PART 42 🖤
إبتسم لوهلة لم تطل حين إستوطن بريق غريب سوداوتيه وعلت شفاهه ببسمة أغرب نبهت حواسها دون أن تهبهما فرصة للتدخل حين علق باسما ببرود:« أهلا بعودتك روما! أنرت قصري المتواضع!»
شعرت بتشنج يكسو أطرافها وبصبيبها يعلو ليسارع من وتيرة انفاسها ويلقي ببسمتها الثابثة جانبا فلعبة الثباث لن تجدي نفعا مع أيهم! أيهم الذي استطاع كشف هويتها بنظرة واحدة وهو ما لم سيتطع فعله الكثير بما فيهم والديها،لكنه مختلف فعلا ولذا أحبته أوليان!
نمت بسمتها الهادئة تدريجيا لتزين ثغرها الكرزي وتدفعه إلى الإبتسام بدورة ثم مدت كفها لتصافحهه مجيبة ببسمة مغرية:«هذا من ذوقك الرفيع سيد شاهين وليتك فقط تدرك مدى سعادتي برؤيتكما معا!»
حتما نسخة مطابقة لأوليان ولو لم تصارحه بالحقيقة سابقا كان ليجن دون شك، سبحان الخالق العظيم!
حك ذقنه بتفكير لم يطل ليرفع عيونه صوبها متسائلا:«هل قابلتها!؟»
- ليس بعد، فظهوري سيلفت الانتباه دون شك وسيوتر الاجواء ولست مخربة للحظات السعيدة أيهم!
هز رأسه بمجاراة لحديقها ثم رد ببرود:«أقدر تصرفك النبيل سيدة روما وإعذري فظاظتي ان سألتك عن سبب مجيئك اليوم تحديدا!»
تمشت بخطوات مغناجة اكتسبتها منذ طفولتها بخلاف خطوات أوليان الثابثة ونبرتها الرخيمة الخالية من أي غنج او دلال، ساير خطواتها لتجيبه:«من حقك ان تطرح سؤالا منطقيا كهذا وسأجيبك بصريح العبارة ودون مقدمات بائسة فحضوري اليوم تحديدا كان وفاءا لعهد قطعته لأوليان منذ الطفولة!»
- أي وعد هذا!؟
علت بسمتها من جديد لتجتر موجة من الذكريات البريئة والحلوة تحت سماء زرقاء صافية ومروج تمتد على طول البصر، صدى ضحكاتهما الصادقة ووقع خطواتهما المتسارعة ما ان تعلن عبير عن موعد الغذاء، إنتشلت من قعر ذكريات الطفولة على إثر سعاله الخفيف لتدرك صمتها الذي طال فردت بغصة:« حين كنا طفلتين صغيرتين وعدتها أن أحضر زفافها إلى من يهواه قلبها ثم أجري له إختبارا بسيطا كي أختبر قدرته على تمييز زوجته من بين الجميع بما فيهم توأمها الحقيقي وحين راهنتني انه سيفعل لم اصدقها إلا الآن!»
رد أيهم باستغراب :«ولما لم تحضري زفافها الأول!؟»
اتاه ردها بتلقائية ونظرات ساخرة:«لأنه لم يكن معشوقها وأظنك تدرك ذلك جيدا!»
- كنت تعلمين بقصتنا كاملة ومع ذلك سمحت للفراق أن يسلبنا سنوات خمس من حياتنا نحن الإثنين، ألا ترين انك كنت انانية روما!؟»
تنهدت من أعماقها وكست سحابة من الأسى تعابيرها المماثلة لمخطوبته ثم ردت بشجن:«لقد كنت انانية فعلا لكن كشف لهويتي كان سيؤذي الجميع وعلى راسهم اوليان لإنتحالها شخصية فتاة اخرى وحين لمحتني يومها بين أحضان صديق لي فسرت الامر على هواك دون ان تفكر ولو للحظة ان أوليان يستحيل أن تقدم على خطوة مماثلة لاي ظرف كان، كان يفترض بك ان تثق بها بدل إهانتها واتهامها بالباطل لذا لست الملامة الوحيدة!
ثم أدرفت بسمة خافتة وهي تتأمل ملامحه الوسيمة :«كنت موقنة أنه يستحيل لاحد ان يحبها بجنون ويغفر خيانتها المزعومة سواك، ادركت ذلك من بريق عيونها وانعكاس ملامحك بمآقيها كلما ذكرت سيرتك على لسانها ولو سهوا لادرك أنك الرجل الذي إنتظرته طويلا ليمد يده من بين اسطر الرواية ويسحبها إلى عالمه وانا أراك أمامي اليوم تشع احداقك بنفس النظرات أوقن أنها أحسنت اختيار بطل روايتها الخاصة!»
