ولنا يومنا لقاء - في متاهة النفس. | روايتك

اسم الرواية: ولنا يومنا لقاء
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: في متاهة النفس.

في متاهة النفس.

في مكان لا يذكر على الخرائط، ولا يزوره الزمن إلا كل عقدٍ من الوجع، تنتصب غرفةٌ متهالكة، يتدلّى من سقفها سلكٌ صدئ، ويتنفس هواؤها من فم أنبوبٍ مُتهرئ، يقطر فيه الزمن قطرةً قطرة. هناك، حيث لا نافذة تُطلّ على الحياة، ولا بابٌ يخرج منه أحد، ينهض من بين الركام جسدٌ لم يعُد يعرف نفسه. شاعر؟ ربما. مقعد؟ حتمًا. إنسان؟ هذا ما لا يستطيع تأكيده. لقد استيقظ كما يستيقظ الميّت حين يُخطئ الموت طريقه. كل عشر سنوات، يفتح القدر عينيه، ليضعه في مواجهة جسده المتآكل، وسريره الذي اختلط فيه العفن بالبقايا الآدمية، وروحه التي لم تعد تتكلم إلا شعرًا، كأنّ النثر خانها منذ زمن. ذاكرته؟ ممزقة. لا يعرف من هو، لا من كان، لا من تخلى عنه. لكن ثمة ظلٌ لا يرحل. وجهٌ يتكرر. لا يُنسى. لا يُفهم. هو الشرير الوحيد الذي بقي طافحًا في ذاكرته المُعتمة. ليس حبًا… بل لعنة. وحده. والصمت ثالثهما. كانت الغرفة تتنفس، كما لو أنها كائنٌ حي، ترتعش كلما همس الجدار باسمٍ لا يُقال. والمطر؟ لم يكن يهطل في الخارج فحسب، بل في داخله. كان هناك صوت بعيد، كأنه تهويدة أمٍّ نسي ملامحها. شيء ما في داخله يتحرك، يهتز، ثم يخرس. "أأنا هنا من جديد؟" يسأل نفسه دون صوت. ويجيب الجدار بصمتٍ أشد. تغرق يداه في البطانية. لا دفء. يتحرك الجرذ. ليس خياله، بل هو. يخرج من تحت الغطاء الأبيض مثل قدرٍ صغير. يحمل قطعة لحم. ربما كانت منه. وربما من أحلامه. لا فرق. كل شيء فيه يتحلل: عظامه، ملامحه، انتظاراته. ثم… تدخل. هي لا تنتمي لهذا المشهد. تضحك، تُضيء، تمرّر الحياة كأنها لا تعلم أنها غريبة هنا. لكن النور، حين لا يُطلَب، يُكسَر. يحبها؟ نعم. لكن من طرفٍ واحد. وهي… لها قلبٌ مع آخر. وتظل القصيدة تُكتب، على جدران الغرفة، على جلده، على الفراغ. كأنه يرفض أن يُنسى… من جديد.