الفصل الثاني
"عودة إلى الوقت الحاضر"
نزل مالك إلى القبو، حمل لفافة تبغه ونفث دخانها بوجه الطبيب، الذي ما إن استنشق الدخان حتى أشاح وجهه عنه بتقزز، نابسا:
- لا أرى رجلاً لئيماً ينكر المعروف سواك.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة وردّ عليه:
- في كلّ مرة آتي إليك تكرر الجملة ذاتها، ألا تحفظ سواها؟
- لأنني في كلّ مرة ألتمس الجانب الطيّب فيك، لكن داخلك مع الأسف مليء بالسواد.
قهقه مالك عالياً، ثم رمى عقب لفافة التبغ وأطفأها بحذائه، ثمّ قال:
- أيئستَ بهذه السرعة أيها الطبيب؟ لا يزال لديكَ أعوام عديدة تقضيها هنا، فأنا لا أفكر في اطلاق سراحك سريعا.
سكتَ هنيهة ثم أردف وهو يحكّ ذقنه:
- ما أريك أن نجعلها اثني عشر عاما؟ كطفولتي مثلاً.
- وما دخلي بك؟ اتريد جعلي كبش فداء؟ ما ذنبي أنا فيما حصل لك.
- أنتَ الذنب الأكبر في حياتي، قذارتك تماثل قذارة غسّان، كلاكما يحمل في دمه خبث البشرية جمعاء.
- ليتني ما تعثرتُ بك وما جعلتك تمشي أمام الناس فخواًر بمنظرك، وحدي من صنع لك قيمة تمشي بها مرفوع الرأس بين الناس، لولاي لكنتَ الآن مختبئا في جحر ما تداري نفسك عن سخرية الآخرين ونظراتهم.
- فعلتها لذاتك، لتنجح وتكبر على حساب روحي وجسدي وقلبي ،كانت صبا على حق حين عاندتها لأكتشف الحياة بعيداً عن قلبها، فقابلتُ قساة قلب لا يعرفون معنى الرحمة والإحسان، لقد كانت تسعى لتحضير أوراقي ليعترف بي وطنك، فعاندتنا الحرب واشتعلت قبل أوانها، وخسرتُ آخر أحلامي، وحين حاولتُ النهوض مجدداً أتيتَ وجعلتني محطّة سخرية للجميع، سرتُ معك وكأنني حيوان في سيرك، جعلتني أيقونة للضحك، وفي النهاية تمنّ عليّ بأنّك جملتني، ليتك يا جمال ابتعدتَ عن طريقي وما اقتربت.
- حين التقيتكَ كنت ضعيفاً ولا تعرف طريقاً للقوة، أيمكنك أن تنكرأنك صنعت في قصري غرفة عمليات لحربك القذرة، ومن مالي اشتريتَ أسلحة لتحارب وطناً أعزل، هذا وطنك الذي ولدتَ فيه وكبرت من خيراته.
تمشّى في الغرفة ويداه في جيبي بنطاله، صمت فتر ةً قصير ةً يفكّر بما سيقول، وبعدها بدّ د الصمت بقوله:
- لم أولد في هذا الوطن، وكنت آكل فتات خيراته، لطالما كنتُ صفرا على الشمال وحرفا ساكناً لا قيمة له، في طفولتي البعيدة كنتُ أعيش في غرفة صغيرة، ثم كبرتْ هذه الغرفة، أتذكّر جيداً أني لم أسرق ولم أخبّئ في جيبي مال لغيري، لم أقتل أحدهم ومع ذلك طال سجني اثني عشر عاماً دون أن أقترف ذنباً، الآن هناك من يَقتل باسم وطنه وبعد انتهاء الحرب نجدهم قد أعلنوه بطلاً، وهناك من يموت فداء وطنه ونجدهم قد نسوا ذكره، شعاارت هذا الوطن كثيرة، لا يموت في الحرب إلا الفقراء، والأغنياء يكدّسون أموال الفقراء غنائم حرب.
- كأنّك تتحدّث عن نفسك، ها قد أصبحتَ ثرياً بفعل الحرب وازدت أموالك أضعافاً.
- لأنني جرّبتُ نار الفقر فأحرقتني، لذلك سرقتُ فرصتي من الحياة لأكون سبباً رئيسياً في إطفائها.
- ومتى ستطفئها؟
- ليس قبل أن تبرد نار قلبي.
