الفصل الثاني
كانت في مطبخها، تعد طعام الغداء قبل عودة ولديها، فسمعت صوت باب يُفتح، خرجت من المطبخ لترى من الذي عاد منهما
وجدت "عبدالرحمن" يجلس فوق الأريكة، عائداً برأسه للخلف، وقد بدا منهكاً، فابتسمت وهي تقترب منه:
_ حمدلله عالسلامة
انتبه لها فقال وقد ابتسم هو الآخر:
_ الله يسلمك
سألته عن المكتب الجديد، فأخبرها أنه نسي أمره فهتفت باستنكار:
_ نعم؟!!
_يا حجة احمدي ربنا، اني بفتكر عنوان البيت بعد أم الشغلانة اللي تقصّر العمر دي
انفرجت شفتاها بابتسامتها الحانية ثم قالت وهي تربت على كتفه برفق:
_ معلش يا حبيبي، ربنا يسهل، أجهزلك الغدا؟
اومأ إيجاباً وهو يبادلها البسمة، فعادت إلى المطبخ لتحضر له غداءه، وبعدما انتهى منه، ذهب ليغتسل ويبدل ثيابه، ثم ولج غرفته وقد رغب في النوم
استلقى فوق فراشه، وما إن أغمض عينيه، حتى تناهى لسمعه اصوات بكاء وأنين، فتح عينيه وأخذ يحدق بسقف الغرفة لثوان قبل أن يقول بضيق:
_ هو يوم مش فايت، أنا عارف
ثم نهض عن الفراش واتجه صوب نافذة الغرفة وفتحها، تفاجأ بجارته "ندي" صاحبة الستة عشرة عام، تقف في نافذتها، وما إن رأته حتى تهللت أساريرها وكأنها تنتظر رؤيته، فرسم ابتسامة على شفتيه وقال:
_ ازيك يا ندى….. انتِ كنتِ بتعيطِ من شوية؟
اشارت على نفسها وقالت بدهشة:
_ أنا؟… مستحيل أعيط يا بودي
حملق فيها بنظرة خالية من أية تعبيرات، ثم أغلق النافذة وهو يهتف بحنق:
_ بودي؟… منك لله يا بعيدة، انا أكبر منك بـ ١٢ سنة يا مراهقة يا ملزقة، وبسببك قافل الشباك خمسة وتسعين ساعة في اليوم
عاد إلى فراشه مرة أخرى وما إن استلقى فوقه، حتى عاد صوت البكاء من جديد، فتنهد بضيق، ثم صاح وهو ينهض مرة أخرى:
_ لا بقا،… عاوزين نتخمد في أم اليوم اللي مش باين له ملامح دا
سار نحو النافذة، ثم دفعها بكلتا يديه بعنف، فوجد " ندى" لا تزال على حالها، تحملق بنافذته، ولا زالت ابتسامتها البلهاء مرسومة على وجهها، فأعاد إغلاق النافذة دون النبس ببنت شفة، وما إن تحرك خطوة باتجاه فراشه، حتى عاد الصوت من جديد، أرخى سمعه جيداً كي يستطيع تحديد مصدر الصوت، ثم أخذ يتحرك في الغرفة، حتى وجد نفسه أمام خزانة الثياب.
رأى انعكاسه يظهر عبر المرآة الملتصقة بباب الخزانة من الخارج، وما إن مد يده ليفتح الخزانة، حتى ظهر في المرآة وجه لفتاة، فصرخ عالياً قبل أن يخر مغشياً عليه:
_ سَلَامٌ قَوْلَاً مِن رَّبٍّ رَّحِيْمٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور ساعتين فتح عينيه، فوجد نفسه ملقى بجوار الخزانة، وبالقرب منه تجلس فتاة مراهقة لا يزيد عمرها عن ستة عشر عام، أو سبعة عشر عام على الأكثر، ترتدي ثوباً أزرق اللون، يعلوه حجاب ابيض ملقى فوق رأسها وكتفيها بإهمال
كانت تشبه في هيئتها نساء الصعيد في سنواتٍ سابقة، فهتف بفزع وهو يعود بظهره للخلف حتى التصق بالخزانة:
_ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم….. انتِ إيه؟
انفرجت شفتاها بابتسامة رقيقة وقالت:
_ نوبية
فقال ساخراً:
_ وانا جيزاوي…. أهلاً وسهلاً
انعقد حاجبيها بعدم فهم، بينما ازدرد ريقه بصعوبة، ثم سألها بخوف وهو يخشى ان ترمش عينه:
_ انتِ قريبتنا ولا حاجة؟
هزت رأسها نافية، فتابع بتوجس:
_ أومال انتِ مين؟
_ ما قولتلك نوبية!!