إبتسم بامتنان ليهم بالحديث لولا تدخل صوت رجولي ميزه للوهلة الاولى:«روما!؟ هل عل شيء على مايرام حبيبتي !؟»
بلع ريقه الجاف برواق ليدير رأسه بتأن كعجوز يعاني من آلام رقبة مبرحة فتجحظ عيناه بصدمة وتعلق الحروف بجوفه ما إن تأكد من هوية المتحدث..تبا ما الذي يفعله أبيل هنا ولما يرمق روما بقلق و..مهلا مهلا هل ناداها بحبيتي ايضا!؟ حقا!؟
هل سينضاف الصمم إلى آلام الرقبة أيضا!؟
انتبه أبيل إلى وجود أيهم بعد ان كان غارقا في التأكد من سلامة روما ليتنحنح بارتباك معلقا :«أيهم!! ظننتك أحد أبناء شاهين!»
رفع حاجبه باستنكار توازيا مع كتم روما لضحكتها من غباء أبيل بالمواقف الجدية لاسيما حين رد أيهم ساخرا: «لا عليك يبدو أن إطلاعك على ملامحي جعل توقن من انني أحد ابناء آل نيروز اليس كذلك!؟»
- آ.. قصدت كوني ظننتك أحد ازواج بنات عمي ولم اتوقعـــ..
قاطعه أيهم بنفاذ صبر وهو يمسح على وجهه بضيق :«لابأس أبيل هل لك ان توضح لي صلة قرابتك بروما!؟»
زم أبيل شفتيه بجدية ليحدق بروما مجيبا :«روما زوجتي يا أيهم»
وكأنه بحاجة الى جرعة إضافية من الصدمات حتى تنضاف اليها صدمة كون ابن عمه متزوجا من توأم خطيبته!
«مــ..من !؟»
تنهد أبيل متخصرا بكفه ليوضح الامر بقوله :«أعلم أن إخفائي للأمر يعد خطئا جسيما لكنني كنت مجبرا على ذلك إلى حين بوح أوليان بالحقيقة!»
- أظنني فهمت السبب وراء إخفائها عن أنظار الجميع بما فيهم انا، فرؤيتي لها ستوقظ الشكوك بداخلي لكونها الفتاة نفسها التي اغرمت بها قبل سنوات..روما!!
- تماما، أنت وقعت في حب إمرأة واحدة لمرتين متتاليتين دون أن تدرك وروما كانت في انتظار الفرصة الملائمة لتتمكن من الظهور دون أن تضرم الشكوك بقلبك!
وكانه بقلب رواية متشابكة الخيوط تختبر مدى ذكائه على فك الشفرات المتوالية بدءا من حقيقة أوليان إلى ظهور توأمها ثم إرتباط إبن عمه بالنسخة المادية لأوليان..!!
شد خصلاته بحيرة ليشعر بكف أبيل يستقر على كتفه العريض بود اخوي وبصوته الرزين يؤكد لها ان ما يعيشه الآن واقع ملموس:«لا عليم أخي فلم اكن أفضل حالا منك حين قابلتها لاول مرة!»
همس بذهول وكانه لازال يحاول الإستيعاب:«هل عشقنا توأما ياابن العم!؟»
- أخبرتك سابقا أن طريقنا واحدا!
- لكنك عاجز عن التفريق بينهما أليس كذلك!؟ سأحرص اذا على تقييد أوليان بجواري كي لاتحسبها زوجتك فأدفنك حيا!
لكمه أبيل بخفة ليرد:«ما كل هذا العنف يارجل انت ايضا لم تستطع على حبيتك رغم انها قضت اشهرا الى جانبك!
-لم أستطع التعرف عليها لانها لم تعد نفس المرأة التي احببتها قبل سنوات، أوليان لم تكن حادة النظرات ولا قاسية الالفاظ بل كانت حملا وديعا يعشق المطر ورائحة الكتب.. روما لم تكن أوليان وهذا السبب !
لكزت روما زوجها بخفة ليسمح أيهم على وجهه بتعب معلقا :«حسنا سيدة شاهين مامضى قد مضى بالفعل ولاداعي لإجتار الذكريات مادامت اوليان خطيبتي الآن رغم الظروف التي حالت دون ذلك ورغما عن انوف الحميع لذا سأعود إلى خطيبتي فقد إشتقت إليها!»
