دَجران
الشاب كان قد وقف بثبات، يده اليسرى تمسك بالخنجر، لكن أصابعه كانت ترتجف
كأنها تدرك أنها تمسك ما لا يجب أن يمسك
ظهره إليهم، ورأسه مائل إلى جانب واحد، كأنه ينصت
إلى شيء لا يسمعونه
ضرغام مد يده ببطء نحو الأم و أبعدها إلى الخلف دون أن ينظر إليها، وأردف بصوت منخفض
"لا تقتربين أبد"
عيناه لم تبتعدا عن الولد كان يعرف أن هذا الصمت
الذي يسبق الأنفصام الانساني
سراج تقدم منه نصف خطوة ثم توقف
حدق في الخنجر، لم يكن عادياً
ليس فقط من لونه، ولا من نصلِه الطويل النحيف بل من الكتابه المنقوشه على جانبه
"من الدم تُفتح الأبواب" وهمس لنفسه
"وين شايفه!"
كان قد لمح هذا الخنجر في أحد الكتب التي ورثها من والده، لم يكن غريباً عليه ولا حتى الكلمات الي حفرت على نصله الحجري الأزرق، وبالتأكيد هو ليس من صنع البشر فتلك الكتابه، لا تشبه أي من الكتابات التي أخترعها الأنسان
منذر شعر بشي قبل أن ترى عيناه، أرواح سوداء تطفو حول الولد لا على جسده، بل داخله تخرج وتدخل وتصرخ بكلمات، هذا المنتظر هذا المنتظر، نظر ناحيه ضرغام وأردف بصوت جامد
"إذا طعن نفسه الباب يفتح، يعتقدون هذا هو المنتظر"
شتم باسل بصوت خافت، وخطا نحو الولد، لكنه توقف فجأه، رفع الولد رأسه وأردف دون أن يلتفت
"خطوه ثانيه وتصير أنته بدالي"
نقطه صغيره من السكون انفجرت، وكل ما حولهم بدأ يهمس، كأن الحيطان تتنفس، كأن أحدهم خلف الجدار يستمر بالضرب والهمس، بشكل متتالي دون انقطاع
"دع الدرب يعود، أطعن ودع الدرب يعود"
الأم، من بعيد، كانت تبكي بصوت مخنوق والرعب واضح على ملامح وجهها، لكنها لم تتبعد اَ تتحرك او تهرب، بقيت واقفه تنظر الى أبنها والدموع تبلل كامل خديها
"حبيبي يوسف استهدي بالرحمٰن يمه، شدسوي بروحك"
لكن صوتها لم يصله، رفع الولد يده، وجعل الخنجر يلامس صدره
غزى الذعر كامل وجوههم وصاح ضرغام فجأه، بصوت عال
"اذكر اسمك!"
أرتجفت يد الولد والتف ناحيه صراخ ضرغام، كان يحاول تهدئته وأن يجعله يذكر أسمه ومن هو، فأحد نقاط ضعف الجن والعفاريت هو تذكر المتلبس بمن هو
"اذكر اسمك!"
"اذكر اسمك!"
"اذكر اسمك قبل لا ياخذوك!"
نظر الولد لضرغام ويداه ترتجف بكثره وهمس
"مـ ـهند"
ثم سقط على ركبتيه واوقع الخنجر على الأرص
كان يبكي بهستيره وارتجاف
ركض ضرغام إليه واحتضنه، وغطى كامل وجهه مهند في صدره ليردف
"ما أريد أموت بس هو قال إذا ما أفتح الباب، راح ياخذ أمي بدالي"
سراج اقترب ببطء، والتقط الخنجر بقطعة قماش،
ثم نظر إلى نقش جديد ظهر على نصلِه
"واحد فشل لكن المنتظر لا يفشل"
منذر أغلق عينيه وعاد لفتحها ليرى ظلالاً بعيده
تمشي وسط ضباب، جاء من العدم، يتوسطها ضلاً اسود بكثير من بقيه الظلال ، وكل الأرواح الملتفه حوله صارت تصيح باسمه
"علي… علي… المنتظر قادم!"
