اللقاء الذي لم يكن صدفة
في زاوية شارع مرصوف بالحنين، وعلى مقربة من نهرٍ صغيرٍ يهمس للمارة، كانت تقف "ليلى" خلف زجاج مكتبتها القديمة، تقرأ كتاباً لا تذكر عنوانه، لكنها تحفظ كل شعور فيه.
ليلى، 29 سنة، خريجة أدب إنكليزي، لا تهوى الضجيج، ولم تعتد على اللهو العابر. كانت تؤمن أن كل شيء جميل يحتاج وقتًا، حتى الحب. خاصة الحب.
كانت تعيش وحدها في شقة فوق المكتبة، مع قطة تُدعى "سوسن"، وأكواب كثيرة من القهوة، ودفتر تكتب فيه يومياتها، لكنها لا تكتب اسمه أبدًا… لأنه لم يأتِ بعد.
حتى جاء ذات صباح.
كان الجو رمادياً، والشارع شبه فارغ، حين دخل رجل في منتصف الثلاثين، يحمل مظلة سوداء، ويرتدي معطفاً طويلاً كأنه من أفلام الزمن الجميل.
قال بابتسامة غريبة المذاق:
– "صباح الخير… هل لديكم كتاب عن الشعر الأندلسي؟"
رفعت عينيها عن الكتاب، وقالت دون تفكير:
– "نعم… لكن في الأغلب، هو من سيختارك."
ضحك.
ضحكت.
لحظة صغيرة… لكنها فتحت بابًا، لم يُغلق بعد.
كان اسمه "آدم"، أستاذ جامعي في قسم الفلسفة، جاء مؤقتاً ليُدرّس في الجامعة القريبة. لكن شيئاً ما في عيني ليلى جعله يشعر أن المدينة كلها قد لا تكون مؤقتة.
مرت الأيام.
صار يعود كل أسبوع. ثم كل يومين. ثم يوميًا.
وفي كل زيارة، كان يختار كتاباً لا ليقرأه، بل ليبقى في المكتبة أكثر.
كانت ليلى تعرف. لكنها لم تُظهر ذلك.
كانا يقرآن نفس الصفحات، لكن كلٌّ منهما يقرأ الآخر بين السطور.
في أحد الأيام، قال لها:
– "هل تصدقين بالصدف؟"
قالت:
– "أؤمن أن ما كُتب لك… لن يخطئك."
قال:
– "إذن، هل أتيت لأخذ كتاب… أم لأقرأك؟"
ابتسمت، لكنها لم تُجب.
في الليل، كتبت في دفترها:
> "هناك من يطرق الباب دون أن يُصدر صوتاً. وهناك من يدخل القلب دون أن يستأذن. آدم… ماذا تفعل بي؟"