لوحا له ببسمة ودودة قبل ان تنجرف عيون أبيل صوب زوجته هامسا بقلق :«انت بخير حبيتي!؟ لم ينتبك الدوار مجددا اوليس !؟»
أسندت رأسها إلى كتفه باسمة لتجيب :«انا بخير يا عزيزي فقر عينا!»
- إذن ذكريني كم من مرة حذرتك من إرتداء هذا الفستان اللعين!؟
- أانت تعلم جيدا ان لي ذكريات جميلة معه لذا لا أستطيع التخلص منه!
تنهد باسما ليضمها الى صدره ممسدا على خصلاتها الطويلة فبحضنها فقط يستشعر السلام !
ولج أيهم الحفل ببسمة تشق وجهه متجها صوب أوليان غير أن خطواته باتت تتباطئ تدريجيا كلما اتضحت ملامح تلك التي تجاورها ببسمة مبهمة وانظار أوليان متعلقة بها بإهتمام توحي أنهما بخضم خوض حوار شيق سيهدم القصر على راسه دون شك، فما الموضوع الذي يفترض أن تناقشه زوجته بمعية خطيبته!؟
هو طبعا!!
ضم قبضته بقوة وهو يدعو اللهفي سره ان تنفضي الليلة على خسر فهاته المفاجة باتت تشلك منخا لن يسر الناظيىين وآر ما يتنماع ان يحال حفل خطوياه واهم ايحا حياتع الى معركة لن ينجو مهنا احد بما فيه صورة العائلة!
«أولي»
همس بنبرة حاول الحفاظ على ثباثها كتباث نظراته على ميرنا لتجيبه أوليان باسمة:«لاداعي للاعتذار او التبرير فهذا حقك طبعا!»
إتسعت احداقه بتفاجؤ من رد فعلها غير المتوقع وكاد يسهب بالحديث لولا إسترسالها :«هل تعتقد ان خطبتنا عذر كاف لأسرقك من الجميع، لديك معارفك واصدقائك ولهم حق عليك ايضا!»
بلع ريقه برعب حين إستوعب مدة الحماقة التي كان سيقدم على إرتكابها للتو بسبب سوء فهم بسيط وحين تابطت ذراعه ليرحلا شعر بالدم يعاد ألى خلاياه ليلقي نظرة نارية على ميرنا ويهمس لخطيبته:«ليس بعد أولي فهناك مفاجأة في انتظارك!»
برقت عيونها بحماس خلافا لإنطفاء نظرات ميرنا وهي تراهما يتواريان عن الأنظار متشابكي الايدي والعيون وكأن لهما عالما خاصا لايحوي سواهما!
كانا ملائمين لبعضهما البعض مهما أدتى كبريائها عكس وهما سعت إلى إنكار الأمر لن تغفل كيميائهما الغريبة والنادرة!
إرتشفت من كأسها بشرود قبل أن ترسل رسالة إلى المربية المشرفة على إيلين حتى تطمئن على سلامتها بحكم انهو لم تملك الفرصة لإحضارها وبالكاد عصت اوامر أيهم لتحضر حفل خطوبته وإن كانت موقنة أنه لن يسمح للامر أن يمر مرور الكرام ! لكن فضولها كان أقوى من أن تئده ورغبتها العارمة في رؤية من تكون اوليان هاته تفوق خوفها بمراحل !
أوليان داغر...
كابوس آل شاهين وغريمتها لمرتين!
رفعت عيونها باهتمام لصدى إصطدام الملعقة الفضية بكأس الكريستال كحال الجميع وتركزت العيون صوب أيهم ببسمته العريضة والتي إتسعت اكثر ما إن القى بطلبه الغريب على مسامع الحضور دون توضيح السبب او الدافع ورائه وكما هو متوقع، طغى الفضول البشري على التفكير وانقادت الأقدام صوب الحديقة الخلفية تلاحقها همسات تعجب ونظرات إستفهام ،وعلى الجانب الآخر كانت اوليان تتقفى ببصرها أثر أيهم الذي ابتلعه الحشد بغتة وحين همت باللحاق به إستشعرت وقع زخات خفيفة ناعمة على بشرتها الأشد نعومة لتبللها وتجعل من عيونها تتبع مسار الزخات بتفاجؤ عكسه اتساع بؤبؤها الأسود وانفراج شفتيها بزواية لا تكاد ترى فحتما لم يكن المطر حقيقيا!
