الفصل الأول
السابعة صباحاً، ساعة باكرة، تحب الاستيقاظ عندها دوماً، فهي ساعتها المفضلة، لأنها الساعة التي يصدح فيها صوت القارئ الكبير' محمد رفعت ' صادراً من إذاعة القرءان الكريم.
جلست في بهو البيت، تقوم بالبحث عن إذاعة القرءان الكريم عبر مذياعها الصغير، وما إن توصلت إليها حتى صدحت عالياً بصوت قارئها المفضل، وضعت المذياع فوق الطاولة، ثم تحركت نحو الرواق المؤدي إلى غرف البيت
توقفت امام غرفة ولديها وفتحت بابها، ولجت للداخل وقد كانت الغرفة غارقة في الظلام، تحركت نحو النافذة وفتحتها على مصراعيها فعم النور الغرفة بالكامل
امسك ابنها الأكبر وسادته وغطى بها وجهه ليحجب الضوء عن عينيه، ابتسمت ودنت منه، ثم قالت وهي تجاور فراشه:
_ " عبدالرحمن "
لم تصدر منه أية حركة، فجلست على طرف الفراش وتابعت وهي تهز كتفه برفق:
_ اصحى يا ضنايا معاك شغل
تأفف بضيق وهو يزيح الوسادة عن وجهه، ثم نام على أحد جانبيه، فاسترسلت وهي تدفعه بقوة اكبر:
_ قوم يا " عبدالرحمن " الساعة عدت تمانية
زفر بقوة، ثم اعتدل جالساً وهو يقول بحنق:
_ هاتي الساعة بتاعتك يا حجة
_ ساعة إيه؟
أضاف موضحاً:
_ الساعة اللي انتِ ظابطة عليها معاد شغلي…. دا انا مش بتهنى بالنومة بسببها
فضحكت ثم قالت:
_ ما هو لو انا مقولتش كدة مش هتصحى
فصاح بتهكم:
_ يعني انا بقبض بالدولار عشان اصحى قبل معاد الشغل بـ 3 ساعات؟
_ ليه؟… دا انت محاسب عند محامي كبير
شهق عالياً ثم قال باستهزاء:
_ محامي كبير؟… دا إنسان بخيل لدرجة متتوصفش ألفين جنيه إيه اللي تنفع مرتب في الزمن دا؟
ربتت على فخذه وقالت بقلة حيلة:
_ هنعمل إيه يا حبيبي اهي نوايا تسند الزير
_ مفيش نوايا بتسند زير، وخصوصاً لو زير زي اللي عندنا…. محتاج نخلة
هتف بها في يأس، ثم استطرد وهو يختطف النظر صوب شقيقه الذي ينام في هدوء:
_ وكمان لو الحلوف دا بيساعد بحاجة الظروف تتحسن شوية
في تلك اللحظة نهض شقيقه وهتف بصوت محشرج من أثر النوم:
_ خليك في حالك يا عم " عبدالرحمن "، وملكش دعوة بيا
ثم أردف وهو ينهض عن الفراش ويتحرك صوب خزانة الثياب:
_ وبعدين انتوا عاوزيني اشتغل واتعب واصرف فلوسي عالبيت؟
شعرت بثقلها على ابنيها، فقالت بحزن وقد دمعت عيناها:
_ عارفة اني تقلت عليكم، بس لو ابوكم الله يرحمه عايش مكونتش هجتاح حاجة من حد فيكم.
ثم هرولت خارجة من الغرفة تاركة ابنيها يتبادلان النظرات المتعجبة من ناحية " أسامة الإبن " الأصغر والحانقة من ناحية " عبدالرحمن " الإبن الأكبر
نهض الأخير عن فراشه ودنا من اخيه، ثم قال بحدة وهو يرمقه بنظرات حادة:
_ ارتحت كدة؟… أهي زعلت
اشاح " اسامة " بوجهه بعيداً عنه، وفتح الخزانة يلتقط منها ما ثيابه بغير اكتراث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ معلش يا " سعاد "، انا عارف الشيلة تقيلة، بس ولادك رجالة، سامحيني لو قصّرت معاكِ في يوم يا بنت الناس.