اكتفى منذر بالنظر ناحيه الظلال وهيه تختفي حتى اعاد بنظره ناحيه ضرغام ومهند
اقتربت والده مهند وضمته بقوه واصبح ملهما يبكي فالايام التي ذهبت لم تكن بسهله عليهم،
وقف ضرغام، ونظر إليهم واحداً واحداً ثم أردف
"مهند مو الأخير"
ثم أكمل بهمس
"لازم نلاگي علي قبل لا يلاگونه قبلنه"
كان البيت صغيراً لا يزيد عن ثلاث غرف، وممر ضيق، وإضاءه دافئه باهته، كان كل شيء فيه قديم لكنه يحتفظ بأرواح من سكنوه
لم يكن بيتاً حقيقياً، او شيء يدعونها منزلاً، بل اتفاق غير منطوق بينهم أن يعودوا إليه بعد كل مهمه
أن يسقطوا فيه، يتنفسوا، ويصمتوا
ضرغام كان ينهض أولهم، يعد الشاي بنفس الخطوات، لا يغير منها شيئاً يراقب الغليان لكن، عقله بمكان أخر
ثم يسكبه بهدوء، ويضعه على الطاوله ويترك فنجانه، دون أن يشربه
هو لا يقول إنه خائف، ولا يعترف بأنه متعب، لكن طريقة جلوسه، وانحناء كتفه، كافيه لتقول
مالذي أدخلني في هذا العالم؟، كيف غرقت به هذا
منذر لا يبقى في غرفته طويلاً يتجول في البيت يلمس الجدران ويتأمل النوافذ، كأنه يحاول أن يتأكد أن لا تختبئ فيها أعين أخرى
لم يخبر أحداً عن الأصوات التي يسمعها قرب الفجر
ولم يسأل أحدهم عن وجهه الشاحب كل صباح
كلهم يعرفون، لكن لا أحد يملك الشجاعه ليفتح فمه
سراج يعيش بين كتبه في ركن في احدى الغرف الثلاثه في المنزل، كومه دفاتره، أوراقه، وتعاويذ اجداده القديمه، حتى رائحتها صارت جزءاً من جلده
لكن مؤخراً، بدأت أصابعه ترتجف وهو يكتب وبدأ ينسى ترتيب الآيات القرآنيه، ويتردد في قراءه أسماء كان يحفظها
كلما واجه المرايا الموجوده في الغرفه، تجنب النظر لها، كأنه يخشى أن يرى خلفه أحداً يعرفه جيداً
لكنه لم يلتقه من قبل
باسل كان يبدو الأقوى يضحك، يمزح، ويسهر،
ويلعب الورق مع منذر، ويتصنع اللامبالاه
لكنه لا ينام دون أن يقرأ شيئاً صغيراً من القرآن
ولا يخرج من غرفته دون أن يلمس الخرزه الزرقاء على معصمه
ذات مره، دخل عليه ضرغام فجأه ووجده يبكي
لم يقل له شيئاً فقط رجع للخلف، وأغلق الباب بهدوء، كان يعلم أن هذا البكاء لم يكن خوفاً بل شيء اخر اشبه بالاشتياق لشخصاً ما شخصاً يعرفه جيداً
كانت علاقتهم مثل الجروح القديمه لا تنزف، لكنها تؤلم إذا ضغطت عليها
إذا ضحك أحدهم نظر إليه الثلاثه بدهشع
كأن الفرح صار حدثاً نادراً، وكأنهم يخافون أن يكون علامه على انهيار قادم
في إحدى الليالي، اجتمعوا حول الطاوله الخشبيه في الصاله، النافذه نصف مفتوحه، والهواء ساكن
لم يتحدث أحدهم أولاً، لكن منذر، دون أن يرفع عينيه، وهمس
"شراح نسوي هسه، وين نلگه علي هذا؟"
ضحك باسل، لكنه لم يعلق اكتفى بالنظر ناحيه ضرغام بهدوء
دلك سراج ما بين حاجبيه بأصابعه بخفه وأردف
"الي جاي يحچون عليه مو جني، ولا حالة تلبس، گلبت الكتب يمكن فوگ العشر مرات وملگيت حل، بس.. السچين الي چان عند الولد مصنوع قبل الهجره من جن مملكه الصوف، وهذله كفرهم ما واصله النمرود نفسه"
ضرغام كان يستمع لكل كلام، ثم أردف بصوت منخفض
"الحيطان صار الها عيون"
تبادلوا النظرات في بينهم ولم يسأل أحد منهم "شقصدك شنو يعني" جميعهم فهموا مقصده
