12-11-10
_*روايـة نون دائـࢪه🍫🎀🪄۩٠٠))*_
تم مشاࢪڪة الروايه من قناة ࢪوٍآيآٺ لـﭰلبـڪ❤️🔥🍒🫶🏻 في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029Vb6LxqNEFeXuuSYTJ80x
تابع قناة ࢪوايـات تنقلڪ لعالـم الخيـال والأحـلام👑🪄🎊 في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029VagXtIfDTkK4hvsE821q
. •••••••••••••••••••••••••••••
الجزء 10:
القدر احيانا كعاصفة رملية صغيرة لا تنفك تغير اتجاهها ..وانت تغير اتجاهاتك لكنها تراوغك
(كافكا)
وكان قدرها أن يكون اليوم مأتمها، تجلس والدتها تبكي وتنوح بين النساء، تنعي فتاتها التي توفت في ريعان شبابها، رحلت عن العالم تاركة طفلين في عمر الزهور، طفلين لا يفقهان شيئًا ولا يتردد على ألسنتهم سوى جملة واحدة " بابا عور ماما دم"
ولا أحد يعلم القصة كاملة، فكل ما سمعه جيرانهم هو صوت شجارهم ثم السقوط وصوت الزجاج المُحطم
بدأت القصة حين وجدت (سلمى) الورقة مطوية بمحفظته، مؤرخة بتاريخ الأمس، ثارت وهاجت، فبعد أن تحملت الحياة معه، تحملت عصبيته ومسئولية المنزل فوق أكتافها، تحاول أن تتلاشى المشاكل وترضى بحياتها، فكان جزاؤها أن أصبح لها ضرة، زوجة ثانية بعقد عرفي
واجهته.. صرخت بما يعتمل به صدرها : بقى دا جزاتى، تتجوز عليا يا شريف، أنا قيدالك صوابعى العشرة شمع ودي أخرتها، مستحملة معاملتك وبقول فوتي عشان الولاد يكون دا ردك للمعاملة، إنت أصلا واطي وأنا لازم أخد حقي منك
قالت كلماتها بصراخ و توجهت إلى غرفتها تريد إعداد حقائبها لترحل إلى منزل والديها، ولكنها لم تكد تتحرك خطوة واحدة حتى جذبها من شعرها عنوة، كز على أسنانه مهددًا إياها : انتي بتعلي صوتك عليا، ايوه اتجوزت عليكي، كل شويه نكد و خناق، زهقت منك
قال جملته دافعًا إياها تجاه الحائط، تحركت بتيه فى أنحاء غرفة الجلوس، خرجت كلماتها شاردة : زهقت مني، أنا اللى استاهل اني دوست على كرامتي، هنتني كتير و دوست على كرامتي واستحملت، أنا هوريك يا شريف، والله لاخد الولاد وامشي واخليك تحفي ورانا
كانت تواجهه، تقف أمامه وجهًا لوجه، دفعها في كتفيها، صارخا بها : اتكلمي على أدك……..
لم يكمل الجملة ولم يحسب حساب دفعته، لم ينتبه للطاولة الزجاجية خلفها والتي سقطت عليها لتخترق شظايا الزجاج المُحطم جسدها ، و أُختتم المشهد بصرخاتها
انتبه حينها لصرخات طفليه، فلقد كان ماحدث على مرأى ومسمع منهما، تناسى وجودهما بالمنزل، والآن فقط انتبه لهما
طفلين لم يتعدى عمر أكبرهما ست سنوات، كانا شاهدين على قتل والدهم لوالدتهم، تحركت عينيه بتيه، ينظر تارة إلى طفليه وتارة أخرى لجسد زوجته المسجي أرضًا غارقة بدمائها ومن الصدمة لم يحاول انقاذها
أفاق من شروده على صوت طرقات الباب ثم تحطيم أحد الجيران له، حاول الهرب لكنهم أوقفوه، واستنتاجهم للمشهد هو أنه قتل زوجته وبشهادة طفليه
"زوج يقتل زوجته على مرأى ومسمع من طفليه" هذا هو ما علماه والديها ولكن التفاصيل لديه وحده ويرفض البوح بها، لا ينطق سوى بأنه لم يقصد
والدها هو أول من رأى جثة ابنته ليتعرف عليها، وبمجرد رؤيتها سقط أرضًا ليفيق بعدها فاقدًا لحركة جانبه الأيسر
أما والدتها فرفضوا رؤيتها لها، وها هي تجلس بين نساء العائلة وجاراتها، تبكي وتصرخ، تريد الثأر لابنتها، تحتضن طفليها اللذان فقدا النطق من الصدمة، آخر ما تفوها به " بابا عور ماما دم"
نظرت لابنة أخيها : ذنبك يا نيرة، كنت بعايرك بطلاقك، كنت بقول لها استحملي ومتبقيش مطلقة زي نيرة، ياريتها كانت اتطلقت وفضلت عايشة
ازداد بكاؤها و نحيبها : سامحيني يا بنتي، ارجعيلي و هطلقك منه
احتضنتها (ايمان) محاولة تهدئتها، وجلست (نيرة) بجوارها تذرف دموعها، أخبرتها من بين شهقاتها : حرام كده يا عمتو، ادعيلها بالرحمة، هي مش محتاجة غير دعانا، وربنا هيجيب لها حقها إن شاء الله
سكنت بين ذراعي (إيمان) زوجة أخيها ولسانها يردد : الصبر يارب
**********************************
جلست (نيرة) بالنادي تحاول إنهاء مقال بدأته بالأمس، تفتح حاسوبها أمامها، يبدو على ملامحها الحزن، مر أسبوع على وفاة ابنة عمتها، تشعر بالحزن حد الاختناق، العمة لا تتوقف عن البكاء، والصغيران مازالا على حالهما من فقدان النطق، زوج العمة أصبح قعيد الفراش لا يقوى على الحركة
تقيم والدتها معهم لفترة لتحاول مراعاة الصغيرين ومواساة العمة، ووالدها يتردد عليهم دائمًا، و هي شعرت بالاختناق بالمنزل فقررت الذهاب إلى النادي
" قاتل برتبة زوج…….. خيانة بمفهوم زواج…….. و عند انقشاع الحقيقة، كانت الزوجة الضحية"
هذا هو عنوان المقال الذي أنهته للتو و أرسلته بالبريد الإلكتروني لرئيسها، تحاول أن تسرد معاناة ابنة عمتها لتقتص لها من قاتلها
أغلقت حاسوبها عندما لمحت صديقتها قادمة نحوها، احتضنتها (ندى) : عاملة إيه النهاردة؟ وعمتك أخبارها إيه ؟
تنهدت (نيرة) بحزن : تمام الحمد لله ، عمتو لسه مش قادرة تصدق اللى حصل، بتتمنى إنه يكون كابوس وتصحى منه، صعبانة عليا جدًا، وولاد سلمى صعبانين عليا أكتر
سألتها (ندى) : وجوزها لسه ما اعترفش ؟
هزت رأسها نفيًا : لا، المحامي بتاعه عايزه يعمل فيها دور المريض النفسي عشان يخرجه منها
زفرت (ندى) بضيق : مفيش ضمير، بس إن شاء الله ربنا قادر يجيب حق سلمى الله يرحمها
قاطع حديثهم صوت رنين هاتف (ندى) ، وقد كان المتصل (مالِك) يطمئن على طفله، مكالمة سريعة ولكن ظهرت بها لمعة فرح بعينيها أثناء حديثها عن (أنس)، لمعة لاحظتها الصديقة وتعجبت الموضوع الذي لا تفقه عنه شئ
أنهت (ندى) المكالمة لتجد نظرات (نيرة) مصوبة تجاهها، نظرات مغزاها أن اعترفي بما تخفينه عني
نظرت لها (ندى) متعجبة : إيه! بتبصيلي كده ليه!
