⚔️نذُࢪْ⚔️
بعد 25 سنة:
كان بعض الناس قديماً يطلقون اسم "قلب دومادارا" على قصر آل ساكاراد، ذلك القصر الرمادي الكئيب الذي تكسوه الأشجار الكثيفة الخضراء المنسدلة على جدرانه، وتزين نوافذه الفخمة ستائر بنفسجية، توضع على كل واحدة منها باقة من الورد الأسود النادر. تحيط به حديقة واسعة مخصصة لتدريب الرجال استعدادًا لأي حرب طارئة.
وسط هذا السواد والكآبة التي يبثها القصر، بُنيت غرفة بيضاء، كانت الحياة تتنفس من نوافذها، وتغرد الطيور أمامها باحثة عن حنان صاحبتها. زُينت الغرفة بأزهار الياسمين التي تنتظر شروق الشمس منذ زمن بعيد. كل من يمر بالباب العملاق يرى بوضوح ختمًا كتب على الجدران بخط عريض: "أليورا الصغيرة".
وقفت أمام مرآة بيضوية ذات إطار ذهبي، تمشط إحدى خصلات شعرها البني الطويل وتتأمل ملامحها الطفولية. كانت تمتاز بعينين عسليتين على خلاف باقي أفراد عائلتها، وبوجنتين ورديتين ممتلئتين، وأنف صغير حاد، وفم تتقوس شفته العلوية بشكل زاد من جمال ابتسامتها.
في تلك الأثناء، طُرق باب غرفتها، فوضعت المشط على طاولتها الصغيرة وذهبت لفتحه. ابتسمت حين رأت الزائرة: "هيزل؟"
كانت هيزل أختها الكبرى، في الرابعة والعشرين من عمرها، طويلة القامة، ذات بشرة سمراء وعينين رماديتين. استطاعت أليورا أن تقرأ القلق والذعر في وجه أختها، وضوحًا كالشمس التي لطالما سمعت عنها دون أن تراها؛ فالشمس بالنسبة لها لم تكن سوى أسطورة.
جلست هيزل على أريكة بنفسجية قاتمة مزخرفة برسومات غريبة، ثم قالت بقلق يتصبب عرقًا: "يجب عليكِ مساعدتي على الهرب مع راسيول."
جمعت أليورا حاجبيها بدهشة: "ألازلتِ مصممة على ذلك؟ هذا مستحيل."
بلعت هيزل ريقها، وغرزت أظافرها في شعرها القصير بغضب: "أرجوكِ، أنت تعلمين كم نحب بعضنا، ساعديني هذه المرة فقط."
قالت أليورا وهي تنهض وتتجه إلى النافذة: "أنتِ تطلبين الموت، يا هيزل. أتظنين أن ما رواه والدنا مجرد خرافة؟ في دومادارا، لا يوجد حب، بل موت."
تبعتها هيزل وأغمضت عينيها لتستنشق الهواء، ثم أردفت: "أنا متأكدة من أن حبنا حقيقي، لكن ما ذنبنا؟ هل لأننا من آل ساكاراد؟"
_"نعم، كوننا من هذه العائلة، نحن مجبرون على تحمل كل شيء."
شددت هيزل على يد أختها وقالت: "تحملي وحدك. حتى لو كنت سأُجر إلى الهاوية، فسيكون راسيول معي وهذا كل ما أريده."
تركت الغرفة قائلة بنبرة حزينة: "وداعًا، أليورا. وداعًا إلى الأبد."
في الجهة الأخرى، بمملكة آل كلاريارد، كان راسيول يتكئ على شجرة ضخمة ويكتب رسالة وداع لأخيه الأصغر، آيدن، وقلبه يرتجف:
"أخي العصبي، شكرًا لوجودك دائمًا دون أن تزعجني. كنت أنوي كتابة كلمات تصف حبي الخالد لك، لكنك تعرفه جيدًا. أبشّرك، أصبحت الوريث الوحيد لعائلتنا. لا زلت عند رأيي: سأهرب مع هيزل، ربما نعيش، وربما تقتلنا تلك اللعنة. لا أريد أن أكتب أكثر كي لا تبتل عيناك الجميلتان. وداعًا، آيدن. وداعًا، أخي العزيز."
ترك الرسالة في مكانٍ لا يدخله أحد سواه، وتمتم: "كنت أريد البقاء... لكنكِ يا دومادارا سرقتِ مني السعادة التي لم أذقها يومًا."
حلّ الليل، واجتمع آل ساكاراد حول مائدة العشاء، مزينة بشموع، وصوت الأطباق يملأ المكان. جلس ڨارييل وزوجته أسينال، وأليورا بينهما، تضع كفها على خدها بشهية منعدمة.
