ولنا يومنا لقاء - ضحكة فوق رخام القبور | روايتك

اسم الرواية: ولنا يومنا لقاء
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: ضحكة فوق رخام القبور

ضحكة فوق رخام القبور

كانت السماء صافية، وكأنها اختارت هذا اليوم لتُخفي ما تحته. قادها من يدها — بخفةٍ تشبه اعتذارًا ناعمًا — وهمس: > "أغمضي عينيك، هناك مفاجأة تشبهك." سارت معه دون سؤال. فتحت عينيها في حركة ناعمة، وكأنها طفلةٌ لا تعرف بعدُ ما معنى الخيانة، فرأت حلمًا من الورد. الأرض مفروشة بالعطر، والمكان كله ينطق بلغة واحدة: "أنتِ هنا." أقواس من الزهور البيضاء تتقاطع فوقها، وممرات من ياسمين ناعم تتدلّى من أعمدة عاجية منقوشة بأنامل دقيقة، رائحة الماء المخلوط بعطر الزهر تتصاعد من نوافير حجرية صغيرة تهمس بهدوء، وفي المنتصف تمثال من ورد يشبهها. التمثال مصنوع من بتلات دقيقة، مرصوصة بحرص لا يُوصف، حتى شعرها نُسج من خيوط ناعمة من أزهار بنفسجية، وعيناها صنعتا من زهرتي بنفسج صغيرتين، تحاكيان نظرتها. > "هذه أنتِ، كما رآك قلبي قبل أن تراك عيني." وضع على رأسها تاجًا من الزهر الأبيض والأرجواني، وقال: > "لا يليق بكِ إلا أن تكوني تاجًا فوق الجَمال، لا إلى جواره." ثم قبّل يدها، قبلة طويلة، كأنها ختم ملكي على كفٍّ لا تُمدُّ إلا للحب. > "الورد لا معنى له إلا حين يُقال باسمك." جلست على مقعد رخامي أبيض، نُحتت عليه زهور صغيرة تلتف على الأرجل كأنها تتسلّق للأعلى، وأمامها طاولة زجاجية مستديرة، نُثرت عليها بتلات بيضاء وشرائط مخملية. خادم صامت يُقدّم شرابًا باردًا بلون الورد، في كأس كريستالي مُرصّع عند الحواف. ارتشفت منه ببطء، وأغمضت عينيها للحظة، كأنها تشرب الذكرى نفسها. قالت بعد صمت: > "تتذكره؟ ذاك المسكين الذي نطق باسمي مرتجفًا؟ خلط الحب بالدم، وكأنه ينتظر منّي نجاة… فصفعته." ضحكت، ضحكة خفيفة لكنها مشبعة بالمعنى. خطيبها ابتسم دون صوت، ثم قال: > "ليس كل من كتبكِ… يستحقكِ، وليس كل من تألم… صار شاعرًا." قامت ومشت ببطء، بخطى تُصدر صوتًا بالكاد يُسمع فوق أرضٍ مفروشة بالرمل الأبيض الناعم. فستانها بلون الشمس عند الغروب، يلامس الورد بخفة، وسوارٌ فضّي صغير يهتز على معصمها كلما تحركت. وقفت أمام التمثال، لمسته برؤوس أصابعها، وقالت: > "لو بَقي في الظل، لبقي في الحلم. لكنه خرج… فاحترق." ثم همست: > "الاحتراق لا يُنجّي العاشق، بل يختصر نهايته." مدّت يدها إليه، نظرت في عينيه طويلًا، ثم قالت: > "هذه الحديقة تُشبه النهاية، وأنا أريد بداية… لا يُكتب فيها أحد سواك." انحنى، ووضع رأسه على ركبتها. كان التعب يطفو على ملامحه، كأنه وجد وطنه على أطرافها. > "دعيني أنام هنا، ما دمتِ تنظرين." مرّت أناملها في شعره، برفق امرأة تُربّت على وطنها. السماء فوقهما ساكنة، وكل شيء… كان يشبه قصيدة لم تُكتب بعد. وكأن شيئًا لم يحدث. وكأن القصيدة… لم تُكتب.