سيفانور، الوجه الطيب
ارتبكت آليورا قليلاً، ثم حاولت تغيير مجرى الحديث قائلة: "أشياء خاصة لا أرغب بالحديث عنها."
قوّس آيدن حاجبه الأيسر، وارتسمت بسمة خفيفة في عينيه لم تلحظها هي، ثم قال ساخرًا: "خاصة؟ هل تمازحينني؟"
ترددت للحظة، ثم ردّت بازدراء: "نسيت بعضها، لكنني سأتذكر."
تأفف وهو يقول: "وأخيرًا."
جمعت آليورا يديها فوق بطنها وأغمضت عينيها، وبدأت تتمتم: "أولاً، ستحكمين دومادارا. ثم حادثة الشمس، وأخيرًا..."
لكنها لم تُكمل، بل فتحت عينيها فجأة وحدقت في عينيه الزرقاوين قائلة: "ربما دومادارا ترى أن الحب نار لا مفر منها، لكن هذا لا ينطبق عليكم."
وقف يتأمل كلماتها ونظراتها، ثم همس: "أهذا كل شيء؟"
تهربت بنظرها وقالت: "نعم.. ماذا تريد بعد؟"
انعقد حاجباه يشكّ في صدقها، لكنه لم يهتم كثيرًا. خيّم سكون بينهما، لا يُسمع فيه سوى دقات قلبيهما. كلّ منهما غارق في أفكاره، لا يدري كيف يتعامل مع عدوه.
ابتعد آيدن نحو شجرة قريبة، جلس تحت ظلّها، ونادى آليورا. استغربت لكنها لبّت النداء. أشار لها بالجلوس، فجلست.
أخرج من تحت درعه الحديدي رسالتين، وبدأ يقرأها عليها:
"لن تجد شخصًا بريئًا من آل ساكاراد سوى فتاة واحدة. نعم، الحب ملعون في دومادارا، لكنه لا ينطبق عليكما..."
تقوّست شفتا آليورا بحيرة، ثم قالت: "نفس التلميحات تقريبًا."
أجابها: "أجل، لكن لأكون صريحًا، هذا ليس كل شيء."
قالت: "ماذا بعد؟"
سكت لحظة ثم قال: "هناك حلم..."
تجمّدت كلماتها، فقد تذكّرت الحلم ذاته. أما هو، فقد تأكّد أن هناك ما تخفيه.
سألها مباشرة: "لماذا أشعر وكأنك تخفين شيئًا عني؟"
خفضت عينيها، وابتلعت ريقها، ثم قالت بهدوء: "راودني حلم أيضًا... وهناك أمر آخر، عندما كنت في السوق، اصطدم بي رجل غريب، وهمس بجملة أشبه بلغز."
قال بلهفة وهو يطوي الرسالة: "ماذا رأيتِ في الحلم؟ وما تلك الجملة؟"
ترددت، لكنه أومأ برأسه فتابعت: "كنتَ تقول إن دومادارا تحتاجنا، وإن الثقة بك واجبة. كنا واقفين هنا، بالضبط في هذا المكان."
انبهر: "نفس الحلم تمامًا..."
سألته: "هل هذا هو حلمك حقًا؟"
أجابها بثبات: "أجل. قصة كبرى كنت أظنها مزحة، لكنني كنت مخطئًا."
قالت بقلق: "ماذا نفعل الآن؟"
ردّ بتنهيدة طويلة: "لا أعلم. هناك أسئلة كثيرة بحاجة لإجابات: من البريء من ساكاراد؟ من الشرير؟ من أرسل تلك الرسائل، ولماذا؟"
ثم تذكّر شيئًا وسألها: "ما الجملة التي همس بها الرجل؟"
أجابت: "الجميع مخادعون، هو الوحيد القادر على حمايتك."
عضّ على قبضته وزمجر: "يا إلهي... أكاد أُجن. من يعبث معي؟"
قالت ممازحة: "جنّ مهووس بك؟"
رمقها بنظرة حادة جعلتها تندم، فقالت بخجل: "اعذرني... أمزح كثيرًا في الأوقات الجدية."