صرخت فيه بحدة، فقال مستدركاً:
_ يعني نوبية دا اسمك؟… والله كنت فاكره انتماء قبَلي، زي صعيدي، فلاح، سيناوي، وهكذا…
زفرت بضيق ثم قالت بتهكم لسذاجته:
_ اسمي وردة يا جاموسة
فصاح بحنق:
_ احترمي نفسك يا بت انتِ، إيه جاموسة دي؟
ثم لاذ بصمته لبرهة قبل أن يقول:
_ عاوزة منّي إيه؟… ومين اللي سمحلك تدخلي هنا؟
وقبل ان تجيبه، وصله صوت امه تناديه، فهمس بخوف:
_ يا نهار اسود ومنيل، اقول لامي إيه دلوقتِ؟
ابتسمت مما استفزته فصاح بغضب:
_ روحي شوفي لِك اي داهية استخبي فيها لحد ما اشوف امي.
نهضت من أمامه، وتحركت نحو زاوية ضيقة بين الخزانة والجدار، ثم حشرت نفسها بداخلها، فنهض هو الآخر وخرج من الغرفة.
_ بتناديني يا ست الكل؟
قالها بتوتر وهو يقف امام والدته، فرمقته بشك وسألته:
_ مالك يا لا مش على بعضك ليه؟
اشار لها بأهدابه ألا تكترث، فتابعت وهي تختطف النظر نحو غرفته:
_ كنت بتكلم مين يا "عبدالرحمن"؟
أجابها بتلعثم:
_كنت… كنت بتكلم في.. في التليفون
لم تقتنع بجوابه،ولكنها لم تعلق، أشارت له أن يعود لغرفته، فابتسم لها ثم ركض هارباً في مشهد يوحي لأي شخص أنه يخفي مصيبة ما بغرفته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يقف خلف باب الغرفة، مغلقاً إياه بظهره، ثم ابتعد عنه بحذر، وهو يحملق فيه بترقب، وكأنه سينفتح في أية لحظة.
_ قالتلك إيه؟
سمع صوت " وردة " فجأة، فانتفض كمن لدغته حية، ثم صاح بذعر وهو يضع راحته موضع قلبه:
_ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم…. منك لله يا شيخة هتوقفي قلبي.
ثم استدار نحوها، فوجدها تراقبه وقد افتر ثغرها بابتسامة رقيقة، حملق بها لثوانٍ قبل أن يقول بقلة حيلة:
_ انتِ مين؟…. وحكايتك إيه؟
تحركت نحو فراشه وجلست على طرفه وقد شرد عقلها فيما ستخبره عنه وما ستقصه على مسامعه.
«»«»«»«»«»«»«»«»
في إحدى القرى الصعيدية، وتحديداً أمام بيت رجل يدعى "هلال السعدي" كان هناك تجمع كبير لأشخاص يرتدون الجلابيب الصعيدية والعمم البيضاء التي تشوبها زرقة خفيفة، يرددون في صوت واحد بعض الأغاني القديمة، وبعضهم يتراقص بالعصى فيما يعرف "بالتحطيب"، هذا بالإضافة إلى مجموعة من حاملي البنادق، يقومون بإطلاق الأعيرة النارية باتجاه السماء، كما جرت العادة في أغلب أعراس الصعيد، فاليوم زفاف "أيمن" الإبن البكر لـ "هلال".
خرج الأخير مرحباً بضيوفه، الذين قدموا من مختلف القرى المجاورة، يتبعه إخوته وأبناءهم، وبعد لحظات خرج " أيمن" الذي كان يرتدي جلباباً ابيض اللون، يعلوه شماغ من نفس لونه، وقد كان منفرج الأسارير، لا تفارق البسمة شفتيه.
أحاط به مجموعة من الشباب، وأخذوا يتراقصون معاً على أنغام "الربابة"، حتى اقترب منه أحد الشباب وأعطاه إحدى البنادق، فقام بإطلاق بعض الأعيرة، ثم امتطى ظهر حصان أحضره شاب آخر، وأخذ يتراقص به على أنغام الموسيقى، في مشهد مبهج وجميل.
أما النساء، فكنّ يشاهدن هذه الفقرات من فوق أسطح البيوت المحيطة، ومن بينهن كانت " وردة " تصفق بيديها وهي تضحك في سعادة، وبينما كانت تتابع ما يحدث، التقت عينها بعين أحد الشباب، فابتسم ببشاشة وهو يغمز لها بطرف عينه.
توردت وجنتاها خجلاً من الموقف، فوارت وجهها بطرف حجابها، ثم هرولت لتهرب من نظراته التي جعلتها تكاد تنصهر، وبينما كانت تهبط الدرج، اصطدمت بشئ جعلها تسقط أرضاً، تأوهت إثر اصطدام مرفقها بالأرض، ثم رفعت بصرها نحو الشئ الذي اصطدمت به، فإذا به " عمر "ابن عمها، رمقها بنظرة حادة، ثم صاح بتهكم:
_ ما تبصي قدامك انتِ اتعميتي؟
احتشدت الدموع داخل عينيها، بسبب صراخه الحاد، وكادت أن تنهمر على وجنتيها، لولا مجئ والدها، الذي لاحظ نظرات ابن أخيه صوب ابنته، التي تشبه الفرخ المنكمش على نفسه:
_ " عمر" !!