مرت بضع ثواني كان الصمت هو موضوعها حتى بدأت خرزه باسل الزرقاء تدور ببطء دون أن يلمسها أحد
التفت الجميع ناحيه الغرزه لكن لم يقل احداً شيء فقد استمروا بالنظر لها، حتى نهض ضرغام من مكانه واختفى خلف باب احدى الغرف تاركاً الثلاثه خلفه بضياع
كانت الساعه تمشي ببطء في ذلك اليوم
والنهار، رغم ضوئه، بدا كأنه ثقيل أشد ظلمه لهم
سراج كان يراجع بضع آيات من سورة "طه"
لكن ذهنه ظل يعود إلى الجمله التي قالها الولد في آخر حاله واجهوها <علي>
"علي"
اسم لا يحمل دلالة كامله بعد، لكنه يُقلقهم أكثر من أي شيء قابلهم في السابق
توارى لمسامعه رنين الهاتف في البيت، فنهض من مكانه وخرح من الغرفه ليرى باسل قد رد عليه بصوت هادئ وهو يشر لهم بيده بأنه رقم غريب
"تفضل"
كان صوت الرجل على الطرف الآخر مليئاً بالقلق
"السلام عليك أنتو تطردون الجن؟"
سكت باسل للحظه ثم أجاب بحذر
"إي، يمكن منو حضرتك؟"
ثواني مرت حتى عاد صوت الرجل من سماعه الهاتف ليردف بنبره قلقه
"اسمي فاضل.. ما أعرف شلون أحچيها، بس عندي اخوي اسمه علي صار له فتره متغير، بس مو ذاك التغيير العادي"
اقترب الآخرون من الهاتف وضرغام اسند يده
على حافه المنضده وقرب أذنه من رأس باسل، لتصبح أذنه مواجه لسماعه الهاتف من جه وأذن باسل من جه أخرى
أشار له ضرغام بأن يسأله ماذا تقصد بتغير لينظر له باسل ومن ثم يردف بنبره تسائُل
"شنو تقصد بتغير تحديداً؟"
أبتلع فاضل ما في ثغره ومن ثم أجاب
"صار ما يحچي، ما يضحك، ما يرد السلام حتى، ولا يطلع مت غرفته عينه صايره سودا، سودا كلش
ويظل يباوع لزاويه الغرفه ساعات، ويحجي وي شخص ما موجود، صارله اسبوعين على هاي حالته وما يرضى يحجي وي احد حتى اقربنه اله"
سكت قليلاً ثم عاد ليكمل
"والله العظيم، شفته مره يگعد يضحك وحده، ما چان اكو احد بالغرفه وحتى تلفونه مجان بيده اصلا صار ما يستعمله، وأمي مره شافته يحجي وي روحه بالمرايه بس دگول مجان هو جان هو يتحرك شكل والي بالمرايه يتحرك بشكل ثاني وهو يباوع عليه والمصيبة؟ ما ينفك من اللون الاسوده ولا يشيل الخاتم بأيده"
ضرغام رفع رأسه ناحيه الأخرين، ثم همس بصوت مسموع لفاضل بدون قصد "خاتم؟"
وصل الصوت لمسامع فاضل ليجيب بعدها
"إي محبس بيه حجر أسود، يلمع بسواد بدول البياض او لمعه ضوه لمعه غريبه من اشتراه، ما نزعه ولا مره ومنهدها هو متغيير"
ضرغام اخذ السماعه من باسل فجأة، وأردف بصوت كان حاداً قليلاً
"وين ساكنين؟"
"إحنا بمدينه الصدر، قطاع **، الفرع **"
اجاب فاضل ليهمهم له ضرغام ويؤكد له على قدومهم ويغلق الاتصال
منذر كان يحدق في الأرض ثم أردف بصوت خافت
"معقوله هو هذا؟"
نظر له ضرغام ثم أردف
"ما راح نعرف اذا ما رحنه وتأكدنه"
في تلك الليلة، تحرك الأربعه بسيارتهم نحو البيت منزل علي، الحي كان ساكناً والهواء ثقيل بشكل غريب والسماء بلا قمر، لكن شحب وجهه منذكر من هول ما رأه لكنه لم يقل شيء
وقفوا أمام الباب، وفاضل كان بانتظارهم في باب المنزل وجهه مرهق، وعيناه تقولان ما لم تقدر شفتاه على النطق به
اقترب منه ضرغام وخلفه البقيه وأردف
"وينه علي؟"