تمتم: "صبرًا..."
قالت وهي تنهض: "سأذهب... سأحاول التفكير، ربما أتوصل لشيء."
أومأ لها بعينيه، وبقي جالسًا، تتنازعه الحيرة والخوف من مستقبل يجهله، والرعب من الوقوع في حب عدوّته.
فبعد هذه الهدنة، شعر بالحنين والطمأنينة لأول مرة، وكأن أمنيته القديمة قد تحققت حين قال: "أريد طمأنينتي..."
••
خرج إلياندو يتنفس بعض الهواء النقي، باحثًا عن هدوء مؤقت. لمح سيفانور واقفة أمام الباب الخارجي، وكأنها تنتظر أحدهم بقلق صامت.
جلس بهدوء على بعد أمتار منها، يراقبها بصمت. كانت ملامحها هادئة، لكن وقفتها تخفي ما لا يُقال. عينيه التقطتا كل تفصيلة فيها، وكأن ريحًا تدفع بنظراته نحوها دون إرادة منه، حتى التفتت ونظرت إليه.
اقتربت منه بلباقة وسألت بنبرة هادئة يغلفها الاحترام: "هل تحتاج إلى شيء، سيدي؟"
أجاب بنبرة خفيفة وابتسامة أظهرت غمازتيه: "لا شيء أبدًا... وأنتِ؟ هل تنتظرين أحدًا؟"
تلعثمت حركاتها وتقطّع صوتها قليلًا، ثم ردّت بحذر: "أ... أ... أنتظر سيدتي آليورا."
قال ببساطة وهو يدير ظهره: "حسنًا إذًا..."
لم يضف شيئًا. اكتفى بالكلمة، ثم عاد بخطى هادئة نحو القصر.
في اللحظة ذاتها، هرولت سيفانور نحو البوابة كأنها تستعيد تركيزها. وقفت تنتظر لثوانٍ، حتى ظهر رجل مسن، يرتدي زيًا بسيطًا كأيّ فرد عادي من دومادارا. في يديه صندوق كبير، بدا ثقيلًا عليها.
اقتربت منه وسألته بصوت خافت: "هل سيدي بخير؟"
أجاب بصوت غليظ منخفض: "أفضل مما كان عليه. يطلب منكِ أن تُبقي عينيكِ على آليورا، وأن تحذريها من عائلتها قدر المستطاع. كما يقول... يجب أن تُحب آيدن سريعًا."
رفعت حاجبيها بدهشة وهمست: "لكن... كيف؟ إنه عدوها."
ردّ الرجل بنفس النبرة العميقة: "عندما تدرك أن آيدن هو أمانها الوحيد... ستركض نحوه دون أن تنظر خلفها."
أومأت برأسها في صمت، وقد فهمت الرسالة. ثم تأكدت من أن لا أحد رآها، وسحبت الصندوق الثقيل بهدوء نحو غرفة آليورا.
••
كان راسيول لا يزال عالقًا خلف القضبان، يشعر بالعجز والضعف، والحقد ينهش قلبه تجاه والده. لكن أكثر ما علق في ذاكرته هو صورة "هيزل" المسكينة، حين رمت نفسها نحو الموت كي تمنحه الحياة.
وبينما كان غارقًا في جلد الذات، فُتح باب الزنزانة بصوت بطيء، ليظهر من خلفه والده، مونويث، بعينين صارمتين، تحملان قسوة أرهقت روحه. مجرد نظرة واحدة من ذلك الرجل جعلت قلب راسيول يتشظى إلى شظايا صغيرة.
لم يتكلم الوالد، بل استدار ومضى في طريقه، لكنه لم يغلق الباب خلفه...
في تلك اللحظة، أدرك راسيول أنه نال حريته.
تبع والده مسرعًا، وصاح بصوت متهدج:
"أبي...!"
