الفصل الاول
الفصل الأول: مقطع بلا صوت
لم يكن صباح هذا اليوم مختلفًا عن سواه، نفس الشمس الرمادية التي تطلّ بخجل، نفس الطريق المزدحم، ونفس النظرات العابرة التي لا ترى شيئًا. كانت ليان تمشي بخطى هادئة بين الزحام، تحمل حقيبتها على ظهرها وسماعتا الأذن تحجبان عنها ضجيج الحياة، كأنها تخلق لنفسها عالمًا موازيًا لا يسمع فيه أحد سواها.
كان صوت البيانو يتسرّب إلى أعماقها من خلال الأغنية التي تكرّرها كل صباح. لحنٌ بسيط، لكنه يحمل في طيّاته شيئًا منها… شيئًا لا تجرؤ على قوله.
في دفترها الأزرق، كانت تحفظ سطورًا من كلمات لا يقرؤها أحد، أغانٍ تكتبها وحدها في صمت غرفتها، تهمس بها لنفسها حين يخفت كل شيء.
لم يكن أحد يعرف ذلك. ليان، الفتاة الخجولة التي لا ترفع يدها في الفصل، والتي تبتسم بصمت وتُخفي ألمها بابتسامة صغيرة… تخبئ صوتًا يشبه الحلم.
**
دخلت البيت بهدوء، ألقت الحقيبة على المقعد كمن تخلّص من عبء ثقيل، وأطفأت هاتفها دون أن تنظر إلى أي إشعار.
كانت تعرف أنّ اليوم عيد ميلادها، لكنها لم تشعر بحاجة للاحتفال. لا أحد يهتم فعلًا بما تشعر به. لا أحد يسأل ماذا يعني لها أن تكبر عامًا آخر وهي لا تزال في نفس المكان… لا تزال لا تجرؤ أن تُري العالم حقيقتها.
– «لا أريد شيئًا اليوم… لا كعكة، لا هدية، ولا حتى كلمات تهنئة.»
صعدت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، جلست على الأرض وفتحت دفترها، صفحته الأولى خُطّت بخط صغير:
"إلى الغد... اليوم لن يفهمني أحد."
**
مرت ساعة… ثم اثنتان.
ومع غروب الشمس، كانت ليان ما تزال جالسة في ذات الوضعية، تحدّق في الفراغ بعينين نصف مطفأتين. حتى سكون الغرفة كان يبدو أعلى من قدرتها على الاحتمال.
رنّ إشعارٌ في هاتفها – الذي نسيته على الطاولة.
فتحت الشاشة بلامبالاة، فظهرت أمامها أيقونة تطبيق موسيقي لم تفتحه من قبل.
نقرت عليه، فانفتح المقطع… مقطع صوتها وهي تغني.
تجمّدت.
كان ذلك تسجيلًا قديمًا كانت قد همست به لهاتفها في إحدى ليالي وحدتها، أغنية كتبتها منذ شهور ولم تسمعها حتى لنفسها، والآن… هي على الإنترنت.
لم تفهم ما حدث… حتى لمحت اسم المستخدم:
SilentNova97
وأسفل المقطع، عدد مشاهدات بدأ يتزايد بجنون، وتعليقات…
"هذا الصوت من عالمٍ آخر!"
"أشعر أن قلبي ذاب!"
"من هي؟ لماذا تخفي نفسها؟"
ثم جاء تعليق خاص، من حساب لم تعرفه، لكنه حمل كلمات لن تنساها:
"إذا كان صوتك خجولًا، فقلبك لا بدّ أن يكون شجاعًا. أرجوك… لا تصمتي بعد الآن."
**
توقفت أنفاسها، لم تعرف أتبكي أم تضحك، لكنّها أمسكت دفترها وكتبت:
"إلى الغد… لعلّي أجرؤ يومًا، وأغني أمام العالم."
ومن تلك اللحظة، كانت بداية الرحلة…