الفصل 1 : أنظمة تعمل
السماء ليست زرقاء.
منذ أن حُجبت الشمس خلف طبقات الحماية الاصطناعية، تحوّل لون السماء إلى رمادي باهت... أقرب للون المعدن المطفأ، كأن العالم كله أصبح داخل غرفة انتظار طويلة، تنتظر فيها البشرية حكمًا لم يُعلن بعد.
في الطابق 317 من برج "أركوس"، جلس رجل وحده داخل شقة شبه مظلمة. لا يوجد فيها كراسٍ، لا أريكة، لا صور عائلية. فقط جدار واحد يعرض بيانات العالم في الوقت الحقيقي.
رجل في منتصف الثلاثينات، شعره الأسود مصفف بعناية، يرتدي معطفاً طويلاً بلون الفحم. عيونه الرمادية لا ترمش كثيرًا، تُشبه عيون الآلة التي تفحص أكثر مما تشاهد.
اسمه: دارك.
أحد أكثر العقول دقة في تحليل النظام العالمي. خبير في البنية الكودِية التي تدير "الاتحاد الصناعي العالمي".
لكنه ليس موظفًا، ولا تابعًا لأي جهة. هو ببساطة: رجل يفهم.
---
ظهر صوت آلي من السقف:
> "تم تسجيل انتحار جماعي في مستعمرة A-17. الضحايا: 52. السبب المُحتمل: انهيار في نظام التحفيز العصبي الجماعي."
ابتسم دارك، لكن ابتسامته لم تكن دفئًا… بل تحليلًا.
"مثير للاهتمام…" همس، وهو ينهض ببطء. مشى نحو الجدار الشفاف المطل على العاصمة، حيث تتحرك السيارات الطائرة ضمن خطوط خضراء باهتة، كالخلايا العصبية لنظام حيّ يحتضر.
أكمل بصوت منخفض:
"خمسون إنسانًا ينهون حياتهم لأن سطر كود أخطأ في موازنة هرمون الدوبامين؟"
ضغط على زر صغير على معصمه. ظهرت أمامه واجهة شفافة على شكل خريطة دماغ بشري، متصلة بأجهزة تحليل سلوكي.
بدأ يراجع بيانات الانتحار، الخط الزمني، تأثير التحديث الأخير على النظام العصبي العام. لم يبدُ عليه أي تأثر. كل ما في الأمر أنه وجد خللاً في معادلة.
---
مرت ثلاث ساعات.
عشرات النماذج الرياضية، إعادة محاكاة نفسية، اختبارات وهمية لمواقف تحفيزية.
ثم قال أخيرًا:
> "النظام لم يُخطئ... بل فعل ما طُلب منه تمامًا. هو فقط... طبّق منطقًا أقسى مما تحتمل البشرية."
جلس على الأرض بهدوء، وأسند ظهره للحائط. رفع رأسه قليلاً.
"لو كانت الغاية هي تقليل نسبة الجريمة بنسبة 3.4% في مستعمرة A-17، فإن استبعاد خمسين عنصرًا متقلبًا نفسيًا يُعد قرارًا فعالًا."
تنهد، لا عن تعب، بل عن وعي قاتل.
---
رنّ جرسٌ رقمي. شاشة ظهرت في الهواء، تحمل رمز شركة "نيورال كورب"، إحدى أقوى الشركات المسيطرة على قطاع العقل البشري.
ظهر رجل يرتدي بدلة حمراء، بوجه مشوّه من العمليات التجميلية، وابتسامة بلاستيكية.
> "السيد دارك، نشكرك على التحليل السريع. كما توقّعنا، التحديث لم يكن خللًا، بل عملية فرز ناجحة. نرغب في دعوتك لاجتماع مغلق لبحث المرحلة التالية من "نموذج الإنسان 2.0"."
لم يُجِب دارك فورًا. فقط أطفأ الشاشة بهدوء.
وقف، ومشى نحو النافذة.
نظر نحو المدينة، الأبراج، الطائرات، المشاة المتسربلين تحت ضوء رمادي باهت.
ثم قال بصوت بالكاد يُسمع:
> "نحن لا نبني مستقبلًا... نحن نُطيل عذاب نظام يحتضر، ونُقنِعه أنه خالد."