وكان الشيطان ملاكاً - الفصل الثالث والاخير - بقلم مؤمنة محمود - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وكان الشيطان ملاكاً
المؤلف / الكاتب: مؤمنة محمود
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث والاخير

الفصل الثالث والاخير

"عودة إلى الحاضر" وقف مالك يقرأ ما كتبه قبل ثلاثة عشر عاماً، كلّ خذلان شعر به كتبه على ذاك الجدار الرطب، شعر بأحد يقف خلفه، عرفها فقد اشتمّ رائحة عطرها، ثم لا يجرؤ أحد على الدخول إلى هنا سواها، قال دون أن يلتفت: - كنت لي وطناً يا صبا، لم أشعر بالغربة إلا بعد فراقك. ثمّ استدار إليها يتأمّلها وكأنه يحفظ ملامحها، قالت: - كيف عرفت أنني أنا دون أن أتكلم؟ - عطرك دلني عليك، أتعرفين يا صبا؟ ما وددتُ شيئاً مثلما وددتُ ألا ينتهي دورك في حياتي، لطالما خفتُ أن أقف وحدي في حكايتكما. - لا أحد يتخلى عن الأشياء التي يتوق لها إلا بعد أن يجرحه فكرة الحفاظ عليها. - وهل جرحتك يا صبا؟ - لم تفعلها من قبل، كنتَ ابناً بارًا، لكنّك فعلتها الآن، لو كنتُ أعلم أن الحياة ستغيّرك للأسوأ لخبّأتكَ جيّداً، كنتَ جوهرتي الثمينة، لم أستطع الحفاظ عليك فخسرتك وخسرتُ المدينة كلها، وفي نهاية المطاف شعرتُ أن من احتواه قلبي كان سراباً، أنت لم تعد مالكاً الملاك البريء، غدوتَ إنساناً لا أعرفه. - تحملتُ صعوبة العيش لأجلك، لأنك كنت تمسكين يدي، وحدك من فهمني وسمعني، لم أشعر بمشقّة الحياة لأنني شاركتها معك، شاركتني الوجع والضحكات، كنت وطني يا صبا، الوطن الآمن، لم يحتويني وطنٌ بعد غيابك. - لا تنكر أن تلك التجارب جعلت منك إنساناً واعياً، قدّسها يا مالك، ولا تستبدلها بالإجرام. - في كلّ مرة يتخلى عني أحدهم أفقد جزءاً من قلبي، الآن أصبح قلبي ذيقا جداً لا يسع للفرح والسعادة، لم يعد هناك مكان للضحكات، لأن قلبي امتلئ بالآلام. سكت قليلاً، تركها خلفه وصعد للأعلى، تنهد بهدوء وجلس على حافة البحيرة، تبعته وظلت واقفة تستند بجذعها إلى شجرة التين، قال وهو يطالع البيت بعينين حادتين كالصقر: - يأخذني الحنين لأجد نفسي في هذا المكان، أشكرك لأنك صنعت لي ذكرى في زوايا تلك الغرفة، أستذكر كلّ ليلة حواراتنا ونقاشاتنا وضحكاتنا معاً. اقترب من مكان وقوفها، وقال: - التجارب القاسية هي أمهر النحاتين، تشكّلنا كيفما تشاء، فلا تلومي قسوتي وأنت وحدك تعلمين ما حل بي. - وما شأنُ سكان المدينة في تجربتك هذه، أرجوك أوقف الحرب، فقد قضت على أحلام شبابنا ومستقبل أطفالنا، لم يعد لنا ولهم مستقبل، ستلزمنا أعوامٌ عديدة لإعادة بنائها، سيسرقونها مجدداً بدعوى أنهم من دافعوا عنها، نحن من ذقنا الحرب وأودت بنا فسنظلّ على هامش حياتهم، أوقف الحرب لنكبر ويكبر أولادنا دون خوف، لنعد معاً إلى البر الآمن، نريد لمدينتنا السلام كما في المدن المحاذية لها. - وهل ستتحمّلين ما يحدث بعدها؟ هل سيتحمّل عمر النتائج؟ إن كان على الحرب أن تتوقّف فستكون الخسارة كبيرة. - لا انتصار دون خسائر وهزائم ودماء. - سأوقفها لأجلك يا صبا، سأوقف انتقامي، يكفي ما وصلتُ إليه، لكن إن لم تتوقّف فسيكون هناك طرف مستفيد من اندلاعها. ……………………………. جلست ولاء في غرفة مجد تساعده في إعداد الحقيبة والدموع تغسل وجنتيها ،كيف اتخذ قرارًا خطيرا كهذا دون أخذ أريها؟ لم يناقشها بالأمر ولم تعرف إلا قبل ساعة من رحيله، زفر بيأس وهي تبكي دون توقّف، طوى قميصه ورماه في الحقيبة بإهمال، ثم أمسك يديها الاثنتين وقبلهما، مسح دموعها وضمها إلى صدره، فشهقت وبكت بمرارة، ثم قالت: - أرجوك تخل عن فكرة السفر، المدينة دونك لا تطاق وما يصبّرني على العيش فيها إلا أننا نتقاسم الهواء ذاته، أريدك أن تبقى لنلتقط صوارً كثيرة ونضحك لانتهاء الحرب، ستنتهي يوماً ونجلس على سطح بيتنا الكبير، نتأمّل السماء ونتشارك القهوة، أريد حين يتقدّم بنا العمر أن نحكي لأحفادنا عن حبّ ولد في دمار الحرب ،سأذكّرك أني كنت صابرة لأجل لحظة مميزة، ولن أندم على عمر فات لأنك شاركتني إياه. - لا تصعّبي الأمر عليّ أكثر من ذلك، كلامك هذا كنصل يُغرز في قلبي، أتعتقدين أني مرحب بفكرة الهروب؟ لكن لا أمل لي هنا، مرّ ثلاثة عشر عاماً على هذه الحرب وكل عام نأمل أنه سيكون العام الأخير، وبعدها يأتي أمر أشدّ ضراوة، لا أحلام للشباب هنا، ليس لي عمل استرزق منه، انتهى مستقبل المدينة وحتى حين تتحرر لن تعود مثلما كانت، ستصبح أسوأ وسيتمنى الناس عودة الحرب لأن بطونهم لم تكن فارغة حينها، سنركض خلف رغيف الخبز ولا نصل إليه. - وكأنّك تطفئني على مهل وهذا أسوأ من الانطفاء الفوري، بين كهذه المخططات أين أنا من حكاية سفرك؟ - أنت الحكاية كلها، أنا مسافرٌ لأجلك، وحينما تستقرّ أموري سأرسل إليك لتتبعيني. - لكن أمي ستظلّ وحيدة دون رفيقة، تكفيها خسارتها لوالدي، لن أمنحها خسارة جديدة. - ستعيش مع والدتي ريثما أستطيع تدبير أموري وإرسالها إلينا، اصبري يا ولاء، ما هو إلا عام واحد وتكونين في بيتي، حينها لن نفترق مجددا إطلاقا. - هل المدينة التي اخترتها أفضل من هذه؟ لا أظنّ ذلك، لن تشعرك بالأمان وستظلّ باحثاً عنه، سيهاجمونك في غربتك لأنك لاجئ ويتهمونك أنك أتيت بلدهم لتدميرها، لن يروا حزن عينيك ولا انتفاضة قلبك لأجل وطنك، لن يروك إلا محتلاً لبلادهم أتيت لتعبث بها وتنهب ثرواتها العظيمة. - وطنٌ كوطني لا يُستبدل بآخر، هنا ذكريات طفولتي وشبابي، حبي الأوّل وقبلتي الأولى، قهوة أمي الساخنة، عناق أخي، ابتسامات أختي، ثمة روائح لطيفة لا مثيل لها إلا في أرض الوطن، ك رائحة الخبز الساخن، الياسمين، القهوة، رائحة الأرض بعد المطر، رائحة العشب بعد سقيها، أشياء كثيرة لا وجود لها في الغربة، لكن حالي كحال الشباب، أبحثُ عن مكان يدرّ عليّ أموالاً تجعلني أنفق بسخاء دون أن أنظر إلى التقويم المعلق على الحائط لأفتش فيه عن آخر يوم في الشهر، أريد لكلينا العيش فقد تعبتُ لأنني أبحث عن سبل رزقي دون أن أصل. أكملت مساعدته ودمع العين لم يتوقّف، كلاهما على حق فيما قاله، وضع حقيبته جانباً، قبل