة ايملي كي ترشدك!»
همت ايمليي بالتقدم لولا ان استوقفها صوته:«هل يمكنك أن ترشديني بنفسك آنسة روما!؟»
طلبه المفاحئ والنبرة التي ينطق بها اسمها جعلت من مشاعرها ترتبك لوهلة الا انها تماسكت بآخر لحظة كي لاتثير شكوكه حين ردت بأدب:« انه لمن دواعي سروري ان اخدمك سيد شاهين تفضل معي!» اشار اليها بتقدمه بحركة لبقة في حين جزت إيميلي على نواجدها بغل هامسة:«هاته الفتاة العربية باتت تحرق أعصابي!» طبطبت صديقتها على كتفها بمواساة وهي ترمق طيف روما المتواري بتذمر بينما على الجانب الاخر كان يمشي بخطوات رزينة تخالف تشتت افكاره التي يزيدها تشتتا عطر روما وإيقاع كعبها المتناغم الذي يتمايل بخيلاء فطري فتيمايل معه خصرها الممشوق وخصلاتها المستعرة ، بلغا المصعد ليشير أبيل إلى حارسيه بالتراجع ويستقل المصعد وحده مع روما!
تقدمته لتقف بعدها باستقامة معيدة إحدى خصلاتها الطويلة إلى الخلف بحركة عفوية لكنها جعلته يتأملها لثوان قبل ان يستغفر الله في سره فهاته الجنية الساحرة تخص ايهم ولايحق له النظر اليها حتى! حتما لأيهم ذوق لايعلى عليه في النساء، نطقت روما بعد فترة من الصمت:« اقدر تصرفك واختيارك لي كمرشدة لكن لا اظنك تغفل عن العراقيل التي ستسببها لي بتصرفك، فانا موظفة استقبال كما ترى ولست مرشدة!»
اجابها بالعربية ولأول مرة:« انا لست نزيلا عاديا يا آنسة وان كنت لاتعلمين امرا فالفندق منحني احقية اختيار الموظفين الذين سيشرفون على خدمتي!»
- وهل افهم من كلامك انك إخترتني لخدمتك!
عقد ذرايعت على صدره العضلي ليرد ببساطة مدهشة :«صراحة كنت اود ذلك لولا ان ابن عمي سيهدم الفندق فوق رأسي ان علم بذلك!»
رمقته بنظرات تشكيكية ليضغط على زر ايقاف المصعد بحركة جعلتها تتخد وضعية دفاعية وهي ترميه بنظرات رصاصية بعثرت شيئا بداخله
ثباثه!؟
أم نبضه
أم الإثنين!؟
ابتسم بهدوء لينطق بجدية :«انسة روما سأطرح عليك سؤالا واريد جوابا صريحا دون مراوغة!»
اكتفت برمقه بحدة ليردف :« هل كنت تملكين حبيبا من قبل!؟»
ارتفع حاجيها بدهشة لترمش كمحاولة منها لاستيعاب سؤاله الغريب والمثير للدهشة وردت:« بالرغم من كون سؤالك غريبا لا يندرج ضمن حدود عملي لكنني ساجيبك عليه مادام الأمر لاسيتحق ايقفا المصعد وصرف حراسك لتنفرد بي، اجل سيد أبيل كنت تملك حبيا من قبل او ربما اثنين!»
هز رأسه برضا ليكمل :«وهل كان اي منهما يدعى أيهم!؟»
تغيرت ملامحها فجاة ليكسوهما جمود غريب نبه حواسه :« ادرك جيدا ما تحاول الوصول اليه سيد شاهين لكنني اؤكد لك انني لست هي.. انا لست حبيبة ابن عمك!»
صرخ ابيل بانفعال فشل في كبته:« هل تريدن ان تفقدينني صوابي ، لقد رأيتك سابقا واذكر ملامحك جيدا فليست بالملامح التي تمحى من الذاكرة كما ان اسمك روما وتعرفين أيهم وماضيه فلا تحاولي اقناعي أنها مجرد صدفة لأن الامر سيبدو سخيفا!»
مسحت روما على رقبتا بضيق لترد:«حسنا سيبدو الامر جنونيا لكنني سأخبرك بالحقيقة»
منذ ذاك اليوم والمصادفة كثرت بينهما حتى اضحيا منجذبين لبعضهما البعض بشدة ورغم ادراكها ان الامر لن يتعدى علاقة عابرة وذكريات جميلة قد تؤلمها فيما بعد الا ان التيار جرفها وقادها اليه ولم تفق الا بعد ان علمت برحيله فجاة
دون وداع! الامر الذي جعلها توقن من كونها مجرد نزوة عابرة لم يتقبل كبريائها الامر لكنها كانت قوية بما يكفي لتتخطى رحيله فهي لم تكن أوليان على كل حال لتبكي فراق رجل لسنوات وان كان قد ولد بقلبها مشاعر تختبرها للمرة الاولى لكنها لن تكسر على يد رجل كيفما كان ، جلست بمكانها بخيلاء تحت همسات العاملات و ضحكاتهن الخفية ما ان علمن برحيل أبيل وانقطاع علاقته بروما وفي خضم انشغالها كان عقلها يردد عبارة واحدة «لماذا!؟» لماذا كتب لكلتيهما التقاطع بطرق ابناء شاهين لكنها ستعيد الصاع صاعين لتؤكد له انها لن تكون كتوأمها!