أجابتها (نيرة) : محتاجة توضيح للي سمعته، هو أنا فايتني كتير ولا إيه ؟
ابتسمت (ندى) : الصراحة ايوه، بس الظروف اللى حصلت و كده فمقدرتش أحكيلك
أشارت (نيرة) بيديها : احكي
قصت عليها (ندى) ما حدث مع مالك ورعايتها لطفله
تنهدت (نيرة) : مش عارفة اقولك إيه، بس لحد إمتى ؟
سألتها (ندى) بعدم فهم : هو إيه اللى لحد إمتى ؟
أعادت (نيرة) صياغة سؤالها : الولد هيفضل عندك لحد إمتى ؟
ظهرت ملامح الحزن على وجه (ندى) : أنا مش عايزاه ياخده، أنا مبقتش أقدر استغنى عنه، بقى شئ أساسي في يومي
تنهدت (نيرة) : ندى، لمصلحتك الولد يرجع لأبوه النهارده قبل بكره، هو ملزم يشوف حد يراعيه، انتى كتر خيرك لحد كده، وصدقيني كلامي دا لمصلحتك
كانت تهم بالرد عليها عندما استمعا صوت صياح (أمجد) من خلفهما : النادي منور والله
صافحته (ندى) و استأذنت بالرحيل فأوقفها قائلا : إذا حضرت الشياطين ولا إيه!
ابتسمت بهدوء : لا ابدا، أنا كنت ماشية أصلا ورايا ميعاد
ثم التفتت إلى صديقتها : هبقى أكلمك فون بالليل
أومأت (نيرة) برأسها : تمام
بعد رحيل (ندى)، انتبهت (نيرة) إلى أن الصغيرة برفقة (أمجد) تنظر لها باهتمام، حثتها على القدوم إليها، أجلستها على قدميها مقبلة إياها من وجنتيها : إيه القمر دا! بتبصيلي كده ليه ؟
أجابتها الصغيرة بخجل : عينيكي حلوة
شددت (نيرة) من احتضانها : انتى سكر
نظرت إلى (أمجد) الذى كان ينظر إليهما مبتسمًا : أحلى حاجة إن فرح مش واخدة أي حاجة من تقل دمك
نظر إليها بابتسامة مصطنعة : خفة، بس فعلا هي كلها يحيى، حتى هدوءه
: جايب في سيرة يحيى ليه ؟
نطقها (يحيى) من خلفهم، استدارت (نيرة) لتتلاقى الأعين، نظر إليها مليًا، رفع إصبعه أمامه : إحنا اتقابلنا قبل كده ؟
بادر (أمجد) بالاجابة : أكيد يا بني، دا يا إما أنا كنت باخد دروس في بيتهم أو هي بتاخد دروس عندنا
تذكر (يحيى) : ايوه افتكرت، اتقابلنا هنا في النادي من شهر تقريبا
أومأت (نيرة) إيجابًا : فعلا
مد يده مصافحًا إياها : أهلا بيكي، يعني انتي كنتي زميلة أمجد ؟ أسف بس أكيد شكلك اتغير عشان كده مش فاكرك
أهدته ابتسامة خفيفة : ولا يهمك
انتبهت للصغيرة تجذبها من ذراعها : ممكن تيجي معايا التدريب؟ صحباتي بيجيبو ماماهاتهم، تعالي معايا
تأثرت (نيرة) بكلمات الصغيرة، حانت منها نظرة تجاه (يحيى) الذى انحنى لمستوى ابنته قائلا بحب : حبيبتى، انتى كده هتعطلي طنط، أنا و أمجد هنحضر معاكي التدريب
نظرت الصغيرة تجاه (نيرة) التي لمحت نظرات الصغيرة المترجية والحزن الذي ظهر فجأة بملامح (يحيى)، هل تراه يفتقد زوجته كما تفتقدها صغيرته
حملت (نيرة) (فرح) بين ذراعيها، أهدتها قبلة رقيقة حانية : طبعا هحضر معاكي، أنا أصلا عايزة أشوف أفضل سباحة في النادي بتعمل إيه في تدريبها
تهللت أسارير (فرح) التى عانقت نيرة بشدة، ونظر إليها (يحيى) شاكرًا : أنا أسف على تصرفها، بس لو دا هيعطلك سيبيها وانا هتصرف
ابتسمت له بهدوء : لا أنا أصلا مش ورايا حاجة دلوقتي، و واثقة إني هقضي وقت لطيف مع فرح
مازحهما (أمجد) : أكيد طبعا فرح عايزاني أحضر معاها
شعر بالحرج من رد الصغيرة : لا، طنط بس
ضحكت (نيرة) ونظرت إلى (أمجد) نظرة ذات مغزى بأنها تعرف سبب رغبته بالذهاب معهم
رحلت (نيرة) برفقة الصغيرة تحت نظرات إعجاب (يحيى) التى لاحظها (أمجد)
************************************
جلس (سليم) شاردًا يفكر فى حال شقيقته، هو حزين لأجلها لكنه غاضب منها لأنها لا تضع أراء الناس في اعتباراتها، يعلم أنه يجب ألا نبالي لهم أحيانًا ولكن علينا ألا نعطيهم الفرصة لجعل حياتنا علكة بأفواههم
أتت زوجته تتنهد بتعب وإرهاق : يااااه، أخيرًا نامو، بناتك هيجيبو أجلي
لاحظت شروده، حركت يديها يمينًا ويسارًا أمام عينيه : سليم، سرحان في إيه ؟
انتبه إليها ولا يزال أثار شروده واضحة على ملامحه : بتقولى حاجة يا تقى ؟
تعجبت (تقى) من حاله : لا دا إنت مش معايا خالص، ايه شاغل بالك كده ؟
تنهد (سليم) : هو فيه غير ندى و تصرفاتها اللى شاغلة بالي
ربتت (تقى) على يديه : بص يا سليم، لازم تكون مقتنع إن ندى ملهاش ذنب فى اللى حصل من خطيبها، و حكاية إبن زميلها دا إنت عارف إن طيبة قلبها هي اللى سيطرت عليها
زفر (سليم) بضيق : عارف إنه مش ذنبها، وإن قلبها مفيش أطيب منه، بس الناس بتفسر على مزاجها، بيزيفو الحقيقة و يحورو الكلام
أجابته بنبرة هادئة : إنت عارف لو تبطل عصبية و تتكلم معاها بهدوء هتسمعك وتقدر تقنعها بوجهة نظرك، وكمان عصبيتك وصوتك العالي بيضايقو بابا منك
نظر إليها مليًا : يعني انتي شايفة إن ممكن لو اتكلمت معاها بهدوء تسمعني ؟
ابتسمت له : أيوه طبعا
سألها مشاكسًا : طب بمناسبة الهدوء، هما البنات فين ؟
تنهدت قائلة : أخيرا نامو، هلكوني بجد
ضحك لها قائلا : وهو كان حد قالك تخلفي بنتين توأم
نظرت إليه بوجه عابس : وهو يعني كان بمزاجي يا سي سليم
غمز لها بطرف عينه : طب ما تيجى نستغل الهدوء دا، مين عالم جايز المرة الجاية ييجي ولدين ويبقى رضا الحمد لله
تصنعت (تقى) البكاء : الحقيني يا ماما
ضحك (سليم) من هيئتها، جذبها بين أحضانه، يعلم معاناتها، فرعاية التوأم ليست بالأمر اليسير
********************************
وقفت (هدى) بالدور الأرضي من البناية، تنتظر المصعد المعلق بالدور الثامن أن يهبط ليُقِلها إلى الدور الخامس حيث تقطن، أتت جارتها التى تسكن الدور الذي يعلوها، ألقت عليها التحية، وقفت بجوارها منتظرة المصعد هى الأخرى، ثم ابتسمت إليها ابتسامة ذات مغزى : إلا قوليلي يا مدام هدى، هي مرات سليم ولدت تاني ولا إيه ؟