صرخ الطبيب بوجهه:
- وأنا، إلى متى سأبقى هنا؟ أطلق سراحي واتركني وشأني، وسأغادر المدينة ولن تعرف لدربي سبيلاً ، فكّ قيدي أرجوك، لي أسرة بحاجة لي.
- أسرة! إنها كلمة دافئة… بالنسبة لي أنا لا أملك أسرة تخاف علي.
ولكن سرعان ما تذكّر سارة، فقال:
- ربما ستقلق علي سارة، ربما في النهاية... سارة هي أسرتي الصغيرة.
تركه ومشى وظلّ الطبيب يناديه بصوت عال :
- لا ترحل، فكّ قيدي، أرجوك يا مالك.
ظلّ يصرخ وينادي ولا مجيبَ لندائه وكأنّه في عالم آخر، خرج مالك إلى سارة وعانقها عناق المحب، نظرت إليه دهشة من تصرّفه، فقال لها:
- أنت أسرتي يا سارة، لا تفلتي يدك من يدي، لا تكوني مثلهما.
"قبل عشرة أعوام"
كذب من قال إن ذائقي طعم الحروب مع الأيام سيعتادونها، لم يعتد أهل المدينة البيوت المهدّمة، أصوات الطائرات، حفظ أماكن القنّاصة وتجنّبها، الخطف، القصص التي لا تنتهي عن الاغتيالات، الانفجارات والمظاهرات المنددة بالحرب وصيحات أوقفوا القتل من المحايدين.
المشاهد تتكرر في روتين يومي، العائدون من الجبهة والمنطلقون إليها، ثقبٌ في هذه النافذة، فتحة في ذاك السقف، بناء ساجدٌ هنا، وآخر زال تماما ولم يبقى منه سوى ذكرى.
الدفاع المدني يبحث يومياً عن ناجين من تحت الركام والأهالي ينتظرو ن أن يكون من يخصّهم من الناجين، مع كلّ جثّة تستخرج يأملون ألا تكون لفرد من عائلاتهم، وتستمرّ الحكاية وطفلٌ عاري القدمين يسأل "متى تنتهي الحرب؟" الأسلحة تجوب الشوارع، والحواجز العشوائية كثرت في الليل والنهار.
أصبح الموت عادة، هتاف المظاهرات، الخوف، الشجاعة، رائحة الموت، الصراخ، نوبات الفزع والهلع، الألم، عويل النساء، نحيب الأطفال، أزيز الرصاص، كلها صارت روتيناً يومياً لأهل المدينة.
ما زالت صبا عالقة في ذاك اليوم، حين استيقظت صباحاً على صوت المدافع، جلست تتوسّل لعمر أن يذهب بها إلى مالك، ظلت تلح عليه إلى وقت الظهيرة، وافق على مضض ليرتاح من إلحاحها، كانت الصدمة كبيرة عليها فالغرفة فارغة إلا من أثاث عتيق.
جثت على ركبتيها، انتحبت بشدّة، انهارت في أحضان عمر والآخر يحاول تهدئتها، لقد خذلتهُ مجدداً، ظلت تردد هذه الكلمة وكأنها تهذي بها، حنثت بوعدها مجدداً، وقفت ونظرت إلى عمر تستجديه بعينيها أن يبحث عنه، لكنه خذلها حين نظر أرضاً وكأنه يتأسّف لها، تركته وركضت إلى الحي القديم، ركض خلفها، فما زالت القذائف هناك تدكّ بيوت الحي، لم تأبه لصراخه لتتوّقف، كل ما كان يشغل باله رفيق دربها، ما حلّ به.
كانت تشعر أنه لم يمت، فما ازل قلبها ينبض ولولا ذلك لتوقّف، اثنا عشرة عاماً وهي تخاف عليه من الأذى، فطاله الأذى وهي واقفة تشاهد الجدار يهبط أمامها، وصلت قرب البيت، فرأت رجلاً يطلق النار عشوائياً ويبكي بقهر، وبيده الأخرى يحمل جثة لشاب صغير، وقفت خلفه لئلّا تطالها نيرانه.