وهمست لها أسينال : "أين هيزل و عمتك؟ "
إحتفظت أليورا بوضعيتها وهزت كتفها بلامبالاة.
تمتم ڨارييل بإنزعاج: "لم يتعلموا حتى أبسط العادات "
نهضت أليورا بعدما سئمت من تعابير الجميع وتوجهت إلى غرفة أختها لتطمئن عليها،
طرقت الباب لكن لم تتلقى أية إستجابة ففتحته بنفسها لأنه لم يكن موصدا بإحكام، لم تجدها وصارت تحوم حولها فكرة واحدة كانت تهابها أكثر من أي شيء آخر، هزت رأسها لكي تنثرها بعيدا ثم هرولت خارجا.
وجدت عمتها متصلبة تراقبها بكل خبث.... تشابكت حواجب أليورا مستغربة لطباع عمتها الشريرة التي كانت سبب كل شيء ثم زمجرت بغضب: "مالذي تفعلينه هنا"
_"هل هربت أخته الطائشة؟ "
غرزت نظراتها الحاقدة لكنها لم تردَّ عليها كي تحافظ على إحترامها المفروض عليها .
لكن عمتها واصلت حديثها المستفز: "بما أنك سكت فأنت من ساعدتها على الهروب ،.. على ما أعتقد أخي لا يعرف... "
إتسعت عينا أليورا متجاهلة إتهام الأخرى لها وكل مايهمها الآن هو كتم هذا السر ،ثم اغمضت عينيها لكي تبعد كبرياءها وغضبها وتوسلتها أن تسكت حتى لا يدري ابوها بالأمر، لكن دون فائدة فعمتها سيدة خبيثة تسعى دوما لإشعال النيران ولو بعود ثقاب.
ذهبت مسرعة لتنشر خبر الفرار لأخيها الذي لازال ينتظر نزول إبنته. وتبعتها أليورا محاولة إيقافها.
علت صرخات آليار قائلة: "لقد هربت ياأخي، هربت مع عدونا "
لم يفهم الآخرون أي شيء مما تقوله.
نهض ڨارييل ملقيا الكرسي الضخم بعيدا ثم سألها بحكمة: "مالذي تقولينه، من هربت؟ "
على صوت أليورا قبل صوت آليار: "إنها تكذب يا أبي، لم نتأكد بعد"
_"أنك متأكدة أنها هربت مع راسيول، لكنك تضببين الأمر عن والدك. "
ثم اقتربت من اخوها وصاحت بخبث: "هيزل، تحب راسيول"
ثار ڨارييل غضبا ثم وجه لكمة قاسية على الطاولة وقال مخاطبا أليورا: "كيف حدث هذا، كيف سمحتي لها"
إخترق ذلك الصوت ضلوعها الهشة، لم تعرف ماتقوله، لكن ما هي متأكدة منه أنها بريئة من هذه التهم، شعرت بالظلم الشديد فماذنبها، لماذا يغضب منها الجميع عند حدوث مشكلة ما ؟!.
صمتت بعدما أغرورقت مقلتيها بالدموع الصافية، ثم إرتمت إلى حضن والدتها تحاول إقناعها أنها لاتعلم شيئا.
في تلك اللحظة كان هيفروس قد أعطى تعليمات البحث عن إبنه وحبيبته ،فالخبر إنتشر كالصاعقة.
نعم،هذه هي الحياة في دومادارا.
شرع رجال قلال في تهيئة سيوفهم لتنفيذ أوامره، بينما كان أيدن في غرفته يتطلع على رسالة أخيه للمرة المليون.
إستلقى على السرير وإلتزم الصمت بالرغم من الفوضى التي بداخله ، لم يكن يشعر بشيء سوى بالغدر من راسيول،
_"كيف له أن يخون عائلتنا؟! هل الحب أغفله عن حقيقة هيزل وعائلتها ؟. "
دخلت أمه وقد تلبسها الخوف والذعر ، وعندما لمحت إبنها فتحت حضنها ليرتمي بداخله بكل أسى، ثم إنفجرت قائلة: " لماذا فعل راسيول هذا بي، لماذا، ألم يفكر بما سيحل به أبدا، كيف سأعيش بدونه يا آيدن"
أمسك بيد والدته المرتجفة ورد مهدئا إياها: "سيكون بخير، أعدك"
ثم تحرر من عناقها الذي كاد يخنقه، كأنها تحاول إبقاءه كي لا يفعل مثل الآخر.