ردت عليها (هدى) ببرود، فهي تكره أمثالها من المتطفلين : لا، ربنا يعينها على البنتين
تمادت الجارة في تطفلها : أصل إحنا شفنا ندى من فترة و معاها طفل مولود، لولا اننا عارفين انها ما اتجوزتش كنا قلنا ابنها، بس دا يبقى ابن مين ؟
ضجرت (هدى) من حديثها، كم تود أن تنهرها، تخبرها أن تُبقي أنفها بعيدًا عن أمور الآخرين، ولكنها أجابتها من باب الذوق : إبن جماعة قرايبنا، بنراعيه عشان اهله عندهم ظروف
هزت الجارة رأسها قليلًا : أها، قولتيلي، أنا بس يا ختي حابة أنبهك إن الناس مش سايبين حد في حاله والكلام كتير، ربنا يخليلك الدكتورة ندي وتفرحي بيها و بعيالها
قالت كلمتها الأخيرة بابتسامتها البلهاء، وفي هذه اللحظة وصل المصعد إلى الدور الأرضي ليرحم (هدى) من بقية الحوار، دلفت إليه ووضعت مشترواتها أرضًا، نظرت إلى جارتها قائلة : أنا آسفة مفيش مكان، هتضطري تستني أطلع بالأسانسير و ابعتهولك
قالت كلماتها وأغلقت باب المصعد وضغطت على الزر الذي يحمل رقم 5
دلفت إلي المنزل وكلام جارتها يشغل بالها، فكرت كثيرا فيما سمعته، اتخذت قرارها وعقدت العزم على ألا يثنيها أحد عنه، تناولت هاتف زوجها الموضوع على المنضدة أمامها، حصلت منه على مبتغاها ثم وضعته مكانه مرة أخرى
*****************************
جلس برفقة والدته، يزفر بضيق، فها هي المربية ربما العاشرة التي ترفض الإقامة معهم بالمنزل، بالرغم من أنه انتقل للعيش برفقة والدته
مر ما يقارب الشهر على تواجد طفله برفقة (ندى) وهو لم يجد مربية بعد، يشعر بالحرج فهو قد أثقل عليها كثيرًا
شعرت والدته بالحزن لحاله : وبعدين يا مالِك، الوضع دا هيستمر لامتى؟ إنت كده تقلت عليهم
تنهد (مالِك) قائلا : مش عارف يا ماما، أنا حتى لو اخدت اجازة من الشغل مش هعرف أراعيه، ومفيش مربية موافقة بإقامة هنا في البيت، أنا بجد محرج جدا من ندى و أهلها
اقترحت والدته متوجسة : اتجوز يا مالِك، مفيش ادامك حل غير كده
نظر إليها مصدومًا من اقتراحها : إنتي بتقولي إيه يا ماما، إزاي وياسمين لسه متوفية بقالها شهر، وأنا أصلا عمري ما فكرت أتجوز بعد ياسمين الله يرحمها
لا يعلم لم أتت صورة (ندى) إلي ذهنه، فكر بها بمجرد اقتراح والدته، ولكن فكرة الزواج لم تأت بباله، حتى وإن أتت، هل ستكون (ندى) هي من يفكر بالارتباط بها، وإن كانت هي، هل ستوافق أن تُكمل حياتها معه بظروفه
قطع عليه تفكيره صوت رنين هاتفه، التقطه ليجده رقم غير مسجل، أجابه فربما تكون حالة طارئة تريده لمعالجتها، ولكنه تفاجأ من هوية وطلب المتصل
*********************************
جلس ينتظرها بالمقهى القريب من منزلهم، فقد تعجب من اتصالها به وطلبها رؤيته بعيدًا عن المنزل، أتت تسير نحوه بهدوء، تُقنع نفسها بأن ما ستفعله هو الصواب والأفضل للجميع
وقف لاستقبالها، مد يده لمصافحتها و دعاها للجلوس، سألها بقلق : خير يا مدام هدى، حضرتك قلقتيني
أجابته محاولة أن تتحلى بالهدوء : شوف يا دكتور مالِك، أنا مبحبش ازعل ندى وربيتها إنها تكون مسئولة عن قراراتها، بس لما ألاقى قرار هيضرها حتى لو كان صح فأنا مضطرة أتدخل، لو سمحت يا دكتور ياريت تاخد أنس في أقرب وقت، لأن طالما الموضوع ممكن يمس سمعة بنتي فأنا مش هقف أتفرج
الجزء 11:
أُغمض عيني… أغوص بالأعماق… أهرب من واقعي… هنا أشعر بالسلام.. بالطمأنينة.. بعيدًا عن البشر.. هنا أجد راحتي.. أبحث عن ذاتي.. أحتاج ليد العون ، فأجدها تمتد تجاهي.. تنتشلني من أوجاعي.. تحيطني بأمانها.. تُخبرني ألا أسمح لشعور الخوف بالسيطرة
أشعر بالأمان.. أفتح عيني لأصطدم بالحقيقة مرة أخرى.. فأنا ما زلت على وضعي.. مُذنبة بنظر المجتمع
: نسمة
كان هذا نداء (أميرة) بصوتها الهادئ للمُمددة على الأريكة أمامها
فتحت (نسمة) عينيها ببطء، يتخللها دموع تهدد بالسقوط، خرج صوتها متحشرجًا : نعم
ابتسمت لها (أميرة) : لقيتك طولتي فى تأملك، افتكرتك نمتي
هزت رأسها نفيًا : أنا لقيت مكاني الآمن، هربت ليه، بس هو موجود جوايا، لما بغمض عيني بروحله و برتاح، لما بفتحها مش بلاقي غير الحقيقة اللى بتوجع
سألتها (أميرة) بهدوء : شكله إيه مكانك الآمن ؟ اوصفيه
أغمضت (نسمة) عينيها مرة أخرى، و بدأت بوصف ملاذها : بحر.. سما.. هدوء.. لوحدي……. بس بتفاجئ بحد معايا، ايد بتحاوطني مش قادرة أميز صاحبها، بس حاسة بالأمان
ابتسمت (أميرة) فهي قد اقتطعت شوطًا ليس بالهين في علاجها، بدأت تخرج من قوقعتها، تبحث عن أمانها، تتحدث عن مخاوفها
أخرجتها (أميرة) من تخيلاتها، سألتها : لسه بتخافي من إيه ؟
دارت عينيها بمحجريهما : الناس.. الناس بتخوف.. نظراتهم وكلامهم و ندالتهم.. انتي بتقولي إني ضحية، بس هما شايفني مذنبة
تنهدت بعمق ثم أكملت : هو أول واحد شافني مذنبة، هو أول واحد اتخلى عني، أول واحد اتجرحت منه
سألتها (أميرة) : هو مين ؟
أجابتها (نسمة) بعيون باكية : أيمن، سمعته وهو بيقول لبابا إنه مش هيقدر يكمل بعد اللى حصل، شاف إن فيا حاجة ناقصة، أو شافني مذنبة و مجرمة و أستاهل إنه يبعدني عن حياته
انفجرت بالبكاء، تركتها (أميرة) تُخرج ما بها من طاقة سلبية، ثم سألتها : باباكي و مامتك وأصحابك شافوكي ازاي، حصل منهم إيه عشان تبعدي عنهم ؟
