الفصل السادس عشر:
البيت كان هادي بطريقة غريبة...
ربى كانت قاعدة لوحدها في الصالة، الموبايل في إيدها، لكنها مش بتبص عليه، والتلفزيون شغال على وِطْي، بس عقلها مش معا اللي بيتقال.
لأول مرة من ساعة ما دخلت حياة ناجد، حست بالفراغ.
هو عمره ما كان كلامه كتير، دايمًا ساكت، يجاوب على قد السؤال، ويبص بنظرات تحيّرك...
لكن وجوده، وجوده لوحده، كان كفاية عشان يطمن قلبها.
كل مرة كان يتكلم، حتى لو بكلمة، كان في حاجة في صوته بترجع لها توازنها.
حتى لما يبص لها من غير كلام، كانت تحس إن في جدار من الأمان حوالين قلبها.
النهاردة... مفيش.
مفيش خطواته، مفيش نبرته الباردة اللي كانت بدأت تحس بيها دفا خفي.
مفيش الكلمة اللي كان بيقولها قبل ما يسيبها ويدخل أوضته.
حتى الكوبايه اللي كان بيشرب فيها قهوته، واقفة لوحدها على الرخامة... ساكتة.
قامت، وراحت على أوضته... دخلت، وبصت حوالينها.
كل حاجة مكانها، بس ريحته لسه موجودة.
حطت إيدها على المرتبة، قعدت شوية... وبصت للسقف.
قالتلها نفسها:
"إزاي في حد وجوده بس بيخليكي تحسي بالأمان؟ حتى لو مش بيقولك بحبك؟ ولا حتى بيحضنك؟ بس وجوده... لوحده كفاية؟"
الفراغ كان بيزيد، والدقايق تقيلة...
وكل ما الساعة تعدّي، قلبها ينكمش أكتر.
في السجن، الوقت بيمشي بطء غريب...
الدقايق تحسها ساعات، والساعات زي عمر كامل.
ناجد كان قاعد في الزاوية، ضهره للحايط، وإيده على ركبته.
مش من النوع اللي يشتكي... حتى لنفسه.
بس عقله ماكانش ساكت.
بالتفكير، بيعدّي الوقت. بس كمان، التفكير بيوجع.
كان بيفكر في اللي حصل، وفي اللي جاي.
مين اللي خان؟
ومين اللي بيتحرك في الضلمة؟
ومين هيكون معاه لآخر الطريق؟
بس وسط كل الأفكار... كان فيه صوت، ناعم، بيرن في عقله.
ربى.
الست اللي ماكنش متوقع إنها تهمه،
اللي لما اتجوزها، افتكر إنه بيعمل واجب، مش أكتر.
النهاردة... لقاها في دماغه، في قلبه، في كل تفصيلة بتمر على ذهنه.
ابتسِمتها وهي داخلة عليه في الغرفة، ودمعتها اللي نزلت أول ما شافته...
إيديها وهي بتحضنه كأنها خايفة عليه أكتر من نفسها.
"هي فعلاً... بقت حاجة كبيرة في حياتي؟"
سأل نفسه، وهو بيغمض عينه وبيحاول ينام.
بس كل مرة يقفل عينه، يشوفها.
يشوف ضحكتها، صوتها وهي بتقول له:
"خلاص؟ هنمشي؟"
يشوف عينيها وهي بتلمع، يشوف خوفها، وصدقها، و... حنيّتها.
ولأول مرة من سنين، ناجد حس بالشوق...
شوق حقيقي. مش شوق لمكان، ولا شغل،
شوق لشخص.
حس إنه عايز يقوم، يمشي، يوصل لها، يطمنها،
يمسح دموعها، ويقول لها بصراحة من غير لف ولا دوران:
"إنتي مش بس مراتي... إنتي بقيتي روحي اللي مش عايز أخسرها."
بس في السجن، مفيش غير الجدران...
فكل اللي يقدر يعمله، إنه يستنى.
ويفكر فيها...
ويتخيلها...
ويحضن ذكراها، لحد ما ترجع تبقى قدامه من تاني.
_______
في الأيام اللي كان ناجد غايب فيها عن الشركة وعن البيت . صار ابوه راغد واخوه سفير المتكفلين بالشركة لحد مايطلع
وده خلا راغد يكون حريص جدا على الأعمال خصوصا بعد آخر تطورات وانه في خونة في الشركة وتسريبات ده غير الأعمال اللي تأجلت بسبب التحقيق في الحسابات
سفير كان واقف في أوضة الاجتماعات، ملفاته متناثرة على الطاولة. شكله مرتب، هدومه غالية، لكن في عينه حاجة مقلقة، حاجة مش مرتاحة.