إنه جارهم أبو زياد وهذا ابنه الوحيد، لم يكن عدوه يوماً، يعرف عنه ما لا يعرفه أحد، يعرف اسمه وكل ما يخصّه، لقد عاش في كنفه عمرا، لكنّ الوطن وقف حائلاً بينهما، أشفقت صبا على دموعه البائسة وعلى شاب كان وقوداً لحرب لا تخصّه، أمسك عمر يدها وهي شاردة في جارهم وسحبها خلفه إلى البيت الذي كان بابه مفتوحاً كعادته للجميع، قالت بألم:
- كنتُ سأسألك من سيفتح لنا باب البيت؟
- مع الأسف جميع البيوت أبوابها مشّرعة، لكن لا أحد يقدر على دخولها.
سارت إلى القبو وحين همّت بالدخول لم تستطع بسبب الجدار الذي كان قد وقع بالفعل منذ تلك الليلة المأساوية، لكن هناك ثغرة متوسّطة الحجم في إمكان أحدهم المرور خلالها، استطاع عمر التسلل عبرها، استغرق دقائق حسبتها صبا ساعات، فأسرعت ودخلت خلفه، صاح فيها موبّخاً:
- أغبية أنت؟ ماذا لو تهدّم الجدار كليّاً، من سيعرف أين نحن؟ من سينقذنا؟
لم تسمعه، بل تجاهلته عمداً، وقفت تحدّق في كلّ الاتجاهات، مالك لم يعد هنا، جثت على ركبتيها وبكت، تأمّلت ما كتبه على الجدران، وقفت وأمسكت القلم الذي كان دائماً يكتب به، وخطّت بألم على الجدران جوار سريره ليلة البارحة كانت قاسية، داهمني فيها أرقٌ لعينٌ ، التهمني صداع شرس، فكان يدقّ في أرسي كالمطرقة، غرقتُ في بؤسي وأنا أفكّر في حالك والدموع ملأت جفني، تمنيتُ لو لم أخذلك مجدداً، كلما غفت عيناي استيقظتُ بهلع شديد، أجبرتُ على ترك بيت العائلة، على تركك أنت، أنا لم أفلت يدك، بل يداي تألمتا فأرخيتهما قليلاً فتهتَ عني، أخشى أن تبتلعك الأزقّة المرهقة وشوارع المدينة فلا تقوى على النهوض بعدها، سأفتش عنك حتى أجدك، عدني أن تعود إليّ قوياً، أتمنّى ألا يحوّلك صخب المدينة إلى شيطان، ابق ملاكاً يا مالك.
وضعت القلم وتسللت عبر الفتحة هي وعمر، منذ هذه اللحظة لم تعد إلى البيت الكبير، ستبحثُ عنه إلى أن تجده.
أفاقت من ذكرياتها على صوت طفلها الصغير يوسف، حملته وناولته ثديها لينهل منه، رزقها الله بطفل جميل، لكم تمنّت أن تكمل سعادتها في عثورها على طفلها الآخر، ما ازلت تعدّ نفسها أمه وما زال يعدّها حبّه وغرامه.
ارتمى عمر على الأريكة جوارها، ربت على وجنتَي صغيره، ثم نظر إليها بألم، ما زالت إلى الآن تناظره بعتاب، أشاح وجهه كي لا يتشاجر وإياها، فقالت:
- إنه لشيء مرير أن يحنّ الإنسان إلى شيء قريب منه لكنه بعيد.
- الجميع يا صبا بحثوا عنه بعد أن عرفوا الحكاية، لكن لا أثر له.
انسكبت دمعة من عينيها، لا تستطع إخباره أنها اشتاقت أن تضع أرسهاعلى كتف مالك وتثرثر له كما اعتادت، الوحيد الذي لا تتحفظ معه، تخبره بما يجول في خاطرها، عمر لا يفهمها كمالك، قالت له:
- في روحي فراغ لا يمكن ملؤه بكلمات العزاء، إنه فراغ يعبّر عن الفقدان ولن يعوّض مكانَه أحدٌ.
هبّ واقفاً صارخاً في وجهها:
- تجاوز ت حدود الأدب يا صبا، ما هذا الهراء الذي تتفوّهين به؟
- أيجب علي إخفاء جروحي العميقة تحت قناع اللامبالاة، لن أغفر لنفسي تشتته وتخبّطه خلال هذين العامين، كان إن استيقظ فزعاً يجدني جواره، وإن داهمه المرض أكون جواره، كدتُ أموت حين طلب مني الخروج من مأمنه
- والعصفور الآن خرج من قفصه، أحسنت يا زوجتي العزيزة، كيف تكذبين علي بهذا الأمر، مع أنني منعتك عن زيارته مرارًا وتكرارًا.