يد والدته وعانقها، عانق أخاه وأخته وعمر، قبل يوسف الصغير، عانق ولاء وقبل جبينها، طلب الدعاء من والدته، غادر دون أن يلتفت خلفه لئلّا يضعف ويعود أدراجه. كلهم يدركون أن طريقه طويل ليصل إلى البر الآمن، هناك بحر متلاطم الأمواج وغابات مليئة بالحيوانات المفترسة ومدنٌ كثيرة وقطّاع طرق، إنها مخاطرة كبيرة، ربما يصل وربما لا يصل. …………………………. ضحكت سارة ومالك يخبرها بإنهاء الحرب، نظرت إليه تفكّر في قراره المفاجئ، لم تجد في عينيه القسوة، وجدت القهر والتعب يسكن ملامحه، صمتت شاردة في أمره الذي طالما حيّرها، لا تعرف ما يشغل باله، قاطع شرودها قائلاً: - هل ستحبينني كما أنا؟ بملامحي المتعبة وقسوتي ومازجي المتقلب، هل ستظلين على عهد حبّك. - لطالما كنتُ قمرا تائهاً وكنتَ مداري، حين عدتَ إليّ شعرتُ أني طير مهاجر قد عاد إلى موطنه، سنظل معاً ولا يصيبنا فراق. - لكننا متناقضان، أنا الليل بظلامه، وأن ت النهار بأمله، أنا العبد العاصي وأنت الإيمان، أنا الشيطان وأنت الملاك. - سأسحبك من آلامك، وأنقذك من غرقك، سأنصرك على نفسك ،وأقوّم اعوجاجك وأصلحك ،سأخبّئك في قلبي وسأكون عونك على كل الأيّام. ابتسم لها ونظر إلى بطنها المتكوّر، فقال لها: - ألم تحن ساعة الولادة بعد؟ - لقد اقتربت كثيرا، سأنجب طفلاً وسيماً يشبهك. لقد نسيتْ، نظر إليها مالك شزاًر، وقال: - أنا لستُ جميلاً يا سارة، هذا الوجه لا يخصّني، الأفضل لك أن تنجبيه يشبهك لئلّا تخسريه. دقّ قلبها بعنف وهي تنظر إلى جمود عينيه، كيف يستطيع بسهولة التحوّل من الحنان إلى القسوة ومن التعب إلى الرحة؟ - ما الذي تعنيه بكلامك هذا؟ تجاهل سؤالها وقال: - ستأتي صبا لزيارتنا اليوم. - صبا! وكيف عرفتْ طريق القصر؟ - ليس صعباً أن تدلي أحد على مكانك، ثم إني أرسلتُ لها السائق ليأتيني بها. لم تعقّب على كلامه، غادرت إلى غرفتها، تختفي خلف جد ارنها، استوقفها قائلاً: - إلى أين؟ - سأبدّل ثيابي إلى أخرى تليق بضيفتك. نهض من مكانه واتجه إليها، قال لها بحنان: - إنها ضيفتك أيضاً، صبا ليست غريبة عنا يا سارة. - أعرف أنها طالما سكنت قلبك ولم تغادره أبداً. - لمَ لا تفهمين أن صبا هي الشيء الجميل الذي أنار حياتي، إنها مثال لأيقونة نحتها أعظم النحاتين، صبا بطلة كل الحكايات، هي رمز للحنان، كوني متفهمة وتعاملي معها على أنها صديقة، حينها ستحبينها يا سارة. سكتَ قليلاً، ثم قال: - لا تخسريني لأجل صبا يا سارة. كانت هذه الكلمة بمثابة الصاعقة لأي امرأة تغار على زوجها، ما الذي جعلها تتفوّق عليها، أومأت برأسها علامة الموافقة وغادرت إلى غرفتها، ارتمت على سريرها تبكي خذلانه لها. دخل إليها وهي على هذه الحالة، فقال لها: - أخبرتك عن ظلمتي منذ البداية، أنت التي قرر ت أن تلعبي دور النور في حياتي. - لم أعتقد أنك سترتضي لي الأذى وقد كنتُ أحسبك أرقّ على قلبي مني. - عن أي أذى تتحدّثين؟ قد أخبرتك حكايتي معها، قد كانت لي أماً حين تركتني أمي وحيداً على عتبة دارهم، هي الآن بعيدة عني كشي ء لا يُرى، قريبة جداً كملمس يدي، عالقة في منتصف الطريق بيني وبين كل الأشياء. - وكأنّك تقرأ فيها شعرًا؟ - أحبّك يا سارة، ولا أطيق حزنك هذا، أما صبا فحكايتها لا تروى لأنها معضلة من الصعب تفسيرها، إنها كمطلع قصيدة، وحبكة في رواية متفرّدة في حب البطلة، إنها أمي يا سارة، قلبها نقي كقلوب الأمهات. ابتسمت سارة وعند ابتسامتها رنّت صبا جرس الباب، خرج مالك وسارة لاستقبالها، هذا أوّل لقاء بينهما، لطالما تمنّت أن تتعرّف إليها، خاب ظنّها فيما أرته، إذ وجدت نفسها أمام امرأة عاديّة الملامح، في منتصف الثلاثينيات، تسبقها سارة بمراحل من الجمال، صافحت صبا سارة ثم مالك، عرّفهما على بعض، قالت صبا: - لم تخبرني بأمر زواجك. - اجلسي يا صبا، لم يكن هناك وقت لأخبرك. جلست على الأريكة، وجلست مقابلها سارة تتفحصها، جلس مالك بجوارها، واضعاً يده خلف سارة، باركت صبا لهما زواجهما وباركت حمل زوجته، بعد التهاني والمباركات، قالت صبا بعد أن سكتت قليلاً تتأمل سارة ومالك معاً: - في الحياة يا مالك طريقان عليك اختيار أحدهما، الطريق الأول يحوّلك إلى ملاك والآخر إلى شيطان، لم اخترت أيسرهما؟ - لقد مشيتُ في الطريق الأول يا صبا فداسني الناس، لا حياة للملائكة في هذه المدينة. سكت هنيهة ثم أردف بهدوء: - ذكرتني بمقولة صغيرة لابن خلدون "الأيام الصعبة تخرج رجالاً أقوياء، والرجال الأقوياء يصنعون الرخاء والترف" قاطعته صبا بقولها: - "والرخاء والترف يخرج رجال ضعفاء، والرجال الضعفاء يصنعون أياماً صعبة". قالت سارة وهي تنظر إليهما متعجّبة من حديثهما: - لا أفهمكما، وكأن هناك حرباً باردة تدار بينكما. نظرت إليها صبا وقالت: - أنت ملاك يا سارة، كيف ارتضيت العيش مع شيطان؟ - لأنني نظرتُ إلى روحه والتحمتُ بها، يمكنني تحريره من نفسه سيعود إنساناً، إنسانا فقط، لا عيش للملائكة هنا. - ستحرقك نيرانه. - سأطفئها بحناني. - إن أغرقتك مياهه فلا أعتقد أن هناك سبلاً للنجاة. - سنلتحم معاً ريثما ينتهي المد. - ألم أقل لك إنك ملاك، من الغرابة أن تكونا بهذا التناقض وتعيشا حياة خالية من الشقاء. خرج مالك عن صمته وقال: - لسارة قلبٌ جميل يشبه قلبك يا صبا، لذلك اخترتها وكأنها أنت، هل عيشي معك في طفولتي كان خاليا من المشقة والتعب؟ حزنت سارة لكلامه، كانت تظن أنه مغرمٌ بها ولكن ما سمعته الآن أثبتَ أن مالك ما ازل عالقاً في دائرة صبا، استخرجها من شرودها صوت صبا الصارخ: - ألا تزال مصّرا على القتل؟ صاحت سارة: - قتل مجددا؟ ثم استدارت إليه وسألته: - أصحيح ما تقوله؟ ظلّ صامتاً ولم يجبها، قالت صبا: - أأنتَ من قتله؟ خرج عن صمته مجدداً وقال: - ألم تطلبي مني إنهاء الحرب، أنهيتها من أجلك. - أنهيتها بدماء عمك؟ - هو من أشعلها، كان يجب أن يموت لتنطفئ. انتفضت واقفة وصرخت في وجهه: - كاذبٌ يا مالك، عمك أشرف ليس هكذا، هو هرب إلى الخارج منذ اندلاع الحرب. وقف قبالتها ووضع يديه في جيبي بنطاله، قال بهدوء: - ألم تسمعي ما قيل في الأخبار؟ افتحي التلفاز يا سارة، ودعيها تسمع عن الصفقات التي صنعها عمها لإشعال الحروب في وطنها، ألم يخبرك عمر بذلك؟ كان يعتقد أنه يحمل نصيباً من اسمه، لكنه أبعد ما يكون عن الشرف. ألا تعرفين بأن القذيفة التي قضت على حياة ابنته كانت من حرّ ماله، لقد دمّر الحي على رؤوس ساكنيه، شرّد الآلاف ويتم الأطفال ور مّل النساء انتقاماً لدماء ابنته، مع الأسف ما ازده ذلك إلا تجبّ اًر وطغياناً وأصبح كالسيل لا أحد يستطيع إيقافه. نظرت إلى التلفاز ورأت خبر مقتل عمها، هوت دمعة على خدها، مسحتها بعصبية، مسك مالك يدها وسحبها إلى الشرفة، كانت المدينة هادئة على غير العادة، اقتربت من سور الشرفة، تأملت حياتها العصيبة في هذه المدينة، وقفت سارة خلفهما، قال مالك: - هذه مدينتك يا صبا، انتهت الحرب الآن، لم يعد هناك مجال للخوف. - لكن مخلفات الحرب ستكون أقسى، فقر مدقع، لن نحتمل الخراب ،انهيار البنى التحتية، ماذا زرعنا لنحصد كل هذا الخراب؟ - زرعنا لصوص الوطن بيننا. - لطالما كانت مدينتنا آمنة، لا نرغب إلا في العيش بسلام، لم نطلب أكثر من حقنا، لقد عاش فيها سنوات عمره، أيدمّرها من أجل المال؟ المال لم يشتر حياة طفلته، من الذي أنهى لأجله مدينة كاملة؟ والآن ترك أمواله وغادر الدار ولم يوص أحداً. وضع يده على كتفها ليهدّئ من روعها، فانتفضت واستدارت إليه قائلة: - أنت لا تختلف عنه، أنتما وجهان لعملة واحدة، سيطالك خراب هذه المدينة ولن تجد منفذاً للسعادة، ستظلّ تلاحقك أحلام ساكنيها الذين يطالبونك بعودة شهدائهم، ببناء دورهم، بعودة غائبهم، وتحقيق أحلامهم. تركته وغادرت إلى بيتها، بينما ظلّ شارداً يفكّر في كلامها، أول مرة تقسو عليه هكذا مع أنها عرفت من البداية أن له ضلعاً في هذه الحرب لكنها اليوم أدركت أنه قاتل ولا يختلف عن عمه في شيء، لكن ما لا تعرفه أنه على خلاف عمّه، فهو لم يقتل الشرفاء بل قتل أشرارها، كان يقتني الأسلحة ليحرر المدينة منهم . ………………………………. جلست سارة تشاهد التلفاز بعد رحيل صبا وكلامها يتكرر داخل ذهنها، أما هو فدخل إلى القبو، نظر إلى جمال وقال: - سأحرركَ الآن، فقد أنهيتُ انتقامي. - لم يمض اثنا عشر عاماً بعد؟ - تكفيك هذه الأعوام القليلة وأنت في الظلام. - وكأن الحرب انتهت؟ أومأ برأسه دون أن يجيب، صرخ الطبيب: - أطلق سراحي إذن، ألم أخبرك من قبل أنك كنت عوناً لي في الحفاظ على حياتي ظلّ يتأمله، وقف الطبيب ينظر إلى النافذة العلوية وسأل مالكاً: - في أي شهر نحن؟ - أغسطس. - رائع، فصل الصيف ممتع، إنه يدعوني للبهجة والسعادة، سأغادر الآن، لدي عمل بانتظاري وعائلة تشتاق لوجودي بينها. ثم نظر إلى مالك وقال: - أأعجبك العيش في ثروتي؟ ألن تعطيني جزءاً منها؟ - مازلتَ طماعاً أيها الطبيب. - الحرب ستخلف الغلاء، أريد ثروة قليلة لأسافر وأهرب من مخلفات الحرب. - وما شأني بك، اذهب الآن قبل أن أغيّر رأي وأدفنك في ساحة القصر. - لا، لا أرغب بالموت الآن، لقد صبرتُ لأعيش لا لأموت، أريد أن أرقص فرحاً بانتهاء الحرب. وخرج مهرولا من الغرفة، بينما شعر مالك أن حملاً ثقيلاً ازل من على كتفيه في تلك اللحظة. ………………………… صاح عمر في وجه صبا: - أين كنت يا صبا؟ جلست مقابله وقالت: - ذهبتُ إلى مالك لأعرف ما يُدار خلف كواليس الحرب. - مجدداً يا صبا، كم مرة أخبرتك ألا تقابليه، ثم تكسرين قواعدي. - وكم مرة أخبرتك أنه ابني ولا أكنّ له شعوراً آخر، ثم إنه متزوج الآن وقريباً سيرزق بطفل. تجاهل كلامها وغيّر دفة الحديث قائلاً: - ستعود والدتي قريباً. - لا أعتقد أنها سترضى بالعيش هنا. - أصبحت وحيدة في الغربة. - أسمعتَ يا عمر شيئاً عن عمي؟ - أعرف إلام تلمّحين... وأعتقد أن هذا السبب الذي دعاك لزيارة مالك، أصدقيني القول، أمالك من فعلها؟ التزمت الصمت وأشاحت وجهها بعيداً عنه، فقال: - وصلني جوابك، وأعتقد أني أعرف السبب. - طلبتُ منه سابقاً إيقاف الحرب، أخبرني حينها أن الحرب لا تقف إلا بخسارة أحدهم، لم افهم مقصد قوله في البداية، ظننته يقصد ضحايا الحرب، لكني فهمتُ كلامه متأخرة. - مع أنني أعلم منذ البداية، وواجهته بعد استشهاد آسيا، لكني حين وجدتُهم كلهم يعلمون شعرتُ بمشاعر مؤلمة، في الوقت الذي كنتُفيه أنا ويزن ندافع عن المدينة كان يدمّرها، وحده من قتل رفاقنا، لم أكن أعلم أن الحي الشرقي هو المكان الآمن الوحيد في المدينة لكني علمتُ متأخرا، لأننا نعيش فيه. - هوّن عليك يا عمر، أنتَ لست مثله ولن تكون كذلك. - لكن جميع رفاقي رأوه فيّ وكأنّه يمثّلني، لم يصدق أحد أنني ما كنتُ أعلم، كل ما حيك في الغرفة المظلمة لم أشهده ولا شهدتُ على قرارته وأفعاله، أنا بريء من كل ما نُسب إليه من جرائم. أومأت له برأسها، وعانقته، فقال لها: - أترتضين أن تكملي حياتك معي وأنت على علم بهذا الأمر؟ - أيعقل أن تقول هذا الكلام لز وجتك وأم طفلك؟ أنت يا عمر من حمل المدينة على روحه، كنتَ تخرج صباحاً وبيدك كفنك، كلّ صباح تقبلني قبلة الوداع، أنت من حميتها من والدك وأمثاله، لن أكون مثلهم يا عمر وأقصيك من أفعالك لأنني شاهدة على ما فعلتَ لأجل وطنك. - يكفيني يا صبا أنك وعائلتي معي، ولن أطلب شيئاً من هذه المدينة. …………………………. في الليل جاءت عائلته، ارتمت ولاء على الأريكة جوار يوسف وقالت: - لقد وصل مجد إلى البر الآمن. - الحمد لله على سلامته. صدرت هذه الجملة من أفواه الجميع، ها قد اطمأنوا على فر د من العائلة، ربت يزن على فخذ عمر ليطمئنه أنه لن يخوض معركته القادمة وحده، فقال: - لا تحزن يا عمر، نحن معك، ولن نتركك. - لقد أقالوني من عملي، قالوا لي أنتَ لا تستحقّ أن تكون جندياً يدافع عن شرف الوطن وأبوك من باعه، لقد وضعوني معه في نفس الخانة. - ابتسم يا ابن العم ولا تحزن، أنا وأنت سواء في هذا الأمر، أقالوني أيضاً، مع أنني حاولتُ الانشقاق عنهم لكنني فشلت، إذ أخبروني أن عمي خائن للوطن وسأكون يوماً ما مثله، لم أحزن، أخبرتهم أن بإمكاني الآن الزواج، أتعرف لم يا عمر؟ - لماذا؟ - في كلّ مرة أغرم بفتاة تبتعد وتخبرني أنها لن تتزوج جندياً يحمل روحه على كتفه، كنت سعيداً لمجد وولاء تطالبه بالزواج سريعاً، أيقنتُ حينها أن الحب أقوى من الحرب، الآن وقد سّلمتُ سلاحي صار في إمكاني بناء عائلة، ومع ذلك سأسهم في إعادة بناء الوطن، لن أكون خانعاً ارضياً بما قالوه لي، المدينة تطالبنا جميعاً بإعادة إعمارها. ……………………….. جاءتها آلام المخاض، ظلت تصرخ من الألم، لا يعرف ما يفعل، لم تخبره الطبيبة بما يتوجب عليه عمله إن حانت ولادتها، طلبت منه باكية الاتصال بصبا وجلب الطبيبة معها، اتصل بها وطلب منها ألا تخذله هذه المرة، سيرسل لها سيّارة تقلها والطبيبة، استمعت إلى توسّلاته وكأنه عاد مالك الطفل القديم، استأذنت عمر ولم يعترض ككل مرة، لم يستطع القدوم معها، رغم ما فعله والده إلا أنه حين يفكّر أن مالك قضى عليه يشعر بالألم، مالك الذي ربّاه صغيرا وقال له ذات يوم "أخشى أن تكسر اليد التي مُدت لك" لا يعرف أيكرهه؟ أم يشكره؟ كان له أباً وسنداً وعوناً وحين كبر قضى على والده وصار وإيّاه أعداء. بعد ساعة من صراخ سارة الذي هز البيت بأكمله، وصلت صبا والطبيبة، دخلت عليها مسرعة، وضعت حقيبتها وفتحتها وبدأت تساعدها على إتمام الولادة، كانت ولادة متعسّرة، وقف مالك في الخارج يدعو الله ألا يصيبها مكروه: - يا الله أعرف أني عبدٌ مليء بالمعاصي والذنوب، لكنها يا الله بريئة منها، هي لا ذنب لها في ذنوبي، طهّ رها مني يا الله، ولاتتركها تحمل وزري عم اًر كام لاً، لا تحمّ لها إصرًا أكبر من طاقتها، كن لطيفاً بها فهي ملاك احتوت شيطاناً ولا ذنب لقلبها فيما احتوت، اجعلها في عنايتك ولا تحرقها بنيراني. انسكبت دموعه وهو يقرّ بذنوبه، خائف من خسارة سارة، لقد وعدته أن تظلّ رفيقته العمر كله ولا يمكنها أن تحنث بوعدها، سارة الوحيدة التي لم تخذله يوماً وما سُجّل ضدها خيبةٌ أو خذلان. كلما ازداد صراخها ألماً انسكبت عبراته خوفاً عليها. استمع أخيرا إلى صرخات طفله الأولى، هرع إليها، كفكف دمعه، اقترب من الباب، كاد أن يُدير المقبض، فسمع الطبيبة تقول: - يا إلهي ما هذا إنه يشبه المسخ! وكأنه بذرة الشيطان. كانت الجملة بمثابة الصاعقة للجميع، أعادت إليه أعواماً من القهر والبؤس، لم يستطع فتح الباب ففيه هلاكه وهلاك الجميع، عادت دموع الخطيئة للانسكاب مجدداً، يا إلهي إن كان هو ابن الخطيئة فما ذنب صغيره ليدفع ثمن خطيئة جده؟ خرجت الطبيبة بعد أن أعطت تعليماتها لصبا وسارة . نظرت إلى مالك دهشة من جماله وجمال زوجته، فكيف أنجبا طفلاً بهذا القبح، طلب من السائق أن يعيدها إلى دارها، لن ينتقم منها، صار يكره الانتقام، خرجت صبا وطلبت من مالك أن يدخل ليرى طفله وزوجته، أومأ رأسه، مشى إليها وكأنّه يُساق إلى إعدامه، قبل جبهة سارة، أعطته صبا مولوده، حمله بحذر، تأمل براءة الصغير وكأن الماضي عاد وارتسم بألمه في ذهنه، نسخة الماضي المكررة، دارت ذكرياته جميعها في رأسها وكلام الناس يتردد في رأسه مسخ، لعبة الشيطان، أنا جمّلتك وكنت قبيحاً، قبيح الوجه. مشى والطفل