راغد
"بص، يا ابني... الفترة دي لازم تمشي زي الساعة. ناجد مش موجود، ولازم نثبت إن وجوده أو غيابه مش فارق... مفهوم؟"
سفير رد بحزن مخفي وهو شايف ابوه بيقلل منه بالمقابل شايف ناجد الافضل
"مفهوم... وكل حاجة هتمشي زي ما احنا عايزين، متقلقش.
______
وفي يوم ...
سفير كان ماشي بخطوات هادية في الممر في فيلا ناجد ، لابس بدلته الغامقة، وحاطط إيده في جيبه. وقف قدام باب مكتب ناجد، مسك المقبض... وحاول يفتحه.
الباب مقفول بإحكام.
سفير بص حواليه، بعدين نادى بصوت واطي
"مدام نهلة؟"
جات مدبرة المنزل على عجل اول ماسمعت اسمه وبصتله باهتمام واضح
سفير باستغراب
"المفتاح فين؟ أنا محتاج أدخل المكتب ضروري."
حليمة ردت بصدق
"آسفة يا بيه... المفتاح مش معايا. الست ربى هي الوحيدة اللي معاها المفتاح."
ربى كانت بتدرس في الصالة عينيها شايفة بعيد بس عقلها مركز ومعاها ملاك بتحضر فيلم على التيليفيزيون وفجأة سفير دخل عليهم و بصوته الهادئ كالعادة.
سألها بابتسامة
" ياربى ...كنت عايز اسألك عن حاجة "
ربى بنبرة عادية نزلت الدفتر على حجرها وسألته
" أيوه ؟ خير ؟"
سفير
"كنت محتاج أدخل مكتب اخويا ناجد. في شوية أوراق تخص الشغل، ومفيش حد معاه المفتاح غيرك."
ربى بهدوء حازم
"فعلاً... مفيش غيري. والمكتب مش هيتفتح."
سفير بيضحك بخفة
"إزاي يعني؟ ده مكتب أخويا. طبيعي إننا ندخل ونشوف الأوراق."
ربى بابتسامة صغيرة لكن كلامها واضح
"هو مكتب جوزي كمان . ودي فيلته. وأي حاجة تخصه مش هتتفتح من غير إذنه ووجوده ... وهو وصّاني محدش يدخل. ومش هكسر كلمته."
سفير نبرته بدأت تتغير
"يعني حتى لو الموضوع يخص الشغل؟"
ربى نظرت له بثبات
"لو الموضوع يخص الشغل... استنى لما يرجع. لحد وقتها، أي حاجة تخص مكتبه تفضل مقفولة. وقوانين البيت هنا... قوانين ناجد، اللي أنا جزء منها دلوقتي."
سفير ابتسامة باهتة تخفي توتره
"واضح إن ناجد واثق فيكي أوي."
ربى بابتسامة ناعمة واثقة
"وأنا قد الثقة دي."
سفير بعد ما سابها، كان ماشي في الممر بعصبية خفية، ماسك موبايله، وبيفكر بعمق.
"هو شاكك؟ بعتلها المفاتيح عشان يمنعني؟"
بدأ القلق يتمكن منه لأول مرة، وكل اللي كان مخطط له... ابتدى يهتز في عقله.
_______
كان الليل هادي، والفيلا كلها ساكنة، بس في الصالة كان فيه صوت خافت... راغد ونعيمة قاعدين سوا، يتكلموا بصوت واطي، فاكرين إن محدش سامعهم.
راغد بص لنعيمة وقال بنبرة مطمنة
"متقلقيش... ناجد هيخرج بكرا، واللي حصل ده كله هيتلمّ، وكل حاجة هترجع زي ما كانت."
نعيمة بصت له بنظرة متشككة، وهي تمسك بإيدها كوب النعناع وقالت
"بس... يعني، إزاي فجأة؟ ما هو الموضوع كان كبير. هو فعلاً كل ده بسبب شوية أوراق؟ ولا علشان... الأعمال المشبوهة اللي كنت بتتكلم عنها قبل كده؟"
راغد شد نفسه في مكانه، ونبرته اتشدّت فجأة
"بس يا نعيمة، بلاش الكلام ده. انسيه خالص. إحنا متفقين... مفيش حد من الستات يدخل في شغل الرجالة، صح؟"
نعيمة نزلت عينيها وقالت بنبرة فيها قلق
"أنا بس مش عايزة حد من ولادي يتأذي... مش كفاية إنك جرّيت نفسك في اللي مالوش لازمة؟ دلوقتي ناجد كمان... وبكره سفير؟ مش كده برضو؟"
راغد قام من مكانه وهو بيعدل جلابيته وقال بحزم
"بكرا تشوفي... ناجد هيخرج، وهيعرف يرد اعتبار العيلة. اللي حصل مش إلا استراحة محارب. بس كده."