كانت تقف داخل مطبخها، تنهمر دموعها بغزارة، وقد تذكرت زوجها الراحل، وكلماته الأخيرة التي ودعها بها
شعرت بكف تستقر فوق كتفها، فتوقعت ان يكون " عبدالرحمن "... مسحت دموعها سريعاً، ثم نظرت نحوه، فإذا به يقف خلفها مبتسماً ابتسامة عذبة، سرعان ما انقشعت وتبدلت ملامحه إلى الحزن، حين رأى أثر الدموع على وجهها، فانكب مقبلاً يدها، ثم هتف معتذراً:
_ أنا آسف يا أمي حقك عليا….
هطلت دموعها مغرقة وجهها، فتابع وهو يمسح دموعها بأنامله:
_ معقولة يا أمي تزعلي مني؟…. أنا مهما كبرت هفضل ابنك، يعني يوم ما اقول كلمة مش عجباكِ، تديني باللي في رجلك على دماغي، ولو معجبنيش امسحي بوشي البيت كله، بس بلاش عياط بالله عليكِ.
مسحت على رأسه بحنان، وقد ابتسمت بسمة ممتزجة بدموعها:
_ انا مستحيل ازعل منك يا "عبدالرحمن" مهما يحصل
وجه بصره إلى خارج المطبخ، ثم عاد به إليها من جديد وقال بتهكم:
_ تبقي زعلتِ من " اسامة " وكلامه اللي زي سم العقارب، بس انتِ عارفة انه حمار ومش بياخد باله من كلامه خالص.
اتسعت ابتسامتها لتشبيهه أخاه بالحمار، فضمته إلى صدرها:
_ ربنا يرضى عنك يا "عبدالرحمن" ويحفظك من كل سوء، ويكتبلك الخير دايماً.
في تلك الأثناء حضر "اسامة"، فقال بتهكم وهو يرفع حاجبه لأعلى:
_ بالله خلصوا جو الشحتفة والصعبانيات دا بسرعة عشان افطر والحق شغلي.
رمقه " عبدالرحمن" بنظرة حادة ثم عاد ببصره نحوها وتابع بابتسامة:
_ مش قولتلك حمار؟
ابتسمت ابتسامة جميلة كالشمس التي تشرق في نهارٍ هادئ وجميل، فهتف بتشتت مفتعل:
_ الله… إيه اللخبطة دي؟… طب اعرف منين الشمس طلعت ولا لأ وانا قدام الضحكة الحلوة دي؟
كان بارعاً في رسم البسمة على وجهها، ولكن هذه هي المرة الأولى التي يجعلها تضحك من صميم قلبها، فلثم جبينها وقال:
_ بعد الضحكة دي، خلينا نبدأ اليوم صح
رمقته بنظرة مستفهمة، فأشار لها ان تبقى في مكانها، ثم خرج لثانيتن وعاد مرة اخرى، توقف امامها وهتف بابتسامة مرحة:
_ صباح الفل يا ست الكل، ها الفطار جاهز؟
قهقهت مرة اخرى ثم قالت بقلة حيلة:
_ اقسم بالله مجنون
فقال:
_ احسن من الحمار
ثم حمل زوجين من الأطباق وخرج بهما حيث طاولة الطعام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التف الثلاثة حول المائدة، فأخذ " اسامة" يتناول الطعام بنهم، بينما والدته كانت تأكل ببطء شديد، أما "عبدالرحمن" فقد كان يحدق به دون ان يمس الطعام، قال "اسامة" بحنق حين لاحظ نظراته الثاقبة:
_ فيه إيه؟… بتبص لي كدة ليه؟
أجابه بتهكم:
_ سيادتك هتخلي عندك دم امتي؟
فقال بسخرية:
_ أنا اصلاً عندي، تحب اعور نفسي عشان اثبتلك؟
تجهم وجه "عبدالرحمن" وكور قبضتيه وكاد أن يلكمه في وجهه، لولا رنين هاتفه الذي أوقفه، التقط الهاتف ونظر إلى شاشته، فإذا به أحد اصدقاءه:
_ السلام عليكم….. الحمد لله تمام….. دلوقتِ؟… إحلف…. لا هروح بإذن الله…. شكراً… حبيبي تسلم
_ مين يا "عبدالرحمن"؟
سألته أمه فورما أنهى الإتصال، فقال:
_ دا واحد صاحبي، بيقوللي فيه مكتب محامي محتاج محاسب، فهروح اشوفه
_ طب وشغلك؟
سألته بقلق فأردف:
_ والله، انا هخطفلي ساعة من الشغل واشوف الدنيا عاملة ازاي، لو لقيت الموضوع تمام والمرتب حلو، اكيد هخلع
رفعت راحتيها لأعلى تدعو له ان يوفقه الله فيما هو مقبل عليه، حتى صاح" أسامة" باستنكار:
_ وانا ابن البطة السودا، مش كدة؟… كل الدعاوي دي ليه هو وانا برا؟
رمقته بنظرة خاطفة ثم تابعت:
_ ربنا يهديك يا "اسامة" ويصلح حالك يارب ويرزقك من نعيمه.