- لمَ لا تفهم أنه بمثابة ابني، أنا من ربيّته، لا يمكنني الحديث عنه كشيء عابر، لطالما كنتُ الضوء لطريقه، اثنتا عشرة عاما مرت ولم ينسَ يد أمه التي أفلتها، ظل طوال هذه الأعوام يردد على مسامعي إحساسه بالضياع، فكررتُ فعلتها، أظنني قتلته حينها.
رمقها بنظرة عتاب ،وغادر البيت كله لعله يهدأ من فورة غضبه.
………………………
في هذين العامين تغيّر الكثير، فقد مات العم وليد _والد ولاء_ لم يكن له دخلٌ في هذه الحرب، لكن تمكن منه قناصٌ لعين وهو في طريقه إلى عمله، شأنه شأن الكثيرين، لم تُنصب له خيمة عزاء وتلقّوا عزاءه على الهاتف نُشرت نعوته في مواقع التواصل الاجتماعي، فالتجمعات ممنوعة لئلّا تُستهدف، فمازالت المدينة تفوح منها رائحة الموت.
ومن حظّ ياسمين والدة ولاء أنها استطاعت أخذ آلة الخياطة معها، بدأت تخيط أثواب النساء لتنفق على صغيرتها التي كبرت وأصبحت في المرحلة الثانوية.
سعيدة بحياتها، راضية بما تمنحه الحياة لها، رغم الحرب والدمار ومآسي أيامها إلا أن إعجاب مجد بها ومصارحتها بحقيقة إعجابه حوّل أيامها لربيع مزهر، فرفرف قلبها له، فتعاهد الاثنان على الزواج، حينما ترفرف أعلام نهاية الحرب.
- لكنني مازلتُ في بداية دراستي
- أتعتقدين أن هذه الحرب ستنتهي في عام أو عامين؟ ألا ترين أنها كلما انطفأت أشعلوها، لا يريدونها أن تنتهي، لما إنهم يرددون كلّ ليلة نموت ونحيا الوطن، لم يقضون عليه إذن؟
- لأنهم مستفيدون من ثروات الحرب، كلما طالت امتلأت جيوبهم بالدراهم، يسارعون لسرقة معونة الفقراء ومع ذلك لا تؤذيهم نار الحرب لأنهم جعلونا وقوداً لها.
- وهم، ألا تصيبهم نفحة من نيرانها؟
- لا أعتقد، فهم جميعاً خارج حدود المدينة.
- أتمنى لو سمعوا تنهيدة أمي حينما تغشاها الوحدة، لطالما عاهدتها ألا يصيبني أذى، ومع ذلك تخشى ألا أعود إليها ذات يوم، لطالما تساءلتُ لم أبناء الفقراء هم الشهداء مع أنهم لا يملكون شبرًا على هذه الأرض ويموتون فداءً للقمة العيش.
ابتسم بمرارة وقال:
- كبرت يا ولاء وأصبحت تحللين المشاهد السياسية.
ضحكت في استحياء وقالت:
- هذا الكلام لا يخصّني، سمعته البارحة من التلفاز، أحياناً أحاول فهم السبب الذي أشعل الحرب ونحن لم يكن ينقصنا شيء، لقد كنا نعيش في سعادة ورخاء.
- ستكبرين وتعرفين حل جميع الألغاز، ستعرفين أننا نقاتل لنعيد لشعبنا كرامته وعزّته، لنكبر في وطن نملكه ولسنا ضيوفاً على أ ارضيه.
ابتسمت له، حمل بندقيته على كتفه وحين همّ بالرحيل، سألته:
- لم ابتعدت عن درب يزن؟ إنه يقاتل في سبيل الدفاع عن المدينة.
- ونحن ندافع عنها في وجوههم، المدينة لنا ونحن من خطّ خارطتها، سنحمها من كلّ ما يدنّسها.
- وماذا لو اجتمعتما على جبهة قتال واحدة! أيعقل أن ترفع سلاحك وتوجهه نحو صدر أخيك؟ لقد تشاركتما الرحم والمخاض والحليب ذاته.