وهو بيكمل كلامه، كان سفير واقف ورا باب الصالة، سمع كل حاجة، ووشه كان مليان قلق... لكن كمان فيه شرارة طمع بتتحرك في عينه.
دخل أوضته بسرعة، وقفل الباب وراه، وطلع موبايله، واتصل بـ هشام.
هشام رد بنبرة متسلية، كأنه مستني المكالمة دي
"أيوه يا باشا... خير؟"
سفير بصوت مكتوم وفيه توتر
"سمعتهم بيتكلموا... أبوي قال إن ناجد هيخرج بكرا! لازم نتصرف فورًا! لازم تقنع ديفير يوقّع معاك... ووقتها ناجد هيبقى ضعيف، ويضطر يدخل شركة معاك، ووقتها تسيطر على الأسهم، ونوقعه، وأنا أبقى ماسك الشركة كاملة..."
هشام ضحك بخفة، وقال
"رايق انت، بس مستعجل. التعاقد مع ديفير مش لعبة يا سفير... ده راجل تقيل، وأذكى مما تخيلت. إحنا لازم نخليه يشوف إن ناجد فقد السيطرة... لازم نحافظ على الصورة دي أطول وقت ممكن."
سفير بان عليه الاستغراب
" انا مش فاهم ناجد ازاي قدر يكسبه لصفه ؟"
هشام بصوت فيه غيظ
"ما تخافش انا كمان هكسبه لصفي فيه طريقة نقلب بيها اللعبة."
سفير شد نفسه وقال
"طب إزاي؟"
هشام قال بنبرة جد
"دفتر الحسابات، يا سفير. هو ده اللي هيوقعه. لو وقع الدفتر في إيدينا، يبقى خلص وخلصت المغراوي "
سفير قال بتردد
"بس... لو وقعت المغراوي، أنا هستفاد إيه؟"
هشام انفعل شوية
"إنت لسه مش واثق؟ المغراوي هتقع بس علشان تتبني من جديد... بيك. مع دعمي وفلوس ديفير، إحنا نقدر نرجّع الشركة وأقوى، وانت تبقى على القمة... بس لازم دلوقتي تساعدني."
سفير بصوت مهموم
"الدفتر في مكتب ناجد... والمكتب مقفول. والمفتاح مع مراته شكل ناجد شكّ فيا ووصّاها."
هشام بان عليه الغيظ
"يبقى تفتحه، يا أخي!"
سفير قال بجدية
"مش هينفع... ربى مش هتوافق، وهي واخدة الموضوع جد... وبعدين... دي مراته! إحنا اتفقنا نبعد عن الستات والأولاد."
هشام رد بنبرة حادة
"أنا مش فارق معايا دلوقتي. لو الدفتر مظهرش، ناجد هيرجع بقوة... وساعتها خلاص، كل اللي بنعمله يضيع."
سفير سكت شوية، مش قادر يرد.
هشام قالها بغيظ
"اسكت خالص... وسيبني أنا أتصرف."
وقفل المكالمة.
سفير وقف في أوضته، ماسك الموبايل، وبص لنفسه في المراية...
كان باين عليه إنه لأول مرة، مش متأكد هو في صف مين... ولا إذا كان بيغرق أكتر من اللي كان متخيله.
_______
الساعة كانت اتنين بعد نص الليل.
البيت كله غرقان في سكون، مفيش صوت غير تكتكة الساعة في الصالة... الكل نايم، حتى ربى كانت في نوم عميق، ملامحها هادية، وكأنها أخيرًا ارتاحت من التوتر اللي عاشته الأيام اللي فاتت ومطمنة أنه ناجد هيخرج بكره وكل حاجة هتكون تمام ...
في أوضته، سفير كان نايم، لكنه صحى فجأة على صوت الموبايل بيرن.
فتح عينه بسرعة، وبص على الشاشة...
"هشام بيتصل."
رد وهو لسه صوته مبحوح من النوم
"ألو؟"
هشام قال من الطرف التاني بصوت واطي بس حاد
"الوقت جه... قوم دلوقتي، وخد المفتاح من أوضة أخوك، وافتح المكتب. الدفتر لازم يطلع النهارده قبل ما ناجد يخرج من السجن."