ضحكت بخفوت واقدامها خطواتها تتقدم بانسيابية بخلاف اناملها التي ترفع أطراف فستانها المخملي الداكن بأرستقراطية تلاحقها النظرات ما بين متعحب ومفتون بذاك المشهد الشاعري، وحين هب نسيم خفيف أغمضت عيونها بانتشاء وفرت ذراعيها كطاىر حر طليق والندى يعانق ملامحها المميزة كنظراته وهو يراقبها عن كثب، دنا من ملاكه وكماله بخطوات متأنية وهبتن وقتا مستقطعا للإرتواء من هذا مشهد أعاده خمس سنوات إلى الوراء...بساحة الكلية والمطر يتساقط على فستانها الأبيض القصير ويبلل خصلاتها النارية فتفرد ذراعيها وتسمح لضحكاتها الصافية بالإنجلاء مخرسة كل الأصوات برأسه! المشهد ذااته والشعور ذاته غير أن من تقف امامه الان خطيبته لا مجرد طالبة شغوفة بالعلم طاردها لأيام حتى يتجرع كؤوس مُدام من مآقيها الضابيبة !!
إرتفعت شفاهها ببسمة متلفة ليتوسد كفها موضع قلبها المتراقص ولعا:«أحبكَ وسأحبكَ للأبد !»
«أحبكِ وسأحبكِ للأبد!»
نظراتهما ذابت بحر من العشق والجنون وخطواتها دنت تلقائيا أليه حيث السلام والكمال فإنحنى بقامته الفارعة ليهبها علبة مخملية بها نصفها الآخر... السلسلة!!
« كوني شريكة لقدري وإسمحي لإسمي ان ينول شرف مجاورة إسمك !»
لاتعلم سر ذاك الصخيب المباغت اهو نبضها ام صدر تصفيق الحضور وهتافا بعضهم، مسحت رنين زاوية عيونها بمنديلها المخملي غافلة عن شرود راسل وضياعه بعوالم كالتي تتقاذف أيهم الآن وإن كانت بطلته مختلفة ! وبالجهة المقابلة تقف ميرنا متمسكة بحقيبتها بقوة ونظراتها باتت ضبابية بفعل الدموع المتراكمة على تجاويف عيونها المرسومة بكحل كثيف سيتلاشى عما قريب كما تلاشت أكوام من الأمل والإنتظار..
فرت كسندريلا هاربة لم تفقد حذائها بل كرامتها وحب حياتها الوحيد!
وحين إستقلت السبارة الخاصة وقتها سمحت لضعفها بالانسلاخ من عباءة الزيف واذنت لدموعها الحارة بتبليل وجهها لعلها تروي روحا أرهقها التصحر وتشققت ثناياها بقسوة خلفتها آمال زائفة ونكران لنهاية خطت منذ زمن....
منذ ان قابلته للمرة الأولى ليهبها حياة!!
وحين كانت دموع ميرنا مؤنسها الوحيد بعتمة المكان كانت أوليان تزهر بسعادة وتتفتح بسماتها بتفاجؤ كلما إتضحت هوية القادمين،والدتها التي تتألق بفستان اسود محتشم تقود كرسيا متحركا يشغره نزار ببسمته الرجولية الساحرة التي توحي بمدى وسامته بمرحلة الشباب وتعلقت العيون بالشخصين مجهولي الهوية لحد ما وإن كانت نظرات اوليان تفسيرا واضحا وإجابة شافية لمئات التساؤلات العائمة بفلك الأذهان، وعيون مماثلة لخاصتها تحدق بالعجوزين ببسمة متألمة دون جرأة على الظهور حرصا على إكتمال سعادة توامها بعد سنوات من الشجن وتكفيرا لذنب لم يكن لها يد فيه سوى تشابه رهيب كان ثمنه غاليا وأبشع من كوابيسها لكنه القدر!
لامفر منه ولا حكمة في مجابهته!
