9-8-7
_*روايـة نون دائـࢪه🍫🎀🪄۩٠٠))*_
تم مشاࢪڪة الروايه من قناة ࢪوٍآيآٺ لـﭰلبـڪ❤️🔥🍒🫶🏻 في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029Vb6LxqNEFeXuuSYTJ80x
تابع قناة ࢪوايـات تنقلڪ لعالـم الخيـال والأحـلام👑🪄🎊 في واتساب: https://whatsapp.com/channel/0029VagXtIfDTkK4hvsE821q
. •••••••••••••••••••••••••••••
الجزء 7:
في فيلا يبدو على واجهتها الفخامة، ومن كثرة عدد الحراس أمامها يبدو أن مالكها ذو شأن كبير، كان يطالع جريدة الصباح ويبدو على ملامحه الانزعاج والغضب، رجل فى أوائل الخمسينات، خط الشيب فوديه وبعض الخصلات البيضاء تتناثر بين شعيراته السوداء
ألقى الجريدة بعنف على المنضدة أمامه متزامنًا مع نزول ابنه درجات السُلم ملقيًا عليه تحية الصباح : صباح الخير يا بابا
ألقى براكين غضبه بوجهه : وهييجي منين الخير طول ما إنت مش عارف تداري بلاويك
تأفف (كريم) وذهب تجاه والده : هو فيه إيه عالصبح هو أنا لسه عملت حاجة
التقط (هاشم) الجريدة وألقاها بوجه ابنه بغضب : اتفضل شوف بلاويك
التقط (كريم) الجريدة ونظر إلى الصفحة التي كان يطالعها والده منذ قليل، ليبدأ بقراءة ما نُشر بها
" رجل الأعمال (ه. ب) الذي يسعى جاهدًا لعضوية مجلس الشعب والحصول على الحصانة ويغدق على الدولة بأعماله الخيرية ومشاريعه التي تفيد الشباب لم يضع في اعتباره أو ربما تناسى أنه يرعى أحد هؤلاء الشباب تحت سقف بيته ولكنه تغافل عن تربيته وتلقينه إحدى خطبه العصماء التي يلقيها على مسامع الشباب في لقاءاته، أو ربما لا يعرف شيئًا عن حياة إبنه و سهراته الليلية الماجنة، وإن كانت هذه هي الحقيقة فإنها الكارثة، فإن لم تكن على علم بحياة ابنك فكيف لك بملايين الشباب
بقلم/ نون "
أنهى قراءة المقال ونظر إلى والده ببرود : هى مقالتش إسمك ولا إسمي، ليه الهيصة دي بقى كلها
ازدادت براكين غضب والده من بروده الذي يتحدث به : تصدق إنت معندكش دم، إيه البرود اللى انت فيه دا، إنت كمان كنت عايزها تكتب أسامينا!
اقترح أحد الحلول محاولًا امتصاص غضب والده : متقلقش أنا هعرف مين الصحفية دى واظبطها
حذره والده قائلا : ملكش دعوة بموضوع الصحفية دا، أنا كل اللى عايزه منك تلم نفسك شويه اليومين دول، أنا داخل على انتخابات مجلس شعب وعندي مصالح متعطلة عايز اخلص منها
رفع يده ملوحًا لوالده : خلاص تمام، أطير أنا بقى واوعدك هحاول معملش مشاكل تمس شغلك تاني
رحل تاركًا والده يتوعدها سرًا : شكلك مش ناوية تجيبيها البر يا ست نيرة……… ثم أردف متهكمًا : قال نون قال
*****************************
يتحدث (أمجد) على الهاتف ممسكًا الجريدة التي يتصدر الخبر صفحتها الأولى، يخبر من يحادثه مقهقها : دا زمانه شايط وهيولع، المقال جامد يا بنت الإيه
أخبرته (نيرة) التي كانت تحادثه على الجانب الأخر : تربيتك يا أمجد باشا، وبعدين هو لسه شاف حاجة دا أنا مخصصة سلسلة مقالات لبلاويه هو وابنه
تحولت نبرة صوت (أمجد) إلى الجدية : خدي بالك من نفسك ومتستهونيش به، هو مش هيعدي دا بالساهل
خرجت نبرتها ممازحة : يا بني أنا ورايا رجالة، ولا إنت إيه نظامك ؟
أجابها ضاحكًا : ولا أعرفك، أنا واحد لسه في عز شبابي وعايز ادخل دنيا
أجابته (نيرة) ممازحة : طب إيه نظام الدنيا؟ مش ناوي تحكي بردو ؟
تنهد قائلا : الدنيا مش حاسة بيا، هحكيلك بعدين، يالا هقفل عشان مااعطلكيش
أنهى (أمجد) حديثه مع (نيرة) لينظر إلى والدته التي كانت تطالعه بدهشة، فسألها مستفسرًا : خير يا ماما بتبصيلي كده ليه ؟
أجابته ممازحة : بحاول أعرف إيه الدنيا ؟
قهقه ضاحكًا لنبرتها : والله انتى عسل يا ماما
جلس بجانبها مقبلًا وجنتها : لا بجد مالك مركزة معايا في المكالمة
تحولت نبرتها إلى الجدية : بصراحة أنا كنت معتقدة إن فيه حاجة بينك وبين نيرة، بس لما هي اتجوزت لقيتك عادي مزعلتش، ولما اتطلقت وعلاقتكم بردو مستمرة قلت إنك بتفكر فيها ومبينتش دا، كل يوم استناك تيجي تقولي عايز اتقدم لها بس الاقيك ساكت، هو انتو بجد مجرد أصدقاء وبس ؟
ضحك (أمجد) من كلام والدته : والله أصدقاء وبس، بنرتاح في الكلام مع بعض وبينا شغل، دا السبب، بس تعالي هنا هسألك سؤال و تجاوبيني بصراحة، هو أنا لو يعني كنت فعلا بحبها وجيت قلتلك إني عايز اتجوزها بعد طلاقها كنتى هتوافقي ؟
أجابته بتلقائية : وأنا إيه يخليني موافقش، البنت مؤدبة ومحترمة ونعرف اهلها كويس، فإيه المانع ؟
أجابها (أمجد) : يعني عشان مطلقة وكده
ضربته على مؤخرة رأسه ممازحة : دا اسمه تخلف، اللى يفكر كده يبقى محتاج مخه يتفرمت
ضحك (أمجد) : خلاص يا سمسمة هو حد قالك إن دا تفكيري! بس على فكرة بقى دا تفكير ناس كتير وأغلبهم ستات، وبعدين إيه بتضربيني عشانها دا أنا اللى ابنك على فكرة
قاطع حديثهم تحية الصباح التي ألقاها عليهم (يحيى)
أجابته (سامية) باسمة : صباح النور يا حبيبي، عندك رحلات النهارده ؟
هز (يحيى) رأسه نافيًا : لا أنا اجازة أسبوع، بصراحة فرصة أعوض (فرح) عن غيابي واشوف مشكلتها لأن كلام (سارة) قلقني جدا
اقترح (أمجد) : طب ليه متفكرش تتجوز تاني يا يحيى وتجيب واحدة تكون أم ليها
نظر إليه (يحيى) : وأنا ليه اجيب لبنتي مرات اب تعقدلي البنت زيادة
ثم تنهد قائلا : أنا فعلا هحاول أشوف دكتور نفسي واللى فيه الخير يقدمه ربنا
***********************************
إنتهت (نيرة) من ارتداء ملابسها وخرجت لتناول الفطور مع والديها قبل ذهابها إلى عملها
وجدت والدها يطالع الجريدة، فاقتربت منه تقبله من وجنته وتلقي عليه تحية الصباح
نظر إليها مطولًا ثم قال : المقال تقيل وهاشم بركات مش هيعديه على خير
همست له : وطي صوتك بس يا حاج لماما تسمعنا
نصحها والدها بنبرة يكسوها بعض الخوف : خدي بالك من نفسك وهدي اللعب شويه لإنه مش هيسكت
أجابته بتحدي : لو يقدر يعمل حاجة يوريني شطارته
تنهد والدها قائلا : عندية
اكتفت بابتسامتها له وعلا صوتها مناديًا والدتها : فين الشاي بسرعة يا ماما أنا كده هتأخر
أتت والدتها حاملة أكواب الشاي وقالت متهكمة : يعنى هتتأخري على الديوان!