فاضل أشار إلى الداخل وهمس
"جوه ما طلع من غرفته من اسبوعين، بس الغريب ولا شيخ قبل يدخل يشوف البيه"
اقترب سراج بضع خطوا وعقده توسطت حاجبه بتسائُل
"شلون يعني؟"
ليجيبه بأختصار
"الباب مفتوح، وعلي ابد ميسده بس ما أحد يگدر يدخل للغرفه تحس الهوى يضيق بصدرك اول متقرب"
لم يتلقى أجابه من الذين تبادلوا النظرات في ما بينهم، عينيه كانت مجهده من السهر، دخل وفتح لهم الباب بالكامل وأردف
"تفضلوا… البيت بيتكم"
دخلوا واحداً واحداً وكل واحد منهم أحس بشيء ثقيل في صدره، كأن عتبة هذا البيت تحكم على الداخل بأن لا تسمح له بالخروج مثلما دخل
في الصالة جلست الأم، تضع طرف عباءتها بين أصابعها المرتجفه، ووجهها مليء بالتجاعيد، لكن عينيها فقط هي التي شاخت
بجانبها جلس الأب، رجل، وجهه صلب، لكنه كل دقيقة يقوم بتعديل شماغ رأسه بدون سبب
ثم خرج شخص أخر، شاب في أواخر العشرينات
صوته حاد، ألقى نظره سريعة على الزوار الأربعه
ثم أردف
"فاضل منو ذوله؟"
نظره له فاضل بنظره خاطفه سريعه ولم يجبه
ضرغام كان يراقب الأم بهدوء، حين أدرك شيئاً لم تفصح عنه ليردلف
"حضرتج حسيتي بشيء قبل لا يتغير"
الأم نظرت إليه
ثم همست، وعينها تهرب من عينه
"لا لا أبني مبشي بس تعبان شويه"
باسل حدق بها بأستغراب من اجابتها ثم نظر إلى أعلى الدرج وأردف بهدوء
"علي غرفته فوق؟"
أومأ فاضل له ثم أردف
"بس انتبهوا هواكم الهوى يثگل وانت تصعودن"
ضرغام التفت إلى الثلاثه ثم أردف بصوت منخفض
"يلا"
ومع أول خطوة نحو السلم، شعر الأربعة بشيء يتحرك في جدران البيت، كأن علي يعلم أنهم قادمون وكأنه ينتظر
كانوا يصعدون الدرج ببطء الهواء كان أثقل مما في الأسفل، كأن كل خطوة تنقص من أنفاسهم،
وكأن الجدران تراقب تحركاتهم
وقفوا أمام باب خشبي أشار له فاضل من بعيد،
كات مغلق لنصفه، يتسرب منه هواء غريب
ساخن، كأن الغرفه تتنفس لوحدها، فتح ضرغام الباب بهدوء ودخل الأربعه
كانت الغرفة مظلمه إلا من شعاع ضئيل من ضوء مصباح معلق في السقف
وعلى السرير رجل يرتدي ثوب رجالي اسود اللون
تفصل جسده القوي، ظهره مستقيم، وعينين خضراء، تلمع كأنها من زجاج
لحيته كثيفه، ومرتبه ويده ترتكز على فخذه وفيها الخاتم الأسود، يلمع دون ضوء
لم ينطق او يتحرك، كان يحدق فقط بالزوايه على يمينه والأقرب له، رفع رأسه ناحيه الأربه لكن عينه ارتكزت على شخص واحد فقط بينهم
ضرغام
نظر له سراج ثم أردف بهدوء
"السلام عليكم، علي إحنا جايين نساعدك"
لكنه لم يجب
منذر خطا خطوه منه، ينطر بحتقان لوجه كان يعلم جيداً ان هناك جن يتلبسه لكن لما وجهه لا يظهر بدل ملامحه
"بشنو جاي تحس، جاي تشوف شي"
لم يرمش حتى عينه لم تترك وجه ضرغام أبداً
وكأن الثلاثة لم يكونوا موجودين
اقترب باسل وجرب نغمه مختلفه
"احنا مو أعدائك علي، إذا أكو شي بداخلك، أو شي دا يأذيك احچي، راح نسمعلك"
لم يجبه كان هدوئه مفرط
ضرغام اقترب نحوه، ووقف ثابتاً وأردف بصوت واضح
"علي"
هنا رمش علي لأول مره كأن هناك شعرواً داخلياً اجتاح صدره
اكمل ضرغام بهدوء
"أنت تعرفني؟"
رفع علي رأسه قليلاً ناحيته، وصوته خرج كأنه لم يستعمله منذ ايام
