المُنتظر
Iraq - Baghdad
8:12 مساءً
لا شيء غير عادي شارع ضيق، مبلل من أمطار الأمس، بيوت قديمه تصطف بصبر على جانبيه
والهواء خفيف، لا يحمل سوى رائحه الرطوبه
كانوا أربعه رجال قد وقفوا أمام باب خشبي خافت اللون، باب ليس فيه ما يثير الريبه، لكن أعينهم دون اتفاق لم تبارحه
ضرغام كان الأقرب إليه، جسده الضخم بدا وكأنه يحجب شيئاً خلفه
لم يكن يتحدث, لم يكن ينظر إلى الباب أصلاً
بل كان ينظر إلى الأرض أمامه، وكأنه يفكر بما يجب أن يفعل
عقله لا يزال هناك، في تلك الليله التي فتحت عينيه على هذا العالم بعد ان كان من اشد الساخرين به
هو لا يُظهر الخوف ليس لأنه لا يشعر به، بل لأنه يرفض الاعتراف له بالحق في الظهور في داخله شعوره دائماً يكون ثابت، إذا حدث شيء فسيكون هو المسؤول لا أحد غيره
باسل كان على بُعد خطوه واحده منه، أصغر منه جسداً وأنحف قليلاً، لكن وجهه يحمل شيئاً أقرب إلى التحدي منه إلى الاطمئنان، كان واقفاً كأنه مستعد للطرق على الباب وحده
هو لا يحب الانتظار لديه انطباع دائم بأن كل دقيقة تأخير قد تفقدهم السيطره على ما يجري
لكنه لا يقول شيئاً
يظن أنه الأقوى، أو ربما يريد أن يكون كذلك، حتى حين يخاف، فإنه لا يعترف في داخله
سؤال واحد يتكرر منه دائماً "شوكت نبدي؟" كأن التريث يرهقه أكثر من المواجهه
سراج كان يكتب شيئاً في دفتر صغير، يحمله دائماً معهُ، لا أحد يعرف إن كان مهماً، لكنه يكتب بهِ على أيه حال
قميصه رمادي، نظيف كعادته، ونظرته هادئة أكثر مما ينبغي، يراقب الجدران، الأرض، حتى الشقوق في الخشب، كأن كل شيء قد يحمل إشارة ما، كأنه يعيش في عالم لا يقول شيئاً بصراحه، بل هو من يكتشف
كان يمشي دائماً بتأن، كأنه يخشى أن تسبق قدمه عقله، تصرفاته مريبه دائماً للبعض
منذر لم يتحرك كثيراً، كان يقف بجانب الجدار ساكناً كظله، وعيناه تنظران إلى اللاشيء، أو ربما إلى شيء لا يراه أحد سواه، لم يكن خائفاً، ولا هادئاً، كان فقط هنا
وكأنه أتى قبلهم جميعاً، وانتظرهم دون أن يظهر ذلك
لا يحب منذر التحدث، لكنه يسمع كل شيء
يشعر بهم أكثر مما يشعرون هُم بأنفسهم، وإن توقف فجأه، فسيعرف الآخرون أن ثمه ما يستحق الانتباه
أمام هذا الباب، الأربعة لا يتحدثون عن شيء ما ليس لأنهم لا يريدون، بل لأن كل واحد منهم يحاول ألا يسمع ما يدور في صدره
الخوف؟ موجود
لكنه يعرف كيف يتنكر، مره في هيئه حذره
ومره في صوره ثقه زائده، وأحياناً في الصمت المطلق
ضرغام فكر أن يطرق الباب لكنه انتظر، أحس بأن شيء غريب ينتظرهم خلف الباب، ليس ككل المرات السابقه
تململ باسل قليلاً وسراج كتب سطراً آخر لا أحد قرأه وحتى لو قراءوه، لن يفهموا شيء منه
منذر كان يحدق في الباب، وكأنه ينتظر أن يفتحه أحدهم من الداخل، رغم أنهم لم يطرقوه بعد
وبالفعل!
