الفصل الثاني
حبت رُبى نفسًا حادًا، ثم استدارت فجأة، لكنها لم ترَ شيئًا.
لا أحد خلفها. لا حركة.
فقط ظلال متراقصة على شواهد القبور، وضوء القمر بدأ أخيرًا يخرج من خلف الغيوم… كاشفًا عن شاب يجلس فوق أحد القبور، بملامح شاحبة وعينين ساكنتين كالماء الراكد.
– "من… من أنت؟!"
قالتها بصوت مرتجف، وهي تمسك هاتفها المرتجف كأنه سلاح.
أجابها بصوت هادئ، لا يخلو من الحزن:
– "نسيتُ اسمي. لكني أذكر صوتي."
– "هل… أنت حي؟"
ابتسم بهدوء، وقال:
– "أعتقد أن هذا يعتمد على تعريفك للحياة."
اقتربت خطوة، رغم أن كل شيء في داخلها كان يصرخ "اركضي!"، لكنها شعرت أن قدميها أصبحتا أبطأ من أن تهربا.
– "لماذا أنت هنا؟"
رفع رأسه إلى السماء، كأنه يستنشق الذكريات أكثر من الهواء، ثم قال:
– "لأني نطقت بكلمات ممنوعة قبل مئتي عام. ظننت أنني أبحث عن الخلود، لكن ما حصلت عليه هو الحبس في اللاصوت… في الصمت… إلى أن دخلتِ أنتي."
سكت لحظة، ثم نظر إليها مباشرة:
– "أنتي سمعتي صوتي… هذا يعني أن جسدك بدأ يتغيّر."
– "ماذا؟! ماذا تعني؟!"
ابتسم، لكن ابتسامته كانت حزينة:
– "أحتاج لمن يتكلم نيابة عني. لجسد يحتمل الذاكرة. أنتِ أول من تمكن من سماعي منذ عقود. والآن… أصبحنا مرتبطين."
ارتجفت رُبى، لم يكن ما يقوله منطقيًا… لكن هناك شيئًا بداخلها بدأ يتغير فعلًا.
رأسها ثقيل، يدها ترتجف دون برودة، والقبر الذي جلس عليه… أصبح مألوفًا.
كأنها زارته من قبل. أو ربما… كأن جزءًا منها دفن فيه.
– "أنت تحاول خداعي." قالت وهي تتراجع.
– "بل أحاول تحذيرك. إذا لم تساعديني… سأضطر أن أستعيرك. بالكامل."
وفي لحظة، اختفى الشاب من أمامها.
صوت الرياح تغيّر. الضباب بدأ يدور حولها كدوامة، والقبور بدأت تتمتم بأصوات بشرية…
أصوات تقول اسمها. بصوتها.
– "رُبى…"
– "روحي… هنا."
– "أنتِ التالية."
– "أنتِ أنا."
سقطت أرضًا، والورقة القديمة في يدها بدأت تذوب.
وبصوت الأخير، همس من داخلها شيء لا يشبهها:
– "الوقت بدأ… الفصل القادم، ستعرفين من أنا."