هدر بها " هلال" عالياً، فانتفض جسد " وردة " بينما وجّه "عمر" بصره نحو عمه، فأردف الأخير بحدة وهو يقترب منهما:
_ مالك بيها يا " عمر " وبتتكلم معاها كدة ليه؟
رمقها الأخير بطرف عينه وصاح بحنق:
_ عاملة فيها عيِّلة صغيرة، وماشية تتنطط من حتة لحتة، واللي في سنها فاتحين بيوت.
وقف "هلال" في مواجهته، ثم رفع سبابته في وجهه وقال بنبرة حادة تحميل الكثير من التهديد في طياتها:
_ حسك عينك تقرب من "وردة" تاني يا "عمر" ، واوعى تفكر في يوم من الأيام اني ممكن اجوزهالك مهما يحصل، ولو دا حصل في يوم اتأكد ساعتها اني هكون ميت.
شعر بالدماء تغلي في عروقه، فرحل قبل ان يفقد عقله، ويفعل ما لا يحمد عقباه، اما "هلال" فكوب وجه ابنته بيديه وقال برفق وهو يبتسم لها:
_ روحي اقعدي مع البنات يا " وردة "
لثمت كفه وهي تمسح دمعة انزلقت على وجنتها، ثم تحركت حيث مجلس النساء.
وفي المساء، كانت النساء متجمعاتٍ في الساحة الداخلية للبيت، وهن يرددن بعض الأغاني التي يحفظنها في جو ملئ بالبهجة والسرور
أما "وردة" فلم تكن بينهن، بل كانت تقف متخفية خلف باب البيت تراقب ذلك الذي يرقص مع الشباب الذين يلتفون حول شقيقها، وقد افتر ثغرها ببسمة حالمة، وما إن انتبه لها، حتى غمز لها بطرف عينه، فتوسعت ابتسامتها في خجل.
مر بجواره صبي صغير، أمسك به ثم همس له ببضع كلمات، فتحرك ذلك الصبي نحو " وردة "وقال:
_" فارس" بيقولك، هيستناكِ عند بيت " الشيخ غالب"
عقدت حاجبيها وقالت باستنكار:
_ " فارس" اتجنن ولا إيه؟…. بيت " الشيخ غالب " مين اللي اروحه في وقت زي دا؟
ثم نظرت نحو الصغير وتابعت:
_ روح قوله مش هينفع
وبالفعل عاد الصغير إليه يخبره بما قالت، فهمس له مجدداً وأمره أن يذهب إليها مرة أخرى.
عاد الصغير إليها وقال:
_ بيقولك خمس دقايق وهيرجعك علطول
فتنهدت بضيق، ثم أعادت الصغير برسالة جديدة:
_ مش هقدر
زفر الصغير بضيق منهما، وذهب إليه، فهمس له مرة ثالثة وأرسله من جديد، فقال الصغير وقد ضاق بهما ذرعاً:
_ بيقولك كلمتين عاوز يقولهم وبعدها امشي علطول، ومش راجع تاني انا
قهقهت عالياً لتذمر الصغير ثم قال:
_ خلاص آخر مرة.
ثم اخبرت الصغير برسالتها، التي فورما اخبره بها قفز في سعادة، ثم تسلل من بين الحضور دون أن يلحظه أحد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان بيت "الشيخ غالب" يقع في نقطة بعيدة في تلك القرية وقد كان مهجوراً لا يسكنه أحد، كما لا توجد اية منازل بالقرب منه
في طريق ترابي بين الأراضي الزراعية، كانت تسير وهي تنظر خلفها بين الحين والآخر، وصلها صوت خشخشة قادم من إحدى الأراضي العامرة بمحصول القصب، فهوى قلبها خشية أن يكون ذئباً او أي حيوان من الحيوانات التي تتسكع في ذلك الوقت المتأخر، فأسرعت الخطى حتى تعثرت إحدى قدميها بالأخرى، وسقطت ارضاً، ثم وبعد برهة، شعرت بمن يقبض على ساعدها، صرخت بأعلى صوتها، ولكن صاحب اليد كمم فمها، وهتف بصوت هامس:
_ وطي صوتك يا " وردة " ، أنا….. "فارس"
حملقت فيه بأعين مذعورة ظهرت على ضوء لهيب "مصباح الكيروسين" الذي احضره معه، سرعان ما انهمرت الدموع منها، فأبعد يده عن فمها وتابع معتذراً:
_ أنا آسف، مكانش قصدي اخوفك.!
ولما لم تتوقف عن البكاء، رفع يده ومسح دموعها وهو يتغزل بها صراحة، فشعرت بالحرارة تسري بأوصالها وقد توهج وجهها من فرط خجلها، فاستغل "فارس" تلك الحالة المسيطرة عليها ولثم وجنتها، تجمدت من المفاجأة، ثم هتفت بذهول:
_ إيه اللي عملته ده يا "فارس"؟
ثم احتدت ملامحها وهي تدفعه في صدره بعنف، وولت مغادرة فاعترض طريقها وهو يتسائل عن سبب تبدلها هكذا، فصاحت:
_ اوعى تكون فاكر عشان جيت معاك هنا، هسيبك تعمل اللي شيطانك يوزك تعمله، دا انا اموّت نفسي قبل ما تمس شعرة منّي.