فتحته المرأه العجوز قبل أن يرفع ضرغام يده
وجهها كان شاحباً، وعيناها مرهقتان من البكاء
وفي فمها ارتعاشه تشي بأنها لم تعد تفرق بين الرجاء والتوسل والكرامه، كان هناك كدمات واضحه على وجهها، كأنها عذبت أكثر مما انها ضربت قليلاً
قالت شيئاً بصوت مبحوح، لم يفهموه تماماً
ثم أشارت إلى الداخل، وانسحبت كأنها تخشى أن تقترب من شيئاً ما
الغرفة كانت ضيقه، أرضها مفروشه بسجاده قديمه
والهواء فيها ثقيلاً على الصدر، كأنه لا يستنشق بسهوله
في زاويتها، كانت فتاه صغيره، بالكاد تتجاوز الرابعه عشره، ممدده على الأرض، جسدها لا يتحرك، لكن أنفاسها سريعه ومتوتره، وعيناها مفتوحتان على اتساع مخيف تحدقان بالسقف أو بشيء أبعد
دخل ضرغام أولاً كعادته، ووقف على مقربه منها
نظر إليها مطولاً، ثم نظر إلى سراج
أومأ سراج دون أن يتكلم، وفتح دفتره وأخذ يتأمل الفتاه كما لو كان يبحث عن حرف عن شيء مشابه لما هيه فيه
باسل لم يقترب كثيراً، وقف عند الباب، يداه خلف ظهره، وعيناه تتنقلان بينها وبين الوجوه الأخره
حدق باسل بأستغراب في المرءه التي فتحت الباب وعلامات الرعب كانت تملئ وجهها، كانت تمد رأسها من خلف احدى جدران الغرف، كأنها تستعد لشيء ما سيحدث، رغم انه لا يحب التريث الا أنه يكره اللحظه التي تسبق الانفجار، حين يبدو كل شيء هادئاً بشكل كاذب
جلس منذر على الأرض بهدوء، وعيناه على وجه الفتاه، لكنه لم يكن يرى ملامحها، بل يرى ما خلفها
ما فيها، ما ليس منها
وجهه أصبح شاحباً قليلاً، كأن شيئاً فيه تغير دون أن ينطق حتى أردف بصوت منخفض
"متلبسه بخمسه من الجن، اشكالهم مختلفه محد يشبه الثاني، بس اكو حيوان سادس شكله غريب!"
لم ينظر إليهم حين تحدث، كان كمن يتكلم مع نفسه، أو مع شيء آخر، لا يقف معهم
أصدرت الفتاة صوتاً، لم يكن بكاء، ولا تأوه، بل شيء يشبه الهمهمه العميقه، همهمه لا تصدر من فم صغير، بل من مكان أبعد من جدسها، أشبه للزئير
لم يتراجع ضرغام، بل ركع على ركبتيه بجانبها، ومد يده نحو جبينها، وأردف بهدوء غريب
"شنو اسمچ؟"
عيناها لم تتحركا لكن فمها ابتسم ابتسامة لا تشبه ابتسامات البشر، ابتسامة مائله، طويله، وكأن عضلات وجهها لا تتبع قوانين الوجه، لتردف بصوت لا يناسب عمرها
"اسألها أذا كانت تتذكر متى دخلتُ اصلاً"
سراج كان يقلب أوراق دفتره بهستيره دون فهم لكنه أردف بأستغراب واضح
"ديحچي بدالها واحنى اصلاً ما مستدعينه!"
باسل اقترب خطوه، ثم توقف وأردف دون أن يرفع نظره سراج
"وشنو يعني؟"
"يعني مو بس ملبوسه وهاي هيه، لا اكو احد مسلطه عليها"
أجابه سراج دون أن يرفع نظره عن الكتاب، منذر نهض ووجهه كان قد فقد لونه تماماً، ليردف بصوت لا يخلو من التردد
"شفتهم لمن دخلنه، ما چانوا هواي بس وگفوا ورا الباب بعدين اختفوا لمن دخلنا"
لم يسأله أحد من هم؟ ولا كيف رآهم؟
الكل يعرف أن منذر يرى ما لا يجب رؤيته، في الغرفه، لا شيء تحرك لكن الهواء تغير
ضرغام رفع رأسه للأخرين، ثم اعاده بأتجاه الفتاة وأردف ببطء شديد، كأنه يختار كلماته من بين أنفاسه
"منو دعاك؟"
أغلقت الفتاة عينيها، لكن فمها تحدث بصوت غريب، لا يشببها بشيء ولا يشبهه صوت البشر
"لن تجبرني على قول شيء"
صوت مفاجئ، عنيف، خرج من صدرها كأنه لم يمر عبر الحنجره بل انفجر من الداخل مباشره
باسل كان أول من تحرك، وثب بجانبها، وأمسك يديها، وأردف بصوت عالٍ
"لزموها لا تخلوها تأذي نفسها!"
