ازل الشاعر ينساه الناس.
استفاق ديمروس مجددًا، لكن هذه المرة كان السقف أعلى. لم تعد الحجارة تهدده من فوق، بل كان سقف خشبي مشقق، تتسلل منه خيوط شمس ناعمة، لا تتجرأ على دخوله تمامًا، بل تقف على الحافة كأنها تستأذن. كان المكان أشبه بذاكرة بعيدة عن الألم، مفصولة عن الضجيج، مُغلّفة برائحة الزعتر والماء الدافئ، تشبه صدرًا لم يُولد فيه يومًا، لكنه الآن يستكين فيه.
جسده لا يزال مكسرًا، لكن الهواء صار أخف، والعتمة التي اعتادها لم تكن هنا. كانت هناك نافذة صغيرة تُطل على فراغ صامت، وبقربها طاولة خشبية بسيطة، فوقها إبريق فخّاري ووعاء فيه مرق دافئ، وبجانبه رغيف خبز نصف يابس.
شعر وكأن حياته أُعيدت بصيغة هادئة، لا تزال ترتجف لكنها غير معطوبة بالكامل. عندما حاول تحريك أصابعه، شعر بأن كل حركة تُستدعى من هوّة عميقة، كأن الأعصاب نسيت وظيفتها، لكن جسده أطاعه… ببطء.
صوت خافت قطع سكون الغرفة:
> "ما زلتَ حيًا إذًا؟"
كان الرجل الفاضل جالسًا على كرسي منخفض، ظهره منحني إلى الأمام، يشحذ سكينًا صغيرة بحذر، يمررها على حجر صلب بيد ثابتة. لم يلتفت، لكنه تابع:
> "اعتقدتُ أنك ستتخلى عن الحياة مرة أخرى."
لم يُجِب ديمروس. كان صوته عالقًا بين حلقه وصدره، كأن لسانه يخجل من النطق بعد ما فُعل به. رفع يده اليمنى قليلًا، ثم أسقطها كمن جرّب قدرته على الرفض.
> "أنا… حلمت بها."
ضحك الرجل ضحكة قصيرة، لم تكن شفقة ولا سخرية، بل شيء بينهما:
> "كلنا نحلم بمن لا يجب أن نحلم بهم."
اقترب الرجل أكثر، وضع يده على جبينه، لم يكن جسده محمومًا كما في الأيام الماضية، لكنه ما يزال هشًا، كأن نبضه هشيم.
> "الحمّى غادرت… لكن النزف داخلك لم يتوقف بعد."
نظر ديمروس إلى النافذة. كان الضوء يمرّ على الجدار كما تمرّ فكرة على عقل شاعر. لا تصفع، لا تلمس، فقط تمرّ.
> "لماذا أنقذتني؟"
جلس الرجل على طرف الفراش، وقال بهدوء:
> "لأني أكره أن أرى الشعراء يُهزمون مرتين. مرة حين يُخذَلون… ومرة حين يصدقون أن من خذلهم كان يستحقهم."
أدار ديمروس رأسه، نظر في عينيه، لم يجد فيهما بطلاً ولا حكيمًا، بل رجلًا عاش كثيرًا، وتألم كثيرًا، ولم يُشهر صوته إلا حين لزم الأمر.
> "أنا… أحمق."
> "أنت شاعر. والفرق ضئيل، لكنه جوهري."
مرّت لحظة صمت طويلة. لم تكن ثقيلة، بل مطمئنة، كما لو أن الكلمات بين رجلين منهكين لا تحتاج أن تُقال.
ثم همس ديمروس:
> "لقد رأيتها. حلمت بها… جاءت إليّ، لم تسخر. كانت رحيمة."
> "أحلام الموتى تكون عادلة."
> "كانت دافئة… قالت شيئًا… ثم اختفت."
> "ربما كانت نفسك تخبرك أنك تستحق عناقًا، ولو لمرة واحدة."
> "ثم ركضت… لحقت بها. كأنني عرفت مكانها، لكني كنت أركض إلى الفراغ."
> "كان جسدك ينزف وأنت تركض، وكنتَ ستفقد حياتك لو لم أجدك."
ديمروس ابتسم. ابتسامة خافتة، لكنها نبتت رغم الدماء والخذلان.
ثم تنهد، وقال:
> "ضحكت عليّ، يا هذا. فوق دمي، ضحكت."
الرجل لم يجب. بل أدار وجهه نحو النافذة. زقزقة طائر كانت تُسمع من خلفها. لم تكن عالية، لكن فيها صبر.
> "أتعلم؟ الغريب… أني لا أكرهها."
