تلميحات غامضة
اقترب إيدن بخطوات حذرة، يخاطب آليورا بصوت خافت:
"آليورا... دومادارا في أمسّ الحاجة إلينا."
وجهت عينيها صوب عينيه بنظرات مترددة، ثم أردفت:
"لا يمكنني... لا يمكنني الوثوق بك."
حلّق فوقهما طائر أبيض، كأنه رمز سلام، بينما حاول إيدن إقناعها بأن تمنحه فرصة أخيرة.
ترنحت جانبًا، ثم قالت بصوت متردد:
"عدني بأنك لن تخيبني..."
"أعدك، ستكونين بخير... ودومادارا كذلك."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استيقظت آليورا على وقع تلك الكلمات، وهي لا تفهم شيئًا مما يجري. كل ما يشغل بالها:
كيف لي أن أراه؟ كيف يمكن لإيدن أن يظهر في أحلامي؟
أما هو، فقد استيقظ على نفس الحلم، يهمس لنفسه بتساؤل حائر:
"ماذا تفعل آليورا في حلمي... أو بالأحرى، كابوسي؟"
جلس قبالة النافذة، يتأمل الفراغ، لعلّه يلمح شيئًا يقنعه أن كل ما يعيشه مجرد وهم. لكن لم يجد سوى هضاب دومادارا الكئيبة تؤنّبه بصمت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وضعت كيارا، والدة إيدن، يدها على كتف زوجها بأسى، وقد جفّت دموعها من شدّة النواح على ابنها الملقى في الزنزانة.
"عزيزي... أعد ترتيب أفكارك، أرجوك... مرّت ستة أيام على الحادثة، وقد يموت..."
كان مونويث غارقًا في التفكير... هل يغفر لابنه؟ أم يتركه حتى ينضج عقله من جديد؟ ظلّ صامتًا لفترة ليست بالطويلة، ثم نبس:
"لا أعلم... أخشى أنني سأفقدهم واحدًا تلو الآخر. أخاف أن يتحول ولداي إلى أعداء... وأُجبَر يومًا على قطع رأسيهما بيدي."
عضّت كيارا على أظافرها تأثرًا بكلماته، ثم ردّت بنبرة مرتجفة:
"لا تتفوه بكلام كهذا مرة أخرى أمامي... كلنا نرتكب الأخطاء."
"لكن أخطاء كهذه... يجب تحمّل عواقبها."
"راسيول سيشعر بالظلم... وقد يكرهك بعدها. فكّر مليًّا."
انسحبت وتركته يغرق في كلماتها، التي باتت تجعله يشعر بأنه كان قاسيًا جدًا على ولده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في قلب دومادارا، دخل أحد رجال ڨارييل لينبئه أن عائلة زوجته أسينال ستمكث عندهم لبضعة أيام. كان ذلك الخبر كفيلًا بأن يجعل أسينال تحلّق كفراشة وجدت زهرة لتستريح فوقها، بينما كانت آليار تراقبها كمن يترصّد فريسته في سكون، ينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.
نعم، لقد كانت تحسد أسينال حتى على أبسط الأشياء... ربما لأنها محبوبة. أما هي، فقد فازت بكره الجميع منذ حادثة زفافها.
دخلت آليورا لتشهد سعادة والدتها، عانقتها بحرارة وقالت بحماس:
"وأخيرًا سيزورنا جدي! أنا متحمسة جدًا!"
"وأنا كذلك، لقد اشتقت إليهم."
نطقت آليار بخفة وهي تخاطب آليورا:
"سيأتي ابن خالك، إلياندو، أيضًا."
زفرت آليورا بعمق، وقد ابيضّت عيناها من الوقاحة التي تميز كلام عمّتها، لكنها لم ترد، بل بقيت صامتة تحاول تهدئة نفسها بشهيق طويل.
دخلت سيفانور، إحدى الخادمات الشابات في القصر، تحمل صينية الشاي الشفّاف الذي تشتهر به دومادارا. قدّمت لكل واحد كوبه، لكن حين وصلت إلى آليار، انزلقت الصينية من يدها وسُكب الشاي على ثوبها الجديد.
ثارت آليار غضبًا ورفعت يدها لتضربها، لكن آليورا تدخلت على الفور لتنهي المهزلة:
"هذا يكفي! هل تريدين ضربها حقًا؟! أهي عبدتك أم ماذا؟!"
صرخت آليار:
"أجل! سأحطم رأسها! انظري ماذا فعلت بثوبي!"
عقدت آليورا حاجبيها محاولة السيطرة على نفسها، ثم غادرت الغرفة بصحبة سيفانور.
"لا تبالي، أنت تعرفين كمية الخبث بداخلها."
لكن سيفانور لم تستطع كبح دموعها، فانفجرت قائلة:
"ليست هذه المرة الأولى! دائمًا تعاتبني على أشياء صغيرة... هل يحدث كل هذا لأنني لا أملك أحدًا؟ يا سيدتي..."