انحنى أيهم بنبل ليجاري مطول نزار ثم نطق بنبرته التي تشوبها بحة طفيفة:« أنا أيهم وليد شاهين اطلب يد ابنتك المصون أوليان نزار داغر على سنة الله ورسوله زوجة لي وشريكة لحياتي الحالية والقادمة فهل تقبل بي صهرا وسندا في السراء والضراء !؟»
مد نزار كفه ليحتوي كف أيهم بأبوة تراقصت بأحداقه الرمادية وبثتها بسمته الوقورة كما بثتت الدفء بقلب أوليان وهي تراه يتقدم لطلب يدها من ابويها كما وعدها منذ زمن حين كانت طالبة صغيرة وكيف يعاملها كما لو أنه الرجل الأول والاخير بحياتها ويجعلها توقن يوما بعد يوم انها كانت ذات ذوق رفيع حين اختراته حبيبا وسكنا لفؤادها! وها هو ذا المأذون يتوسط خطيبها ووالدها ببسمته البشوشة ليتلو على مسامعهما كلاما يؤيدانه بهزة طفيفة إلى ان إختتم الأمر بتوقيع أيهم فتوقيعها وجاور إسمها اسمه بعد سنوات...!!!
السيدة أوليان داغر حرم أيهم شاهين!
«بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير!»
كانت العبارة التي جعلت من العيون تدمع تأثرا وأسفا بددته زغاريد عبير المبتهجة لتجعل من الإستنكار يعرف طريقه بجلاء إلى ملامح أبناء الطبقة المخملية وأسياد المجتمع الأرستقراطي، سعادتنا كانت صادقة وأكبر من ان يحجب ظلها قوانين واهية وبروتوكولات مبتذلة!
ولأن شهد كانت الإسثناء الجميل لآل شاهين فقد غشيتها سعادة صادقة تفوق سعادة أوليان بحد ذاتها فإبن عمها العصبي قد وجد ناريته الهاربة وأضحت زوجة له شرعا وقانونا ولاعزاء للحاقدين،تنهدت باسمة وكفها مسند إلى خدها بحركة تلقائية تُصدرها كلما وقعت عيونها على مشهد شاعري وهمست شفاهها دون وعي:«ما أروعهما!»
«بل ما أروعك!»
صوت رجولي عميق النبرات ونبرة دافئة كشمس الربيع جعلت من قلبها يترنح بين أضلعها ليدغدغه ألم طفيف..ليس بضار ولامؤذ لكنه يجعل من صبيها يعلو ومن أقدامها تهوى!!
رمشت بعيونها لتستعيد تباثها لوهلة تلاها إلتفاتها نحوه ببسمة محايدة إتسعت تلقائيا ودون سابق إنذار ما إن جالت عسليتيها على ملامحه المتناسقة التقاسيم لترسو على بسمته ذات القدرة الفائقة على رسم البسمات العفوية على الوجوه لبرائتها وجاذبيتها المفرطة..
أنيس...
الابن الوحيد لصديق والدها وشريكه منذ أن أول خطواتهما كرجال أعمال من جانب والشاب الوسيم الطموح صاحب المطعم الصغير من جهة أخرى! من تلاحقه نظرات آل شاهين بما فيهم نظراتها المتلصصة التي يتراقص بجوفهما تقدير وإحترام لشاب لم يصنع لنفسه سلما بأحجار أسلافه ولا إعتمد إسمه ليخلق لنفسه مكانا بمجتمع راق، شاب مكافح جاهد ليثبث
نفسه وقد فعل!
ازدانت شفاهها ببسمة فاترة اطفأت حماسه كما فعلت نبرتها الباردة :«مرحبا أنيس»
ولأنه شاب لبق لم يسمح للتجهم باتخاد السبل إلى تعابيره حين ظل باسما بعد أن عقد ذراعيه على صدره وثتبث عيونه صوب أحداقها الواسعة المحاطة برموش كثيفة ترسم ظلالا مغوية على خديها ونطق بعد صمت طويل:«مرحبا شاهدة!»
تأففت بضيق لتولح بكفيها بإستياء طفولي كصغيرة إلتهم الاطفال نصيبها من الحلوى :« هل يفترض ان اذكرك المرة المليون أنني أدعى شهد.. شهد.. شـ.. هـ... د... هل أحظى بإسم نادر يصعب تذكره أم ماذا!؟»
رد باسما وبعفوية:«أجل يصعب على المرء تذكره لشيء حين تحدقين به !»
هل يعد هذا غزلا أم أنه تعبير عفوي كتعابيره الدائمة التي تكاد تسبب لها سلسلة أزمات قلبية متتالية كلما تفوه بها باسما ودون تفكير مسبق ، حتما له قدرة فائقة على سلب الألباب سواء بصمته أو بحديثه الذي لن يكون من نصيبها وحدها مادام عفويا ووسيما! حدقت به لثانيتين قبل أن تهز رأسها لتلقي بأفكارها الغريبة خارجا وترحل عنه لولا أن إعترض طرقها بقامته المهيبة :«لما تتفادينني دوما!؟ أيزعجك وجودي أم أنني ثقيل الظل لهاته الدرجة!؟»
«بل أنت رائع وهذا السبب الرئيس!»