ضرغام ثبت كتفها، منذر ركع عند رجليها
وسراج ظل واقفاً عيناه لا تتركان وجهها، كأنه لا يراها بل يحاول أن يتذكر أين رأى مثل هذه العينين من قبل، أي نوعاً من الجن يواجهون؟
سكنت الفتاة قليلاً، ولم يتحرك أحد، ظل ضرغام ممسكاً بها، ويديه ثقيله على كتفها، كأنها تثبت شيئاً آخر، لا جسدها
عيناهُ على وجهها، لكنه لم يكن ينظر إليها، كان يفكر إن كانوا ما أمسكوه حقاً قد هدأ، أم أنه فقط اختبأ
منذر كان أول من تحرك، نهض ببطء، كأن جسده يرفض أن يغادر الأرض، كأن شيئاً منها لامسه، ولم يرد الإفلات
وقف دون أن يقول شيئاً، لكن وجهه فقد لونه
حتى عينيه - اللتين اعتادتا رؤية ما لا يُرى -
بدتا كأنهما لم تعودا تعرفان على من ومالذي تنظران إليه
باسل ابتعد عن قدميها، ووقف عند الحائط
وأدار ظهره للحظه، وتنفس بعمق
هو لا يخاف بسهوله، ولا يحب أن يظهر عليه التوتر
لكنه أحس بشيء غريب حين أمسك بقدميها
برودة مفاجئه كأن شيئاً غاص تحت جلده ثم اختفى
لم يقل شيئاً، لكن يده بقيت ترتجف خفيه خلف ظهره
سراج أغلق دفتره بهدوء، لم يكتب شيئاً بعد الصرخه كأن الكلمات لم تكن كافيه أو ربما لم تعد مناسبه
نظر إلى ضرغام، ثم إلى الفتاه، ثم أردف، بصوت يكاد لا يُسمع
"ليش طلعوا؟"
ضرغام لم يعلق لكنه نهض، وترك الفتاه مستلقيه
فاقده للوعي،أخذ نفساً طويلاً، ونظر إلى سراج كما لو كان ينتظر منه شيئاً ثم أردف
"اندري، شو طلعوا بدون منسويلهم شي او نعرف منو همه حتى؟"
كان السؤال غريباً لكنه لم يكن مجازياً، الجدران بدت أضيق الرائحة تغيرت، والضوء الخافت أصبح أكثر خفوتاً كأن شيئاً غير مرئي انكمش في زوايا الغرفه ينتظر أن ينسى ليبدأ من جديد، شيئاً كان واضحاً لرؤيه منذر
بعد أن أطمئنوا على الفتاة وتأكدوا من أنها بخير وبعد أن شكرت المرءه العجوز الأربعه وقبل أن يخرجوا، قالت الفتاه بصوتها الحقيقي هذه المره كلمة واحده، لم تفتح عينيها، ولم ترفع رأسها
قالتها كأنها كانت نائمه لا علم لها بما دار أو يدور حولها
"المنتظر"
لم يفهموها تماماً، لكن الكلمة بقيت معهم
وتكررت في رؤوسهم بعد الخروج، وفي الطريق، وفي الليل، وحتى حين حاولوا النوم
......