وقفت بسرعة لتسأله:" إلى أين أنت ذاهب؟ "
أجابها وهو يرتدي زي المعركة الحديدي: "لأرجعه لحضنك "
_"لا... لا تذهب، سيفعل والدك اللازم، "
أخذ سيفا كان معلقا على الجدار و قال: "عندما يعلم آل ساكاراد بالوضع لن يتركوه حيا، لذلك إبقي هنا وإدعي الله أن أصل إليه قبلهم"
قبل جبينها ثم إنصرف بعدما جاء احد الحراس لمناداته.
ونفس الشيء بالنسبة لآل ساكاراد حيث إجتمع أفراد القصر في الساحة يفكرون في طريقة لإيجاد هيزل قبل الآخرين....
إرتدت أليورا لباسها الأسود الجلدي الذي يعكس قوتها ويخفي أنوثتها وحملت سيفها المميز الذي صنع لها خصيصا والذي ستستعمله لأول مرة لأنها أفنت عمرها وهي تتدرب على سيف هش.
ركبت حصانها الأسود بكل ثقة وراحت تبحث عن أختها بعدما كلفها والدها بهذه المهمة كعقاب لها. وكان يلحق بها 7 رجال قصد حمايتها. حيث بدؤوا البحث من دومادارا وعندما لم لم يجدوا لهم أثر تعمقوا إلى مناطق أخرى.
أمام إحدى البحيرات في منطقة تُدعى "آلفارينوس"، التي لا تبعد كثيرًا عن دومادارا، أوقف كل من راسيول وهيزل خيليهما ليرتاحا قليلاً.
مدّت هيزل يديها نحو المياه الصافية، راحت تغسل وجهها ويديها، بينما كان راسيول يراقبها بصمت، يتأمل ملامحها دون أن ينبس بكلمة.
ما إن انتهت، حتى التفتت إليه وأردفت بصوت خافت يحمل حزناً دفينًا:
_ "أستطيع سماع نبضات قلب أمي الخائفة، وصوت أبي الغاضب، وأختي البائسة..."
لفّ ذراعه حول عنقها بلطف، وأسند رأسها على كتفه، ثم همس:
_ "لا تفكري، حبيبتي... عندما نصل إلى ماوينالا، سننسى كل شيء. أعدك."
ماوينالا... تلك المدينة التي لطالما سكنته قبل أن يسكنها، حلم بناه راسيول حجراً حجراً منذ أن كان مجرد صبي صغير.
لكن... لم يمهلهم القدر.
رنَّ في أذنيه صوت خيول قادمة من بعيد، فارتبك، وانقلبت ملامحه في لحظة، حتى شعرت هيزل بالقلق يتسلل إليها.
أمسك يدها بقوة وهمس بنبرة صارمة:
_ "علينا أن نرحل، الآن!"
_ "ما الذي يحدث؟!"
_ "لا وقت للشرح... اركبي جوادك واتبعي خطواتي."
ثم انطلقا، وقد هجرت الطمأنينة صدريهما، وراحا يفرّان نحو المجهول، بينما خلفهما... كانت اللعنة تقترب.
كانت الأرض تعجّ بأوراق الشجر المتساقطة رغم أن الربيع ما زال في ذروته، أشجار شاهقة لا تنبت إلا في هذا المكان العتيق، وخرير ماءٍ ينساب بصوت خافت لا يتوقف.
وفي عمق هذا السكون المشؤوم، كان آيدن يدفع حصانه بجنون، يجلده ليلحق بهما، وقلبه يضج بالأسئلة:
هل سأصل قبلهما؟ هل سينجوان؟ أم أن الكارثة واقعة لا محالة؟
وفجأة... لمح ظلالاً تتحرك بين الأشجار. كانت خيولهم!
شدّ قوسه وسحب سهماً واحداً، ثم أطلقه بقوة لا يعرفها إلا الغضب.
انغرز السهم في كاحل حصان راسيول، فصدر عنه صهيل مفاجئ، خشنٌ ممزق، مزّق صمت الغابة كطعنةٍ من قلب الليل، ثم خرّ على الأرض، جارفًا صاحبه معه.
تجمدت هيزل، ثم شهقت بقوة وكأن قلبها توقّف، وقبل أن تفكر، قفزت من على خيلها وركضت نحوه، تبكي كمن انهار عالمه:
"راسيول!! حبيبي!!"
كان راسيول يتألم من ارتطامه، لكن صوته بقي هادئًا:
"أنا بخير، لا تقلقي..."
رفع رأسه، ليصطدم بعيني أخيه...
آيدن.
كانت نظراته قاسية، كأنها نُحتت من حجارة الاتهام:
"ظننتك مختلفًا يا راسيول... لكنك اخترت أن تكون مثلهم. تهرب بدل أن تواجه."