هزت رأسها يمينًا و يسارًا بوتيرة هادئة : محصلش منهم حاجة، حسيت بوجعهم، حسيتهم تعبانين و متعذبين معايا، حبيت أخفف عنهم الحمل شويه
أخبرتها (أميرة) بهدوء : بس انتي كده عذبتيهم زيادة، ضعفك هو اللى كاسرهم، باباكي و مامتك فخورين بيكي
قاطعتها (نسمة) : بس أنا دلوقتي مش مجال للفخر
نفت (أميرة) : بالعكس، لما تواجهي اللى حصلك وتبقي قوية و تتحدي الظروف هيبقو فخورين أكتر
أكملت (أميرة) حديثها مبتسمة : مامتك وباباكي دلوقتي مبسوطين إنك بتحاولي ترجعي على طبيعتك، و تقعدي معاهم، الفترة الجاية محتاجة منك ترجعي تقابلي صحباتك، اخرجي معاهم
أومأت برأسها ايجابًا دون حديث
ابتسمت لها (أميرة) بهدوء، بسمتها وحدها كافية لبث الطمأنينة بها
**************************************
أتى (يحيى) برفقة (فرح) إلى النادى، هو يحاول التواجد بحياتها بشكل دائم مؤخرًا، يحاول تعويضها غياب والدتها، لاحظ في الفترة الأخيرة تقلب مزاجها، وعند محادثة مدربتها علم منها الجواب :
في الحقيقة أنا بلاحظ إن فرح بتكون مبسوطة و عندها باور عالي في وجود قريبتكم، ياريت فعلا لو تقدر تتواجد دايمًا معاها عشان وجودها فارق فعلًا
تعجب (يحيى) ، فمن تقصد سارة بكلامها؟ سألها مستفسرًا : قريبتنا مين ؟
وكان الجواب هذه المرة من جانب طفلته : طنط نيرة قالت لعمو أمجد إنها جاية، ممكن أستناها ؟
سؤال طفلته البديهي أعلمه من تقصد (سارة) بقريبتهم، إذن فهي تهتم، تحضر أحيانًا تدريبات طفلته وهو لا يعلم
نزل بجسده لمستوى طفلته، احتضنها مقبلا وجنتيها : روحي مع كابتن سارة ولما توصل أكيد هتجيلك
ذهبت (فرح) متأففة، فهي كانت تود الانتظار
هاتف (يحيى) شقيقه ليعلم أين هو، فهو يريد أن يسأله عن مدى تطور العلاقة بين ابنته و (نيرة)، علم منه أنه متواجد بالنادي فتوجه إليه
وجده منهمكًا بإجراء مكالمة هاتفية أنهاها بمجرد أن وصل أخيه، بادره (يحيى) متهكمًا : هو إنت نقلت شغلك النادي ولا إيه؟ أنا شايف رجلك خدت على هنا أوي
مازحه (أمجد) : يا عم هنا أحلى بكتير من الاشكال اللي تسد النفس اللى بقابلها في الشغل، وبعدين أنا جاي أقابل نيرة، بس هي عندها شغل أخرها
التقط (يحيى) طرف الحديث : طب بمناسبة نيرة، هي بتحضر التمرين مع فرح من إمتى ؟
تعجب (أمجد) من سؤال أخيه : هي مش بتحضر معاها دايمًا، لما وقتها بيسمح بس، هو فيه حاجة ولا إيه ؟
ظهر الضيق بملامح (يحيى) : فيه إن فرح اتعلقت بيها، كابتن سارة بتقول إن اليوم اللى مبتحضرش فيه معاها بيأثر على أداءها و نفسيتها
أجابه (أمجد) بعفوية : خلاص أنا هظبط مواعيد التمرين معاها بحيث………..
قاطعه (يحيى) : لا يا أمجد، إنت تقول لها متحضرش معاها تاني، و ياريت لو هتقابلها يكون بعيد عن أي مكان فرح متواجدة فيه
تعجب (أمجد) من قرار أخيه : ليه كل دا ؟ هي هتخطفها ولا إيه ؟ وبعدين فرح بتحبها
أجاب (يحيى) بحزن : دي المشكلة، إن فرح بتحبها، و هتتعلق بيها، أنا عايز أتخلص من مشاكل فرح النفسية مش أعلقها بحد تاني هيبعد عنها
نظر (أمجد) إلى أخيه مليًا، يحاول أن يستشف ما بداخله، ثم قال بجدية : إنت في أيدك حل مشكلة فرح يا يحيى، أتجوز، فرح محتاجة أم
تنهد (يحيى) قائلا : فرح محتاجة حد حنين يعوضها غياب أمها، مش مجرد واحدة تقوم بالدور وخلاص من غير ما تحسه
هز (أمجد) رأسه : إنت عارف! المشكلة فيك إنت مش في فرح، إنت مش قادر تنسى، أنسى يا يحيى و عيش حياتك، أتجوز تاني لو عشان خاطر بنتك
نظر إليه (يحيى) بحزن بادي في عينيه : مش سهل يا أمجد، و بعدين أنا مش هستغل فرح في جوازي، و مش هظلم واحدة عشان اريح نفسي
قاطع حديثهم وصول (نيرة)، ألقت عليهم السلام، لاحظت توتر النظرات بينهم، توجهت بالحديث إلى (أمجد) : أسفة اتأخرت عليك بس كان عندي شغل
نظر إليها (أمجد) قائلا : عادي ولا يهمك
حدثته موزعة نظراتها بينه وبين شقيقه : هي فرح لسه في التمرين
أتتها الإجابة من الراكضة نحوها برفقة مدربتها تصرخ باسمها، احتضنتها بحب و رفعتها على ذراعيها : وحشتيني
عبست (فرح) بوجه طفولي : أنا زعلانة منك عشان محضرتيش التمرين
قبلتها (نيرة) بحب : أنا أسفة، مش هتتكرر تاني
نظرت حولها لتجد نظرات (يحيى) مثبتة بجمود نحوهما، بينما نظرات (أمجد) تهيم عشقًا بالواقفة خلفها، التفتت إليها ترحب بها، وبعد حديث قصير معها، استأذنت (سارة) بالرحيل، أوقفها (أمجد) قائلا : ممكن كلمة على انفراد يا كابتن سارة بعد اذنك
وافقته بإيماءة من رأسها، وذهبت معه
بعد رحيلهم توجه (يحيى) بالحديث إلى (نيرة) : أنا أسف لو فرح بتعطلك عن شغلك، اوعدك انها مش هتضايقك تاني ولا هتكوني مجبرة إنك تحضري معاها التمرين
تعجبت (نيرة) من حديثه، نبرة صوته مختلفة، حتى نظرته تختلف عن المرة السابقة، تشعر أن هناك خطأ ما، ولكنها قررت البوح بالحقيقة : وجودي مع فرح مش بيضايقني ولا أنا مجبرة احضر معاها التمرين، أنا بعمل كده عشان أنا حابة دا وعشان وجودي معاها بيبسطني، بس لو بيضايق حضرتك ساعتها أنا ممكن أنسحب
لم تحصل على رد، فقط تحول بنظراته بعيدًا عنها، يثيرها فضولها الصحفي لمعرفة سر تقلباته المزاجية، ولكنها حاولت إلهاء نفسها باللعب مع الصغيرة
***********************************
جلست (ندى) بغرفتها تهدهد (أنس) حتى يغفو قليلا عندما تعالى رنين هاتفها، التقطته سريعًا حتى لا يزعج الصغير، تعجبت من رؤية هوية المتصل، فهي لم تر هذا الاسم يضئ شاشتها منذ ما يقرب الشهرين
أجابتها بابتسامة نابعة من قلبها : نسمة!