1:44 بعد مُنتصف الليل
تلك الليله، كل واحد منهم حلم بشيء لم يعرف كيف يرويه، أو لم يرد أن يرويه
لكن منذر، حين استيقظ فجراً وقف أمام مرآته
وتأمل وجهه طويلاً، ثم لمس جرحه القديم في كفه اليمنى، وأردف دون صوت
"اكو شي غريب ديصير"
في اليوم التالي، لم يتحدثوا كثيراً حتى ضرغاخ، الذي لا يسمح للصمت أن يتمدد بينهم، أبقى الأمر طي الكتمان
لكن الشعور لم يغادرهم، كأن الغرفة التي خرجوا منها البارحه، مازالت عالقه في أذهانهم
منذر لم ينم، حين أغلق عينيه البارحه، لم ير سوى وجهها، ليس كما كانت، بل كما رآه هو، وجه مغطى بالسواد وفي منتصف الجبين، عين خامسه مقلوبه، تنظر إلى الأسفل، لكنه لم يخبر أحداً ليس بعد، كان أقرب الى حيوان منهُ الى أشكال الجن الأخره، لا غيال لا سهيان، لا أردغشان، ولا أي كائن أخر عرفه، أو رأه
باسل جف حلقه تلك الليله، شرب كثيراً من الماء لكنه ظل يشعر بجفاف داخلي كأن شيئاً يحترق فيه
وفي لحظه ما، حين اقترب من النافذه
ظن أنه سمع أحداً يهمس باسمه من خلف الزجاج
فتح النافذه لكن الشارع كان فارغاً، خالياً من أي أنسي، سوى من أصوت الكلاب الظاله
سراج بدأ يكتب أكثر من اللازم، ثلاث دفاتر امتلأت في يومين لم تكن تفسيرات، بل أصواتاً كلمات بلا ترتيب
"الظل لا يختبئ في الظلام، والظلام لا يحتاج الى ظل الباب لا يُفتح إلا بالدم، والمنتظر اقترب"
قرأ الجملة الأخيره أكثر من مرة، لكنه لا يذكر أنه كتبها
ضرغام حاول أن يمارس حياته كالمعتاد
ذهب إلى عمله، رفع بعض الحديد، لكن كلما نظر إلى المراه، رأى شخصاً آخر خلفه، لا يحرك شفتيه، لكنه يبتسم كما لو أنه ينتظر شيئاً، كان يعلم أنها مجرد هلاوس يخترعها عقله
ثم في الليلة الرابعه، منذر جلس وحده في غرفته المشتركه مع باسل، كان الجو ساكناً والماء في الكوب لا يتحرك
لكنه شعر بصوت داخلي لم يعبر أذنه، بل في داخل جمجمته كأن أحداً يتحدث إليه وهو فيه
"جاء المنتظر الباب لا يُفتح إلا إذا وصل"
نهض دون أن يشعر وسقط الكوب من يده، مشى نحو الجدار، ووضع كفه عليه، كأنه يتأكد أن الجدار حقيقي، وأن رأسه لا يكذب، لكن الصوت تكرر مره أخرى داخل رأسه
"المنتظر اقترب، اقترب، اقترب، واقترب معه الجحيم"
في اليوم التالي، جمعهم ضرغام، وجلسوا جميعاً في غرفه منذر وباسل، ليردف ضرغام دون مقدمات
"منو منكم سمع شي عن المنتظر؟"
الصمت كان واضحاً، رفع سراج رأسه، وأخرج دفتراً من جيبه، فتحه على صفحه وأشار إلى كلمه مكتوبه وسط بياض -المنتظر- ثم أردف
"ما كتبتها ما اذكر كتبتها اصلاً، ظهرتلي من العدم"
منذر اخذ الدفتر من سراج وقرأ ما كان مكتوب ليردف
"الجن بدأوا يتهامسون، ما ادري شلون بس كلهم يحچون عنه، ومو من عوايدهم يتفقون على شي الحروب بينهم اكثر من الحروب الي بين ترامب وكاميلا، مستحيل يتفقون على شي"
بدء ضرغام يتحرك بعشوائيه داخل الغرفه، ويداه متشابكه خلف ظهره ليردف
"وهسه شلون نعرف، سراج كتبك الي خابصنه بيها ما بيها شي!"
نظر له سراج وأردف بحده
"كتبي شعليه، منو گلك اني وكتبي نعرف الغيب بس هو لا واحد منهم ولا واحد منه"
اقترب ضرغام من الجدار، واستند بجذعه عليه
ليردف بعد لحظه
"اذا چان المنتظر جاي مثل مديگولون، واحنى منعرف شنو ومنو اصلاً، يعني الي دنواجهه هلمره مو من الجن شي ثاني"
تبادل الأخرون النظرات في ما بينهم بأرتباك واضح فلا علم لهم عن ما هو قادم
.......
