قُبلة الوداع
في عتمة الجرح، جاءه الحلم. لا طرقات ولا أصوات، فقط نورٌ ناعم كالموسيقى.
رآها هناك، تقف وحدها، وكأنّها تنتظر من يجرؤ على الوصول. وجهها مضاء بهدوء غامض، لا يشبه وجه من ضحك فوق دمه.
شعرها منسدل على كتفيها، يرقص مع ريح غير مرئية. ثوبها الأبيض كان طويلًا حتى الأرض، لكن قدميها لا تمسان التراب.
مشت نحوه كما تمشي الدعوة القديمة التي انتظرها قلبه منذ أن طُعن. لم تنظر إليه بعين سابقة، بل بعين لا يعرفها: ناعمة، مخلصة، صامتة.
اقتربت. أقرب.
ثم جلست عند رأسه، كما تجلس أمٌّ عند طفل نام على بكاء. مدّت يدها ولمست خده، بظهر كفها، كأنها تخشى أن توقظه.
قال لها بعينين نصف مغلقتين:
> "أنا مذبوح، فهل جئتِ لتقبّلي الجرح؟"
لم تجب. لكنها انحنت نحوه، ووضعته بين ذراعيها، كما تُضمّد القصائد. رائحة شعرها كانت تشبه الورد المُبلل، ودفء أنفاسها يلامس جلده.
قبّلت جبينه. قبلة باردة… كأنها من زمنٍ لا يُعاش. ثم همست له:
> "كنتَ أجمل من أن يُصدّقك أحد."
دمعة نزلت من عينه المشوهة، وابتسامة واهنة على فمه المتصدع.
> "هل هذه أنتِ؟ أم هذه أمنيتي الأخيرة؟"
لم تجب. بل اختفت ببطء، كأنها ضوء يُطفأ من الخارج.
وبقي هو وحده… يحتضن حلمًا لا يصدقه، وقبلة… لم تحدث.
لكنه لم يبقَ ساكنًا. بجسدٍ نصف مهشم، وروح بالكاد تعرف كيف تنهض، قفز من على الفراش المتهالك. أنفاسه تتلاحق، وجروحه تصرخ، لكنه لا يسمع إلا وقع خطاها في رأسه.
ركض. ركض كما يركض العطشان خلف سراب الماء، كما يركض طفل نحو أمٍّ تخلّت عنه في الزحام.
في كل زاوية من الزقاق المظلم، كان يراها. بياض ثوبها ينعكس على الجدران، شعرها يتلاشى خلف الزوايا. كان يناديها، لكن صوته لا يخرج، وكأن الحلم لم يغادر بعد.
> "ديمرلا… ديمرلا!"
تعثّر، سقط، قام، تابع الركض. الدماء من قدمه تلوّن الأرض، لكنها لم تكن مهمة. الوقت يهرب… وهي تبتعد.
وأخيرًا… توقف. في ساحةٍ مهجورة، وجدها تقف هناك، تبتسم كما في الحلم. لكن هذه المرة… كان جسده يُنزف، وعيناه لا تخطئان الفرق.
تقدّم نحوها ببطء، وذراعه ترتجف، قال بصوتٍ مبحوح:
> "لو أني متُّ… لما عرفت كم الحياة مؤلمة دونك."
مدّ يده… لكنها لم تكن هناك.
كان يمد يده للفراغ.
وكان الحلم… قد انتهى.