"لا بس وجهك مألوف، بس.. ما جاي أذكر وين شايفك"
ركع ضرغام أمامه وأردف بهدوء
"مثلاً وين يعني؟ "
نظر له علي مطولاً دون أجابه ليهمس
"حلم"
سراج تداخل، وأردف بصوت منخفض
"علي، أكو شي بداخلك؟ شي حسيت بيه؟ رؤيا صوت، اسم؟"
لم يلتفت علي له كأنه لم يسمعه أساساً ليردف ضرغام
"تحلم؟"
أومأ علي برأسه بخفه ليردف ضرغام بهدوء
"تحلم بشنو؟"
رد علي، صوته أبطأ من الهمس:
"ما أدري، بس اغلب احلامي بيها باب"
الخاتم في يد علي بدأ يلمع أكثر مع كل سؤال يطرحه ضرغام كأنه يتوهج فقط مع نبره ضرغام
باسل التفت نحو سراج وهمس
"دا يجاوب بس ضرغام… ليش يابه نگرص أحنه؟"
منذر رفع نظره ناحيتهم، واكمل الهمس معهم
"اني لو مكانه اجاوبهم كلهم وما اجاوبك، لان صدگ اسألتك تگرص"
نكز باسل ذراع منذر بقوه ليمسكها منذر بتألم وينظر له بحقد واظح
اقترب ضرغام من علي اكثر ثم أردف
"علي كم شخص موجود بالغرقه حالياً"
التفت علي ناحيه الأخرين ثم بكامل انحاء الغرفه وانتهى به المطاف بنفس الزاويه ليردف
"خمسه واني السادس"
تبادل باسم ومنذر وسراج النظرات بينهم وبعدها في انحاء الغرفه ليردف باسل بهدوء
"والعياذ بالله"
فجأة ضحك علي ضحكه قصيره، مبحوحه لم تكن طبيعيه وأردف بصوت لا يشبه صوته السابق
"منو أنت ضرغام؟"
استغرب الجميع من كيفيه معرفه علي لأسم ضرغام
سكنت ضحكه علي، لكن نظراته لم تتزحزح عن وجه ضرغام، كأنه لا يرى أحداً سواه
الضوء بدأ يرمش وانقطع فجأة ليردف باسل وهو يفنتح كشاف هاتفه
"كهرباء العراق شوكت تتصلح يمعودين؟"
لم ينفع ضوء هاتفه فهو الأخر بدأ يرمش كمل ضوء الغرفه، اصبحت أظلم من أن تنار بأستمرار
من تحت الجدار بدأ يدوي صوت لم يكُن بشري، او واضح بشكل جيد لفهمه، همسات كانت واضحه بأنها أصوات من جن أشبه بمن يلفظ حروفاً لا يفهمها أحد
سراج حدق في انحاء الغرفه وكامل سمعه مع الأصوات ليردف بأستغراب
"همسات الممالك؟"
باسل اقترب من سراج ليصح ملاصقاً فيه ويردف بنوع من القلق
"شنو هاي انوب"
دفه سراج عنه بأنزعاج ليردف
"هاي من شوكت هيچ متجوبن؟.. همسات الممالك ظاهره يتميز بيها اقوام الجن اذ حشد كامل من الجن اجتمع بمكان واحد وهمه رايدين احد موجود بهل راح بتهامسون من بين الحياطين وبعدها يهجمون على الشخص اذا كان من الجن او الانس، بس حالياً همه مديگدرون يدخدلون للبيت، وراح تعرفهم معصبين وروحهم گامزه من الأضويه الي دترمش"
نظر منذر ناحيه سراج ومن ثم لعلي ليردف
"متقصدين علي، رايدين يهمسون براسه بس ميگدرون يوصلوله!"
نظر ضرغام ناحيه علي ليردف بصوت ثابت
"علي ليش بس تجاوبني؟"
حرك علي عينه، وببطء، فتح فمه ليردف
"راح توگف وياي؟"
أستغرب من رده وأردف
"أوگف وياك بشنو؟"
لينزل علي نظره ناحيه لخاتم ومن ثمه يعود للنظر ناحيه ضرغام
" بدأ الوجع الي براسي يخف، الهمس يقل، لا وانما أختفه اساساً، كأنك جدار.. بيني وبينهم"
نظر باسل لعلي وأردف
"ياهمه"
علي رفع عينه إليه، ولأول مرة ينظر له، لكن بنظره قصيره
"الممالك… جايين ياخذون الجن اللي تلبسني"
اتكأ منذر على الجدار، وعينه كانت مضطربه
"يعني أكو جن بداخلك؟!"