> "هذا لأنك شاعر. لو كنت عاقلًا، لكنت قتلتها في خيالك وانتهى الأمر."
> "لكنني قتلت نفسي بدلًا منها."
هنا، صمت الاثنان. الضوء امتدّ على الأرض، كما يمتد ذكرى قديمة على وجه رجل مسن. الرجل الفاضل نهض، أحضر الصحفة ووضعها قرب ديمروس.
> "كُلْ. الكُتّاب لا يعيشون على الذكرى فقط."
> "ولماذا لا تموت الذكرى إذا لم نُطعمها؟"
> "لأن الذكرى تتغذى على الغياب، لا على الجوع."
أخذ ديمروس الملعقة، بيدٍ ترتجف، وبدأ يأكل. لكنه كان يتذوق الحياة، لا الطعام. وكانت كل لقمة تقول له: أنت هنا، ما زلت.
بعد أن أنهى، طلب شيئًا يكتب به. أحضر له الرجل ريشة وحبرًا.
جلس، رفع الورقة، وبدأ يكتب:
> "أيّتها التي ضحكت فوق قلبي…
لم تكن الطعنة الأولى منكِ… بل كانت منكِ الثانية، والثالثة، والعاشرة. لكن الطعنة الأولى… كانت أنا. يوم صدقتُ أن من يشبه النور لا يمكنه الحرق."
وبين كل جملة وأخرى، كان ينظر إلى النافذة. كأن شيئًا منها ما زال هناك. كأن الجرح لا يريد أن يُشفى. لكن اليد… كانت تكتب. ولأول مرة، منذ سنواته العشر الغائبة، كتب وهو يتنفس.
ولم يكن الألم هو السيد، بل التجلّي.
التجلّي على رماد رجلٍ لم يمت… بل كان يُعاد كتابته.
في الطرف الآخر من المدينة، حيث البياض ليس عذرًا للرحمة، كانت ديمرلا تضحك.
لم تكن ضحكتها هاربة من ندم، ولا ملوّنة بشك، بل ضحكة مرتفعة، صافية، ترتدّ في الهواء كما ترتدّ الحجارة على سطح بحيرة ساكنة.
خطيبها الوسيم، بثيابه المطرزة، كان يُمسك بيدها، يقودها وسط الحديقة التي صممها خصيصًا لأجلها. كل شيء كان هناك من أجلها: التمثال المصنوع من الزهور البيضاء، الأقواس المزينة بأكاليل النعناع، الورود المنثورة كأحرف حب لا تُقرأ.
قال لها بصوت خافت، والابتسامة على وجهه:
> "المدينة كلّها تتحدث عنكِ."
فابتسمت، لا بتأثر، بل بكِبر:
> "ليتني كنتُ هناك لأرى وجوههم حين نطقت اسمي."
> "لقد فعلتِها بشجاعة. لم يسبق أن واجهت فتاة أحدًا كما فعلتِ."
> "كان يشبه حشرة تحاول التسلق على جدار قصر."
> "كاد يلمسك، وأنا… لم أتحمل."
ابتسمت ببرود، ثم سحبت يدها منه بخفة وجلست على المقعد الحجري قرب تمثال الورد. كان التمثال يشبهها، كما أراده هو. شعرها ملفوف بدقة من براعم وردٍ ناعم، وعيناها من زهور بنفسجية قاتمة.
مرّت يدها على بتلة ورد، وقالت:
> "ومع ذلك… كان ينظر إليّ كما لم يفعل أحد."
تجمدت يده. ثم قال:
> "ما الذي تعنين؟"
أدارت وجهها إليه، وقالت:
> "أنظر إليه الآن… ربما هو في التراب، وربما في غيبوبة، وربما يحلم بي. لكنني ما زلت أنا. جميلة. عالية. ولن أنحني."
اقترب منها، ركع على ركبته، أمسك يدها مجددًا، وقال:
> "لأجل هذا أنا أحبك. قوتك. نظرتك. كبرياؤك."
ثم أخرج من جيبه تاجًا صغيرًا من الزهور البيضاء، ووضعه على رأسها، وقال:
> "كل هذه الورود لاشيء امامك، أنتِ اجمل واعطر من اي وردة."
ابتسمت أخيرًا، وهذه المرة كانت ابتسامتها هادئة، لا ساخرة. لكنها حين مالت برأسها نحو التمثال، شهقت ضحكة قصيرة:
> "لو رأى هذا، لربما مات مرةً أخرى."
وضحكت. ضحكت من قلبٍ لا يحمل ندبة. وضحك هو أيضًا.
ولم يتذكرا شيئًا. ولا أحد.
حتى اسم ديمروس… اختفى من الحديقة.