أجابتها الأخرى بصوت هادئ : إزيك يا ندى
اتسعت ابتسامة (ندى) : أنا تمام الحمد لله يا حبيبتي، مش قادرة اوصفلك مدى سعادتي باتصالك دا، وحشتيني اوي يا نسمة
تستمع من الطرف الآخر، تشعر بحب صديقتها، تندم لأنها لم تسمح لهم بالتقرب من البداية : انتو كمان وحشتوني جدا، نفسي نتجمع زي زمان
شعرت (ندى) بالسعادة تملأ قلبها : أكيد طبعا، بكره إن شاء الله نتقابل، تحبي نجيلك الساعه كام ؟
طلبت (نسمة) بهدوء : لا أنا عايزة اخرج، أو أنا مش عايزة دا اقتراح دكتورة أميرة؛ نتقابل بره البيت
اقترحت عليها (ندى) مكان للقاء : طب إيه رأيك نتقابل عند نور، لأنها مش هتقدر تخرج من البيت
وافقتها (نسمة) : خلاص اتفقنا، ظبطي مع نيرة و نور و بلغيني بالميعاد
أغلقت (ندى) الهاتف، شعرت بالسعادة بعد هذه المكالمة، حدثت نفسها بأنه ربما قد آن الأوان لعلاقتهم أن تعود لسابق عهدها، كم تتمنى أن تعود حياتهم جميعًا لسابق عهدها، فكل واحدة منهم مر عليها من أمور ما قلب حياتها رأسًا على عقب
قطع عليها تفكيرها صوت طرقات الباب، دعت صاحبها للدخول، وجدته يفتح الباب قليلا، يُدخل رأسه فقط و يمازحها قائلًا : ممكن ادخل ولا هسبب إزعاج للأستاذ أنس!
تعجبت (ندى) من مزاح أخيها، ولكنها دعته للدخول : أتفضل طبعا يا سليم، متقلقش انس نايم
دخل (سليم) الغرفة ملقيًا نظرة على الصغير الغافي بجوارها على الفراش، اقترب منه يداعب وجنته بأنامله، علا ثغره ابتسامة ثم تحول بناظريه إلى شقيقته : عسل ما شاء الله
سألها بغتة : اتعلقتى به يا ندى ؟
تفاجأت من السؤال، ربما لو كان سأله أحد غيره لم تكن ستتعجب هكذا، ولكن كان عليها الإجابة، ولكن كيف سيفسر جوابها، هل سيجعله يثور أم سيظل على هدوءه، فهي ترى أمامها الآن (سليم) آخر غير من تعودت على رؤيته بالفترة الماضية، فها قد عاد بشخصيته القديمة، شخصيته المرحة التي لطالما عهدته عليها، وزعت نظراتها بينه و بين الصغير، خرجت الإجابة منها تلقائية : مبقتش قادرة استغنى عنه
ربت (سليم) على كتف شقيقته، شعر بنبرة صوتها بمدى تعلقها بالصغير، فربما قد يكون أنساها قليلا ما مرت به، أو شغلها عن التفكير به، حدثها بهدوء قائلا : أنا عارف إني كنت شديد معاكي الفترة اللى فاتت بس صدقيني دا كان عشان مصلحتك، كنت خايف عليكي، مش حابب حد يجرحك بكلمة، عارف اد ايه انتي رقيقة ومش هتستحملي حد يأذيكي بالكلام
تنهد مكملًا حديثه : لما جبتي أنس أنا اتفاجئت، بس يومها شفت في عينيكي نظرة غريبة له، كنتي متمسكة به لدرجة غريبة، مش مجرد حالة صعبت عليكي و عايزة تساعديها، أنا كنت خايف تتعلقي به زيادة عن اللازم، و حصل اللى كنت خايف منه
نظرت إليه و الدموع تترقرق بعينيها : يعني إنت مش متعلق بايلين و أيسل، مش بتحس انك عايزهم دايما قدامك ؟
أجابها بتلقائية : عشان دول بناتي، حته مني، لازم أتعلق بيهم بجنون وأبقى عايزهم ميفارقوش عيني، إنما أنس مش ابنك يا ندى، و مسيره أبوه ياخده، لو مش النهارده هيبقى بكره أو بعده، وحتى لو مخدوش؛ انتي ليه توقفي حياتك على طفل ميربطكيش به أي صلة ؟
ازداد بكاؤها، اقترب منها شقيقها ليضمها لأحضانه محاولا تهدئتها : اهدي يا ندى و فكري في كلامي، وأنا جنبك و هساعدك تعدي أي صعب، إختاري قرار صح بس مش على حساب حياتك
قطع حديثهم فجأة دخول والدتهم الغرفة، نظرت إليهم فترة دون حديث، تعجبا من نظرة الجمود بعينيها، وحينها تحدثت، يحمل صوتها نبرة قاطعة لا تحتمل النقاش : دكتور مالك بره، جهزي أنس عشان هو جاي ياخده
اتسعت عيني (ندى) عن آخرهما، كانت تنوي أن تفكر بكلام أخيها ولكن ليس بهذه السرعة، همت بمعارضة والدتها، ولكنها أوقفتها، رفعت سبابتها بوجهها قائلة بحزم : مش عايزة ولا كلمة، هياخده النهارده
انهت جملتها و خرجت من الغرفة تاركة ابنتها تجهش بالبكاء، تحتضن الصغير كأنه قطعة من روحها ستُسحب منها، شعر شقيقها بالشفقة لحالها، فهو يراها الآن قد تعلقت بالصغير حد التملك
***********************************
جلس (مالِك) و والدته برفقة والديها بغرفة المعيشة، يشعر بترحيب والدها، ولكن نظرات والدتها تقلقه، هو لا يتعجبها بعد حديثه معها بالأمس، ولكن يتعجب سبب تحول معاملتها تلك، هل تراها سمعت ما يؤذي سمعة ابنتها لهذه الدرجة، بعد رحيله من لقاءها ظل يجوب الشوارع يفكر في حل، و هداه عقله إليه بعد معاناة، أو ربما هو أمامه من البداية لكنه يرفض الأخذ به، عاد لبيته متأخرا ليجد والدته ما زالت بانتظاره، استشارها فيما توصل إليه، فوجد منها الترحيب والمباركة، وها هو الآن يجلس أمامهم لتنفيذ قراره
دخلت (ندى) الغرفة حاملة طفله بين ذراعيها، يرافقها شقيقها، يرى نظرة حزن واضحة بعينيها، ناولت الصغير لجدته؛ فهي تشتاقه
لثم (مالِك) أنامل الصغير و حانت منه التفاتة تجاه (ندى) ليرى دموعها المتحجرة بعينيها، توجه بالحديث لوالدها : الحقيقة يا عمي أنا جاي النهارده اطلب ايد دكتورة ندى
و كانت المفاجأة من نصيب الجميع عدا والدته
****************************************
كان (أمجد) بغرفته، يبدو على ملامحه الضيق، فقد صُدم اليوم بما لم يكن يتوقعه
استعاد بذاكرته فحوى الحديث بينهم عندما طلب منها أن يُحدثها على انفراد
بدأ حديثه معها محاولًا اختلاق أي موضوع، فهو لم يكن يتوقع أن توافقه : الحقيقة أنا كنت عايز مدرب سباحة شاطر يدربني فكنت بسألك ترشحيلي حد معين
نظرت إليه بدهشة بدت واضحة بصوتها : غريبة، اللى أعرفه إن حضرتك دايما الأول في مسابقة السباحة في النادي
نظر إليها مبتسمًا : الله دا انتي متابعة بقى
شعرت (سارة) بالحرج من نظراته : احم، حضرتك عايز تسأل عن حاجة تاني ؟
تنحنح (أمجد) : هو الحقيقة أنا عايز أقولك إن فرح بتحبك جدا
و تحولت نبرته يُشعرها أنه المقصود : و معجبة بيكي جدا و بشخصيتك و نفسها تتكلم معاكي
توقف عن الحديث عندما شعر بتغير نظراتها للنقيض، فهو يراها الآن مزيجا من الغضب و الحزن، اختفت نظرة الدهشة ليحل محلها نظرات مبهمة، استأذنته بالرحيل، توقف أمامها يمنعها الرحيل : أنا آسف مقصدتش أضايقك
أدارت وجهها للجانب الآخر تمسح دمعة تُنذر بالسقوط، ثم استدارت إليه تتلبس قناع الجمود : حضرتك لسه عايز مني حاجة تانية يا أستاذ أمجد ؟
تعجب منها، ألم تفهم بعد!
