تحت الجلد
الفصل الثالث عشرة – الجزء الثاني: تحت الجلد
كان وجهه شاحبًا تحت الإضاءة الصفراء الباهتة لمصباح الزاوية.
جالسًا على الأريكة المهترئة، رأسه مائل كما لو أن الضربة ما زالت تدق في جمجمته كطبلة غاضبة.
متيلدا تقف خلفه، ذراعاها متصالبتان، أنفاسها مضطربة، وأنا...
أنا أجلس قبالته، المسدس على الطاولة بيننا. لا لأهدّده، بل لأُذكّره.
اذكره اني لن ارحمه ان حاول الكذب
استفاق اخيرا ....لم يتحدث. ولم يحاول فك قيده، بل اكتفى بنقل عينيه بيننا، كمن يحصي خسائره في صمت
_ << كيف عرفت اني سأهاجمها >>
– «هذا شأن لا يخصك. دعنا لا نصعّب الأمور. هنا أنا سأطرح الأسئلة، وأنت ستجيب. وإن كذبت، أُفرغ رصاص المسدس في رأسك... اتفقنا؟»
مرّت ثوانٍ... خمس؟ عشر؟ ربما أكثر.
ثم قال، بصوت مبحوح كأن الحروف تخرج من حلق معطوب:
– «أنا من قتل ليزا.»
رددت بهدوء:
– «أعرف هذا... لكن لماذا فعلت ذلك؟»
– «لأنني اخترت... أن يعيشوا.»
رفع رأسه أخيرًا، ونظر إليّ.
عِيناه متورّمتان، مليئتان بشيء لا أعرف إن كان ألمًا أم ندمًا.
– «ومن هم؟»
– «زوجتي... وابني أيضًا.»
تجمّد قلبي.
حاولت أن أتكلم، أن أسأل شيئًا أكثر...
لكنه سبقني، كما لو أنه يقرأ أفكاري.
– «كنت مجرد موظف فحص. ثم، في أحد الأيام... رأيت أكثر مما يُفترض بي رؤيته.»
– «رأيت ماذا؟»
– «ما رأيته أنتِ... الوجه الآخر للشركة.»
ابتسم بسخرية وأضاف:
– «التجارة في السوق السوداء، التزوير والانتحال... الناس الذين اختفوا دون أثر. كنت أظنني سأكشف شيئًا عظيمًا. أبلغت عن ذلك... لشخص في الإدارة.»
سكت قليلًا، تنفّس بعمق، ثم أكمل:
– «بعدها بأيام، وصلتني رسالة تهديد... بصوت ابني، وهو يبكي خلف الهاتف. لم أرهم، لم أعرف كيف وصلوا إليه. فقط قالوا لي: إن لم تغلق فمك، فلن تجد ما تدفنه... وهكذا جرت الأمور. وفي النهاية، صرتُ قاتلًا... رغماً عني.»
أخفض رأسه.
أصابعه تعضّ أطراف قميصه، وكأنها تبحث عن شيء تتمسك به في هاوية فقدان الذات.
– «ألم تعرف سبب دفعك لقتلها؟»
– «كانت ليزا موظفة ككل الموظفين، ملتزمة، شغوفة، إنسانة أكثر مني... لذا، كانت ستتكلم، كانت تسعى لكشف الحقيقة. سئمت من كل شيء. وهم لم يخسروا الكثير بأي حال، طلبوا مني فقط... أن "أدفعها".»
صمت.
ولم يستطع التنفّس.
"أهذا هو كل شيء؟ كل ما كانت عليه ليزا… اختُصر في كلمة؟
"ادفعها"؟
"هكذا؟ بلا معنى؟ بلا قيمة؟
"هل أصبحنا نقاطًا تُمحى إذا كشفنا؟"
– «لم أكن أريد ذلك... صدقيني.»
– «ولِمَ هاجمت متيلدا؟»
– «هذا ما طُلب مني.»
– «فقط؟»
– «ماذا؟»
– «أقصد، ألم تكن تحاول قتلنا لأننا كنا نسعى لكشف القاتل؟»
– «كلا... أنا لا أهتم إن دخلتُ السجن، فقط أريد حماية عائلتي.»
– «ولِمَ لم تستهدفني أولًا؟»
– «لم يُطلب مني قتلك.»
كان صوته مبحوحًا، يحاول التمسّك بآدميته، لكن لا أحد في الغرفة يصدّقه تمامًا.
متيلدا كانت ترتجف، تحاول أن تتحدث، أن تشتمه، أن تفهم... لكنها لم تستطع.
جلستُ على طرف الكرسي، ورأسي يعجّ بأسئلة لا أملك طاقة لطرحها.
ثم، سألته أخيرًا، رغم أنني أعلم أنه لن يجيب:
– «ومن بالتحديد تولّى تهديدك؟»
رفع رأسه، ورمقني بنظرة تلتهب نيران الجحيم فيها:
– «لن أخبركم بالمزيد. يمكنكِ قتلي، لكني لم أقتل لأخسر كل شيء في النهاية.»
نظرت إليه طويلًا.
حاولت أن أكرهه... أن أراه وحشًا.
لكني رأيت فيه رجلًا... أُجبر على أن يكون خائنًا لنفسه.
"هل هذا ما تفعله الشركة؟
تحوّلنا لأدوات... ثم ترمينا بعد أن ننتهي؟"
أمسكتُ هاتفي، واتصلت بشخص كنت آمل حقًا ألا أضطر للاتصال به.
رنّ الهاتف. ردّ على الفور...
– « .....ههه، حذركِ مبالغ فيه حقًا يا آنسة. أنتِ من اتصل بي، لما تنتظرين أن أتكلم أولًا؟»
– «جيمس... لدينا مجرم. تعال فورًا.»