همسها كان سريا لم يهبه جوابا شافيا ولا خفف من ظلال الحيرة المسجاة على وجهه بل أحيل خيبة ما إن اكملت مسيرها معلقة بجمود:« أتفاداك لأنني أفهم نواياك جيدا ولست طفلة لأغفل عن..»
بتر سيل الكلمات بصوته الحازم :«ليتك تفهمينني وتجيدين قرائتي كما تدعين كنت ستتمكنين من سماع صمت الكلمات وصدى نبضات كبحت سيلا من الكلام شاهدة!»
لم تدرك وقتها أينبغي أن تفاجئ لجوابه الغريب والمبهم ام تكتفي بتصحيح إسمها وترحل لولا أن وهبها خيارا ثالثا بصوته العميق وببطء متعمد اربك حواسها :«شـــاهـــــدة... شاهدة على حبي لكنك تكابرين!»
إنسلت أنامله لتضع بطاقة صغيرة على الطاولة ثم تزرر سترته الأنيقة بأرستقراطية أثارت إعجابها وسرقت أنفاسها كبسمته الساحرة والتي باتت تتوارى تدريجيا كجسده مخلفا بردا بأطرافها ووحشة غير مببر سببها،امتدت أصابعها لتقلب البطاقة باهتمام وتقرأ تلك الأسطر بنبرة خافتة وبسمة أشد خفوتا:« أدرك أن تصرفي قد يعد تجاوزا لحدود رسمتها بعناية وسعيت جاهدا لإعدامها دون جدوى فإن عرضت عليك مشاركتي عشاءا هادئا بالغد القريب ستقبلين أم اني ساعود بخفي حنين!؟
أنيس دربك شهد »
زوت مابين حاجبيها بحركة تلقائية واهتزت نظراتها المثبثة صوبه لينجلي توتره اللطيف كطالب في إنتظار حصد نتائجه النهائية وكأن شفاهها ستخط مصيره وجوابها سيكون إما خلاصا وإما خيبة..فإكتفت برسم بسمة شاردة مرفقة بهزة مقتضبة كإشارة بالإيجاب!
ورد فعله كان صريحا حين تنفس الصعداء وتراقصت بأحداقه نظرات حوت بين طياتها مشاعرا بحجم العالم وحين دنا منه النادل ناوله بطاقة أخرى مشيرا إلى شهد فازدرت ريقها بارتباك وارتطفت اناملها حين تلقفتها وإطلعت على فحواها :« ارجو أن يكون مطعم قلب المحيط ملائما للعشاء كما لائم حبك قلب أنيس»
هزت رأسها بيأس فقلد حركتها بشكل لطيف غافلين عن عدسات كاميرا رصدت نظراتهما السرية ورسائلهما المبهمة الفحوى وإن كشفت النظرات عنه بجلاء لتجعل من خبر إرتباطهما متصدرا للصفحات الأولى للصحف والمجلات، فهذا حال الطبقات المخملية!
توسط البدر السماء ليخفف من عتمتها الموحشة وسوادها المهيب ودفع الحضور إلى الإنسحاب تدريجيا لتخلو الساحة الخلفية للقصر من السيارات ويعم سكون طفيف المكان، صافح راسل أيهم بود متمنيا للعروسين عمرا مديدا وحياة تتسم بالسعادة والهناء ليتعلق أوليان ببسمة مشاكسة:«وأنت سيد نيروز ألم يحن الوقت بعد لكشف الستار عن بطلتك السرية!؟ فالجميع متشوق لرؤيتها!»
نمت بسمته الهادئة وإنجلت نبرته الرجولية ذات اللكنة المميزة:« بطلتي متلفة وملفتة ورجلها غيور بشكل لا يخول له إطلاعها على احد !»
جوابه كان مفحما ولولا وجود ايهم لكانت ستبثها إعجابها الصريح بفصاحته غير ان أيهم تدخل بقوله وبسمة ماكرة تتراقص على ثغره:«أوه! حدسي ينبئني انك في انتظار تخرجها لتحيل الفرحة فرحتين! لاتماطل يارجل فالوقت يسرق اجمل لحظاتنا وأيامنا معدودة فعشها مع من تحب، لا تكرر خطئي راسل فقد لايهبك القدر فرصة ثانية!»