أخبرها : مش معقول كل دا مفهمتيش قصدي يا سارة
رفعت عينيها إليه بقوة : فهمت و مينفعش
سألها متعجبًا : ليه؟
و ألقت بوجهه القنبلة، شئ لم يضعه بالحسبان : أنا متجوزة
الجزء 12:
في عروض الزواج التقليدية؛ السكوت علامة الرضا، ولكن في موقف مشابه؛ السكوت علامة المفاجأة
لم يكن يتوقع أحد طلبه، كل ما تعلمه والدتها أنه أتى لاصطحاب طفله، وهذا ما أخبرت به والدها بعدما قصت عليه فحوى اللقاء بينها وبين (مالِك) وما دار بينها و بين جارتها من حديث بشأن (ندى)، و كانت المفاجأة الأكبر من نصيب (سليم) و (ندى)، فهما لم يعلما من الأساس عن قدوم (مالِك)
نظر (علي) إلى زوجته متعجبًا، و نظرة أخرى لوجه ابنته ليرى معالم الصدمة و المفاجأة متجسدة بملامحها، ربما في موقف مشابه لكان الشعور بالخجل هو متسيد الموقف
استلمت والدة (مالِك) ضفة الحديث، قائلة بابتسامة هادئة تعلو ثغرها : الحقيقة إحنا عارفين انكم كنتو مفكرين سبب الزيارة شئ تاني، بس مالِك بيفكر في الموضوع بقاله فترة، و طلبنا دا ملوش علاقة بمقابلة حضرتك معاه إمبارح يا مدام هدى
صدمة أخرى كانت من نصيب (ندى)، فمجيئه اليوم قد كان بعلم والدتها، و الأدهى بطلبها
وقفت (ندى) مستأذنة الدخول لغرفتها، نظر إليها والدها قائلا : اقعدي يا ندى، الكلام يخصك يبقى لازم تكوني موجودة
أمسك (سليم) بيدها برفق، وحثها على الجلوس مرة أخرى
التفت (علي) إلى (مالِك) و والدته قائلا بهدوء و بابتسامة طفيفة تعلو و جهه : الحقيقة إحنا اتفاجئنا بطلبك يا دكتور
شبك (مالِك) أصابع يديه قائلا بتوتر : أنا عارف إني ممهدتش للموضوع بس أنا بصراحة كنت خايف من رد فعلكم، بس بعد مقابلة مدام هدى صليت استخارة و نويت أفاتح حضراتكم في الموضوع
أومأ (علي) برأسه : طبعا يا بني، و أظن إحنا كمان حقنا نفكر في الموضوع
أجابه (مالِك) سريعا : طبعًا يا عمي أكيد
استأذن (مالِك) و والدته بالرحيل، حمل الطفل بحنو بين ذراعيه، نظرت إليه (ندى) بدموع متلألأة بعينيها، اقتربت منه طابعة قبلة رقيقة على وجنته ثم ذهبت سريعًا إلى غرفتها حتى لا تفقد السيطرة على دموعها أمامهم، فشعورها بابتعاد (أنس) عنها كأن أحدهم يسحب جزء من روحها
*****************************
جلست (سارة) بغرفتها تكفكف دموعها، لعنت قلبها الذي سمح بدخوله إليه، كان يكفيها ما يحاوطها من مشاكل لتُقحم نفسها بواحدة جديدة قبل أن تتخلص من سابقتها، شعرت بانجذابها نحوه منذ محاولته التقرب منها، حاولت التهرب منه مرارًا ولكنه حاصرها بالأخير، كان عليها أن تخبره بأمر زواجها حتى يبتعد، لم تخبره الحقيقة كاملة، فهي لم تعلم النهاية بعد
نهاية القصة التي بدأت منذ عام بتقدم أحد جيرانها لخطبتها، زواج تقليدي لا يوجد به مشاعر، شاب تقدم لخطبة فتاة، و بالسؤال عنه تبين أنه على خُلق، يبدو للجميع بصورة الشاب الخلوق المكافح الذي لا ترفضه أي عروس، قابلته و تجاذبا أطراف الحديث ليعجبها ثقافته و إلمامه بما يدور بالعالم من حوله، أعجبها طريقته بالحديث، و احترامه لوالديها، وافقت على الخطبة، و تطور الأمر إلى عقد قران، و الحجة " عشان يقدرو ياخدو على بعض براحتهم"، و الحقيقة لم يحاول استغلاله للتمادي بعلاقتهم، لتكتشف بعدها بأنه لا يوافق على أمر إلا بمشورة والدته، الأمر لم يضايقها في البداية؛ فقد اعتبرته بارًا بوالدته التي قامت بتربيته بعد وفاة والده منذ صغره، تهاونت في أمور كثيرة، تحملت معاملة حماتها الجافة لها، و كلما اقترب موعد الزواج، يظهر وجه آخر لشخصيته، أو بالأدق لشخصية والدته التي كانت تفاجئهم بقراراتها : بلاش فرح، مصاريف في الفاضي
و القرار المفاجئ كان قبل العُرس بشهر عندما اكتشفا بالصدفة أن شقة الزوجية لم تكن سوى شقة مؤجرة لمدة شهر، و عند المواجهة كان الرد من قبل حماتها : أنا بقول يوفر مصاريف الشقة، ياخدو شهر عسل براحتهم في شقة إيجار و بعدين ييجو يعيشو معايا في شقتي
و الصامت بالمعنى الدارج "إبن أمه" لم يعترض، بل كان على علم بالخطة من البداية، و لم يضع بالحسبان أن يتلاقى حماه بحارس العقار و يعلم منه مدة إيجار الشقة، القشة التي قصمت ظهر البعير ليطالب والديها بالانفصال، فالزيجة بدايتها مشاكل هم في غنى عنها، لكن المشاكل لم تنتهي، فالزوج يرفض إتمام الطلاق بأمر من والدته التي ظلت توهمه بخضوعهم له بالنهاية : اصبر بس بكره يجرو وراك و يقولو موافقين، خليها جنبهم كده زي البيت الوقف لا طايلة سما ولا أرض
حاول بعض الأقارب التدخل لحل الموضوع بشكل ودي ولكن دون فائدة، و أصبحت زوجة على ورق
أعادها من شرودها نداء والدها لها، ذهبت إليه لتجده يجلس برفقة والدتها و يعلو وجهه ابتسامة عريضة، ابتسامة لم ترها منذ ثلاثة أشهر، منذ بداية المشكلة
احتضنها والدها مربتًا على ظهرها : خلاص المشكلة هتتحل إن شاء الله، أنا حاولت معاه بكل الطرق عشان يطلق بهدوء، بس هو اللى حابب البهدلة، أنا رحت للمحامي عشان يرفع قضية طلاق أو خلع، يشوف إيه اجراءتها و حكمها أسرع و يتوكل على الله، اعملي حسابك ننزل بكره الشهر العقاري علشان تعملي توكيل للمحامي
احتضنتها والدتها شاعرة بالفرح لقرب تخلص ابنتها من هذه البلوة المسماة حماتها كما تطلق عليها