ابتسم والدها قائلا لها : تستاهلي
تناولت فطورها برفقة والديها ودعت ربها ألا يصيبهم مكروه بسبب عملها
*************************
كاد (طارق) أن يخرج من منزله عندما صادف صديقه (هاني) أمام الباب
سأله (هاني) متعجبًا : إيه دا إنت خارج ولا إيه!
ابتسم (طارق) : ايوه، كنت رايح أنا و سهى نختار العفش ونشوف الشقة محتاجة إيه
تعجب (هاني) من أحوال صديقه، فالسعادة البادية على وجهه تشعره أن علاقته ب (ندى) لم تكن سوى حمل ثقيل على كاهله، من شدة صدمته من أحوال صديقه لم يستطع الرد
لكزه (طارق) في كتفه : إيه يا بني إنت هتفضل واقف متنح كده كتير! يلا توكل على الله عايز ألحق ميعادى
صرخ به (هاني) : إنت بجد طبيعي وتصرفاتك دى تصرفات حد عاقل!
زفر (طارق) بضيق : هو فيه إيه يا هاني بالظبط
علا صوت (هاني) قائلا : هو إنت مش سامع إنت بتقول إيه، عفش إيه اللى هتختاره إنت و سهى، إنت واحد دايس على قلب بنت ملهاش أى ذنب غير إنها ارتبطت بيك وكسرت فرحتها وإنت عايش حياتك عادي، لا وكمان نازل تختار عفش وتغير في الشقة اللى المفروض إنها خلصانة من كله أصلا
تأفف (طارق) : عادي في حاجات مش عاجبة سهى ومن حقها تغيرها
قاطعه (هاني) : ولما انت اخترت اوضة النوم لوحدك و معجبتش ندى وحبت تغيرها وإنت رفضت دا مكنش حقها بردو
بلغ الضيق مبلغه من (طارق) فصرخ بصديقه : إنت عايز إيه دلوقتي هي ندى كانت موكلاك محامي وأنا معرفش
تنهد (هاني) بأسى على حال صديقه : براحتك يا طارق إنت حر أعمل اللى يعجبك بس شوف كده تصرفات سهى وفكر فيها، دي واحدة يا دوب لسه متطلقة من أسبوع ولسه عندها عدتها وعمالة تفكر وترتب لجوازة جديدة
برر (طارق) تصرفها : عادى، إحنا عشان بنحب بعض مستعجلين وعايزين كل حاجة تبقى جاهزة بحيث أول ما تخلص عدتها نتجوز على طول
ربت (هاني) على كتفه : مبروك يا طارق وربنا يسعدك
ثم تركه راحلًا ليترجل (طارق) من المنزل ويقود سيارته لمنزل (سهى) لمقابلتها
*********************************
جلست (أميرة) تطالع ملف البيانات الخاص ب(نسمة)، تتصفح ما علمته من معلومات تخصها من والديها، توقفت عند علاقتها القوية بصديقاتها وقررت أن يكن أول من تستعين بهن فى أول مراحل علاجها، قررت أن تقابلهن وتتحدث معهن لتعلم من أقربهن إلى نسمة لتكون هي أول عامل مساعد في علاجها
قاطع تركيزها صوت رنين هاتفها، التقطته لتجد شاشته تنير بإسم (حازم)، فأجابته على الفور ومازحته قائلة : إيه هو انت هتنطلي في الفون كتير بعد كده، دا أنا مكنتش بسمع صوتك غير كل سنة مرة
تنحنح (حازم) قائلا : عادي مكنتش حابب أزعجك أو أعطلك
شاكسته قائلة : وبتعطلني وتزعجني ليه دلوقتي
فكَّر في حجة ليخبرها بها ولكنه لم يجد، فتنهد قائلا : كنت بشوفك هتروحي لنسمة إمتى عشان أبقى اوصلك
ابتسمت بهدوء وأخبرته : بس أنا خلاص عرفت البيت ومش محتاجة حد يوصلني
حاول (حازم) أن يقول شئ ما ولكنها قاطعته قائلة : حازم، كده مينفعش، قلت لك حدد موقفك ومشاعرك بجد، أبعد عشان تقدر تحدد صح، أنا مش محتاجة ظهورك في حياتها دلوقتي لإنه مش من مصلحتكم، خد وقتك في التفكير وهستنى قرارك النهائي
أقتنع (حازم) بحديث (أميرة) إلى حد ما، وجلس يفكر فيما يجب عليه فعله ليتأكد من مشاعره تجاه (نسمة)
انتشله من شروده صوت والدته : إيه يا حازم بنادي عليك من بدري مبتردش ليه
ابتسم لها قائلا : معلش يا ماما كنت سرحان شويه
اتسعت ابتسامة والدته وجلست بجواره تسأله : ويا ترى بقى سرحان في إيه ؟
أجابها حازم قائلا : عادي مشاكل في الشغل، سيبك انتى من كل دا، انتى كنتى عايزانى فى حاجة ولا إيه
ربتت والدته على وجنته : عايزة افرح بيك بقى
قبَّل (حازم) كف يدها : إن شاء الله يا أمي، كل شيء بأوان
************************
بالرغم من مرور وقتٍ كافٍ على انفصالها عن (طارق)، إلا إنها ما زالت حديث المشفى الذي تعمل به، كان الأمر يغضبها ويثير حنقها في البداية، ولكنها لم تعد تبالِ به الآن، فهي تعلم طبيعة النفس البشرية، فلن يلهي ألسنتهم عنها سوى موضوع جديد يلوكونه كعلكة في فمهم، وربما حالفها الحظ سريعًا، فاليوم لم تكن هي حديث الساعة، بل كان الطبيب الذي أتى بزوجته فجرًا بحالة متأخرة وهي على وشك أن تضع مولودها، كانت الممرضات يتهامسن بالموضوع، فزوجة الطبيب وافتها المنية بعد أن وضعت طفلها، هذا هو ما سمعته من حديث الممرضة مع العاملة التي تساعدها فى الصيدلية منهية حديثها بحزن بالغ على حال الطبيب : ربنا يصبر دكتور مالِك، حالته صعبة خالص