أومأ علي بخفه ليردف
"بس مجاي يأذيني هو دا يحتمي بيه، وأني مرتاح وياه بس همسهم راح يخبلني"
أردف سراج بهدوء
"وشنو هدفهم ؟"
تنهد علي وأصبح صوته أعمق
"يريدونه ميت بس إذا مات، راح أموت وياه"
عادة اللمبه لتشتعل بوميض متقطع ليردف منذر بتسائل ناحيه علي
"الخاتم منين جبته؟"
كان الخاتم يلمع، والحجر الأسود الذي يتوسطه يتوهج بخفه ليردف علي بهدوء
"من دَجران بيه ختم حمايه طلب مني ما انزعه ابداً لا راح يگدرون يوصلون اله والي"
نهض ضرغام من مكانه وجلس على الكرسي المقابل له وأردف بهدوء
"اكو شي ثاني ديصير غير هذا؟"
علي نظر اليه هذه المره، بعينين مختلفتين
"اغلب همساتهم عن شخص يسمونه المنتظر مفتاح ابليس"
تجمد الأربعه في أماكنهم فور أن سمعوا بالأسم
صوت انفاسهم الوحيد المسموع بالغرفه، وصوت نبضهم في أذانهم دوى لهم بشكل مسموع
قال علي، بنبره أقرب للأنهيار
"أني مو نبي، ولا وصي، بس الله زرع بداخلي شي وهمه دا يحاولون يوصخونه بأي طريقه"
ثم رفع عينه وأكمل ناحيه ضرغام وكأنه فقط يكلمه
"لا تروح راح يرجع همسهم"
نظر له ضرغام نظره طويله ثم أردف بتساؤل
"زين انت ليش ربطت هلشي بيه؟ يجوز منذر او باسل او سراج"
رد علي بهدوء
"انت الوحيد الملامحك مألوفه"
لم يكن هناك ما ينبئ بانفجار لا صوت، لا حركه، لا ولا حتى ظل مفاجئ
لكن الضوء بدأ يرمش
لمبة السقف التي كانت ثابته من بضع لحظات
بدأت تتذبذب، تُنير وتخفت، ثم تومض ثلاث مرات…
وتعود لطبيعتها وكأنها تتنفس
رفع باسل عينه ناحيه الضوء وأردف بقلق واضح
"الضوه هذا شوكت يستچن، هيه الكهرباء كلها شوكت تستچن"
سراج مد يده إلى صدره، كأنه يحاول ان يثبت قلبه في مكانه
"من يتقاعد وزير التربيه"
التف منذر ناحيه سراج وأردف بسخريه
"شدخل زير التربيه يالفهيمچي"
لكن قبل ان يجيب سراج دوى صوت ثقيل وجاف
همهمة لرجلين يتحدثان، لكن لا أحد يرى أحداً سواهم
الصوت يأتي من داخل الجدران، ومن تحت الأرض ومن فوق السقف
سراج تمتم بهدوء
"دأسمع أسماء غريبه"
خرج باسل من الغرفه صرخ من فوق ناحيه عائله علي
"شكو فوگ البيت؟!"
ليرد فاضل بآستغراب من الأسفل بنفس علوا صوته
"ماكو شي! فوگكم السطح فارغ "
عاد فاضل لينظر ناحيه حسن الذي تظهر عليه ملامح عدم الرضى
ضرغام ثبت مكانه، ونظر مباشرة إلى علي، كان علي ما يزال جالساً لكن لم يرمش، عينيه معلقه على ضرغام، والخاتم في يده يلمع بقسوه
ليردف ضرغام بحده ناحيه علي
"علي متلبسينك، غير الجن الي حچيت علي؟"
كان سؤالاً واضحاً، قاطعاً
لكن قبل ان يجيب علي، كل الأصوات اختفت تلاها
هدوء قاتل ثم حرك علي رأسه وأردف بنبرة ثابته
"لا"
ليردف سراج
"ضرغام الاصوات هاي همسات ممالك"
أجاب علي، وعينه مازلت على ضرغام
"گتلك أكو شخص دا يحتمي بيه
من الجن، واكو اكثر من قبيله كن الحن طالبته ميت، واني بحساب جاي اساعده اذا مات راح يأذوني، بس اكو شي غريب"
نهض ضرغام من على الكرسي واقترب خطوتين من علي، وينحني بجذعه ناحيه علي
"وشنو هذا الشي؟"
ابتسم علي ابتسامه غريبه ليردف
"أنته"
انطفأت اللمبه في السقف، والغرفة دخلت في سكون داكن، وصوت غريب ارتفع خلف الجدار
صوت شيء يتسلق على السقف والدران
هواء بارد ليس له مصدر بدء يلفح وجوههم بخفه
اخرج سراج وباسل هواتفهم لينيرو بضوء هواتفهم الغرفه
نظر ظرغام ناحيه علي الذي لم يزح أنظاره عنه ولو مره واحده ليردف
"اذا الجن بداخلك خلي يجاوبنا، نريد نعرف منه، ونفهم"
سكت علي للحظه وانزل رأسه بخفه للحظه وبعدها استقام مبتعداً عن ضرغام قليلاً
رفعت رقبته قليلًا، كأن شيئاـ آخر تسلل عبر صوته ليردف بنفس صوت علي لكنه أهدأ وأثقل
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
باسل ارتجف، ونظر إلى ضرغام بسرعه ليردف
"هسه هذا منو احچي وياه، الغرفه ظلمه، ادري شنو ضرغام خلصت افكارك"
نظر ضرغام ناحيه باسل لكن قبل ان يعود للتحدث عاد صوت علي بالظهور
"اسمي دَجران، جني مسلم، من قبيلة الخُزارق
قبيلة أسلمت على يد رسول الله، وما خالفت عهدها إلى اليوم"
تجمدت ملامح سراج ليهمس بصوت مسموع بدون علم
"الخُزارق!"