أشاح وجهه عنها، فأكملت وهي تدرك أنها أوجعته:
- لا أطلب منك إلا أن تعيد سلاحك إلى كتفك إن واجهته في ميدان ولو كان السبّاق، لا تكرّر الخطيئة الأولى على هذه الأرض.
وفي مكان آخر كانت رندة تتوسّل إلى يزن ألا يرفع سلاحه في وجه أخيه، تظنّ أن عدالة القدر هي ما جعلتهما في صفين متناقضين بسبب عدم اعترافها بمالك:
- أرجوك يا يزن، لا تدع رصاصتك تقتل أخاك، لا تقتلني مرّتين، تراجع خطوة إلى الخلف كلما واجهته في معركة حتى تتأكّد أنك تسير في درب الصواب.
- أتريدين مني أن أفرّ من هذه المعركة، لستُ جباناً لأفعلها، هو المخطئ، ما كان عليه أن يقف في صف المتخاذلين الجبناء، وحدهم من دمّروا المدينة وسعوا جاهدين إلى فنائها، لن أجلس ساكناً وأنا أراه يقتلنا الواحد تلو الآخر، لن أقف مكتوف الأيدي وهو يدعو الناس إلى تظاهرات كاذبة.
نفض يد والدته وغادر، تركها تبكي وهي تدعو الله أن يحمي ولديها وألا يقربهما الأذى ، وألا تتحسّر على فراق أحدهما.
ضحك أشرف والد عمر وهو يرى الأسلحة التي تمّ استيرادها، الآن، سيوزعها على جميع الأطراف بالتساوي، نادى مساعده وأمره بتوزيعها، مرّ عامان وهو يرسل أسلحة للمدينة، يريد الاستيلاء على المدينة والسيطرة على مواردها، منحهم أموالاً طائلة، فكثر عددهم إذ جنّد في الجيش الآلاف من الشباب، لقد أشبعهم وملأ بطونهم بالطيّبات وبيوتهم بالثروات، وسرعان ما امتلأت المصارف بأموالهم، ومنحهم بيوت المدينة لسرقة محتواها تحت ما يسمّى "غنائم حرب" وهم ينادون الجميع للانضمام إليهم، فوحدهم من سيحملون راية النصر، لم تسأله زوجته جمانة "من أين لك هذا؟" بل أعجبتها حياة الثراء، استطاع شراء منزل فخم بمدينة أخرى، عاش فيه مع زوجته وابنته آسيا.
أما عمر فلم يسأل والده عن أفعاله، أدرك بفطنة رجل أن والده ليس بهيّن فلم يعاتبه ،لكنه سأله سؤالاً واحدا
- ألا تخشى أن تصيب قلبي رصاصةٌ من أسلحتك.
- اترك المدينة وارحل إلينا، هنا عائلتك يا عمر.
- أنا ابن هذه المدينة ويسعدني أن أدافع عنها، ارتويتُ من مائها، وأشبعتْ معدتي خضارها، بفضلها تعلمت ووصلتُ إلى ما أنا عليه، ولن أنكر هذا الفضل، وواجبي يحتم علي إنقاذها من براثنكم، لن يهنأ أي خائن فيها وسنطردهم منها ونعيدها إلى سيرتها الأولى.
- لن تعيد مدينة تذوّقت طعم الخراب إلى ما كانت عليه.
- سنبنيها من جديد.
أغلق الهاتف بعد أنهى اتصاله، اطمئن فيه عن أحوال عائلته، ووضع سلاحه على كتفه وعدا لنفسه ألا ينزله أو يزيله إلا بعد الانتصار.
ظلّ مالك يجوب شوارع المدينة، حافي القدمين، مشعّث الشعر، بالي الثياب، منذ تلك الليلة قبل عامين حين خذلته صبا واستطاع في الفجر أن يتسلل عبر الفتحة وهو مشرّد في أزقة المدينة الخربة، تأمل حينها البيت الكبير وشجرة التين وأرجوحتها، تمنّى أن يتذوّق ثمارها من على الشجرة، لم تبخل عليه صبا، لكنه تمنى أن يكون موفور الحظ كأخويه، دارَ حول البحيرة دوارت عدّة، طالع نافذة غرفته الصغيرة، تأمل بعيونه البيت الكبير، كانت أول مرة يراه بهذا الكبر، فيه غرف كثيرة لم تسعه أي منها إلا ذلك القبو البارد المظلم، ضحك بصوت عال، وقال صارخاً رافعاً يديه حول السماء:
- أنا الآن حر، حر أنا الآن، أصبحتُ طيرا شريداً لا تليق بي السجون، سأواجه الحياة، بأمل وإرادة، لن أضعف إطلاقاً.