توقف مونويث، واستدار نحوه، وعلى وجهه ملامح حزن دفين، مزيج من الأسى والشك، ثم تجمّد في مكانه عندما اندفع راسيول نحو حضنه ليعانقه.
همس راسيول وكأن أنفاسه مرتبكة:
"كنت أعلم أنك لن تفرّط بي... أحبك يا أبي."
لكن مونويث لم يستطع الرد. خانته الكلمات، وتلعثمت شفتاه، وكأن حروف اللغة هجرت لسانه. رغم ذلك، قلبه كان يغلي بشيء لا يمكن تسميته... نار غريبة لا يعلم مصدرها.
راسيول، من ناحيته، أدرك أن والده لم يسامحه، بل أطلق سراحه فقط بدافع الأبوة... وهذا لم يكن كافيًا ليشعر بالفرح. ومع ذلك، ما إن تذكّر والدته حتى ارتسم دفء مفاجئ في عينيه، وركض ليطمئنها.
كانت والدته في حديقة القصر، شاردة الذهن، تتأمل السماء وتحاكي الريح بصوت حالم:
"ليت لعنة جديدة تصيب آل ساكاراد وحدهم... حينها ستصبح دومادارا ملكًا لنا."
من بعيد، وقف راسيول يراقبها. كانت تبتسم بهدوء نحو السماء، فهتف بصوت خافت:
"أمي..."
استدارت بسرعة، وعلى وجهها ارتسمت سعادة عارمة، ثم انطلقت نحوه تركض، تلتهم ملامحه بنظرات قلقة، وكأنّه عاد من ساحة حرب لا من سجن.
"أوه عزيزي، مسكين أنت... هل أنت بخير؟ هل أطعموك؟ هل تشعر بالجوع؟ أخبرني يا بني!"
كان يروق له قلقها، فابتسم وأمسك كتفيها برفق، قائلاً:
"كما ترين، أنا بخير... خاصة عندما أراكِ أنتِ."
ساد الصمت لوهلة، ثم تحرّك بنظره يمينًا ويسارًا كمن يبحث عن شيء، وسألها:
"أين آيدن؟"
على الفور، تغيرت ملامحها. انسحبت الابتسامة من شفتيها، وحل محلها القلق، ثم تمتمت:
"منذ تلك الحادثة... تغيّر كثيرًا. لا أعلم ما به، بالكاد نراه في القصر."
ارتجف شيء داخله. هذا السلوك لا يشبه أخاه البارد عادةً. اقترب من والدته وهمس بثقة:
"سأخرج للبحث عنه... أريد التحدث معه."
أومأت له برفق، ووضعت قبلة دافئة على جبينه كأنها تخشى ألا تراه مجددًا.
••
عادت آليورا إلى القصر، والإرهاق بادٍ بوضوح على ملامحها الطفولية. لم تذق طعم الراحة منذ بدأت تلك التلميحات الغامضة تتكاثر من حولها، وكأن شيئًا خطيرًا يوشك أن يحدث... شيئًا لم تكن مستعدة له بعد.
وبينما كانت تتمشى ببطء في أحد ممرات الحصن الحجري، لمحت إلياندو واقفًا عند باب الردهة الملكية، يميل برأسه بتلصص نحو الداخل... يتنصّت على حديث جده ووالدها ڨارييل.
انعقد حاجباها بامتعاض، واتّسخت ملامحها بالاشمئزاز من تصرفه. هرولت نحوه وسحبته من ردائه بخشونة، تبعده عن الباب.
– "ما الذي تفعله هنا؟!"
ردّ عليها غاضبًا وهو يحرر نفسه من قبضتها:
– "اتركيني... وابتعدي قليلًا كي أستطيع التنفّس."
تراجعت خطوة وقالت ببرودٍ قاسٍ:
– "وقح. هل تتنصّت على الناس؟"
أشار لها بصمت واضعًا إصبعه على شفتيها، وهمس:
– "لا تتسرّعي في الحكم. أظن أن جدّنا ووالدك يخطّطان لشنّ حرب كبيرة."