*****************************
جلست (نور) تتصفح بعض مواقع الانترنت الخاصة بمجال عملها منتهزة فرصة نوم طفلتها فى ذلك الوقت، ولكن حركات والدتها كانت تشعرها بالتوتر، فوالدتها كانت دائمة النظر إلى الساعة لترى الوقت، جلستها لم تكن هادئة، فقد كانت تتصرف كأنها بانتظار شخص ما أو أن هناك ما يشغل تفكيرها
لم تسألها (نور) عن سر تصرفاتها خشية أن تزعجها الاجابة، فآثرت الصمت حتى تحكى لها والدتها بنفسها
تعالى صوت رنين جرس المنزل فانتفضت والدتها قائلة : أنا هفتح
وأسرعت متوجهة لفتح الباب و استقبال الطارق الذي دعته فورًا للدخول، لتشعر نور بالتعجب من زيارته واستقبال والدتها الحافل له لتهتف بتعجب : حسام!!!!
الجزء 8:
لغة الصمت تحمل بين طياتها الكثير من المعاني ، معناه الشائع هو أنه علامة الرضا ولكن في حالتها تلك هو علامة عدم الرضا
آثرت (نور) استخدامه لعدم رضاها عن تصرفات والدتها، استخدمته كنوع من الاحتجاج أو ربما لتلاشي شجار على وشك انفجار، تصر والدتها على افتعاله
زيارة مفاجئة لم تضع مضمونها بالحسبان كما أن الموضوع الذى طُرق خلالها أثار حنقها، أوصلها لأعلى مراحل الغضب وهي غير نادمة على تصرفها معه بالمرة، بعد رحيله اتخذت من غرفتها متنفسًا عن ضيقها، ادعت رغبتها في النوم ولكنها في الحقيقة هربت من والدتها وحديثها الذي سينتهي بشجار بلا مبالغة
وفي الصباح التالي أصرت والدتها على استكمال الحديث بل والأدهى أنها تعاتبها : ينفع اللى عملتيه امبارح دا، انتى شبه طردتيه
حاولت (نور) تصنع البرود بلهجتها : يستاهل عشان هو معندوش دم أصلا
اعترضت والدتها على حديثها : ليه هو واحد جاي يتكلم بالأصول، وحقه، واحد عايز يحافظ على أرملة أخوه وبنتها
لم تعد تتحمل (نور)، حاولت بقدر الامكان ألا تثور ولكن حديث والدتها يدفعها إلى الجنون، فجَّرت بركان الغضب بداخلها : انتو عالم طبيعية، بتفكري إزاي انتي وهو، دا مفاتش شهر على موت أدم ودا جاي يقولي جواز، ومين قال إني بفكر في جواز منه أو من غيره
فقدت السيطرة على نفسها وكلما تحدثت كلما ازداد غضبها : واحد متجوز، ليه يفكر يكسر مراته و يتجوز عليها، حجة مرات أخويا وبنته واحافظ عليهم دي موضة وخلصت
لم يبدو على والدتها التأثر بغضبها، بل كانت تفتعل اللامبالاة في ردودها : حقه يتجوز، واحد اتحرم من الخلفة و جاتله فرصة يربي بنت اخوه
قاطعتها (نور) صارخة : ومراته ذنبها إيه، ذنبها إنها أصيلة واستحملت إن المشكلة فيه هو ، ودلوقتي يدوس عليها
ازدادت نبرة البرود بحديث والدتها : وافقي انتي بس وملكيش دعوة بمراته هو هيتصرف معاها
صرخت (نور) بها قائلة : انتي بتعملي معايا كده ليه! انتي بتبيعي وتشتري فيا، جوزك يموت اتجوزي أخوه، هو أنا إنسان آلي ولا الموت مالوش حُرمة
لاحظت والدتها أن اللين والبرود في الحديث لم يأت بالثمار المطلوبة، فسلكت مسلك الصراخ والصوت العالي : ماهو إسمعي بقى لما أقولك، أنا معنديش إستعداد اسيبك تنزلي تشتغلي وكل الناس تجيب في سيرتك، ولا في يوم ألاقى واحد جاي عايز يتجوزك وانتي توافقي وتسيبي واحد غريب يربي بنتك، مهو مش معقول هتقعدي طول عمرك من غير جواز، فاسمعي أخر كلام عندي، مفيش شغل ومفيش جواز ولو فكرتي في جواز يبقى بنتك عمها اولى بها يربيها
صُدمت (نور) من حديث والدتها، فهي هكذا تحكم عليها أن تُدفن حية، موضوع الزواج لا يشغل بالها، فهي تُكِن (لأدم) كل الحب والاحترام حتى بعد وفاته، ولكن أن يقف أحد في طريق عملها ومستقبلها هذا هو ما لن تسمح به، حاولت أن يبدو صوتها ثابت قدر الإمكان : وأنا آخر كلام عندي يا ماما اني هنزل أشتغل وأظن أنا بقيت كبيرة كفاية إني أقدر أقرر حياتي تمشي إزاى، أنا مش محتاجة حد يكون رقيب عليا، فيؤسفني أقولك إن لو حضرتك هتعترضي على نظام حياتي يبقى ترجعي بيتك تقعدي مع بابا أفضل، عن اذنك.