حاول الإعتذار منها ولكنها لم تقبله حتى قال بأسف وهو يرى في نظراتها الخذلان:
_ حقك على راسي يا بت الناس، يللا خليني أرجعك البيت
شعرت بقسوتها عليه، ربما أخطأ التصرف ولكنها تثق انه لم يكن ليقصد ما فعله، لذا قالت وهي تقف في مواجهته:
_ مش عاوزاك تزعل يا " فارس"، بس لازم تعرف ان دا غلط.
ثم ابتسمت، فابتسم هو الآخر وقال بمرح:
_ طلاما ضحكتِ يبقى يللا بينا
تابعا طريقهما باتجاه بيت "الشيخ غالب"، وقد شعرت بقلبها يتقافز داخل صدرها، اما هو فكان مبتسماً بسمة عذبة لم تبرح وجهه قط.
ردهة صغيرة بدون سقف يحجبها عن السماء، وحصيرة صغيرة مصنوعة من خوص النخيل، تتوسط تلك الردهة ذات الأرض الترابية، وحجرة وحيدة صغيرة تطل على تلك الردهة، كان هذا هو بيت "الشيخ غالب"
جلس "فارس" و "وردة " فوق تلك الحصيرة وأخذهما الحديث، حتى وثب "فارس" فجأة وهو يهتف:
_ ازاي انسى حاجة زي دي؟
_ حاجة إيه؟
فقال بحرج وهو يلتقط المصباح الذي أحضره برفقته:
_ بصراحة كنت جايبلك هدية صغيرة ونسيتها
ابتسمت بخجل، فتابع:
_ دقايق وهرجع علطول، مش هتأخر.
ثم خرج يركض، فلحقت به ثم توقفت عند الباب وهي تراقبه حتى اختفى اثر المصباح الذي يحمله، فعادت وجلست فوق الحصيرة، ولأنها كان تخشى البقاء وحيدة في الظلام استوحشت المكان، فأخذت تدندن لتؤنس نفسها بصوتها حتى يعود.
سمعت صوت خطوات تقترب من البيت، فهرولت نحو الباب وهي تهتف بابتسامة:
_ رجعت بسرعة؟
كانت تظن انه "فارس"، ولكنها وجدت نفسها تقف امام اكثر شخص تبغضه في حياتها، " عمر " ابن عمها
ألجمت المفاجأة لسانها، فصاح الأخير بغضب وهو يرمقها بنظراته:
_ بتعملي هنا إيه بت عمي؟
تراجعت للخلف، وهي تزدرد ريقها بخوف، ثم هتفت بصوت خافت بالكاد خرج من حلقها:
_ "عمر"؟
_ أيوة " عمر"، اللي جاي يكشفك على حقيقتك يا****
صاح بصوت هادر، فارتجفت وبكت على الفور، فتابع بتهكم وهو يدنو منها:
_ على إيه شايفة نفسك؟… عشان اتعلمتِ؟… طب وآخرتها إيه؟… هتبقي مين يعني؟… آخرتك هتبقي في بيتي، رضيتي مرضيتيش برضو هتبقي ليا.
فصرخت فيه وقد كرهت تكرار هذه السيرة التي لم يملً من الحديث عنها:
_ مش هبقى ليك يا " عمر "مهما عملت، متعشمش نفسك عالفاضي
لاحت ابتسامة ماكرة على زاوية فمه، وقال بتوعد:
_ واعشم نفسي ليه؟… لما اقدر اخليكِ غصب عنك ليا، واخليكِ انتِ وابوكِ تبوسوا رجلي عشان اقبل بيكِ
شعرت بالخوف، فهي لم تفهم مقصده من حديثه ولكنها تنبأت بشئ سئ، تظهره ابتسامة الخبيثة، فتراجعت للخلف خطوات اخرى، بينما كان هو يقترب منها ببطء، وما إن صار أمامها مباشرة، رفع يده وجذب حجابها بعنف، كاشفاً عن خصلاتها المجموعة للخلف في جديلة كبيرة
صرخت عالياً، فهتف بخبث وقد لمعت عينه بمكر وهو يدفعها للخلف مسقطاً إياها أرضاً:
_ ابقي وريني هتقولي لأ ازاي؟
ثم وبدون أي مقدمات، تجرد من كل معاني النخوة، من كل معاني الرجولة، من كل معاني الإنسانية، اعتدى على عرضها، هتك سترها ولوث شرفها بيديه القذرتين، أما هي فقد رحمها القدر من رؤية معاناتها، ففقدت وعيها لئلا تظل تلك الحادثة شرخاً في عمق روحها لا يُجبر مع الزمن.