– «مجرم؟ يبدو أنكِ تعيشين أجواءً مثيرة في عملك الجديد.»
– «لست في مزاج يسمح لي بالتفاعل مع حديثك. ما حدث اليوم يكفي. المهم، لهذا الشخص زوجة وابن، تولَّ أمر إرسالهما خارج البلاد.»
سألني شيئًا، لا أذكره.
أجبت.
ثم أغلقت الهاتف.
لم أعد أريد أن أعرف المزيد.
**
في الصباح، أُخذ إليوت بصمت.
قُدّمت قضيته للمحكمة، غيّر في أقواله أثناء التحقيق طبعًا، وأخفى ما يجب إخفاؤه.
وُضعت عائلته تحت حماية خاصة، وسُفّرت خارج البلاد بأمر مباشر من جيمس.
عدت أنا ومتيلدا ليلة ذلك اليوم الصعب بعد سماع حكم قضية إليوت.
الطريق إلى المحكمة كان طويلًا حقًا.
كما أنها ألحّت بشدة على مرافقتي، ولم أقدر في خاتمة الأمر على مقاومة إلحاحها المزعج.
ورغم إصرارها ورفضها التام الاستماع لتحذيري، إلا أنها كانت شبه نائمة على مقعد السيارة، رأسها يتمايل بخفة مع اهتزاز الطريق.
أما أنا، فكنت هائمة بين أفكاري، أقبض على عجلة القيادة وكأنها الشيء الوحيد الثابت في هذا الواقع المرتبك... إلى أن سحبتني متيلدا من شرودي، كعادتها، بأسئلتها الفضولية
– «بمَ تفكرين؟»
قالتها بنبرة ناعسة، وهي تدس رأسها في المقعد، وعيناها نصف مغمضتين.
– «لا شيء مهم.»
اجبت بسرعة دون ان انظر اليها
– «هل لي أن أسألك سؤالًا؟»
رفعت حاجبًا، وكأنها تحاول استجماع تركيزها رغم التعب.
– «أنتِ تفعلين الآن.»
ابستمت رغم كل شيء ثم قالت بعد تنهد
– «حسنًا، لماذا سألتِ إليوت ذلك السؤال؟»
تسلل الفضول مجددًا لنبرتها، بينما اعتدلت قليلاً في جلستها.
– «أي سؤال؟»
ألقيت نظرة خاطفة عليها، ويدي لا تزال مشدودة على المقود.
– «عن سبب هجومه عليّ أولًا بدلًا منكِ.»
قالتها بتردد، وكأنها تعلم أن السؤال يفتح بابًا غير مريح.
تنهّدت، وابتلعت ارتباكي، ثم تمتمت:
– «يا لكِ من ذكية..... أنتِ عميلة مخابرات، صحيح؟»
حاولت أن أبدو ساخرة، لكن صوتي خرج أكثر جدية مما أردت.
– «صحيح، لكنكِ تعرفين هذا!»
قالتها وهي تلوّح بيدها الصغيرة، كأنها تذكّرني بشيء بديهي.
– «أجل، والشركة أيضًا على الأرجح. لهذا أرسلته ليقتلكِ... لكنه مجرد موظف، ولم يكن مسلحًا عند الهجوم.»
تراجعتُ في مقعدي قليلًا، وقلت الجملة ببطء، وكأنني أعيد تركيب الأحداث في ذهني.
– «أعلم، ولكن ما الذي يعنيه هذا؟»
همست متيلدا وهي تتكئ بذراعها على الباب، عيناها تحدقان في الطريق.
– «الرحمة... أنتِ عميلة مخابرات، أي أنكِ مسلحة، أو تجيدين الدفاع عن نفسك على الأقل. لماذا قد تُرسل الشركة موظفًا غير مسلح لقتلكِ؟»
كان صوتي حادًا أكثر مما قصدت، لكن أفكاري كانت تتصارع بشراسة.
– «آها... تقصدين أنهم لم يرغبوا بقتلي من الأساس؟»
رفعت رأسها نحوي فجأة، وعيناها اتسعتا بدهشة عابرة.
– «كلا، وعلى الأرجح كانوا يريدون قتله عن طريقكِ.»
قلت العبارة الأخيرة ببطء، وأنا أشعر بها تسقط من فمي كحقيقة موجعة.
– «أيعقل هذا!؟»
شهقت متيلدا بصوت منخفض، وقد جلست مستقيمة فجأة، وكأن شيئًا لسعها.
– «لم يعقل، بل حدث وانتهى. وما صدّع رأسي هو: لماذا هاجمكِ إليوت بدلًا مني؟ ولماذا أُرسل ذلك الشخص لتحذيري وإنقاذكِ؟ ما الهدف من هذا؟ حتى لو كان يريد حماية عائلته، لا يعني أنه سيقدم على قتل نفسه. وكيف عرف أساسًا أني مسلحة؟ فقط... لمذا لم يركب الوضع على كوني الضحية وأنتِ المنقذة؟ ألا يحقق هذا نتيجة أضمن بما أنهم لا يعرفون من أكون؟!»
خرجت كلماتي دفعة واحدة، كأنني أنزفها منذ ساعات.
– « انتضري لحظة ، من ذلك الشخص الذي تتحدثين عنه؟ ومتى قام بتحذيرك؟»
صمتُّ لثوانٍ، شعرتُ خلالها أن صدري يضيق أكثر من الطريق نفسه، ثم تمتمت:
– «....... لا تهتمي. لا تهتمي البتة. فقط دعيني أقود بسلام.»