أنهت حديثها وتوجهت إلى غرفتها تنشد هدوء أعصابها وتركت والدتها خلفها تغلي من الغضب، تنعي فشلها في محاولتها السيطرة على ابنتها
*********************************
استيقظت (نيرة) من نومها في التاسعة، متأخرة على غير العادة ولكنها كانت تشعر بالإرهاق فقررت أن تنال اليوم عطلة من عملها
خرجت من غرفتها لتجد المنزل يعمه الهدوء، نادت على والدتها فأتاها صوت والدها يُعلن وجوده بالشرفة، ذهبت إليه ملقية تحية الصباح ولفت نظرها عنوان المقال الذي يقرأه بالجريدة
" مُدَّعي الفضيلة يساعد بدخول شحنة فلاكا إلى البلاد، و ابنه هو الديلر الأكبر"
ابتسمت لوالدها : إيه رأيك في مقال النهارده
استشعرت نبرة الخوف بصوت والدها : أنا خايف عليكي يا نيرة، خدي بالك من نفسك
تعلم أنه من حقه أن يخاف عليها، فهو أب والخوف فطرته، لو كان بيده لأجلسها بالمنزل عنوة حتى تكف عن ملاحقة المشاكل، ولكنها مهنتها "البحث عن المتاعب"
حاولت أن تطمئنه أو تطمئن حالها، خوفها أن تأتي الأذية بهم : متخافش عليا يا بابا، أنا مع الحق يعني معايا ربنا
غيرت مجرى الحديث : هي ماما فين
أجابها : نزلت تشتري شوية حاجات للبيت
استأذنته في أن تذهب لرؤية أي من صديقاتها، بدلت ملابسها وأثناء خروجها من المنزل أتتها صورة تحمل ملامح تعرفها جيدا، مصاحبة برسالة مكتوبة "لو عايزة تدوقي القلقاس اللى ماما ناوية تطبخه النهارده اعقلي"
هذا هو ما كانت تخشاه، فقد بدأ عدوها بشن هجومه سريعًا، واستخدم الوسيلة التي كانت تخشاها، كادت أن تهاتف والدتها لتطمئن عليها حينما استمعت إلى صوتها من خلفها : انتى خارجة يا نيرة ؟
تنفست الصعداء، حمدت ربها سرًا محاولة ألا يظهر خوفها بملامحها : أيوه يا ماما، هروح أشوف ندى أو أى حد من البنات أقعد معاه شوية
أومأت لها والدتها مبتسمة : ماشي يا حبيبتي
خطت خطوتين ثم التفتت إلى والدتها : ماما، لو احتاجتى حاجة من بره كلميني اجيبها وانا جاية
أومأت والدتها برأسها ودعت لها ربها أن يحفظها
وصلت إلى سيارتها، جلست برهة تحاول تهدئة أعصابها، وما كادت تدير السيارة حتى أتتها رسالة نصية على هاتفها الجوال " ما أنصحكيش، الفرامل مقطوعة"
تبًا له، فهو أعلن حرب الأعصاب الباردة، هو يريدها أن تموت خوفًا، هو لا يريد قتلها، هو يريد أن يُتلف أعصابها
ترجلت من السيارة و حادثت والدها هاتفيًا تُبلغه ألا يستخدم السيارة لوجود عطل بالفرامل، أغلقت الخط وأجرت مكالمة أخرى مع (أمجد) تطلب منه مقابلته
**************************
عاد للتو من المقابر بعد أن وارى جسد زوجته التراب، توجه للمشفى الذى يعمل به حيث ترك طفله برفقة إحدى الممرضات، فزوجته كانت وحيدة أبويها رحمهم الله، ووالدته إمرأة مسنة لا تقو على رعاية طفل رضيع، وشقيقته الوحيدة تسكن برفقة زوجها بإحدى البلدان العربية
حمل طفله يهدهده بعد أن اضطرت الممرضة للرحيل، يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا حاملًا إياه، يفكر كيف سيرعاه بمفرده، فهو لا يفقه شيئًا برعاية الرُضَّع ولا يأمن أن يتركه برفقة مربية
قطع عليه تفكيره صوت طرقات الباب، فأذن لصاحبها بالدخول، دلفت بقامتها الممشوقة وشعرها البني بلون القهوة منسدلًا خلف ظهرها، تظهر نظرة خجلة بعينيها التي تحمل نفس لون شعرها، فهي المرة الأولى التى تحادثه بها، فبالرغم من عملهم بنفس المشفى إلا أنه لم يحدث أى لقاء بينهم، هو دائمًا يمر على مرضاه وهي دائمًا بالصيدلية، ولكن عليها أن تقوم بواجب العزاء
تنحنحت (ندى) بحرج : البقاء لله يا دكتور مالِك
نظر إليها مطولًا فيبدو عليه أنه لم يتعرف عليها : الدوام لله يا دكتورة……
وتوقف برهة يحاول تذكر الاسم، فسارعت هي بتعريفه بنفسها : ندى، أنا ندى الدكتورة الصيدلانية
ابتسم ابتسامة خفيفة يحاول إزالة حرجه بعدم تذكره إياها : أهلا وسهلا، آسف لو مااتذكرتش الاسم
بادلته الابتسامة وكادت أن تهم بالرد لولا ارتفاع صوت بكاء الطفل، لاحظت توتره وعدم درايته بالتعامل معه، استأذنته بحمله وتوجهت به إلى سرير الكشف الموجود بمكتبه، تفحصت الطفل بخبرة اكتسبتها من صديقتها (نور) عندما كانت تساعدها برعاية طفلتها
حملت الطفل وأخبرته : محتاج يغير الحفاضة وأكيد جعان
تحير من أمره، فكيف له أن يفعل ذلك، استشعرت (ندى) توتره فعرضت مساعدته : حضرتك ممكن تبعت حد من الممرضات تجيب بامبرز وعلبة لبن صناعي و ببرونة وأنا هتصرف
بعد وقت قصير أتت الممرضة حاملة ما طلبه وناولته ل (ندى) قائلة : تحبي أساعد حضرتك يا دكتورة ندى
ابتسمت لها : شكرا يا صفاء، أنا هتصرف، ياريت بس تغلي مياه عشان أحضر له رضعة
بعد مرور نصف ساعة كان الرضيع يغط بنوم عميق بين ذراعيها