وككلب قضى حاجته على جانب الطريق، خرج من ذلك المكان، بعدما ارتكب جرماً تأباه الفطرة السليمة بل ويُغضب الخالق جلّ في علاه، وآه من غضب الخالق، بل آه حين يتوارى المرء من الناس ليفعل ما يحلو له دون خوف من أحد، غافلاً عن ربه الذي لا تأخذه سِنة ولا نوم، جاعلاً منه سبحانه أهون الناظرين إليه.
رحل عن المكان مخلفاً إياها في سِنة من غياب الوعي، لا تدرك ما حدث وكأنها ليست هنا….
بعد ساعة أو أكثر افاقت، لتتفاجأ بنفسها مطروحة على الأرض، ممزقة ثيابها، مسروق عرضها، كأرض سرقها المحتل من أصحابها، تجمدت لثوان تحاول استيعاب ما حدث، تدور ببصرها في كل مكان، وكأنها تبحث عن سبب مجيئها إلى هذا المكات المظلم الموحش، وفجأة شَخَصَ بصرها، حين تذكرت ابن عمها وما فعله بها، فبكت وهي تضرب وجهها براحتيها، دموع كالحمم تنساب على وجهها وقد أدركت ما سُلب منها غصباً، فتاة في عمر الزهور تفقد أغلى ما تملك، على يد من هي في الأصل عِرضه وشرفه.
جفت الدموع داخل عينيها، وظلت روحها تئن، بينما قلبها ينزف مكلوماً على ما فقد، لملمت ما تبقى من ثيابها تحاول ستر جسدها به، ثم خرجت من ذلك المكان المشؤوم، تجر قدميها جراً وكأنها تعاني لتحريك جبل من موضعه.
وصلت إلى بيتها بعدما انتهى زفاف شقيقها، كانت كجثة بلا روح، تبحث عن مرقدها الأخير، حتى دلفت حجرتها، ولحسن حظها ان أحداً لم يراها، وهناك سمحت لقلبها وروحها وكل كيانها أن يصرخ، حتى أُذن لصلاة الفجر، فنهضت وأخرجت من صندوق ثيابها، ثوباً نظيفاً غير ذلك الملطخ بدماء عذريتها وارتدته على عجل، خشية أن تأتي أمها في أية لحظة، وتراها على تلك الحالة السيئة، وبالفعل كما توقعت، فُتح الباب وولجت أمها، فكفكت دموعها سريعاً ثم التفتت نحوها مجبرة شفتيها على الإبتسام، ولكن أنًى لأم ألا ترى تبدل حال أبناءها، فمن حملته في بطنها أشهراً تسعة، وأرضعته حولين كاملين، وسهرت وتعبت على راحته... كيف لها ألا تلاحظ حزنه وألمه الذي يظهر في لمعة عينيه؟
اقتربت أمها تسألها بقلق عما أصابها، فقالت بصوتٍ باكٍ لم تستطع إخفاءه:
_ مفيش، بس تعبانة شوية
قلقت الأم وقالت برفق وهي تكوب وجه ابنتها بيديها:
_ تعبانة من إيه يا " وردة " ؟
بماذا تخبرها؟… بل ماذا سينطق لسانها إن سمحت لقلبها أن يُخرج ما بداخله؟… خشيت أن تخبرها بما حدث، فتتحول من ضحية سُلب منها عرضها إلى مجرمة سمحت لذئب أن يسرق شرفها دون أدنى مقاومة، فهذا هو العرف السائد، لا فرق بين من سُرق منها شرفها غصباً، وبين من فرطت فيه بكامل إرادتها، لذا بكت بحرقة وهي ترتمي بين ذراعي أمها، لعب الخوف دوره مع الأم، فضمتها إلى صدرها وهي ترجوها أن تخبرها بما يجعلها تزرف الدموع، فيأتيها الرد مختصراً:
_ تعبانة
فظلت إلى جوارها تمسح على رأسها برفق وهي تضمها، حتى استكانت ونامت بين ذراعي امها، فتركتها الأخيرة لتنام، ثم تسللت من جوارها وخرجت تاركة إياها لترتاح مما يتعبها، وآه لو علمت ما الذي يتعبها؟… لأعادتها إلى رحمها من جديد.
انتصف النهار، فاستيقظت " وردة " من نومها الذي لم يخلو من أحلامها التي كانت كلها عبارة عن ذلك الكابوس المروع الذي سرق منها براءتها وطهرها، وقد كان هناك أثر للدموع المحرقة على وجهها
مسحت أثر تلك الدموع، ثم خرجت من حجرتها وذهبت لتغتسل، ثم عادت بعما اغتسلت وبدلت ثيابها.
جلست عند طرف فراشها شاردة، تحدق بالفراغ وقد انسابت خصلاتها المبتلة فوق كتفيها.