هز دَجران رأسه وأبتسامه خفيفه زينت ثغره ثم أردف
"بشحمهم ولحمهم يا سراج"
استغرب سراج من تذكره لأسمه او حتى كيف عرف انه صاحب هذا الاسم لينظر ناحيه ضرغام بنظرات غير مرتاحه والأخر فهم مقصده ليردف
"ليش تلبست بيه؟"
شابك دَجران يديه خلف ظهره ليردف بهدوء
"لم أتلبسه في البدايه، لكني احتميت به منذ سنتين كنت أراه وأراقب قلبه، كان يمشي كما لو أنه لا يسمع احداً ولايهتم لأحداً، وهذا ما قربني منه"
رد ضرغام بتساؤل
"منذ سنتين؟!"
عاد دَجران للجلوس على السرير ليردف
"كنت أزوره في منامه كظل لا يُرى، وكنت أحرسه من بعيد، لكني لم أدخل جسده إلا حين عرفت الحقيقة"
اقترب منذر بضع خطوات ناحيه علي ليردف
"أي حقيقة؟"
حول دَجران نطره بأتجاه منذر ليردف
"أنه المنتظر، الذي تسعى ممالك النار لتحطيمه"
غص سراج عند سماعه نهايه جمله دَجران، وباسل بدأ بضرب ظهره بخفه ليردف
"شبيك طب جني بلعومك؟"
نظر ضرغام لجسد علي الذي يسكنه دَحران، وقد غامت عينيه قليلاً ليردف
"تحبه؟"
سكت دجران، ثم أجاب بنبره مشتعله
"حباً لا يفهم، ولا ينطق، ولا يوصف، اعلم بأني من الجن، لكني رأيت فيه الطهارة التي تذكرني بأيام، قبل أن يتشوه الأسلام بعده أشخاص قلوبهم لا تشبهه ظاهرهم
شهق منذر وتراجع للخلف لقوه لدره انه كان يسقط لو لم يمسكه سراح من الخلف
كان يحدّق في وجه علي ورأى شيئاً لا يستطيع وصفه
لم يكن وجه إنسي ولا كان شيطاناً او جن او شيء أخر، بل عيون حمراء، لكنها تشع كما الجمر النقي
نفس ملامح علي لم تشوه، لكن كأنها صنعت من طين ونور في آن واحد معاً
ليردف منذر ناحيه دَجران بصوت مبحوح
"منو أنته؟"
نهض ضرغاخ من مكانه وأردف ناحيه منذر
"منو تشوف؟"
رفع منذر عينه ناحيه ضرغام واعادها مره اخرى احيه علي بأستعجال ليهمس
"علي بس مو علي كأنه... "
نظر دجران، لمنذر قبل وقاطع جملته
"أنا ظاهر لك وحدك، يا ابن الحيث، يا من رأى ألسنه الخزارج المنواره"
ارتعشت يد منذر واحس سراج برعشته وزاد استغرب الثلاثه من وضع منذر
لكن دجران أكمل، بهدوء
"ما أطلبه منكم ليس كثيراً فقط احفظوه"
ثم نظر مباشرة إلى ضرغام واكمل
"أنتَ.. فيك شيء لا نعرفه نحن، لكنه يصد، ويمنع،
ويقطع من في الخارج، قد تكون من نسلٍ حمي قديماً، أو فيك.. "
لم يكمل نهايه حديثه اكتفى بالهمس بكلمات اخرى
"فقط لا تجعل وسووستهم تعود له"
أغمض علي عينيه وعادة لمبه السقف للعمل في وميض هادئ
جلس ضرغام أمام علي،
وقد قرب الكرسي منه حد التماس
أما الآخرون، فقد وقفوا خلفه،
كأنهم شهود على ما لا يستطيعون فهمه بعد الان
أردف ضرغام، وعينيه تراقب وجه علي بدقه
"اطلب منه يرجع بعدني ما خلصت"
دلك علي عينيه بخفه بعد أن احس بألم توسطهما لبعدها بخفه بعض لحظات وتعود ملامح دَجران الهادئه من جديد
"ماذا تريد بعد!"