أخذت آليورا تمسح دموعها بأناملها برقة، ثم همست:
"لا تقولي هذا، أنا موجودة، يمكنك التحدث معي في أي وقت. أنا هنا من أجلك من الآن فصاعدًا."
ومن بين كل ذلك الأسى... ظهرت بسمة عريضة على وجه سيفانور، تلك التي اعتادت الإهانات بسبب يتمها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«كثيرًا ما أسمع عن "الطمأنينة"، لكنني لم أجربها أبدًا... كيف هي يا تُرى؟ أريد اكتشافها... أريد الهدوء. لقد سئمت من رؤية الدماء كل يوم، ومن فصل رؤوس الأشرار تحت كذبة "تحقيق العدالة"...»
«سيفنى عمري كله وأنا أسعى وراءها... كلما اقتربتُ منها، زادت سرعتها أكثر فأكثر. يقولون إن كل واحد منا سيحصل عليها يومًا ما... لقد سئمت من كل شيء... أريد طمأنينتي.»
ـــ آيدن كلاريارد_
كانت تلك الكلمات الصادقة قد خرجت من أعماق قلبه، تسللت إلى الورق بأنامله المرتجفة. وقتها كان في مكتبته، ملاذه الأثير وقت الضياع. قلّب صفحات كتبه القديمة لعله يجد شرارة تشعل فيه شغف الحياة من جديد.
إلى أن وجد عبارة شدّت قلبه، وأوقفت أنفاسه. لم تكن مجرد كلمات أعجبته... بل كانت مألوفة. عاشها.
قرأها مرارًا، وبتمعّن:
"استطعتُ أخيرًا رؤية جانبها الطفولي... لم تكن حينها تلك الفتاة القوية التي تخفي أنوثتها تحت الرداء الأسود وذَرعها الحديدي، بل فتاة ناعمة... بريئة. رأيتُ خوفها... وفرحتها لحظة شروق الشمس..."
توقفت نظراته عند تلك الأسطر، وسرعان ما جالت ذاكرته نحو آليورا.
وأخيرًا، تمكّن من صياغة السؤال الذي ظلّ يطارده:
"ما الذي يجري هنا...؟"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فرغ الجزء العلوي من الساعة الرملية تمامًا، وآليورا تستعد لاستقبال جدّها "ألهيدروس". ارتدت فستانًا بلون الكراميل، ووضعت تاجها المرصّع بقطع الألماس. واصلت تلميع نفسها حتى سمعت صوت أمها يناديها:
"لقد أتوا يا ابنتي... أسرعي!"
قفزت بسرعة، فقد انتظرت طويلًا حتى سئمت.
وعندما رأت جدها، ارتمت في حضنه، كأنها تراه لأول مرة.
كان يقف بشموخ، يزيّن رأسه تاج يدل على مكانته الفخمة. أزياؤهم المختلفة نالت إعجاب آليورا، فبدوا كمزيج من العراقة والقوة.
وقف بجانبه خالها رافينت، فتوجهت إليه لتحيّيه، ولكن ليس بنفس الحماس.
بعد فترة، التحق بهم شاب وسيم، في بداية العشرينات، ذو بشرة قمحية فاتحة، وشعر بني مموج، وعينين بلون العسل العميق. كانت على شفتيه ابتسامة خفيفة وهو يرى خالته، وتجاهل آليورا تمامًا، مما أشعرها بالاشمئزاز... لكنها لم تُظهره.
"خالتي العزيزة، وأخيرًا!"
"آه، إلياندو... كم اشتقتُ لرؤيتك!"
اقترب إلهيدروس من ابنته، فتح ذراعيه وقال بحرارة:
"تعالي لأبيكِ يا فتاتي..."
هرولت إليه أسينال، ودموعها تطرد الحنين من عينيها.
بعد انتهاء الاستقبال، دخلوا إلى الحجرة الملكية الواسعة، بمقاعدها الفخمة، ونوافذها الممتدة على طول الجدران...
عم قليل من السكوت إلى أن قطعه ڨارييل بصوته البح: "أتمنى أن تجدوا راحتكم في مملكتي.. "
صوب إلهيدروس نظره بإتجاه إليار ثم إستطرد قائلا: "بالرغم من أنني على دراية تامة أن هذا مستحيل إلا أنني أتيت من أجل أبنتي وحفيدتي... "
تغيرت ملامح الجميع وكل واحد منهم ينظر إلى الآخر ، أما إليار كانت بداخلها شرارة غاضبة تتهيؤ للإنفجار.
استأذنت إليورا بحجّة التدريب.
أومأ والدها بالموافقة، فخرجت مسرعة نحو الباب، لكن وجهتها لم تكن ساحة التدريب كما ادّعت، بل إحدى الأزقة الهادئة في شوارع دومادارا، برفقة صديقتها الجديدة، سيفانور.
قالت إليورا بابتسامة عريضة وهي تلوّح بذراعها:
"سنشتري الكثير من الفساتين يا سيفانور، ملابسي أصبحت مملّة وبالية!"
أجابت سيفانور بخجل:
"بالطبع... سيدتي."