شكرها (مالِك) : انا بجد مش عارف أشكرك إزاي، انا مكنتش عارف اتصرف معاه
سألته بفضول : أنا أسفة لو بتدخل فى أمورك الشخصية، بس هو ليه حضرتك مش بتوديه لحد من قرايبك أو قرايب المدام الله يرحمها
نظر لها بحزن : ياسمين مكنش ليها أخوات، تقريبا ملهاش حد بعد باباها ومامتها الله يرحمهم، وأنا أختي مسافرة ووالدتي مش هتقدر على رعايته
شعرت بقلة حيلته، فسألته : طب حضرتك هتعمل إيه معاه ؟
رفع كتفيه وأنزلهما دليل قلة حيلته : مش عارف بصراحة، بفكر أجيب مربية بس لازم تكون حد أثق فيه
فكرت قليلا تحاول مساعدته، الحل الذي وصلت إليه لا تعلم إن كان سيوافق عليه أم لا ولكنها عرضته عليه : أنا ممكن اخده معايا البيت وهاخد بالي منه لحد ما تشوف مربية كويسة
أجابها سريعا : لا أنا مش عايز اتعبك و أسبب لك ازعاج
نظرت لوجه الطفل و ابتسمت لبرائته : لا أبدا مفيش تعب ولا حاجة، دا أنا هبقى مبسوطة، أنا بحب الاطفال
فكر مليًا، ربما يكون هذا هو الحل الوحيد في الوقت الحالي لكنه بادرها سائلًا : طب و شغلك ؟
ابتسمت له : متقلقش ماما هتساعدني، وقت الشغل هسيبه معاها، وهي أكيد هتعرف تراعيه اكتر مني كمان
أومأ لها برأسه إيجابًا وشكرها قائلا : أنا بجد مش عارف أقولك إيه
ابتسمت له : متقولش حاجة
ثم تناولت ورقة وقلم من أعلى مكتبه، دونت عنوانها ورقم هاتفها، و ناولتها إياه : دا تليفوني وعنوان البيت عشان لو حبيت تطمن عليه في أي وقت
تناولها منها مبتسمًا، همت بالرحيل ولكنه أوقفها قائلا : طب هوصلك للبيت بعد اذنك
أومأت له برأسها وتذكرت شيئًا ما فسألته : هو اسمه إيه ؟
ابتسم لها قائلًا : أنس
فكرت أن تتصل بوالديها لتشرح لهم الوضع ولكنها تراجعت وقررت أن تخبرهم بعد عودتها للمنزل، فهي تعلم طيبة قلبهم، وسيرحبان بالتأكيد بما فعلته
*************************************
وصل (أمجد) إلى النادي حيث تنتظره (نيرة) ليجدها تجلس شاردة تمسك هاتفها تتطلع إليه باهتمام
جلس على المقعد المقابل لها : ايه التكشيرة اللى عالصبح دي يا بنتي هو إنتي اتطردتي من الشغل ولا إيه!
هزت رأسها نفيًا ولم تتحدث، شعر (أمجد) بالقلق وانعكس هذا في نبرة صوته : فيه إيه يا نيرة ؟ انتي كده قلقتينى
لم تتحدث إليه واكتفت بأن ناولته هاتفها ليظهر أمامه رسائل التهديد التى وصلت إليها صباح اليوم
قرأ الرسائل وأعاد الهاتف إليها، زفر بضيق : بيلعب حرب أعصاب، بصراحة مكنتش متوقع يبدأ حربه بدري كده
زفرت (نيرة) بقوة، فركت كفيها : أنا خايفة على بابا وماما، مش هتحمل يحصل لهم حاجة بسببي
تنهد (أمجد) : طب أنا عندي اقتراح
نظرت إليه باهتمام تحثه على استكمال حديثه، فأخبرها : انتي وقفي المقالات فترة
همت أن تعترض على حديثه، فأوقفها باشارة من يده : اسمعيني للآخر، هاشم بركات كده كده هياخد احتياطه بعد المقالات دي ومش هنعرف نمسك عليه حاجة، انتي توقفي المقالات فترة يفتكر إنك خفتي من تهديده، يرجع تاني لشغله المشبوه، ساعتها نوقعه
فكرت مليًا بكلامه، فهو على حق فيما يقول
أومأت برأسها : تمام
************************
دلفت (ندى) إلى منزلها متوجسة من رد فعل والديها، نادت والدتها بصوت خفيض لكي لا تزعج الصغير الغافي بين ذراعيها
أتت والدتها مبتسمة ولكن ابتسامتها تجمدت على شفتيها فور رؤيتها الصغير فأشارت إليه قائلة : مين دا ؟
أتى والدها في هذه الأثناء وقصت عليهم ما حدث، التزما والديها الصمت، خشيت أن يكون صمتهم دليل رفضهم مافعلته
توجهت بالحديث إليهم : أنا عارفة إن المفروض كنت أخد رأيكم الأول بس أول ما شفته صعب عليا وحسيت باباه مش هيعرف يتصرف معاه
ابتسمت لها والدتها : حبيبتي انتي مش غلطانة بس الناس ممكن يفسرو دا على مزاجهم ويفتكروا يعني إنه….. إنه…….
تغضن جبين (ندى) عندما فهمت ما تقصده والدتها : إنه ابنى وعشان كده طارق سابني، مش دا قصدك يا ماما ؟
احتضنتها والدتها : حقك عليا متزعليش ، بصي يولع الناس و كلامهم
أنهت جملتها وحملت الرضيع بين ذراعيها، قبلته من جبهته قائلة : دا البصة في وشه تشرح القلب والله
احتضن (علي) ابنته : انتي نيتك خير و اكيد ربنا مش هيأذيكي به، سيبي اللى يتكلم يتكلم بس اعملي حسابك يا قطة انك انتى اللى هتسهري به، آه أنا ومراتي بنحب ننام بدري
تعالت ضحكات (ندى) وقبلت والدها : ربنا ما يحرمني منكم
**************************
جلست (نيرة) في شرفة منزلها تحتسي كوب من الشاي عندما أتى إليها والدها مربتًا على كتفها : سرحانة في إيه؟
انتفضت من مقعدها إثر ملامسة والدها لها، فقد كانت شاردة ولم تشعر بدخوله : فيه حاجة يا بابا ؟
أشفق والدها على حالها : للدرجة دي التهديد مخوفك!
توترت (نيرة) فهي لا تريده أن يشعر بشئ : تهديد، تهديد إيه يا بابا!