اتّسعت عيناها وهي تهمس بصوتٍ مخنوق:
– "حرب؟!"
زفر بضيق، ثم مسح وجهه بكفّه وقال:
– "اخفضي صوتك، نعم... حرب ضد آل كلاريارد."
تلبّسها التوتر فجأة، وبدأت تلتهم أظافرها بعصبية، حين ظهرت سيفانور فجأة لتخبرها بوصول صندوق غريب خاص بها.
دخلت آليورا غرفتها، فوجدت صندوقًا ضخمًا، بحجم خزانة أحذيتها، لكنه لم يكن عاديًا... كان مغطى بأحجار غريبة الشكل، متفاوتة الحجم واللون، وكأنها مرصوصة من كواكب بعيدة.
سحبته بتعب نحو السرير، ثم فتحته.
كان أول ما لفت انتباهها سيف غريب... ليس كالأسلحة الحديدية المألوفة، بل سيف فضّي، لامع، حاد بشكل مخيف، وثقيل كأنه يحمل عبء قَدَرٍ على ظهره. ما زاد من ارتباكها هو الغمد، فقد كان منقوشًا بحروف قديمة استطاعت أن تميّز منها كلمات: ملكة... ملك... دومادارا، وأمامها رمز غامض: ١١:١١.
بقيت الحروف الأخرى مبهمة، وكأنها كلمات من لغة ضائعة. وكلما حاولت قراءتها، زادها الأمر توترًا.
إلى جانب السيف، وجدت ملابس ملكية فريدة، لم ترَ مثلها من قبل. ثمّ خاتم أحمر داكن، يحمل فخامة لا توصف، أشبه بجوهرة تتوّج سلطانة لا تقهر.
شعرت بثقل الأحداث يسحق روحها. تركت كل شيء، وألقت بجسدها على السرير بتنهيدة ضجر. كانت تشعر وكأنها في متاهة... كلما ظنت أنها على وشك الخروج، عادت لتجد نفسها في النقطة ذاتها، تائهة.
أغمضت عينيها محاولة الهروب من فوضى أفكارها، لكنّ وجه آيدن طفا في ذهنها، يشق طريقه بين الصور. لم يكن حلمًا بل يقظة، تخاطبه خلالها دون خلاف، دون كلمات حادة أو جراح متبادلة. ولأول مرة، شعرت بالسكينة... طمأنينة ناعمة تسللت إلى صدرها دون إذن.
وبلا أن تدري، ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، عفوية... كأن قلبها بدأ يدرك ما تجاهلته طويلاً.
••
أخذ ألهيدروس يمسح على لحيته البيضاء الكثيفة بأصبعيه الإبهام والسبابة، وأردف يخاطب ڨارييل:
– "هل أنت متأكد أننا سنربح في هذه الحرب؟ ماذا لو أُصيب أحد منا؟"
أراح فمه لبضعة ثوانٍ ثم أجاب بثقة باردة:
– "لست موقنًا بذلك... لكن حتى نعرف، يجب أن نجرّب."
زمجر ألهيدروس بغضب:
– "ستخاطر بحياة عائلتك، يا ڨارييل!"
– "أنت تعلم أن عائلتي آخر ما يهمّني... لا تلعب دور الأب الصالح، فكل ما يهمّك هو أن نتقاسم دومادارا معًا."
ظهرت ابتسامة جانبية ماكرة على وجه ألهيدروس، ثم قال بسخرية:
– "ظننت للحظة أن لك قوى خارقة لقراءة الأفكار."
دُقّ الباب، فأذن ڨارييل بالدخول.
دخل رافينت، خال آليورا، بخطوات تعكس هيبته، بملامحه الحادة تتخللها نظرات واثقة.
جلس على الأريكة وأردف:
– "أظن أنكم خططتم لكل شيء بدوني؟"
ابتسم ألهيدروس بخبث وقال:
– "لم نضع خططًا بعد."