اكمل ضرغام تحديقه بعلي ليردف
"شدخل ابليس بالموضوع؟"
نظر دَجران بحزم ناحيه ضرغام وملامحه اصبحت جاده ليردف
"هنالك عالم ثالث ذاك الذي لا يُرى، ولا يُوصف
بيننا وبين البرزخ، أرواح منفيه وجن طردوا من ممالكهم، وملك هذا العالم هو المنفي الأول"
تغيرت ملامح ضرغام ليردف بنره غير مفهومه
"إبليس"
أومأ دَجران لكمل حديثه
" نعم، نفي هناك منذ سنين غير معلومه ليس في نار، ولا في تراب بل في النسيان وهو الآن يريد العوده"
صمت لحظه ثم اكمل
"يريد أن يدخل عالمك أنتم البشر جسداً لا ظلاً
صوتاً لا وسوسه عيناً لا همساً"
شحب وجهه ضرغام والاخرين من كلام دَجران وقد بان الرعب على ملامحهم ليردف منذر
"وشنو علاقته بيك؟"
نهض دَجران من مكانه واقترب من نافذه الغرفه يراقب العدد المهول من الحن في الخارج بأشكالهم المتنوعه ليردف
"لست أنا بل علي"
نهض ضرغام واقترب أكثر لجسد علي المستوحذ ليردف
"والخاتم الي منطي لعلي؟"
التفت دَجران ناحيه ضرغام وأردف بحده
"طالما لم يخلعه، لم تمسه يد لا من عالمي او العالم الثالث"
انهال ضرغام على دَجران بالاسئله واحداً تلو الأخر
فلم يعجبه أي شي مما يقال ليردف
"وشنو هدف إبليس؟ بس يرجع؟"
قهقه دَجران بصوت خافت وأردف بنبره ملأها الحقد
"يريد ان يكون إلهاً لكن ليس بالعباده، بل بالتشكيك يريد من الناس ان تكفر، ان يبني عالم ينسى به شيء يسمى حق او باطل، فقط الدم يأخذهم للظلاله ليكفرون بربهم فيتوهوا وينسوا من هم ومن خالقهم وعظمته اكثر من ما هم تائهون في زمننا الأن، هنا سيملئ العالم فجراً وجورا، تعلم ما يعنيه هذا"
نبس سراج من خلفهم بهدوء
"يظهر المهدي، هذا مثل بدايه ليوم القيامه"
التف دَجران ناحيه سراج ليردف
"هذا صحيح وجميع العلامات ستظهر واحده تلوه الأخره ولن يسأل سائلاً ولن يهتم انسياً ولا جنياً"
كان الصدمه تملئ وجوه الأربعه، اقترب ضرغام من دَجران وأردف بحده
"وعلي مصيره من هذا شنو"
رد دَجران بأختصار
"اذا انصاع لما ما لا يرضي الله انتهى به بالمطاف بالانهيار وافتعال اسوء المعاصي وهذا ما يريده أبليس ليخرج"
جلس منذر على حافة السرير، يحدق في الأض
ثم مال برأسه للخلف ينظر لدَجران وضرغام وأدف بصوت متردد
"بس الي مجاي افتهمه ليش وشمعنى علي"
ارتفع صدر دَجران بانقباضه خفيه، ثم انسلت أنظاره نحو النافذه المغلقه ليردف
"زرع الله فيه روحاً نقيه صافيه لا ترضى بالمعاصي ولا أقل الذنوب غفراناً عند الله"
استدار دَجران نحو ضرغام ببطء، وكأنه يتأمل وجهه كمل يتأمله علي، ليخرج صوته بنبره خافته تحذيريه
"ضرغام انت جزءاً من هذا، كل ما عليك فعله هو الحفاظ على علي من الخبث، حتى لا ينتهي الأمر بنا إلى الضياع معه"
زم ضرغام شفتيه وارتفع صوته عن غير قصد ليردف
"بس انت جاي تعصي! بحبك لعلي"
أغمض دَجران عينيه، لثواني، وبعدها نظر لضرغام بحده
"بلا! لكني أحببته حباً طاهراً، لم أرد له الأذيه ولا شيئاً آخر يدنسه، كما أني من الجن المسلم اكثر من المؤمن، لذلك تلبسي له لن يضره"
شرد بصره في بقعه لا يراها أحد سواه، ثم همس بكلمات بدت كأنها تخرج من قلب أنهكه التناقض
"لن تفهم... ولن يفهم... ولن أفهم"
مال دَجران قليلاً على النافذه، وكتفاه مرتخيتان، ثم وجه نظره نحو ضرغام ببطء يشي بالخطر، وأردف بصوت منخفض لكنه ثابت
"كن حذراً ضرغام"
..........
أفكاري ساحت سيح 🙂