الفصل الخامس
الفصل الخامس: القرار
كان المساء قد غطّى المدينة بردائه الأزرق، حين دخلت ليان إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها دون صوت.
شعرت أن الهواء في الغرفة أثقل من العادة، كأن جدرانها تحفظ كل تردّد مرّ بها، وكل خوف حاولت أن تُخفيه عن العالم.
وضعت حقيبتها على الكرسي، وجلست على الأرض قرب سريرها.
لم تشعل النور، بل تركت الغرفة في ظلالها، مكتفية بضوء الهاتف الخافت الذي خرج من جيبها وهي تمسكه بتردد.
رفعت شاشة القفل، وفتحت تطبيق التسجيل الصوتي، ذلك الزر الأحمر المألوف صار أمامها مرة أخرى… ساكنًا، ينتظر فقط لمستها.
مدّت يدها، ثم توقفت.
نظرت إلى أصابعها المرتجفة، تنهدت…
"لماذا يبدو هذا الزرّ كأنه نهاية العالم؟"
لم يكن التسجيل هو المشكلة…
بل ما يأتي بعده.
ماذا لو لم يكن صوتها جيدًا؟ ماذا لو سخروا؟
وماذا لو لم يسخر أحد، لكن لم يهتم أحدٌ أيضًا؟
أيُّ الاحتمالين أشد قسوة… السخرية، أم التجاهل؟
أغمضت عينيها…
وفجأة، عاد كل شيء.
تلك اللحظة القديمة حين وقفت تقرأ شعرًا لها أمام الصف…
ضحكة بصوت عالٍ من المقعد الخلفي.
همسة متعمدة من صديقتها: "أحسها تتصنع".
النظرات.
الصمت الذي خنقها.
والدمعة التي امتصتها أوراق دفترها في نهاية الحصة.
رفعت يدها تمسح عينيها.
"انتهى ذاك اليوم."
"أنا لست الفتاة ذاتها."
نهضت واقفة، ومشت إلى مكتبها بخطوات بطيئة.
سحبت منه دفترًا أسود، ممزق الزوايا، مفتوحًا على آخر صفحة كتبتها قبل أسبوع.
كان فيها كلمات لأغنية لم تُغنَّ بعد.
أغنية كتبتها في إحدى الليالي حين شعرت أن الكون كله ضدها… وأن صوتها، هو الشيء الوحيد الذي لم يُسرق منها.
جلست من جديد، وبدأت تتمتم بالكلمات بصوت خافت، ترتّب الجمل، تهمس بالألحان التي لا يسمعها أحد سواها.
ثم…
مدّت يدها من جديد نحو الهاتف.
ببطء…
ببطءٍ أكثر مما تتوقع.
وضغطت زر التسجيل.
"أنا لا أشبهكم…
لكني لا أحاول.
أنا فقط… أكون."
خرج صوتها مرتجفًا، يحمل بداخله كل التردد، كل الخوف، كل الرجفان…
لكنه كان حقيقياً.
حقيقيًا لدرجة أن قلبها ارتعش وهي تسمعه.
واصلت الغناء…
كلمةً بعد كلمة، بيتًا بعد بيت، كان صوتها يشتد، ونفسها يتعمّق.
وكأنها تُخرج نفسها من داخلها، شيئًا فشيئًا، طبقة بعد طبقة، حتى صارت خفيفة كريشة تطفو في هواء المساء.
عندما انتهت، عمّ صمتٌ ثقيل… لكنها هذه المرة لم تخف منه.
ابتسمت، وضغطت "إيقاف".
نظرت إلى التسجيل، ثم إلى دفترها، ثم إلى المرآة المقابلة…
لأول مرة، شعرت أنها ترى نفسها دون مرشّحات.
ليست كما تريد أمّها أن تكون، ولا كما تحاول صديقاتها رسمها، ولا حتى كما يتصورها أسر.
بل كما هي… ليان.
بصوتها، بخوفها، بعنادها، وبقلبها الذي قرر أخيرًا أن لا يُدفن تحت التردد.
اقتربت من النافذة، فتحتها.
هواء المساء صافٍ، باردٌ، يشبه بداية جديدة.
همست، هذه المرة بصوت هادئ وواثق:
"هذه المرة… أغنيتي ستسمعني، قبل أن يسمعها الناس."