– "هل ستكون حربًا معلنة أم سرية؟"
أطلق ڨارييل ضحكة هستيرية وردّ:
– "كم أنت فضولي... لا تقلق، عندما نقرّر، سنخبرك بالتفاصيل."
عقد الآخر حاجبيه بعدما شعر أنه أصبح موضع سخرية، ثم اقترب قليلًا وخاطبه بنبرة لاذعة:
– "أكاد أموت من الفضول... خصوصًا عندما تعلم آليورا حقيقتك."
تغيّرت ملامح ڨارييل، وظهر عليه التوتر للحظة، ثم عاد لجموده سريعًا. لكن ألهيدروس لمح تلك الرجفة العابرة في عينيه، كأن شيئًا دُفن في الماضي عاد ليطفو.
كاد ڨارييل يرد بلكمة، لكن ألهيدروس أوقفه قائلًا:
– "لم نجتمع كي نتعارك فيما بيننا. ربما آل كلاريارد ينصبون فخاخًا لنا، لذلك تحلّوا بالصبر، وتفاهموا بينكم قليلًا."
سكت كل منهم، لكن داخلهم كانت تدور معركة من نوع آخر...
معركة أسرار، وخيانات قديمة... لا أحد يجرؤ على كشفها الآن.
••
أخذت سيفانور الإذن من سيدتها آسينال لزيارة قريبتها التي تقطن خارج دومادارا.
عندما أوشكت على الخروج، لمحتها آليورا، فسألتها بنبرة فضولية:
– "إلى أين؟"
ارتبكت قليلًا، ثم ردت بنبرة متماسكة:
– "سأزور قريبتي في كليرالدا."
– "على حسب علمي، ليس لديكِ أقارب."
بدأت سيفانور تتهرب بنظراتها، ثم قالت بنبرة فيها شيء من التوتر:
– "هذه المرأة كانت تساعدني كثيرًا قبل مجيئي إلى هنا... أريد فقط أن أطمئن عليها."
رمقتها آليورا بقلق، ثم قالت بحزم:
– "لن أسمح بذهابك وحدك. سأرسل أحد رجالي معك."
لم يكن ذلك ضمن حسابات سيفانور، لكنها لم ترغب بإثارة شكوك سيدتها، فوافقت على مضض.
امتطت حصانًا بنيًا أصيلًا، ثم اتجهت نحو طريق الغابة، ترافقها ثلاثة من رجال ڤارييل المدربين جيدًا.
بعد مرور ربع ساعة من المشي، توقفت كي تستريح قليلًا، بينما أخذ كل رجل موقعه يراقب المكان.
ساد السكون... وفجأة سُمع صوت صراخها:
– "يا إلهي! هناك ذئاب!"
ركض الرجال باتجاهها فورًا، لكنهم لم يجدوا شيئًا.
في تلك اللحظة، وقفت خلفهم بهدوء مريب، ثم أطلقت صفيرًا خاطفًا، وأخرجت سيفًا من جانب الحصان.
هاجمتهم برشاقة لم يتوقعوها، كانت ضرباتها دقيقة وقوية، رغم محاولاتهم للتصدّي لها، إلا أنها تفوقت عليهم جميعًا.
سقط الثلاثة أرضًا، واحدًا تلو الآخر.
أعادت سيفها إلى خصرها، ثم استدارت لتواصل مسيرتها... لكن الصدمة كانت بانتظارها.
فور أن التفتت، وجدت إلياندو واقفًا خلفها، وسيفه في يده، يراقبها بعينين متفاجئتين.
وضعت يدها على سيفها بسرعة، واستعدت لأي حركة، ثم سألته بنبرة حذرة:
– "ماذا تفعل هنا؟ لماذا لحقت بي؟"
أجابها بدهشة:
– "شككت في أمرك... فأتيت لأتأكد."
رمت نحوه نظرة واثقة، وقالت:
– "ليست كما تظن... لست خائنة."