رفعت راسها ببسمة رسمية حين نادتها زميلة لها من اصل تركي لتسلمها ظرفا مختوما قد تركه ابيل لأجلها! توترت وإرتعشت جوارحها لاسيما بعد أن اطلعت على فحواه «أراك في مستقبلي او ربما أرى فيك مستقبلي، هذا رقمي الخاص انا في انتظار ندائك لألبيه يا سيدة شاهين!»
إبتسمت بانتشاء وهي تغلق الظرف وتشرد بالأفق البعيد.. مشاعرها لم تكن نزوة وحبه لم يكن عابرا!!
T he end of flash back
ضحكت أوليان بذهول قائلة:«حتما لسنا هينتين يا عزيزتي لقد نزلنا كاللعنة على ابناء شاهين حقا!» ثم اردفت ببسمة حب:«حتما انا سعيدة لاجلك روما»
«وانا سعيدة لاجلك توأمي!»
حل الصباح واجتمعت العائلة على طاولة الافطار بعد ان انضمت اليهم بهاء وطيف وبعد ان تم التعارف بينها وبين شمس غادر ايهم وابيل إلى الشركة لإستكمال الأعمال في حين غادرتأوليان مقعدها لولا صوت بهاء المشبع بنبرة توحي بنبلها :«آسفة بشأن تعاملي الفظ معك حقا أثبث لي أن ظني كان خاطئا ا!»
التفتت اليها اوليان بتفاجؤ جلي لتزفر بهاء بشيء من الضيق والحيرة:«حين رحلت عن حياته كخائنة كرهت كل بنات حواء للحال الذي بلغه وللسواد الذي إكتسح قلب ابني حتى انني لم اسمح لاتي منهه بالإقتراب كي لاتؤذيه بدورها لم اكن لاطيق ألم أيهم وحين ظهرت بحياتنا فجأة خشيت أن تعاوده الذكريات السيئة وتفتح جراحه من حديد لذا سعيت إلى إبعادك بكل الطرق وظننت انني برفضي المستمر لك سأجبره على التخلي عن فكرة الارتباط لكنه كان عنيدا ومتمسكا بقرارته كوليد رحمه الله وحتما اقدر تمسكه بك لآخر رمق !»
تبسمت أوليان بلطف لتكمل بهاء:«انا ايضا احببت ولم أستطع الزواج بعد وليد أبدا وأنا ارى العشق يتخد مكانا برماديتيك أتمنى أن تسعديه كما اسعدك وليباركما الله!»
احتضنتها أوليان بعفوية فربتت على ترت خصرها بحنان هامسة:«سأطلب منك طلبا أخيرا ارجو ان تقنعيه بالاقامة بالقصر فحتما لا أطيق العيش وحيدة يكفي رحيل انس وطيف!»
« لاتقلقي سنعيش بحوارك وسنكون لك الاسرة والسند ومهما احبني أيهم ستظلين حبه الاول دائما !»
استرخت روما على الأريكة بتعب ممسدة على بطنها ببسمة واسعة وغافلة عن نظرات زوجها الهائمة بتفاصيلها ...
« أعلم انك تحسبني حبيبة أيهم التي خانته وفرت لذا اسمح لي ان اؤكد لك انني بالفعل ادعى روما لكنني لست الفتاة المشنودة....
هي توأمي بالمناسبة وتدعى اوليان ولم تخنه..
تملكين توأما...!؟
حتما هناك سؤال يحيرني ويحرم النوم عن عيني..
حقا وما سؤالك الفلسفي هذا!؟
سؤالي يخص ضحكتك....
ساحرة أليس كذلك!؟
اتساءل عن حال من غاص بضحكتك ولا اسأل عن حال من غرق كيف غرق بل من نجا... كيف نجا!؟
انتبه الى صوت رنين هاتف أيهم الذي رد محاولا اخفاء توتره بنبرته الحادة:«حسنا اخبرتك انني قادم حالا وداعا!»
إستأذنهم للرحيل بحجة ان هناك أحد الموظفين تستدعي تدخله وبالرغم من ان قلب اوليان لم يكن مطمىنا ويهمس لها ان السبب أكبر من ذلك بكثير الا انها لم تجادله بل هزت راسها بإيجاب وهذا ما اثار جنون روما فشقيقتها ثتق بايهم ثقة عمياء ولاتسمح لعقلها بالتدخل وهذا ليس جيدا البتة!!