نهض راسيول بصعوبة، وتقدم خطوات بطيئة ثم مدّ ذراعه ليحمي هيزل، كأن جسده درعها الأخير، وهمس بصوت متعب:
"وأنا ظننتك ستفهم... لكنك ما زلت سجين قفص العائلة يا آيدن."
آيدن:
"هيا... أتركها وتعال. نعود قبل فوات الأوان."
راسيول:
"لن أعود... قل لأبي أنني مت، أو اختلق له كذبةً تريحه. لكنني لن أعود."
اقترب منه آيدن، قبضتاه ترتجفان، وقال بشبه رجاء:
"لا تكن غبيًا! تعال قبل أن يحدث ما لا تُحمد عقباه."
لكن قبل أن يُتمّ كلمته...
خرجت أليورا من بين ظلال الأشجار، يتبعها رجالها، وحين وقعت عيناها على أختها، تسارعت خطاها واحتضنتها بقوة، تشدّ عليها وكأنها تعاقبها بالعناق، ثم شهقت بغضب:
"لماذا فعلتِ هذا، يا هيزل؟!"
رفعت هيزل رأسها ببطء، وعيناها دامعتان:
"لأني أحببته... وهذا كل ما أملكه."
ترنحت أليورا جانبا، وعندما التقت عيناها بعيني آيدن، حدث ما لا يمكن تجاهله...
نظرة نارية، وشرارة حرب أخرى اشتعلت في لحظة. وأثناء تبادلهما لتلك النظرات المشحونة بالكراهية والخذلان، دوّى صوت احتكاك معدني قاطع، كأنه صرخة سيفٍ أنهى صمت المواجهة.
التفتت أليورا بحدة، والدهشة تتراقص في عينيها، فإذا بأحد الرجال يرفع سلاحه قائلاً بغضب:
"سيدتي! لا يمكننا ترك هذا الفتى يرحل... إنه من نسل أعدائنا. أنتركه وراءنا؟!"
ضغطت أليورا شفتيها بقوة، تخشى أن تنفلت من بينهما كلمات الغضب المتراكمة، ثم قالت بحدة:
"من أنت حتى تُملي عليّ ما أفعل؟!"
رد بتوتر:
"أنا آسف... لكنها أوامر الملك، وأنا مضطر لتنفيذها."
ثم، دون إنذار، اندفع نحو راسيول بعزمٍ، سلاحه يلمع كأنه يبحث عن ضحية جديدة.
لكن هيزل، التي كانت تراقب عن بُعد، شعرت بالخطر قبل الجميع، وقفزت بكل قوتها في وجه الضربة، دون أن تتردد...
اخترق السيف صدرها بثقل، فتوقفت في مكانها، ثم تهاوت ببطء، كما لو أن الزمن توقف احترامًا لتضحيتها.
عمّ الصمت، كأن الغابة نفسها احتبست أنفاسها.
اتسعت عينا أليورا، وقلبها كاد ينهار وهي ترى أختها تتهاوى. الكلمات تعثّرت في حلقها، وارتجف صوتها من الصدمة.
أما راسيول، فقد تجمد في مكانه، الدم جفّ في عروقه، ونبضه تبعثر.
كل شيء توقف... سوى ألمه.
في الجهة الأخرى، وقف آيدن بلا تعبير، وعيناه لا تبديان أي دهشة. بل، في أعماقه، شعر أن ما حدث أنقذ شقيقه من مصيرٍ أسوأ.
اقترب بخطوات باردة، أمسك براسيول من ثوبه وقال بهدوءٍ قاسٍ:
"إنهض...هذه ليست النهاية بعد."
كسر صوت أيدن جدار الصدمة في قلب أليورا، فحدّقَت فيه بعينين تشتعلان وجعًا وكرهًا
: "كيف تجرؤ على قول ذلك؟! كيف لا تكون النهاية وقد سلبت مني أختي قبل لحظات؟!"
أدار وجهه نحوها، صلبًا كالجليد، وقال ببرود:
"وما شأني بأختك؟ لم تكن سوى خطأ آخر في هذه الحرب."
لم تتمالك نفسها، اندفعت نحوه تضرب صدره بكفّين ترتجفان من الألم، وصرخت بحرقة:
"اللعنة عليك... وعلى دمكم البارد! ذات يوم، سأجعل دمك يراق بيدي، وسأمزّقك كما مزقتم قلبي بكلماتك هذه:"
"احفظ هذا الوجه جيدًا، يا آيدن... فحين نلتقي مجددًا، لن يكون بيننا سوى دماؤكم."
.