6:33 مساءً
بعد نصف ساعه، تلقوا اتصالاً، لم يكن الاتصال غريباً، امرأه منهاره تبكي على الهاتف
تقول إن ابنها تغير منذ أسبوع لا ينام، لا يأكل، يتكلم بكلمات لا تفهم، يبكي دون سبب، ويضحك حين تناديه او تتكلم معه
كان الليل قد بدأ يمد ظله حين وقف الأربعه أمام بيت صغير، مكون من غرفه وصاله، يفوح منه عطر الطبخ، وشيء آخر كأن أحدهم أحرق شيئاً حياً داخله
وقف ضرغام عند الباب، وعيونه لا تثبت على شيء
لكنه يشعر بأن شيئاً خلف هذا الخشب ينتظرهم
منذر ظل صامتاً لكن وجهه تغير منذ أن اقتربوا من الشارع وهو يشعر بأن هناك من يراقبهم
باسل سحب حجر أزرق من جيبه على شكل قلاده بخيط طويل، ووضعها حول معصمه، وبدأ يتمتم في سره بعض الأدعيه
دخل الأربعه للمنزل المرءه بعد ان طرق ضرغام الباب، رحبت بهم، واعاده شرخ نفس الشيء للأربعه عن حاله ولدها، وأشرات لهم الى غرفته
كانت الغرفة صغيره جدرانها مصفره من الرطوبه
والأرض مفروشه بسجاد احمر قاتم ، وفي الزاويه جلس شاب في العشرينات، جسده نحيف، ورأسه مائل، وعيناه كأنهما لم ترمشان منذ يومين
كان يتمتم، بصوت لا يسمعه إلا من يقترب جداً
ثم فجأة سكت، ورفع رأسه ونظر إليهم
عيناه لم تكن تحملان شيء، لكن كأن فيهما ممراً طويلاً يقود إلى شيء خارج هذه الدنيا ليردف
"أني أني الي جبته"
انتفض سراج من مكانه واقترب منه بهدوء وخلفه ضرغام والبقيه يتبادلون انظاراً متسائله، ركع سراج بجانبه وأردف بهدوء
"منو؟"
اقترب ضرغام اكثر ناحيتهم لكن الفتى انتفض من من مكانه ينضر لضرغام برعب ليردف بخوف
"همه، همه گالولي، همه جبروني، ما ردت اسويها والله ما ردت بس همه"
قاطعه ضرغام وتقدم اكثر وركع أمامه وأردف بصوت هادئ
"منه، گول لا تخاف احنى نحميك، شنو الي تقصده همه، جبروك؟ منمه وبشنو جبروك احچي؟"
دفن الفتى رأسه في حجره بدون رد، ليتبادل الأربعه نظرات مستغربه في ما بينهم، ثم أردف الفتى بصوت مرتجف واضح لمسامعهم
"هو بس يريد يستخدمني لا اكثر ولا أقل"
منذر تقدم ببطء، وعيناه بدأت ترى ما لا يجب أن يُرى، خلفه، ليس جسداً بل ظل بأربعه رؤوس، كأن أربع كائنات تسكن نفس الجسد، لكل منها فم وكلها تهمس
"صوت صوت المنتظر أقترب، أنتم الأربعه لا تستطيعون فعل شيء، لا احد يستطيع"
باسل أردف فجأة، بصوت حاد
"شديخرط هذا؟ منذر شوفه متلبس لا!"
هز منذر رأسه بخفه وعيناه لا تفارق الشاب
الأم كانت خلفهم، تمسك طرف حجابها بخوف وتبكي بخفوت
ضرغام كان يشعر أن الهواء في الغرفة أصبح أثقل
كأنهم ليسوا خمسه بل أحد عشر شخصاً، أربعة رجال، وولد وأمره، وخمس كيانات لا تُرى
حدق ضرغام بسراج بمعنى - يلا شوف شغلك- لكن قبل ان يتحدث أردف الفتى بخفوت
"گالولي اگلكم عنه"
التف سراج برأسه ناحيه الأخر وأردف بتساؤل
"منو؟"
ابتسم الفتى ثم أردف بكلمه واحده كأنه لفظ اسماً لا يجب أن يقال
"علي"
انطفأت الكهرباء فجأه ثم عاد الضوء بسرعه
لكن الشاب لم يكن في مكانه، كان واقفاً قرب الحائط، وظهره نحوهم وفي يده اليسرى كان هناك خنجر غريب ظهر بيده من العدم
.........