أجابها والدها مباشرة : الفرامل سليمة، أنا اتصلت عالميكانيكي جه شاف العربية قال مفيش فيها عطل، يعني كانو بيخوفوكي مش أكتر، بس مش معقول يكون دا اللى مخوفك بالشكل دا، ولا اتهددتي بحاجة تانية؟
التزمت (نيرة) الصمت، فإن انتوت الكذب سيعرفها والدها بالتأكيد
سألها والدها : مين ؟ أنا ولا مامتك ؟
أجابته بكلمة واحدة : ماما
أخبرته بأنها ستأخذ فترة هدنة حتى ينسى (هاشم) بشأنها، فهز والدها رأسه دليل تفهمه : خدي بالك من نفسك ومتقلقيش عليا أنا وماما
**********************
هرولت (شمس) مسرعة تجاه الباب عندما استمعت إلى طرقاته، وجدتها (أميرة) التي تفاجأت من اتصال (شمس) تطلب قدومها إلى المنزل في الحال، ظهر الخوف جليًا بعينيها، حاولت (أميرة) تهدئتها : ارجوكي اهدي يا طنط و فهميني
تحدثت (شمس) : نسمة تعبانة من امبارح والنهاردة منهارة من العياط، فجأة كده وبدون أي أسباب، حالة نسمة النهارده زى حالتها يوم الحادثة بالضبط
طمأنتها (أميرة) : طب اهدي وأنا هدخل أحاول أتكلم معاها
دلفت (أميرة) إلى غرفة (نسمة) لتجدها مقلوبة رأسًا على عقب، الأشياء مبعثرة بكل مكان، وتجلس (نسمة) ملتفة حول ذاتها على الفراش
اقتربت منها : نسمة، انتى كويسة؟
رفعت (نسمة) رأسها ليظهر انتفاخ عينيها ودموعها المنهمرة بغزارة على خديها، هزت رأسها نفيًا دليل أنها ليست بخير
ربتت (أميرة) على ظهرها : احكيلي، إيه اللى خلاكي تنهاري كده النهاردة ؟
انفجرت (نسمة) باكية وارتمت بأحضان (أميرة) في حركة لم تتوقعها الأخيرة ولكن ما سمعته منها بعدها كان الصدمة : أنا حامل
الجزء 9:
الصدمات…….. منحنى لا نمر في الحياة بدونه، قد تُضعفنا وقد تُزيدنا قوة، وقد تُخرجنا عن حالة صمت و تقوقع على الذات لم تكن سوى اختيار اجباري
ربما تلك الصدمة هي من أخرجت (نسمة) عن درب الصمت الذي سلكته منذ الحادث، أما (أميرة) فالخبر كان صادم بالنسبة إليها ، فمن المفترض أن يكون الطبيب قد اتخذ احتياطاته لمنع حدوث هذا الأمر
استجمعت (أميرة) شتات عقلها وحاولت تهدئة (نسمة) : نسمة، اهدى. انتى متأكدة من اللى بتقوليه دا ؟ عملتي اختبار ؟
هزت (نسمة) رأسها نفيًا : لا، بس عندي الاعراض و البريود متأخرة
تنفست (أميرة) الصعداء، فربما يكون شعورها هذا مجرد علامات كاذبة، ربتت على يديها : حبيبتي انتي دكتورة وعارفة إن ظهور أعراض مش دليل كفاية، لازم تتأكدي، لازم تعملي تحليل
ابتسمت متابعة : بصي قومي كده اغسلي وشك وغيرى هدومك وتعالى نروح معمل تحاليل نتأكد
هزت رأسها نفيًا وخرجت كلماتها مهزوزة : لا، أنا خايفة، خايفة اصدم ماما وبابا
احتضنتها (أميرة) : أنا واثقة انك هتطمني اكتر لما نروح المشوار دا، ومتقلقيش أنا مش هقول حاجة لمامتك، أنا هقول لها إني أقنعتك اننا نخرج نتكلم بره شويه
هزت (نسمة) رأسها إيجابًا فأخبرتها (أميرة) : أنا هخرج اطمن والدتك و استناكي بره
خرجت (أميرة) لتجد (شمس) تبكي حال ابنتها، ينهشها القلق عليها، جرت نحوها فور رؤيتها : طمنيني عليها
ابتسمت (أميرة) و طمأنتها : متقلقيش، هي قررت تتكلم معايا وتخرج كل اللى جواها، بس انا اقترحت عليها اننا نخرج عشان تبقى على راحتها في الكلام
أسرعت (شمس) قائلة : أهم حاجة إنها تتكلم وترجع زي الأول، أنا بنتي وحشتني
قاطع حديثهم خروج (نسمة) من غرفتها، ترتدي ملابس متشحة السواد مرتدية نظارات سوداء تخفي وجهها، مظهرها يعكس ما بداخلها من حزن وانكسار، لم تحاول النظر تجاه والدتها، كانت نظراتها مثبتة أرضًا، خرج صوتها ضعيفًا : أنا جاهزة
واستبقت (أميرة) بخطواتها تجاه الباب، ولكن مع تخطيها آخر درجات السُلم، تيبست قدماها ولم تستطع التقدم خطوة أخرى، شعرت (أميرة) بخوفها فحثتها على التقدم و اهدتها ابتسامة لطمأنتها : متخافيش، أنا جنبك
*******************************
جلست (نسمة) برفقة (أميرة) في سيارتها أسفل منزلها، تذرف دموعًا وتحمد ربها أن ما كانت تخشاه لم يحدث، بل كانت كلها أعراض كاذبة كما أخبرتها (أميرة)
ناولتها (أميرة) منديلًا و ابتسمت لها : انتى بتعيطى ليه دلوقتى ؟ المفروض تكوني مبسوطة
قالت (نسمة) من بين شهقاتها : أنا كنت مرعوبة، كان أهون عليا أموت نفسي
(أميرة) : و تخسري آخرتك، ويهون عليكي باباكي و مامتك و اصحابك وكل الناس اللى بتحبك!