بين يديه يوم تخلت عنه والدته خرج من القصر أوّل ليلة في القبو وضع الطفل جانباً، حمل المعول وبدأ الحفر، ضربات المعول كانت قاسية تزداد معها ذكرياته، حياة التشرّد القاسية انتهى الحفر، مسح عرق جبينه بكفّ يده ما فعله الطبيب به من سخرية واستهزاء حتى حوّله عبداً لرغباته. وضع يديه على رقبة الصغير وذاك يصرخ، شدّ كلتا يديه، أصبحت بشرته حمراء، زرقاء، سوداء، مات الصغير، وضعه في الحفرة، ألقى التراب عليه، عاد إليهما وكأنه ما صنع شيئاً. غسل وجهه ويديه من التراب، دخل وارتمى على الأريكة مقابل السرير، نظرت سارة إلى صبا مستفهمة عن صغيرها، ثم أعادت النظر إليه وسألته متوجسة أن ما كانت تفكّر به قد حصل: - أين الصغير؟ - مات. كلمة بسيطة قتلت روحها، لم تستطع استيعاب الأمر في البداية، لقد منحته إياه وهو بكامل صحته، أفاقت صبا من ذهولها وصرخت في وجهه، بينما سارة ماتزال في صدمتها: - وكيف مات؟ حينها أفاقت من صدمتها، وصرخت ثائرة في وجهه: - لا يمكنك أن تقتله. - هذا العالم مليء بالشياطين، لا حاجة لشيطان آخر. خبّأت سارة وجهها بين يديها وبكت، وأول مرة لا يكون ملجئها ولا تهرب إليه، أول مرة ترى حضنه شوكاً، بينما أسرعت صبا لاحتضانها وتهدئتها بكلمات حانية ،قالت صبا ودموع عينيها انسكبت على قسوة مالك: - أنت شيطان يا مالك، أيعقل أن تقتل وليدك؟ صرخ في وجهها: - لا أريده نسخة شبيهة بي، يعيد معاناتي ذاتها. - لكن الحكاية اختلفت يا مالك، ستعتني به ووالدته ستحسّن خلقته. أشاح وجهه عنها، بينما ابتعدت سارة عن أحضان صبا وقالت: - لا أريد البقاء هنا يا صبا، خذيني معك. أومأت برأسها، بينما صاح مالك: - أستتركينني يا سارة؟ لم يقابل إلا بالصمت، ساعدتها صبا لارتداء ثيابها، فصاح مرة أخرى: - سارة... أنت وعدتني أنك باقية مهما حصل. انتهت من ارتداء ثيابها، أمسكت صبا يدها، خرجتا من الغرفة، وقف أمامهما، وقال برجاء: - لا تخذليني يا سارة، عاهدتني فيما مضى على البقاء، لقد دعوتُ الله الآن أن يطهرك مني، قصدت أن تتطهري من ذنوبي فلا تقعي بها، لم أقصد أن تتخلي عني. أرجوك اعدلي عن أريك. تجاوزته وأكملت سيرها باتجاه الباب، أسرع وأمسك يدها، وقال: - سيحمل رحمك طفلاً آخر، لن أقتله، سأدعه لك. سحبت يدها من يده، فتحت صبا الباب، أغلقه وهو يتوسّل لها: - تخليك عني يعني موتي يا سارة، أنت عاهدتني على البقاء، أخبرتني من قبل أنك ستحولينني إلى إنسان، سأساعدك في ذلك، لكن لا تخوني العهد كالباقيات، لم أعد أرغب بالعودة إلى الوحدة، إني أخافها يا سارة، لم أعد أطيقها ستقودني إلى الجنون ذات يوم، ابقي وسأكون لك كما تريدين، ستنجبين عشرة أطفال ولن أقتلهم. فتحت الباب وغادرته ولكن قبل أن تبتعد استدارت ونظرت إليه فرأت مالك القديم، تأمّلت سحابة الألم المرتسمة على وجهه وهي تمطر دموعاً، تقسم أنها تحرق وجنتيه الآن، مسحت دمعتها بكفّ يدها وقالت: - حاولتُ تحويلك إلى إنسان، لكنّك مصرٌ أن تبقى شيطاناً. تمت 8284/2/82 من رحم الألم يولد الإبداع