سفير اعتدل قاعد، صوته كان مضطر:
"إيه؟! إنت بتقول إيه؟ إزاي يعني؟ البيت نايم، والست ربى جوه أوضتها، والمفتاح معاها!"
هشام قال وهو متوتر
"رجالنا... اللي في الأصل رجالتك، خلاص خدوا أمر، هيبدأوا دلوقتي يضخوا غاز خفيف في البيت، مش مضر، بس هيعمل قلق وخنقة بسيطة تخلي الكل يصحى ويخرج... وهنا فرصتك. تاخد المفتاح، تدخل المكتب، تجيب الدفتر وتخرج قبل ما حد ياخد باله."
سفير صرخ بهمس
"إنت اتجننت؟! ده البيت فيه أمي وأبوي وملاك وأنا...!"
هشام ببرود
"مفيش حاجة هتحصل لحد، ده غاز خفيف للتشويش بس... بس أنا محتاج دوشة تحصل، ومين هيعمل الدوشة؟ اللي هيبقى جوه، إنت... فاهم؟"
سفير قال بضيق
"مش ممكن نغير الخطة؟"
هشام بنبرة حادة
"الراجل هيخرج بكرا... لو ما جبتش الدفتر دلوقتي، هتبقى كل حاجة راحت. وإنت أصلاً مش قادر تاخد مفتاح من واحدة ست! خليني أتصرف أنا؟"
سفير سكت شوية، وبعدين تنهد
"طيب... اتحركوا."
وبالفعل الغاز اتضخ.
بدأ ينتشر في البيت بخفة، لكن ليه ريحة خانقة، خلت ربى تصحى على صوت مكتوم، وصوت ملاك وهي بتسعل من أوضتها.
ربى بصت حواليها، وشافت الدخان الرمادي الخفيف بيتسرب من تحت الباب.
"فيه إيه؟!" همست بخضة، وقامت بسرعة، لبست بلوزة فوق البيجامة وفتحت الباب...
أول ما خرجت، الريحة خبطت في صدرها، فغطت أنفها بإيدها، وسعلت بشدة.
الصالة كانت فوضى.
راغد كان بيخرج نعيمة وهو بيقول لها بسرعة
"يلا يا نعيمة، طلعي برا... ماتوقفيش!"
ملاك خارجة بتسعل، وسفير واقف جنبها بيحاول يوجههم للخروج.
ربى قربت منه بسرعة وهي بتسأله
"فيه إيه؟ إيه اللي بيحصل؟!"
سفير رد بسرعة وهو بيدفعها ناحية الباب
"مكنش ناقص غير دي... شكلها أنبوبة الغاز، شكلها سربت! اطلعي برا بسرعة!"
خرج الكل... لكن سفير رجع، رجع يركض بدون ماحد يأخد باله و قبل ما يوصل زين وأيوب، وكان قلبه بيخبط من الرعب والتوتر.
لحسن حظه...
باب أوضة ربى كان مفتوح، دخل بسرعة وفتح الدرج الأول... مفيش!
فتح التاني...
"المفتاح!"
خده وركض على المكتب، والمفتاح بيرن في إيده.
فتح الباب، الريحة جوه كانت خانقة أكتر، قميصه توسخ وهو بيغطي بيه وشه، وبإيده التانية كان بيقلب فكل الأدراج والملفات.
لحد ما شافه... "دفتر الحسابات."
مسكه، قلب فيه بسرعة...
أرقام، تفاصيل، صفقات...
بسرعة دسّه في بنطلونه من جوه، وقفل الباب وراه، رجع يجري...
لقا زين وأيوب جايين عليه.
زين قال وهو بيقرب
"إنت بتعمل إيه هنا يا استاذ سفير الوضع خطير؟!"
سفير رد وهو بيحاول يبقى هادي
"كنت بحاول أعرف مصدر الريحة! كنت داخل أشوف."
ركضوا كلهم لبرا...
في اللحظة دي، وصلت عربية الإطفاء، والبيت كله كان بره.
ربى كانت واقفة جنب ملاك، باصة للبيت، مش فاهمة ولا حاجة...
"إزاي حصل ده؟! البيت كان سليم؟!"
قالتها وهي بتحاول تسيطر على أنفاسها.
وفي قلبها، في إحساس غريب...
إحساس إن فيه حاجة مش منطقية حصلت النهارده.
وإن اللي حصل مش صدفة.