الفصل الأخير: النهاية التي لم تُكتب
الفصل الرابع: النهاية التي لم تُكتب
في تلك الليلة…
كان كل شيء في الغرفة صامتًا على غير عادته،
الساعة لا تدقّ، الهواء لا يتحرك، حتى الظلال بدت ثقيلة كأنها تودّع.
نسرين جلست في الزاوية نفسها التي كانت تنكمش فيها كل ليلة، لكنها هذه المرة لم تبكِ.
كانت نظرتها غريبة، عميقة، وكأنها ترى أشياءً لا يراها سواها.
أمسكت دفترها القديم، الدفتر الذي كان رفيق انهياراتها،
قلبت صفحاته ببطء… كل صفحة كانت تؤلمها،
كل كلمة فيها كانت شظية من قلبٍ تمزّق في صمت.
ثم بدأت تكتب، بيدٍ لم تعد ترتجف، بل بيدٍ هادئة كأنها تعرف ما ستفعله:
> "إلى من يأتي بعدي…
أنا آسفة.
آسفة لأنني لم أعد أستطيع المقاومة… لأنّ خيانتهم كانت أكبر من قدرتي على الاحتمال.
لا تخبروني أن الحياة تستمر… أنا لم أعد أريدها أن تستمر بي.
من خانني سرقني من نفسي، ومن خدعني قتل الطفلة في داخلي.
أنا نسرين… التي ماتت منذ رأته يبتسم لغيرها، ويكذب في حضن أقرب صديقاتها.
اليوم فقط، أُعلن موتي رسميًا… بصمتي، باختياري، بلا دموع، بلا عودة."
أنهت الكتابة، ووضعت القلم بعناية بجانب الورقة،
كما لو كانت تخشى أن تزعج آخر كلماتها.
وقفت من مكانها، نظرت حولها،
كل شيء بدا صغيرًا فجأة… حتى صورتها المعلقة على الجدار بدت غريبة عنها.
اقتربت منها، لمست خدّها في الصورة، ثم همست:
"كنتي حلوة… وطيبة… وما كنتي تستاهلي كل هذا."
أخذت نفسًا طويلًا…
ثم فتحت خزانتها، وأخرجت الفستان الأبيض…
ذاك الذي اشترته ذات يوم لحلمٍ لم يأتِ، لحفلٍ لم يُقام، لحبٍ خانها في منتصف الطريق.
ارتدته ببطء، كأنها تتهيأ لحفلتها الأخيرة…
مشّطت شعرها، ووضعت عطرًا بسيطًا، نفس العطر الذي قال لها مرة:
"أحبّه عليكِ، يليق بكِ."
وقفت أمام المرآة…
نظرت لنفسها طويلًا،
رأت وجعها كله في عينيها… ورغم ذلك، ابتسمت.
نعم، ابتسمت…
لكنها كانت ابتسامة الوداع، لا الشفاء.
تمددت بهدوء على سريرها، كمن يستعد لرحلة لا عودة منها.
رفعت الغطاء برفق، وضمّت وسادتها كما كانت تفعل في ليالي الخذلان…
لكن هذه الليلة لم تكن كباقي الليالي.
بلعت آخر جرعة من حزنها، وآخر دمعة من خيبتها…
ثم همست لنفسها بصوتٍ واهن:
"ما عدت أقدر… خلاص… خلّوني أرتاح."
في الصباح، لم تفتح نسرين عينيها.
ظلت نائمة، بهدوء، بجمالٍ غريب،
وابتسامة خفيفة ما زالت على شفتيها…
كأنها حلمت أخيرًا بحياةٍ بلا خيانة، بلا وجع.
دخل والدها غرفتها بعد أن طال صمتها،
ناداها… لم تُجب.
اقترب، وضع يده على جبينها…
كان بارداً.
ارتجف قلبه، سقط الدفتر من يده، وقرأ الورقة…
وخرّ على ركبتيه يبكي…
يبكي ابنته التي كانت تنزف أمامه لأشهر، وهو لا يملك سوى الصمت.
وفي اليوم التالي…
كانت نسرين محمولة على الأكتاف، ملفوفة بالأبيض،
تمامًا كما حلمت، لكن في حلمٍ لم تتمنَّ نهايته.
دفنوها… والسماء كانت تمطر خفيفًا، كأنها تبكي معها.
أما هو… ذاك الذي خان، فلم يجرؤ على النظر إلى القبر.
ظل بعيدًا، وجهه شاحب، وندمه متأخر جدًا.
وأما ليان… فلم تحضر.
ربما لم تملك الشجاعة،
أو ربما، كانت تعرف أن بعض الأخطاء… لا تُغتفر.
وهكذا، انتهت قصة نسرين…
لكنها لم تكن نهاية فقط، بل كانت صرخة.
صرخة فتاةٍ ماتت مرتين… مرة بالخذلان، ومرة حين لم يلاحظ أحد أنها تموت كل يوم.