_ " وردة " يا " وردة "
خرجت من شرودها على صوت لم تتعرفه، ولكن فورما رأت صاحب الصوت تعرفت إليه على الفور، انها " صابرين " عروس أخيها
رسمت بسمة فوق شفتيها حتى لا تُظهر أمامها ما تخفيه داخلها، فبادلتها الأخرى الإبتسامة وسألتها بقلق وهي تلاحظ شرودها المستمر:
_ مالك يا " وردة "
ولأن الألم أقوى من أن تواريه بكلمة، هطلت دموعها غزيرة مغرقة وجهها، كأرض قاحلة أغرقها المطر، انتفضت "صابرين" وأمسكت بساعدها باندفاع وهي تهتف بلهفة:
_ فيه إيه يا " وردة " بتبكِ ليه؟!
لم تجبها، ولكن علا صوت نحيبها، فاضطرت الأخرى لأن تصرخ منادية أهل البيت الذين تجمعوا داخل الحجرة في طرفة عين
حاول شقيقها معرفة ما أصابها، ولكنها لم تُفصح عن شئ، حتى تحدثت أمها بقلق وهي تحتضنها:
_ من الفجر وهي عالحال دا، وكل ما اسألها مالك تقول تعبانة.
اقترب " أيمن " من أخته وقال برفق وهو يمسح بأنامله على وجنتها:
_ متخافيش من حاجة يا " وردة "، مفيش حد يقدر يجبرك على حاجة مش عاوزها ابداً
ابتعدت عن أمها، وحدقت به، لا تعرف لماذا شعرت انه استطاع قراءة ما تخفيه داخل قلبها، فوجدته يبتسم وهو يومئ لها بأهدابه، ثم قال:
_ ابوكِ قال لي ان " عمر " زعلك امبارح، بس قسماً بالله لو كنت شوفته، لكنت دفنته في مكانه، إلا والوردة بتاعتنا، دي عندنا بالدنيا وقصادها تطير رقاب.
أجهشت بالبكاء وهي ترتمي على صدره، فضمها بقوة وكأنه يبثها الأمان، ولما هدأت بين ذراعيه، طمئنها أنه لن يسمح لأي مخلوق مهما كان، أن يتسبب في حزنها، ثم أوصى زوجته أن تبقى بجوارها لبعض الوقت.
وبعد مُضي أسبوعين، وبينما كانت الأسرة متجمعة، في بهو البيت، في المساء طرق الباب، ذهب " أيمن " ليرى من الطارق، فإذا به يصيح عالياً منبهاً أهل بيته بقدوم ضيوف، فقامت الأم وابنتها وزوجة ابنها بتغطية رؤوسهن، وبعد برهة عاد "أيمن" يتبعه " عمر " ووالده " صالح "
سرى التوتر في جسد وردة فور رؤيتها لذلك الذئب الذي بكل تبجح يأتي إلى بيتها بعد جريمته، أما هو فرمقها بطرف عينه، وهو يبتسم بسمة خبيثة كخبث نفسه، ولما استقر الجميع في أماكنهم، حمحم " هلال " بخشونة ثم سأل أخاه عن سبب تلك الزيارة، فابتسم الأخير وقال وهو يريت فوق فخذ ولده الذي يجاوره:
_ كل خير يا " هلال "
ثم تابع وهو يتبادل النظرات مع ذلك الذئب المتمثل في ابنه:
_ انا جاي لحد عندك عشان اطلب منك إيد " وردة " لـ "عمر"
اختطف " هلال " نظرة نحو ابنته التي يرتجف قلبها، وقد احتشدت الدموع خلف أهدابها تتأهب للهطول، ثم هتفت بنبرة هادئة واثقة:
_ الموضوع دا اتكلمنا فيه قبل كدة، وانتوا عارفين رأيي فيه
احتدت ملامح " عمر " ونظر نحو " وردة " بنظرة ملؤها الغضب، ثم قال بحدة:
_ ليه يا عمي؟… مش مناسب ولا أصلي ميشرفش؟
تعجب " هلال " و " أيمن " من ردة فعله، فقال الأول موضحاً:
_ مين اللي قال كدة؟… كل الحكاية انها مش عاوزاك وخلاص
_ وإيه اللي يخليها مش عاوزاه يا " هلال " ؟… مهما اتعلمت، وراحت وجات، مسيرها تقعد في البيت وتتجوز، وابن عمها اولى ليها من الغريب.
زفر " هلال " بضيق ورغب في طرد اخيه وابنه، ولكنه تحلى ببعض الصبر وأضاف منهياً هذا الجدال العقيم:
_ الحكاية مش حكاية تعليم وغيره، ولا حكاية غريب وقريب، الحكاية قبول، واللي " وردة " تقبله هو أولى بيها.
لا زال مُصراً على رأيه، إذاً لابد من إخضاعه حتى يُذعن لهما، ويوافق على مطلبهما، فقال صالح بعدما شدّ بيده على كف ابنه:
_ بس وردة مفيش حد هيقبل بيها وهي على حالها ده يا " ابو ايمن "
_ قصدك إيه يا " صالح "؟
صمت " صالح " لبرهة تاركاً الأفكار تعصف بأخيه، حتى نطق بعدما أرشق " هلال " ابنته بنظرات مستفسرة، وخصوصاً وهو يراها تطأطئ رأسها:
_ مفيش راجل حر يقبل انه يتجوز واحدة معيوبة
وفي اقل من طرفة عين، كان " أيمن " منقضاً على عمه ممسكاً بتلابيبه وهو يصرخ:
_ اقسم باللي خلقني وخلقك، لو ما سكت لادفنك تحت رجليك.