لم تعجبه دعوتها رغم انها دعوة ممتازة، فكاد ان يعترض ولكن "عبدالرحمن" قبض على ساعده بعنف:
_ ربنا سبحانه وتعالى قال« وَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ »… وانت مصمم تبقى عاق، مش عارف ليه؟
فنهض من مكانه وهتف بتهكم وهو يضرب على كتفه:
_ خلينا البر ليك انت لوحدك….. سلام عليكم
خرج من البيت تشيعه اعين اخيه وأمه، فنهض "عبدالرحمن" هو الآخر ثم اقترب من امه ولثم جبينها وقال:
_ همشي انا بقا يا ست الكل…. عاوزة حاجة؟
هزت رأسها نفياً، فقال وهو يتحرك مبتعداً عنها:
_ السلام عليكم
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
قالتها وهي تنظر في أثره حتى خرج من البيت، وأغلق الباب خلفه، فأخذت تدعو له ولأخيه ان يرزقهما الله الراحة والرزق الحلال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يجلس بهدوء خلف مكتبه الصغير، يقوم بالعمل عبر الحاسوب، حين دلفت إليه سيدة في أواخر الثلاثينات، تجر معها ثلاثة من الأطفال بمختلف الأعمار، دنت من المكتب الخشبي الذي يجلس خلفه وهتفت ببكاء:
_ سلام عليكم يا استاذ
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته…. اتفضلي
أشار لها أن تجلس على مقعد قريب من المكتب، وهو يراقب تعابير وجهها العابسة، جلست المرأة وسرعان ما هطلت دموعها بغزارة، وعلى حين غرة انفجرت صارخة في وجهه:
_ انا عاوزاك ترفع لي قضية على جوزي يا أستاذ.
اراد ان يخبرها انه ليس الشخص المقصود ولكنها لم تمهله:
_ دا راجل مفتري، دايماً بيضربني ويضرب عياله، دا غير انه بخيل ومبيصرفش على حد، وكل فلوسه مضيعها عالهباب اللي بيطفحه.
ثم صمتت لبرهة قبل ان تهتف بقهر وهي تحدق فيه بأعين متوهجة:
_ منك لله يا "عبدالرحمن" إلهي تولع بجاز وسخ
_ وانا عملتلك إيه طيب؟
طن أنها تقصده بسبب نظراتها، فأردفت موضحة:
_ انا على جوزي يا استاذ
هز رأسه متفهماً، وهو يقول بحرج:
_ مش تقولي كدة من الصبح؟… بس انا كنت حابب اوضحلك إني…..
بترت حديثه حين أمسكت أحد ألأطفال ونزعت عنه سترته:
_ شكلك مش مصدقني، بص
آثار ضرب وحشية كانت تظهر على جذع الصغير، وأثار حرق:
_ أهو شايف؟… دا غير اللي في باقي جسمة، واللي في باقي العيال.
ثم نزعت حجابها، فظهرت آثار تمزق في شعرها، وآثار ضرب وعنف على رقبتها، ثم همت بخلع عباءتها لتثبت له ان جسدها يحوي آثار تعذيب أيضاً، فانتفض وهو يصيح بها أن تتوقف:
_ مفيش داعي يا ست الكل، انا مصدقك من غير ما تعملي حاجة، بس انا عاوز اقولك اني مش المحامي
ارتفع حاجبا المرأة لأعلى بالتزلمن مع توقفها عن البكاء، ثم هتفت:
_ أومال حضرتك مين؟
أجابها بابتسامة:
_ انا المحاسب!!