لكزته أوليان بخفة ليقهقه بصخب:«لاعليك يا سيد راسل فأيهم سيء جدا فيما يخص التحفيز!»
غير انه هز رأسه باسما بدبلوماسية ليتوارى عن الأنظار تشيعه عيون بعض نساء العائلة ونظرات تنفثها عيون أشبه بغابات الزيتون!
رهف العامري...!
صوت وأبيل وضحكاته الصاخبة كانت تدفع بسمة روما إلى الإتساع وتجعل من العالم يتخد اطيافا وردية ساحرة وحين خلا القصر من الجميع باسثناء العروسين والسيدان داغر إتخد أيهم لنفسه مقاما بالطاولة المستديرة وجاورته أوليان كما جاورت عبير زوجها وكفها يربت على يده بين الفينة والاخرى بحنان كان ولازال يبث فراشات ببطن أوليان... أبوان حنونان وقصة حب ترويها الأعين والهمسات!
انجرفت رماديتيها صوبه بنظرات محبة لتنمس:« أوليان أيهم شاهين!لقد إنتظرت لسنوات حتى يجاور اسمي إسمك يا سيد شاهين !»
- وأنا انتظرت لسنوات حتى تصبحين حرمي يا سيدة داغر!
إتسعت بسمة السيدان داغر بخلاف ملامح أيهم التي سادتها جدية غريبة لاسيما حين إرتكز بمرفقيه إلى سطح الطاولة سامكا لنظراته العميقة بالتجوال على الوجوه المستفهمة:«قبل أن نستهل جلستنا العائلية لا أظنكم ستمانعون إنضمام فردين آخرين!»
ناظرته أوليان بتعجب وانجلى القبول على ملامح الزوجين بشكل أراحه ليهتف بنبرة مرحبة :«تفضلا!»
إشرأبت الأعناق بفضول وإضطربت ملامح أوليان كدقاتها ما إن ظهر أبيل بطلته البهية تلاحقه خطوات كعب نسائي رفيع وعطر لفح المكان فخدر الحواس كصاحبته..باتت انفاسها مسموعة للعيان وإهتزت تلك العيون الهادئة بتفاجؤ وذهول أقرب الى الرعب كلما دنت المرأة بخطواتها المختالة وبسمة مغرية تزين ثغرها الكرزي فتسري قشعريرة باردة بأطراف أوليان الواهنة فإرتكزت عليهما بترنح لعلها تطال ذاك الخيال البعيد ...توأمها..روما داغر!!
تبادل أيهم وأبيل نظرات باسمة وغشيت طبقة دمع كثيف عيون عبير ونزار تأثرا بلقاء إبنتيهما بعد فراق كان كإستئصال الروح من الجسد فأوليان وروما كانتا روحا واحدة بجسدين وحال القدر دون الوصال!
زحفت أقدامها الهلامية صوب شقيقتها إلى أن باتت المسافة بينهما لاتتعدى سنتيمرات وانفاس مضطربة ونظرات زائغة فلا يعقل ان ماتعيشه اليوم حقية ملموسة وأن الحياة أمطرت بشدة على ارض أهلكها الجفاف فكامت الرحمة أشد من ان تستوعبها دفعة واحدة،إنسابت دموعها السخية بشجن وانجلت بسمة روما بإشتياق لم يخمده سوى عناق حار وبكاء من الجميع وحين فُصل العناق تبادلنا نظرات ملتاعة وبسمات باكية وكأن إنتظارهما لسنوات لم يذهب سدى...!!
عانقت والديها باشتياق وعرفتهما على زوجها الوسيم إبن عم زوج اوليان وإن كانت الصدمة ثلاثية الأبعاد غير ان حلاوة اللقاء فاقت كل المشاعر الاخرى.
« والآن سيدة داغر الآ ترين أن الآوان قد حان لكشف الستار !؟»
نبرته المهددة ونظراته الثابثة هزت تجلدها ووترت حواسها فادعت التعجب وإكتست وجهها تعابير زائفة:«عن ماذا!؟»
«عن الحقائق!»
إنقبض فك نزار وإشتدت أنامله الواهية على قبضته بقوة جعلت من مفاصله تبيض لاسيما حن تولت عبير الرد ببسمة باهتة:«أي حقائق تقصد!؟»
يراوغان!؟ حتما بات الامر أشد أثارة فالسيدة عبير قد اعتمدت الهجوم كوسيلة للدفاع ولنرى إلى أي حد يمكننا إدعاء الغباء!