شعر " عمر " بالغضب لأجل والده فصاح يزجر ابن عمه وهو يدفعه بعيداً:
_ نزل إيدك يا " أيمن " بدل ما اكسرها
صفعة قوية أدارت وجهه، كانت هي ردة الفعل التي اتخذها " أيمن " للزود عن نفسه وعن شقيقته، أما " هلال " فقد ألجمته الصدمة وأفقدته النطق، فصار وكأنه في عالم آخر، لا يرى ولا يسمع شيئاً مما يدور حوله
بعد صمت دام للحظات، تحدث " أيمن " بتهكم موجهاً حديثه لعمه:
_ مش قولت يا عمي ان مفيش راجل حر يقبل يتجوزواحدة معيوبة؟… أومال الحر اللي عندك جاي يطلب يد المعيوبة ليه؟
كان " عمر " مستشيطاً غضباً بعد تلك الصفعة التي هوت على وجهه، اما " صالح " فقد زفر بقوة، وقال بتحدٍ وهو يرمق ابن أخيه بنظراته:
_ انت فاكر اني بتكلم من دماغي؟… لأ، انا عندي شاهد على كلامي
ثم نظر صوب ابنه وتابع:
_ قول له يا "عُمر" عاللي شوفته خليه يتْرجم ويبطل نفخة الصدر دي علينا.
قهقه أيمن بصخب وقال بسخرية:
_ مين الشاهد إبليس ذات نفسه؟
لمعت عينا " عمر " بخبثٍ وقال متجاهلاً سخرية ابن عمه:
_ ليلة فرحك يا " أيمن "، انا كنت قاعد وسط الناس برا، وفجأة لمحت " وردة " طالعة من البيت تتسحب زي الحرامية، روحت وراها قولت اشوفها رايحة فين في الوقت دا، لحد ما لقيتها دخلت طريق " الشيخ غالب "، وهناك قابلت " فارس "، وبعدين كملوا الطريق سوا، لحد ما وصلوا بيت الشيخ ودخلوا جوا
انا قعدت شوية برا مش عارف اعمل إيه؟… وبعدين روحت قربت من البيت، قولت اشوف البت دي جاية تعمل إيه في نصاص الليالي مع الكلب دا، وأول ما بصيت من الشباك شوفت اااااا….
توقف عن الحديث متظاهراً أنه لا يستطيع وصف ما رآه، حتى صاح " أيمن ":
_ شوفت إيه؟
فقال بعدما ازدرد ريقه عدة مرات:
_ شوفت اللي يكسرك انت وابوك والعيلة كلها يا ابن عمي
صفعة أخرى، أقوى من سابقتها هوت على الجهة الأخرى لوجهه، تلاها صراخ " أيمن " الحاد وهو يطبق براحتيه على عنق " عمر " بقوة:
_ وانا قولتها كلمة، اللي يجيب سيرة اختي بكلمة مكانه مش عالأرض…. مكانه تحتها.
تدخل " صالح " محاولاً كفّ ابن اخيه، فلقد اختنق ابنه بقوة وأوشك على لفظ أنفاسه الأخيرة، فلم يستطع، فقال بتحدٍ وهو يرمق أخيه بنظرات ماكرة خبيثة:
_ بينّا وبينكم " أم جمال " الداية
ارتخت يدا " أيمن " وكأن أعصابه شُلت فجأة، فدفعه " عمر " بعيداً عنه وهو يسعل بقوة محاولاً تنظيم أنفاسه
بكت "وردة " بقهر، فلقد أحست أنها وضعت بين المطرقة والسندان، فالتفت شقيقها إليها ثم هرول نحوها وهتف وهو يحيط منكبيها بيديه:
_ متخافيش يا " وردة " محدش يقدر يقرب منك طول ما انا عايش.
تشبثت بثيابه بقوة وكأنه ترجوه ألا يتركها، فما كان منه إلا أن ضمها إليه، ومسح على رأسها برفق، ثم اختطف نظرة نحو والده الذي كان كالغائب بينهم، وقال:
_ قول حاجة يا حاج ساكت ليه؟
طال صمته، فقلق " عمر " ووالده من طول صمته، حتى تحدث بنبرة خافتة ولكنها مسموعة:
_ جيبوها
وكأن جبلاً شاهقاً قد هوى فوق رؤوسهم، وتحديداً " أيمن " وأمه، أما " عمر " ووالده فقد انفرجت أساريرهما، فقال " صالح " بعدما صمت هنيهة:
_ بلاش الفضايح يا " هلال " وخلونا نلم الدنيا من غير كلام، وافق وخلي الموضوع يمشي.