تجهم وجهها بشدة وودت لو قامت بصفعه، ثم هدرت عالياً:
_ ولما انت مش الزفت المحامي، سيبتني اتشحتف وابعبعلك باللي جوايا ليه؟
_ تبعبعي؟!!
قالها مستنكراً ثم اضاف بحنق:
_ انا مطلبتش منك تتشحتفي ولا تبعبعي، انت اللي اتدلقتي قدامي زي الجردل من غير أي مقدمات، حتى ملحقتش اقولك انا مين.
ارشقته بنظراتها الحادة ثم سألته:
_ أومال فين الزفت اللي مشغلك؟
اشار إلى باب قريب منه وهو يقول بامتعاض:
_ نصيحة ليكِ، اتفقي معاه على الأتعاب من دلوقتِ عشان بكرة متجيش تعيطي وتقولي محدش قالي انه ضلالي
تحركت نحو الباب بلامبالاة، فاسترسل بغيظ:
_ براحتك، بس سيبي الغنم دول هنا، وإلا هيجري وراكِي بالجزمة
همست لأطفالها ببضع كلمات، ثم طرقت الباب، وما إن وصلها صوته آذناً لها بالدخول، فتحت الباب ودلفت على الفور.
مكثت لساعة تقريباً ثم خرجت، وجدت صغارها يركضون في المكان بشكل عشوائي، بينما "عبدالرحمن" يركض خلفهم محاولاً إيقافهم، فصرخت فيهم ان يتوقفوا، ففعلوا على الفور.
وقفت مقابل "عبدالرحمن" وقالت بتعالٍ:
_ المحامي قال لي اسيب معاك مبلغ قبل ما امشي
فقال بأنفاس لاهثة إثر المجهود الذي بذله مع أطفالها:
_ يا ستِ اتكلي على الله وانا هدفعلك، بس خلصيني من شياطينك دول ابوس رجلك.
فتحت حافظة نقودها وهمت بإخراج المبلغ المتفق عليه، فقال يمنعها:
_خلّي الفلوس بعدين، لما يبدأ شغل في قضيتك، عشان انتِ شكلك هبلة ويتنصب عليكِ بسهولة
_ احترم نفسك
فقال بنفاذ صبر:
_ انا مال امي، ادفعي لو تحبي، بس هيفضل يطلب منك فلوس ومش هيوقف، ولما هتيجي تسأليه عن قضيتك هتكتشفي انه مشتغلش فيها اصلاً.
صمتت المرأة قليلاً ثم شكرته لنصيحته، ثم رحلت رفقة صغارها.
عاد "عبدالرحمن" لمتابعة عمله مرة اخرى، وما هي إلا لحظات حتى خرج المحامي، يسأله ما إن كانت المرأة قد تركت معه المبلغ المتفق عليه ام لا… فأجابه:
_ قالت هتدفع المرة الجاية
كز على أسنانه غيظاً، وقد احتدّت ملامحه، فسأله "عبدالرحمن" بشك:
_ انت ليه بتاخد اتعابك من الناس مقدماً؟
فابتسم بلزوجه وهو يجيبه بزهو:
_ دي حاجة لو عرفتها تبقى مليونير
ثم عاد لمكتبه، فهتف "عبدالرحمن" بحنق:
_ آه يا نصاب يا حرامي
ثم تابع عمله، وبعد مضي خمس عشرة دقيقة، سمع اصوات صراخ قادمة من خارج المكتب، فوثب من مكانه وخرج ليرى ما يحدث، فإذا بها امرأة شابة، مصابة بجرح عميق في مقدمة رأسها، تتدفق الدماء منه بغزارة، وفورما وقع بصرها على "عبدالرحمن" صرخت عالياً:
_ انا عاوزة ارفع قضية على جوزي يا باشا
فهتف بدهشة:
_ هما غيروا عنوان قسم الشرطة على هنا ولا إيه؟
«»«»«»«»«»«»«»«»