– "إذن، كيف تفسرين هذا المنظر؟ هؤلاء رجال ڤارييل، أليس كذلك؟"
تلبّك وجهها للحظة، لكنها حافظت على ثباتها وأردفت بنبرة حادة:
– "أتريد أن تموت؟"
عقد حاجبيه، وابتسم بسخرية خفيفة:
– "ربما تموتين أنتِ... من يدري؟"
شدّت على أسنانها، وقالت بحزم:
– "ربما... لكن، حتى نحافظ على حياة كلَينا، يجب أن تتبعني دون أن تسأل عن شيء."
اضطر إلياندو لقبول الأمر، وتبعها، لكنه لم يتوقف عن مراقبة كل حركة تصدر منها، خاصة بعد أن رأى القتال الذي خاضته بحرفية مرعبة...
••
غربت شمس دومادارا للمرة الثالثة،
وكانت الفرحة تعمّ القصر، خاصة على وجه آليورا، التي انتظرت هذه الأيام بشغف منذ ولادتها.
اجتمع الجميع حول مائدة العشاء، يسودهم هدوء غريب.
ڨارييل كان غارقًا في التخطيط للهجوم،
آسينال علمت بشأن الحرب، وكانت علامات القلق بادية على ملامحها،
أما آليار، فكانت تراقبهم جميعًا بعين حذرة، وقد انتابها الشك بأنهم يخفون عنها شيئًا ما.
قطع هذا الصمت صوت آليورا وهي تسأل:
_ "ألن يأتي ألياندو؟"
أجابها خالها رافينت بنبرة حازمة:
_ "سيقيم مع صديقه."
رفعت حاجبها بدهشة وقالت:
_ "هل لديه أصدقاء هنا؟!... في دومادارا؟"
أجاب جدها ممازحًا وهو يبتسم:
_ "لا تقلقي، يا حفيدتي، ليس لديه بنات في حياته."
علت ضحكات الجميع...
إلا آليورا، فقد شعرت بنبرة الاستفزاز خلف كلماتهم، وسخريتهم أثارت غضبها، لكنها تماسكت، وتصرفت برزانة، وبدأت تأكل بصمت.
••
في تلك اللحظة، دخل آيدن برفقة راسيول إلى مملكتهم، والسرور يملأ أعينهما، فقد زال سوء الفهم أخيرًا.
شعر آيدن برغبة في إخبار أخيه عمّا يشغله مؤخرًا، لكنه تردّد، وفضّل أن يبقى ذلك السر بينه وبين آليورا فقط.
"سأمرّ على المكتبة قليلًا."
ردّ راسيول بنبرة لا تخلو من سخرية خفيفة:
"ألم تتحرر بعد من تلك المكتبة؟"
اكتفى آيدن بابتسامة عريضة، ثم انسحب بهدوء دون أن يرد.
داخل المكتبة، أخرج الرسالة الأخيرة من بين كتبه، وجلس يقرأ ما كُتب عليها مرارًا، فقد أُعجب بطريقة صياغتها الساحرة:
"استطعتُ أخيرًا رؤية جانبها الطفولي... لم تكن حينها تلك الفتاة القوية التي تخفي أنوثتها تحت الرداء الأسود وذرعها الحديدي، بل فتاة ناعمة... بريئة. رأيتُ خوفها... وفرحتها لحظة شروق الشمس..."
أغمض عينيه للحظات، واستعاد المشهد في مخيلته بدقة، قبل أن يهمس:
"بريئة... وفوق كل هذا، جميلة."
تذكّر نظراتها، وابتسامتها، وكيف تسارعت دقات قلبه آنذاك.
وقتها فقط، أدرك أن الوقوع في حبها سهل... لكن امتلاكها صعب جدًا.
••
دخل كلّ من إلياندو وسيفانور إلى مملكة عظيمة تقع في الضفة الشمالية لكليرالدا.