رفعت إليورا حاجبيها ونظرت إليها بتأنيب لطيف:
"أوه! لا تقولي سيدتي بعد الآن... لا تفسدي هذه اللحظة."
"اعذريني، لست معتادة بعد..."
ترددت للحظة، ثم أضافت بصوت خافت فيه بعض القلق:
"لكن... ألن يغضب السيّد ڨارييل لأنك خرجتِ دون علمه؟"
ضحكت إليورا بخفة وهي تدفع خصلةً من شعرها جانبًا:
"كم أنتِ قلقة يا سيفانور! انسَي القصر وكل مَن فيه الآن."
تابعَتا جولتهما بين الأكشاك والواجهات الملوّنة، تتنقلان بين قطع الأقمشة والعطور، حتى توقّفت إليورا لتتفحص فستانًا بلون زمردي...
لكن قبل أن تلمسه، اصطدم بها رجل غريب، طويل القامة، مغطّى برداء أسود ثقيل يخفي وجهه بالكامل.
وقبل أن تلتقط أنفاسها، همس لها بصوت خفيض، خشن، وبنبرة باردة ارتجف لها قلبها:
"الجميع مخادعون... هو وحده من يستطيع حمايتك منهم."
تجمدت إليورا في مكانها، شاردة، تنظر إلى حيث اختفى الرجل وسط الزحام. عيناها متسعتان، وصوت قلبها يدقّ باضطراب.
"سيـ... سيدتي، ما بك؟!" سألت سيفانور وهي تقترب منها بقلق.
التفتت إليها إليورا ببطء، وهمست:
"ألم تسمعي ما قاله؟"
رمشت سيفانور بدهشة:
"قال شيئًا؟ لا، لقد اصطدم بك ثم رحل دون أن ينطق بكلمة!"
عقدت إليورا حاجبيها ببطء، وقد بدأ الشكّ يتسلل إلى قلبها...
هل ما سمعته كان حقيقيًا؟ أم مجرد صدى لاضطرابها الداخلي؟
،،،،،،
في تلك اللحظة كان آيدن على حافة الجنون تماما، حائر لايعرف مايفعل، لا يرغب بشيء سوى معرفة الحقيقة، معرفة من يلعب معه لعبة الألغاز تلك، فكر وفكر وفي الأخير قرر مشاركة آليورا الأمر لأنه شعر أنها مستهدفة بهذه التلميحات أيضا. تردد قليلا لكن لم يكن باليد حيلة، وفي الأخير جلس يفكر كيف سيصل إليها، كتب رسالة وأعطاها لطفل صغير كي يوصلها لها.
امسكت سيفانور الرسالة وأوصلتها لإليورا التي كانت تستعد لأخذ قيلولة بعد عناء السوق،
_"وصلت رسالة أخرى ياسيدتي: "
إنتابها الفضول حول طبيعة الصدمة التي ستكتشفها، طلبت من سيفانور الخروج، وفتحت هي الخيط الاحمر الذي إلتف على الرسالة.
«قابليني أمام البحيرة الكبيرة....لا تأخذي وقتا،الامر خطير»
هذه المرة لم تفكر في شيء، همت بالخروج، كل همها أن تعرف من المرسل الذي يحرك أعصابها.
وصلت للمكان المذكور في الرسالة، بحيرة كبيرة وسط الغابة تحيط بها ورود صفراء كثيرة، هواء نقي شرح صدرها ليخفف عنها خوفها، صارت تلعب بنظراتها نتفحض المكان، فجأة سمعت صوتا تألفه يحدثها من وراءها: "أتيتي إذا... "
إلتفتت إذ به ينظر لها نظرة غريبة، لاتعلم الى ماتوحي. المهم نظرة لا تبشر بالخير.
ساد الصمت بينهما للحظة لكن عينيهما لم تزح من مكانها. بعد فترة تحررت اليورا من جاذبيته التي سحقتها ثم قالت بغضب: "إذن أنت المرسل.. "
_"أجل أنا من طلبت منك القدوم"
_"وهل تشير ألى أنك لم ترسل رسائل اخرى "
رمشت عينيه مطولا ينتظر إنسحاب الكلام من فمها دون أن يتعب لسانه.
لكنها شعرت بالاستفزاز: "هل جلبتي هنا لتصمت، "
_"لا بل لكي انهي هذه المهزلة. "سكت لبرهة ثم مد يده نحوها و إستأنف حديثه:" أريني الرسائل التي معك: "
_"لم أحضرها معي... "
_"غبية! "
_"مهلا، مهلا، كيف لك أن تخاطبني هكذا "
_"أتحدث معكي كيفما أشاء"
_"أحمق، مغرور"
_"لم آتي هنا لنتناقش في مواضيع صبيانية، مامحتوى الرسائل"
كانت اليورا تود لو تخبره بكل شيء لكي يساعدها في إيقاف رعيها وفضولها لكن معظم الرسائل كانت عن حب غامض، كيف لها أن تخبره بشيء كهذا، فهي خجولة جدا...؟