شعرت بالسعادة، قبلت والدها : الحمد لله، مش عارفة أشكرك إزاي يا بابا إنك وافقت ع القضية أخيرًا
نظر إليها بحنو أبوي : مكنتش حابب المشاكل تكبر بس هو و أمه مش عايزين يجيبوها البر و أنا مش هفضل سايبك تحت رحمتهم
دخلت إلى غرفتها و شعور السعادة يغمرها، حمدت ربها كثيرًا، ثم تذكرت (أمجد)، شعرت بالحزن، لو كان تأخر بتلميحاته أسبوع آخر، لكان ردها سيختلف
******************************
دلفت (فرح) إلى غرفة (أمجد)، جلست بجواره على الفراش، ظلت صامتة لبرهة، كانت تنظر إليه فقط، انتظرها طويلًا حتى تطلب ما تريد ولكن دون فائدة، تنهد قائلًا : انتي جاية تتفرجي عليا يا فرح، خلصي و قولي عايزة إيه
ابتسمت له (فرح) بهدوء : عايزة أوريو أيس كريم
لكزها بخفة في ذراعها : قومي يا فرح، قومي يا حبيبتي على أوضتك أنا مش فايقلك الله يبارك لك
أتى (يحيى) عندما استمع إلى صوت حديثهم من خارج الغرفة، وجد شقيقه عابس الوجه، يتخلل الحزن ملامحه، نظر لابنته ليجدها تتصنع العبوس، توجه إليها : إيه الجميل زعلان ليه ؟
تحدثت بصوت طفولي : عايزة أوريو أيس كريم و أمجد مش راضي
نظر (يحيى) إلى شقيقه ليجده شاردًا لا يتابع حديثهم، قبل ابنته قائلًا : طب روحي عند تيته وأنا شويه وهاجي أشتريلك اللى انتي عايزاه
بعد خروج فرح، تحدث (يحيي) : مالك يا بني، إنت حد خد منك قضية غصب في الشغل ولا إيه!
لم يحصل على رد من أخيه فأكمل حديثه قائلًا : لا دا الموضوع شكله كبير، مالك يا أمجد ؟
زفر (أمجد) بضيق : مفيش يا يحيى مخنوق شويه
حثه (يحيى) على الحديث : طب احكيلي مالك جايز أقدر اطلعك من حالتك دي
هز (أمجد) رأسه قائلًا : لا ما هي خلاص متعقدة و ملهاش حل
لكزه (يحيى) مشاكسًا : إنت بتحب ياض ولا إيه ؟
زفر (أمجد) ولم يجيبه، فأكمل (يحيى) : يبقى شكلها الصنارة غمزت
قام (أمجد) من جواره، و توجه إلى النافذة ليستنشق بعض الهواء لعلها تطفئ نيران قلبه، أخذ نفس عميق ثم زفره بهدوء : قصة خلصانة من قبل بدايتها، بتنيل على عيني وبحب بس مش طايل، حب في الهوا، يوم ما أحب واحدة تطلع متجوزة
صُدم (يحيى) من حديثه :إنت اتجننت يا أمجد، متجوزة ؟
حاول (أمجد) التحكم بغضبه : مكنتش أعرف، أنا لو أعرف إنها متجوزة مكنتش هلمح لها، مكنتش هحاول أقرب منها
سأله (يحيى) عن هويتها : مين دي ؟
فكر (أمجد) قليلًا، ثم رفض أن يخبره عنها، فلو علم أنها مدربة طفلته فربما سيمنعه من اصطحاب (فرح) إلي التدريب، فيكفيه الآن أن يراها من بعيد : مش هتعرفها يا يحيى، متقلقش خلاص أنا هشيل الموضوع من دماغي
التقط مفاتيح سيارته قائلًا : أنا حاسس إني مخنوق، هخرج أشم هوا شويه
ربت (يحيى) على كتفه متحدثًا بهدوء : أنا واثق إنك هتفكر كويس قبل أى خطوة، بس خليك متأكد إن الموضوع كده بدايته غلط
أومأ له (أمجد) برأسه دون حديث ثم تركه و رحل
********************************
"أنا موافقة"
هذا ما أخبرت به (ندى) والديها بعد رحيل (مالِك) ووالدته، تفاجئا من قرارها، وحده (سليم) كان يتوقعه، يعلم أن موافقتها لأجل (أنس)، فقد رأى تعلقها به، رأى صدمتها عندما أخبرتها والدتها أن والده أتى لاصطحابه، رأى دموعها المتحجرة بعينيها عند رحيله، عاطفتها تتحكم بقرارها
صرخت بها والدتها : هو إيه اللى موافقة! مش هيحصل، انا مش هوافق ع الجوازة دي
حاول (سليم) تهدئة الوضع : اهدي يا ماما، و انتي يا ندى لازم تاخدي وقتك في التفكير
نظر إليه والده مُعجبًا برأيه : سليم معاه حق، الموضوع محتاج هدوء وتفكير، وإنتي يا ندى صلي استخارة و خدي وقتك في التفكير، قرارك هيترتب عليه حياتك الجاية كلها
استأذن (سليم) والده : بعد اذنك يا بابا أنا هتكلم مع ندى شويه لوحدنا
أومأ له والده واصطحب (سليم) شقيقته إلى غرفتها
نظر (علي) إلى زوجته متعجبًا عصبيتها و رفضها القاطع لتلك الزيجة، حدثها بهدوء : إيه بقى سبب رفضك و عصبيتك ؟ رفضاه عشان عنده طفل و بنتك ما اتجوزتش قبل كده ؟
عارضته سريعًا : لا طبعا، إنت عارف إن عمر دا ما كان تفكيري، بس إحنا لو وافقنا يبقى هنأكد كلام الناس إن احتمال الولد يبقى إبن ندى
قاطعها قائلا : الناس مش بتبطل كلام، مش دا كلامك! انتى عارفة أنا أكتر حاجة فارقة معايا إيه دلوقتي؟ إن ندى تاخد قرار متسرع، أنا مش عايزها توافق لمجرد إنها تبقى مع أنس، دا جواز يعني شراكة طول العمر، لازم تكون مقتنعة بمالك الأول قبل ما توافق
لاحظ (علي) شرود زوجته، فهي تعلم أن ابنتها عاطفية، عاطفتها تتحكم بقراراتها، ربت على يديها قائلا بهدوء : انسي كلام الناس و فكري في مصلحة بنتك، أنا هسأل عن مالك كعريس متقدم لبنتي، و انتي خليكي جنبها، أقنعيها تحكم عقلها مش قلبها بس
جلس (سليم) معها بغرفتها، يرى دموعها المنسابة بهدوء على وجنتيها، اقترب منها محتضنًا إياها : أنا عارف إنك اتعلقتي به، دا عايش معاكى بقاله شهر تقريبا، بس دا جواز يا ندى، يعني زوج و بيت وحياة جديدة، انتي مش هتتجوزي و تعيشي لأنس و بس، لازم تفكري في مالِك كزوج، متقبلاه ولا لأ، لازم تقعدي معاه و تتعرفي على شخصيته و تشوفي هتقدري تعيشي معاه ولا لأ
رفعت (ندى) عينيها إليه، فقد لامس كلامه جانب التفكير لديها، سألها مبتسمًا : كلامي صح ولا غلط ؟