نظرت إليها من بين دموعها : أنا خسرت الناس دي وخسرت حبهم، أنا اتسببت في كسر أبويا و أمي
أمسكت (أميرة) يديها ورفعت وجهها إليها : انتى معملتيش حاجة غلط، انتى كنتى ضحية واللى حصل مش ذنبك، لازم تتأكدي إنك بضعفك فعلا كاسرة أهلك بس كسراهم بخوفهم عليكي وانهم مش قادرين يخرجوكي من حالتك
تابعت (أميرة) حديثها : نسمة، انتى حالتك دي أثرت على هرموناتك وبدأ يحصل تغييرات وانتي بتفسريها بحاجات تانية زي موضوع الحمل، حالتك نسيتك إن في الحالات دى الدكاترة بيعملو تنضيف للرحم عشان يتجنبو حدوث حمل، حالتك وصلت شعور لأهلك و أصحابك إنك رفضاهم من حياتك
صرخت (نسمة) تطالبها بالتوقف عن حديثها : بس كفاية، أنا ببعدهم عني لأني مش هستحمل إن هما اللى يبعدوني، أنا بوفر عليهم المسافات، أنا فكرت انى اهرب وابعد واريحهم مني بس مقدرتش، لقيت نفسي أضعف من إني أعمل كده
قاطعتها (أميرة) : انتي مش مضطرة تعملي كده، انتي محتاجة تقربي منهم اكتر وتسمحي لهم يساعدوكي
وجدت (أميرة) أنها قد هدأت وبدأت تستمع إليها باهتمام، فأكملت حديثها : اللى حصل النهارده دا كان شئ كويس لأنه خلاكي تتكلمي وتخرجي جزء من اللى جواكي، عايزاكي تكملي و متتراجعيش، اسمحيلي أنا أكون الايد اللى تساعدك تقدري ترجعي ثقتك بنفسك وعلاقتك مع أهلك و أصحابك
هزت (نسمة) رأسها نفيًا : الناس مش بترحم، مش هيرحموني بكلامهم ولا نظراتهم
ربتت (أميرة) على يديها : وأنا جنبك ومش هسيبك، بس عايزاكي تخرجي و تواجهى الناس لأنك مش غلطانة، ابدأي بأنك انتى تيجي العيادة، اتفقنا ؟ أنا كل اللى طلباه منك إنك تسيبيني أساعدك
ترددت (نسمة) كثيرا ثم أومأت برأسها إيجابا ولكن بداخلها يزداد خوفها من القادم، بداخلها تخشى المواجهة، ولكن فلتدعها تمد لها يد العون
ودعتها صاعدة إلى منزلها على وعد بزيارتها قريبا لاستكمال جلسات علاجها النفسي
اطمئنت (أميرة) إلى صعودها منزلها ثم ترجلت من السيارة لتعبر الطريق تجاه سيارة أخرى مصطفة على جانبه، فتحت باب السيارة الأيمن و دلفت إليها لتخاطب الجالس في مقعد السائق بغضب : حازم لو سمحت كده مينفعش، إنت مراقبنا من ساعة ما خرجنا
التفت إليها سائلا بترقب : نسمة حامل ؟
عاندته قائلة : مش من حقك تعرف، مش من حقك تعرف أي حاجة بتدور بيني وبينها
صرخ بها : لا من حقي، من حقي يا أميرة، أنا بحبها وشعوري ناحيتها مش شفقة، أنا بحبها وعايز أكون جنبها
حاول تهدئة أعصابه : أنا هتقدم لنسمة، الموضوع كله مسألة وقت لحد ما انتى تعطيني إشارة إن قربي منها مش هيأذيها، لكن لو فيه حمل مش هينفع أتأخر
حاولت (أميرة) إخفاء ابتسامتها وإعجابها بصدق مشاعره، ترجلت من السيارة قائلة : نسمة مش حامل، هي كانت خايفة و بتطمن، يعنى اهدى على نفسك وسيب كل حاجة تمشي براحتها خصوصا إنها بدأت تتجاوب معايا، ولو سمحت بطل حركات المراقبة دي، وقت ما احتاجك تظهر في حياتها هبلغك
عبرت الطريق مرة أخرى تجاه سيارتها وتركته يحمد ربه على بدء استجابتها للعلاج
***************************************
حاولت (ندى) النهوض للذهاب إلى عملها ولكن النوم ظل يداعب أجفانها فلم تقو على النهوض، نظرت إلى الصغير الغافي بجوارها، أمسكت يديه تداعبها فأغلق كفه على اصبعها يتشبث به أو ربما يستمد منها الأمان كغريزة طفل تجاه أمه، لثمت كفه وأخرجت اصبعها ببطء، نفضت النوم والكسل عنها وقررت الاستعداد للذهاب إلى عملها
عند خروجها وجدت والديها يتناولان طعام الإفطار، فألقت عليهما تحية الصباح وشاكستهما قائلة : ايه الندالة دي، بتفطروا من غيري!
ابتسمت لها والدتها : أنا الصراحة قلت انتى مش هتروحى الشغل النهارده بعد سهرك إمبارح مع أنس
تثاءبت (ندى) : هو الصراحة أنا عايزة ادخل أكمل نوم بس مينفعش لازم أروح الشغل
ثم سألت والدتها باهتمام : ماما، هتقدري تاخدي بالك من أنس ؟ لو مش هتقدري أنا ممكن أروح أقدم على اجازة وارجع على طول
ضربها والدها على مؤخرة رأسها بمشاغبة : ليه شيفاها عجزت!
ابتسمت له قائلة : لا طبعا يا حاج دا انتو لسه شباب، طب أروح أنا بقى الشغل وهحاول ارجع بدري إن شاء الله
رحلت تشيعها ابتساماتهم ودعواتهم لها، وبمجرد إغلاقها باب المنزل توجهت والدتها إلى والدها بالحديث : ندى كل يوم تنام معيطة من يوم موضوع طارق، إمبارح كانت مختلفة، كل ما ادخل عليها الاقيها فرحانة بأنس جدا، نساها حزنها
تنهد والدها قائلا : الخوف تتعلق به والولد مسيره باباه ياخده في الاخر
استشعر قلقها على ابنتها فربت على كف يدها : بصي سيبيها لله، محدش عالم ربنا كاتبلها ايه
*****************************
جلست متأففة تزفر بضيق، تعبث بكوب العصير أمامها، أزاحته بعنف متسببة في بعثرة بعض النقاط خارجه، ظهر غضبها جليًا بنبرة صوتها : يعني إيه اللى إنت بتقوله دا؟ إزاي عايزنا منعملش فرح كبير في قاعة كبيرة محترمة، هو أنا مستاهلش دا ؟
حاول (طارق) استرضاءها : لا طبعا يا حبيبتي انتي تستاهلي اكتر من كده، بس تغيير العفش والمصاريف الأخيرة دى أثرت معايا جدا، فكنت بقول نخلي الفرح حاجة ع الضيق كده
صرخت (سهى) بوجهه : تاني هتقولي ع الضيق! بص يا طارق أخر كلام عندي، أنا هعمل الفرح في القاعة اللى قلتلك عليها، لو فعلا عايزني بجد اتصرف، أنا مش هقبل بحاجة أقل من اللى أنا عايزاها
أنهت جملتها ووقفت تنوي الرحيل : أنا عايزة أمشي، هتوصلني ولا امشي لوحدي ؟