نقل نظراته صوب أبيل ليمسح الاخير على ذقنه بتفكير وبسمة عابثة باتت تعرف السبيل الى ثغره:« أنت محقة سيدتي فسجل الحقائق عريض واقترح أن نستهله بـــ....شمس!؟ ألا تعد بداية موفقة!؟»
إسم واحد... ثلاثة أحرف صغيرة كان لها وقع خاص وصدى جليا في النفوس والتعابير التي كسيها الشحوب والهلع كمن شهد تراتيل جنازته بخلاف نظرات أوليان وروما المتبادلة والتي كانت تشع إستفهاما وحيرة عكستهما نبرتهما: «من تكون شمس!؟»
رد أيهم بتلقائية ونظراته لاتحيد عن نزار وعبير :«والدتكما!»
ثم وجه حديثه إليهما بنبرة متحدية:«لايعقل أن الزمن كان كفيلا بمحو شمس من على رفوف الذاكرة.. لاسيما أرففك سيد نزار!»
شعرت عبير بقلبها يهوى ارضا ليتوسد اقدامها الواهية وباتت انفاس نزار متباطئة كمن يصارع أجله ليعيش آخر لحظاته...
حتما هاته اللليلة لن تمر على خير!
إرتعشت شفاهها وجالت بنظراتها الوائغة وجوه الجميع بضياع يضاعفه ذاك الإستفهام المنبثق من العيون الشاخصة بتركيز وإهتمام لحقيقة ستقلب الموازين جميعا !
وحين إنسلت دموعها بصمت ذابت ملامح نزار بألم وجنون دفعه إلى الصراخ برجاء :«الا يمكننا تأجيل الامر قليلا!؟»
رد أبيل بهدوء تعكسه نظراته الراسية:«لقد تأجل الأمر أكثر مما ينبغي والحقيقة ثابثة لاسبيل الى تغييرها ولاحجبها لذا كلنا آذان صاغية!»
بلعت عبير ريقها الجاف وتعرق كفيها بتوتر إتضخ بجلاء بإرتجاف صوتها الذي سيكشف عن أحداث كفيلة بتغيير قواعد اللعبة :« شمس هي والدتكما الحقيقية!»
«وانا لا اريد معرفة أي شيء يخصها!»
هتفت أوليان بحدة ليقاطعها أيهم ليقاطعها أيهم بالنبرة نفسها :«بل عليك معرفة الحقيقة !»
- لا رغبة لي في الإطلاع على ماض إمرأة القت بصغارها بقسوة لا تتسم بها حتى أضعف الحيوانات وأقلها رحمة!
هتفت عبير بإنهيار مخفية عارها ووجها الباكي من وراء كفيها الراجفتين :«شمس لم تتخلى عنكما!» عم الصمت المهيب المكان لتهدأ أوليان وتردف عبير ببحة خلفها البكاء المستمر:« شمس لم تتخلى عنكما يوما بل كادت تجن بحثا عن توأميها في كل مكان!»
تساءلت أوليان بتوهان :«اتقصدين انها فقدتنا!؟»
ليربت أيهم على كتفها بحنان مجيبا بغصة:«السيدة عبير كانت تقصد أن شمس كادت تجن حين سرقتما! وخمني من السارق!؟ حدثينا عنه قليلا يا سيدتي فأراهن أن القصة ستبدو مشوقة أكثر على لسانك!»
علا هتاف روما بنرة توحي ان مخزون صبرها نفذ:«أمي ألن تكشفي عن هوية السارق فكفى تلاعبا بحق خالق الجحيم !»
- حدث الأمر قبل سنوات بعيدة حين كنت شابة جميلة ادرس بالجامعة وأعيش رفقة خالي بغرفة مستأجرة حياة بسيطة لم تدم،فذات صباح غائم اسلم الروح إلى بارئها وأضحيت مجبرة على إخلاء الغرفة المستاجرة وتوسد الرصيف البارد حيث لامأوى ولامال لم أكن املك أقاربا سوى شمس،صديقتي منذ المرحلة الإبتدائية ومن كانت عونا دائما وسندا لايميل فآوتني بين جدران بيتها الدافئ رغم معارضة زوجها وإصراره على رحيلي منذ الوهلة الأولى وليتها أطاعته!»
بلعت ريقها مجيلة نظراتها بين الجميع قبل ان ينجلي صوتها من جديد بنبرة ساخرة ومتألمة:« زوجها المحب ذو النظرة الثاقبة.. نزار!»