الفصل الرابع
الظلام كان كثيفًا… لكنه لم يكن غريبًا على رُبى هذه المرة.
فهي الآن تعرف طريقها داخله.
لم تعد تلك الفتاة التي تخاف الأصوات، أو تهرب من الهمسات.
الآن… أصبحت هي الصوت.
---
دخلت المقبرة من جديد، لكن هذه المرة وحدها، دون تحدٍ، دون شهود.
قادتها قدماها إلى القبر ذاته، وكأن جسدها تذكر طريقًا كانت تجهله عقلها.
جلست هناك، بصمت، ثم تمتمت:
– "أنا هنا."
ظهر الشاب من بين الضباب، بنفس الهدوء، بنفس الملامح…
لكنه كان متعبًا أكثر.
متهالكًا… كأنه قطعة من الماضي تُسحب قسرًا إلى الحاضر.
– "لماذا؟"
– "لأني لم أُمنح فرصة للوداع."
– "كنتَ تعلم أنني لست أنت."
– "بل كنتِ الجزء الذي ظلّ حيًا فيّ."
اقتربت منه رُبى، وحدّقت في عينيه.
ورأت كل شيء:
> مدينة محترقة. نار تلتهم الكتب والأصوات.
محكمة سرّية. تهمة: التحدث بما لا يجب أن يُقال.
عقوبة: دفن الجسد… وكتم الصوت.
ولكنه… قاوم.
زرع جزءًا من صوته في كلمات… وتركها لمن يأتي بعده.
بحث عنها في كل زمن، في كل شخص يسمع، في كل من يحلم.
– "وأنتِ… كنتِ الأصدق. الوحيدة التي سمعت."
قالت رُبى، بصوت صار ثابتًا:
– "لكني لست وعاءً لصوتك. أنا نفسي."
– "ولهذا اخترتكِ."
– "لن أسمح لك بأخذي."
– "بل سأترككِ. لكن… أحتاجك أن تتكلمي باسمي، مرة واحدة فقط…"
سكت لحظة، ثم أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا:
ريشة سوداء.
– "قولي اسمي. أخرجيه من العتمة. وأنا… سأزول."
---
فعلت.
تكلمت باسمه.
ولأول مرة منذ قرنين… سُمِع صدى اسمه في المقبرة.
الضباب تلاشى. الريح توقفت. والشاب… ابتسم للمرة الأخيرة، قبل أن يتفتت كغبار في الضوء.
---
في اليوم التالي، عادت رُبى.
لكنها لم تعد كما كانت.
باتت تسمع صرخات المقابر. ترى وجوهًا لا يراها غيرها.
وتكتب… كلمات ليست تمامًا منها.
على حائط غرفتها، كتبت عبارة واحدة:
> "بعض الأصوات… لا تموت.
لكنها تختبئ، في من يجرؤ على السماع."