استقبلهما شاب ثلاثيني، طويل القامة، يرتدي زيًّا رماديًّا مختلفًا تمامًا، وذرعًا فضيًّا، وفي خصره سيفٌ معقوف غريب الشكل.
"تفضّلي حضرة الأميرة، جلالة الملك بانتظارك."
تجمّد عقل إلياندو عند هذه الجملة وسألها مذهولًا:
"أميرة؟! ألستِ خادمة؟"
تابعت سيرها دون أن تُعير فضوله اهتمامًا.
دخلت حجرة واسعة، مفروشة ببساط ملكيّ أحمر. نوافذها الزجاجية قصيرة تُغطيها ستائر بيضاء، وفي عمقها كان يجلس على الكرسي الملكيّ شيخ طاعن في السنّ، قد يتجاوز الخامسة والتسعين.
أسرعت سيفانور تقبّل يديه بفرح، وقالت:
"جدّي... هل أنت بخير؟"
أجابها بصوت واهن متقطع:
"بخـ... ير، بخير..."
وجّه نظره إلى إلياندو، ثم سألها:
"ومن هذا الغريب؟"
"متطفل، اكتشف سرّي."
كان إلياندو متصلبًا في مكانه، عالقًا في دوّامة فضوله، لا يفهم شيئًا. اقترب منهم وسأل:
"من أنتم؟ وما علاقتكم بآل ساكاراد؟"
رد العجوز بنبرة عميقة مُبهمة:
"نحن من سينهي الشر في دومادارا."
"ماذا؟! لا أفهم شيئًا... أخبروني من البداية، أرجوكم."
ردّت سيفانور بنبرة آمرة:
"ستعرف كل شيء، لكن قبل ذلك، عليك أن تقسم أنك لن تخبر أحدًا."
أقسم، دون تردد. بعدها انتقلوا إلى حديقة صغيرة خلف القصر، بعيدة عن الأنظار.
وهناك، جلست سيفانور، وبدأت تسرد الحقيقة بدلاً من جدّها المتعب:
"قبل كل شيء، اسمي الحقيقي هو هاركين، وليس سيفانور.
أنت تعلم أصل اللعنة، لذا سأختصر: دومادارا لن تهنأ أبدًا ما دام ڨارييل ومونويث في الحكم. إنهما أشرار، أنانيان، قلباهما مظلمان، مستعدّان للتضحية بأي شيء من أجل نفسيهما، حتى بعائلاتهما... ولهذا، قرر والدي أن يُغيّر شيئًا.
وأنا جزء من خطّته.
جئتُ إلى قصر آل ساكاراد ليس كخادمة، بل لأوقظ آليورا، فهي الوحيدة التي تستحق أن تعيش حياة هادئة... يستحيل أن تنعم دومادارا بالسلام ما دام هؤلاء في السلطة."
كان إلياندو يستمع لها بتركيز، يدقّق في كل كلمة... لكن شيئًا بداخله رفض تصديق القصة ببساطتها. شعر أنّ ما قيل له ليس إلا جزءًا من الحقيقة، وكأنه وُضع في مشهد مموّه كي يسكت فقط.
ورغم شكوكه... حاول التصديق.
وقفت هاركين، تودّعه، بعدما أخبرته أنها ستعود إلى القصر غدًا.
وبمجرد أن اختفى بين الأشجار، أسرعت إلى جدّها.
"لماذا لم تسمح لي بإخباره بكل شيء؟"
ردّ عليها، بعينين تغلب عليهما حكمة السنين وألم الشيخوخة:
"لأننا لا نثق، يا ابنتي... ربما يذهب ويخبرهم بما سمعه. الحذر أولى."
_"معك حق..."
♕
⚔️ انتهى⚔️
''في لحظة هدوء، يمكن أن يتغيّر كل شيء...
ربما تظهر حقيقة تقلب حياتك رأسًا على عقب،
أو خيانة تشبه طعنة خنجر،
أو ربما... مشاعر حب رفضتها لسنين طويلة''.