ليخرج " هلال " عن طور صمته الغريب هادراً بقوة:
_ لا جيبوها، عشان بعد كدة محدش يلومني عاللي هعمله
كانت نبرته تحمل التهديد بين جنباتها، فتبادل " عمر " ووالده النظرات الواثقة، وكأن الأب على علم بمصيبة ولده
شعر " أيمن " بالأرض تميد اسفل قدميه وأوشك على السقوط ارضاً، بينما تمسكت اخته به اكثر.
وبعد نصف ساعة تقريباً، جاءت المرأة المنشودة بعدما ذهب " عمر " لإحضارها بنفسه، فقالت متعجبة من طلبهم حضورها في تلك الساعة من الليل:
_ خير؟؟!!
أطبق الصمت على الجميع ولو يقوى أحد على التفوه بشئ، فقال " عمر " وهو يقلب بصره بين الوجوه الواجمة والغاضبة:
_ عاوزينك تكشفي على وردة.
شهقت المرأة عالياً، وأخذت تتمتم مستعيذة، ثم قال باستنكار:
_ إيه اللي بتقوله دا حرام عليك؟
ثم نظرت نحو " هلال " وابنه وتابعت:
_ انتوا ازاي ساكتين عالكلام اللي بيقوله دا يا حج " هلال" ؟
وللمرة الثالثة يخرج عن صمته وينطق بعبارة قسمت قلب ابنه إلى شطرين، اما ابنته التي صارت كما الذبيحة التي يسن الجزار سكينه أمام ناظريها ليذبحها، فقد تمزقت روحها إلى قطع صغيرة كل قطعة منها تصرخ بهم أن يرحموها:
_ اعملي اللي قالك عليه
وكالآلة تحرك صوب ابنته ثم انتشلها من بين ذراعي أخيها، وجرها نحو حجرتها جراً، ثم دفعها للداخل بعنف وكأنه تيقن من جرمها قبل اي شئ، ثم أمر المرأة أن تذهب إليها ففعلت.
بعد دقائق مرت عليهم كالسنون، خرجت المرأة منكسة الرأس، نظراتها مليئة بالأسف، فهرع ايمن نحوها يسألها بعينه عن حال اخته فقالت بشئ من الخزي:
_ مش عارفة اقولك ايه يا " ايمن " ؟… بس " وردة " مش بِكر
لم يكن مقصده هذا السؤال، بل كان يود الإطمئنان عليها، ولكن ما قالته قد زعزع ثباته وزلزل كيانه، فسقط على ركبتيه بعدما لم تعد أقدامه قادرة على حمله
نظر صالح نحو أخيه بتشفٍ وقال:
_ قولت لكم بلاش فضايح وخلينا نلم الدنيا بينا وبين بعض، بس انتوا مرضيتوش.
ثم تابع وهو يرمق ابن أخيه بامتعاض:
_ الحر يا " أيمن " ميقبلش على نفسه واحدة معيوبة، وعشان كدة، احنا مش عاوزينها، و " عمر " ألف واحدة حرة تتمناه
ثم جذب ابنه من يده وخرجا معاً بعدما دمرا صرح السعادة الذي يحيط بتلك الأسرة، كمحتل غاشم همه سرقة الأرض والعرض.
خرجت المرأة بعدما أدت مهمتها، فبقي الآخرون في حالة من الصمت، كلٌ يبكي على ليلاه، " أيمن " لا يصدق ما سمع، والأم تخشى الحديث في حضرة زوجها، والأب شُلَّ تفكيره ولم يعد قادراً على فعل شئ
وبعد وقت لا يعلم أحد مقداره، نهض ثم ولج حجرة ابنته التي انزوت فوق الفراش تبكي نفسها، وهي التي لم تكن يوماً لتفرط في عرضها، حالها كحال درّة عربية سرقت غصباً ثم اتهمت انها من لمعت امام اللص حتى يتسنى له سرقتها، وفي النهاية هي المدانة.
لحظياً أفاق من رقاده، فلم يجد أحداً من عائلته بجواره، فلحق بهم وهناك وجد والده يقترب من اخته ببطء، حتى جلس على حافة الفراش بالقرب منها، وبنبرة منكسرة، وصوت خرج مبحوحاً نطق بما كان الصدع لروحها التي ما عاد فيها جزء بجوار الآخر حتى يتصدع:
_ ليه كدة يا وردة؟… بقا بعد ما علمتك وخليتك تعملي اللي عاوزاه، تبقى دي جزاتي؟
بكت وزاد بكاءها، فلماذا تتحمل هي اللوم؟… المتهم برئ يسرح ويمرح كما يشاء والضحية هي من تلام وتعاقب
شعر بالنار تتأجج داخل صدره غضباً على ابنته التي سمحت لنفسها ان تفرط في أغلى ما تملك، فلم يشعر بنفسه وهو ينهال عليها بالضرب وسبها بأقذع الألفاظ حتى أدمى وجهها.
«»«»«»«»«»«»«»