أومأت له برأسها ايجابًا، أمسك وجهها بين يديه يمسح دموعها العالقة برموشها : يبقى توعديني تصلي استخارة و تقعدي مع مالك تاني و بعدين تقرري
أومأت له برأسها مبتسمة و احتضنته قائلة : ربنا يخليك ليا يا سليم، و شكرًا بجد على وجودك معايا النهارده
********************************
جلس (مالِك) برفقة والدته و خالته الصغرى (سعاد) التي أتت في زيارة لشقيقتها لتُفاجأ بوجود الصغير معهم، حملته بين ذراعيها مبتسمة لحفيد شقيقتها : ما شاء الله تبارك الله، عسل يا مالِك و شبهك خالص، و حظك حلو إني جيت أقعد معاكم اليومين دول
تنهد (مالِك) قائلا : والله يا خالتي أنا كنت محتار هعمل إيه، انتى ربنا بعتك نجدة ليا، بس بردو لازم أفكر هعمل ايه بعد ما تمشي
ابتسمت له والدته (ثريا) : إن شاء الله مش هتحتاج تفكر كتير
سألتها (سعاد) : انتي متأكدة من موافقتهم ليه كده يا ثريا ؟
ضحكت (ثريا) قائلة : هو مش شغل حموات بس أنا إبني ميترفضش
ضحك (سليم) لكلام والدته، قبَّل يديها قائلًا : ربنا يخليكي يا ست الكل، بس بردو جايبة الثقة دي منين ؟
اعتدلت (ثريا) في جلستها : بص يا سيدي، ندى روحها في أنس، انت مشفتش شكلها كان عامل ازاي واحنا واخدينه، هي ممكن تكون هتوافق عشان أنس، بس أنا واثقة إنها لما تعرفك أكتر مش هتندم على اختيارها، عارف ليه؟ عشان إنت مش متقدم لها عشان أنس، إنت اتقدمت لها عشانها هي
التفتت (ثريا) إلى شقيقتها قائلة بغمزة : أصلها زي القمر يا سعاد، دا غير أدبها و هدوءها، الصراحة متتعيبش
شرد (مالِك) بكلام والدته، تجسدت أمامه ملامح (ندى)، فقد كان كلام والدته صحيحًا، فملامحها رقيقة تبعث الهدوء بالنفس، تجذب الانتباه لتترسخ بالعقل و تستوطن القلب
غمزت (ثريا) شقيقتها قائلة بضحك : أهو شفتي، البت تاخد العقل
ابتسم (مالِك) قائلًا : أنا داخل أنام عشان عندي شغل بكره ولو فضلت كده هتشقطوني لبعض في الكلام
اوقفته والدته قائلة : و عارف هتوافق ليه كمان ؟ عشان أنا بدعيلك إنها تكون من نصيبك
قبَّل (مالِك) يد والدته و طبع قبلة حانية على وجنة طفله، ثم توجه إلى غرفته، ظل جالسًا بالفراش لفترة يفكر بحياته القادمة، ارتفع رنين هاتفه و ابتسم لرؤية إسم المتصل، أجابه قائلا : مُهاب باشا الدميري، دا التليفون بيزغرط يا راجل
أجاب (مُهاب) من الطرف الآخر بضحك : لقيتك ندل مبتسألش قلت أسأل أنا، قولي أخبارك إيه و ياسمين عاملة إيه ؟ ولي العهد شرف ولا لسه ؟
تنهد (مالِك) بحزن : ياسمين تعيش انت، اتوفت وهي بتولد أنس
شعر (مُهاب) بالحزن : البقاء لله يا مالِك، المهم إنت أخبارك إيه ومين بياخد باله من ابنك
أجاب (مالِك) : الموضوع كبير وأنا بصراحة عايز أنام ساعتين قبل ما أروح المستشفى
أخبره (مُهاب) : أنا جاي مصر بكره، طيارتي هتوصل 12 الظهر، هريح شويه و أقابلك بالليل تحكيلي كل حاجة
شعر (مالِك) بالسعادة، فصديق الطفولة سيعود بعد غربة دامت تسع سنوات
أغلق الهاتف و ظل يفكر بمشاعره تجاه (ندى) ، إن كان قد أحبها، فماذا كان يشعر تجاه (ياسمين)؟ أم أنه أحب كلاهما ؟
************************************
قاد سيارته بترنح بعد أن ترك من كان برفقته، فقد أثقل بالشرب الليلة، حتى أنه لا يستطيع أن يقود سيارته بخط مستقيم، لم يعر انتباه للمارة، ربما كان يظن بأن عليهم هم الاحتياط بدلًا منه
ظلت السيارة تترنح على الطريق، تذهب تارة يمينًا و تارة يسارًا، تُحيد عن خط سيرها، و ما زاد الطين بلة أنه كان يزيد من سرعتها، فلم يستطع التحكم بها عندما كان على وشك أن يصدم أحدهم، كل ما لاحظه هو اصطدام جسد بشري بسيارته ليطير في الهواء ثم يسقط مرتطمًا بالأرض في وسط الطريق لتتناثر دماءه حوله
لم يتوقف، بل زاد من سرعة سيارته، لم يكترث إن كان قد رآه أحد أو لا، فهو سيشتري أعين من رأي و يُسكت ألسنتهم
*******************************
اجتمعت الفتيات في اليوم التالي بمنزل (نور)، فقد هاتفتهم (ندى) في الصباح واتفقت معهم على موعد اللقاء بعد أن انشغلت بالأمس بعرض (مالِك)
رحبت بهم (نور)، شعروا بالسعادة العارمة لتجمعهم مرة أخرى، تبادلوا أطراف الحديث، علمت كل منهم ما فاتها من شئون الأخريات
قالت (نسمة) متهكمة : تصدقو اننا شلة نحس
انفجرت (نيرة) بالضحك : وأنا كنت بداية النحس، و ندى مسك الختام
مازحتها (نور) : بس إحنا أخدنا هدنة كبيرة بعدك، انما أنا و ندى و نسمة كله جه ورا بعضه
استقامت (نيرة) بجلستها و حاولت تغيير مجرى الحديث حيث رأت ترقرق عيني (نسمة) بالدموع : بقولكم إيه، إحنا ما اتجمعناش من زمان وعايزينها قاعدة فرفشة، و بعدين مش كفاية همس نايمة ومش لاقيين حاجة نلعب بيها
ثم التفتت إلى (نور) قائلة بمزاح : وكمان طنط نزلت وسابتنا على حريتنا، يعني عايزين دلع و شهيصة
لاحظت (نور) شرود (ندى) و عدم مشاركتها بالحديث : مالك يا ندى، سرحانة ومش معانا ؟
تنهدت (ندى) ثم أخبرتهم بهدوء : أنا متقدملي عريس
صفقت (نيرة) بيديها : حلو اوي، أهي بدأت تندع و النحس هيتفك
قصت عليهم (ندى) ما حدث، كما أخبرتهم برأي والديها و شقيقها، تحدثت إليها (نسمة) : إسمعي كلام سليم يا ندى، هو صح في كل كلمة قالها
تعالى صوت رنين هاتف (نيرة)، التقطته لتجد أن المتصل لم يكن سوى أمجد، أجابته : هو أنا يا بني مش ورايا غيرك كل شويه تليفونات