وقف (طارق) ممسكًا بيديها : هوصلك طبعا، ومتزعليش يا ستى انا هتصرف واعمل اللى يرضيكى
أمسك بيدها مصطحبًا إياها تجاه سيارته وما إن دلف داخلها حتى تبادر إلى ذهنه سؤال : هو صحيح انتي هتعملي إيه في قضية ابنك و الحضانة اللى طليقك رافعها دي ؟
أجابت بلا اكتراث : المحامي قالي يشرب من البحر ويخبط دماغه في الحيط، إحنا بعد جوازنا الحضانة هتبقى من حق ماما
أومأ برأسه : تمام، هنروح فين دلوقتي
أجابته ببرود : زمان المحلات فتحت نلف بقى نشوف اللي ناقصنا
******************************
انهمكت (ندى) بمتابعة عملها تحاول أن تنهيه سريعا، طلبت من زميلتها أن تستلم عملها لنصف اليوم، بعد أن وافقت زميلتها بترحاب سارعت بلملمة أشياءها لتعود سريعا إلى منزلها
اصطدمت به أثناء خروجها، ابتسمت بحرج : أنا أسفة
بادلها (مالِك) الابتسام : ولايهمك، هو انتى ماشية ولا إيه ؟
أجابته مبتسمة : ايوه ، استأذنت بدري النهارده علشان ما اتأخرش على أنس
شعر بالحرج من المسئولية التي ألقاها على كاهلها : انا بجد اسف ع اللخبطة اللي سببتهالك دي
قاطعته : لا متقولش كده، أنا والله حبيت أنس جدا وبراحتك خالص في موضوع المربية دا، إنت متعرفش أنس وجوده معايا فرق إزاى
ضحك (مالِك) قائلا : أكيد فرق، مش عارفة تنامي
ابتسمت له : لا مش دا قصدي، بس بجد يوم واحد معاه فرق معايا، خلاني مفكرتش في حاجات مكنتش ببطل تفكير فيها
غموضها يُشعره بالفضول، لديه رغبة في معرفة سر الحزن الدفين بعينيها، سمع ما تردد من أقاويل حولها ولكن لديه الرغبة فى أن يسمع الحكاية منها
تنحنح بحرج : طب هو أنا ممكن اطلب طلب وعارف إني كده هتقل عليكي
اجابته بتلقائية : متقولش كده اتفضل طبعا
أجابها بحرج واضح من مطلبه : أنا بس بسأل لو ينفع أجيب والدتي تشوف أنس، هى زعلانة إنها مشفتوش
أجابته سريعًا : طبعا تشرفو في أي وقت، أنا هبلغ بابا و ننتظركم النهارده إن شاء الله، عن اذنك
استأذنته راحلة وظل هو يتابعها بعينيه يريد أن يرضي فضوله نحوها
تعالى رنين هاتفها فتوقفت لتخرجه من حقيبتها لتجيب الاتصال : السلام عليكم
أتاها صوت أنثوي من الطرف الآخر : وعليكم السلام ، دكتورة ندى معايا ؟
: أيوه مين معايا ؟
أجابت بنبرة هادئة : أنا دكتورة أميرة، كنت حابة اقابلك و أتكلم معاكي بخصوص نسمة
أسرعت قائلة : طبعا تحت أمرك، تحبي إمتى ؟
أجابتها (أميرة) : شوفي الوقت اللى يناسبك
نظرت (ندى) إلى ساعة يدها : طب تمام ممكن دلوقتي، تحبى نتقابل فين ؟
أجابتها (أميرة) : هبعتلك عنوان العيادة، وأنا في انتظارك
رغبتها بمساعدة صديقتها جعلتها تهرع إلى طبيبتها النفسية لتعرف ما تريدها بشأنه
بعد أقل من نصف ساعة كانت تجلس أمامها بعيادتها قائلة باهتمام : حضرتك قلقتيني ، هي نسمة حالتها هتاخد وقت في العلاج ؟
أومأت (أميرة) قائلة : أكيد طبعا، نسمة عندها حالة خوف، خوفها على أهلها من اللى حصل، خوفها من الناس و كلامهم ونظراتهم، نسمة معتقدة إنها هتكرهكم فيها فتبعدو عنها، هي شايفة انها كده بقت منبوذة في المجتمع
قاطعتها (ندى) : لا طبعا، إحنا بنحبها ونفسنا نخرجها من حالتها دي، أنا عارفة إنها صعب ترجع لحالتها الأولى بس عالاقل تتقبل اللى حصل و تتخطاه و تعيش حياتها
وافقتها (أميرة) الرأي : فعلا دا اللى بفكر فيه حاليا، نسمة دلوقتي محتاجة تحس إن كل اللى بتحبهم حواليها و واقفين جنبها، أنا حبيت أتكلم معاكى، انتى الوحيدة اللى قابلتها من صاحباتها، محتاجة قريب نتفق وتكونو حاضرين في جلسة من جلسات علاجها ونشوف رد فعلها وتقبلها لوجودكم من تاني في حياتها
أجابت (ندى) سريعا : أكيد طبعا، وقت ما تحتاجينا هتلاقينا جنبها
رحلت (ندى) بعد أن أخبرتها (أميرة) أن تنتظر اتصالها لتحديد موعد اللقاء
*********************************
جلست (ندى) برفقة والديها حاملة (أنس) بين ذراعيها، تنتظر زيارة والده و جدته
توجه والدها لفتح الباب بعد أن استمع إلى صوت الجرس، رحب كثيرا بدكتور (مالِك) ووالدته التي شكرت (ندى) كثيرا على ما تفعله من رعايتها للصغير
جلسا معا لوقت ليس بقليل، تعارفا خلاله، شعر (مالِك) بترحيب عائلة (ندى) برعايتها لطفله، فقد كان يخشى أن يكون ابنه حمل ثقيل عليهم، ولكنه وجد منهم كل الحب، شعر من ترحيبهم أنه وسط أصدقاء يعرفهم منذ زمن
بعد رحيلهم، أتى (سليم) الذي تفاجأ بوجود الطفل، شرحت له والدته الموضوع ولكنها تفاجأت برد فعله، فقد ثار غاضبا : انتو ازاي توافقوها عالجنان دا، دا أخر دلعكم ليها
أوقفه والده عن استكمال حديثه : إنت مش ملاحظ إن صوتك عالي ومش عامل احترام لحد
علا صوت (سليم) : بنتك بعمايلها دي تخرج الواحد عن شعوره، مش لاقية حد يقف لها
صرخ به والده : ليه وأنا رحت فين يا أستاذ سليم، قلت لك قبل كده طول ما أنا عايش ملكش كلام على أختك، دي أخر مرة تسمح لنفسك تتدخل في حاجة تخصها أو تعلي صوتك عليها مفهوم ؟
استشاط (سليم) غضبا، فهو لم يجد مُعارض لتصرفات شقيقته، فلم يجد بد سوى الرحيل لمنزله
*************************
جلست (نيرة) برفقة والديها تشاهد العرض المسرحي "الجوكر"، هذا العرض الذي لا تمل من رؤيته مرارًا، تعالت ضحكاتها على شخصية "عم أيوب" التي تحبها كثيرًا
ارتفع صوت رنين هاتف والدها ، التقطه ليجد أن المتصل ما هي إلا شقيقته، أجابها ولم يستطع أن يقول شئ، تهادى إليه صوت صراخها : الحقني يا كمال، الحق (سلمى) يا كمال