أفاق من ذاكرته، فالحياة أهدرت ما كان لديه من ذلك الذي يسمى كرامة وسحقت روحه وداست على قلبه، ركض إليه حارس الحديقة وبيده عصا، فهو ينهره كلما رآه على مقعد في الحديقة، هرب منه وظلّ يركض حتى اختفى الحارس، خرج من الحديقة، ثم اجتمع حوله الصبية يسخرون منه وينعتونه بالمتوحش، القذر، الشيطان ،المسخ وقبيح المنظر.
هرب منهم إلى زقاق آخر، اقترب من بقالة صغيرة، وقف يتأمل الطعام عبر الزجاج، لم يأكل شيئاً منذ الصباح ومعدته أطلقت صفيرا عالياً، نظر إليه البائع شزرًا وعاد إلى دكانه، اقترب قليلاً وسرق كيساً من الكعك، إنه كبير وسيشبع معدته أياماً، لم يره البائع، لكنه توجس خيفة من أن يلاحظه أحد ما، ظل يركض في الحارات الضيقة، حتى وصل إلى حارة صغيرة، جلس أرضاً يلهث من التعب وفتح الكيس، بدأ يأكل بيديه القذرتين.
"عودة إلى الوقت الحاضر"
اقترب مالك من صبا، وجدها تجلس أمام البحيرة، فقال:
- وكأن الهروب إلى هنا أصبح ملاذك الآمن؟
نظرت إليه وقالت:
- أقرأتَ ما كتبته لك؟
- -وأنت... هل قرأت ما كتبته أنا لك؟
- لا تجب سؤالي بسؤال آخر...
- كل خذلان خذلتني إياه كتبته على تلك الجد ارن، ما كتبته قد قرأته مرارا وتكرارا لأشعر بما كنت تشعرين وأنت تخطّين أعذارك بيد ترتجف ألماً.
- كيف يمكن أن أشرح لك أني لم أكن أعرف أنك في الداخل، أنا مستنزفة يا مالك، أحتاج إلى كتفك لأستند فأرمّم ما أحدثته الحرب في داخلي، لم أعد قادرة على الاستمرار أكثر من ذلك، مرّت أعوام وأنا أفتش عنك في الأزقة الضيّقة، حتى عمر كان له أمل في أنك ستظهر يوما.
- تشعرينني بأنني لم أكن مرئياً، المدينة صغيرة يا صبا على أن أختفي دون أن نلتقي مجدداً، كان سيجمعنا لقاء مصادفة، لكن هناك من تعمّد إخفاء الصدف لئلّا نلتقي.
- لا أظن ما تظ نّه أنت، عمر يحبّك ويكنّ لك مشاعر أخوة.
- لذلك تعمد إخفاء آثاري عشرة أعوام، لا عاماً أو عامين يا صبا، بل دهرا كاملاً .
- لا تسيء الظن فيه...
- أنت لا تعرفين شيئاً، في الوقت الذي كان الجميع يفتش عن حلمه كنتُ أفتش عن مكان يسعني، لكني لم أجده، في هذه الحرب لم أطلب وطناً، بل ملجأً آمناً يكفيني خبث البشر، الليالي كانت قاسية كزوجة أب لا ترحم، لم يهدئ روعي ولم يشف بؤسي أحد، أدركتُ حينها معنى كلّ حديث دار بيننا.
وقفت تلملم شتات نفسها، ثم نبست:
- لذلك أطلب منك إيقاف الحرب، أنت تنتقم منا يا مالك، من آذاك ترك الحرب وسافر، نحن من بقينا نتنفس دخانًا سيقتلنا ذات نهار.
نظر إليها وتأمّل عينيها المملوءة دموعاً، مع الأسف لا يستطيع الاقتراب ومسحهما، استعاد رباطة جأشه
وقال:
- لستُ من أوقدها، اسألي زوجك يدلك على من أشعلها، إن كنتُ أزيد إشعالها رغبة في انتقامي، فهو يزيدها رغبةً في ملء جيوبه.
- من يكون؟
- إنه أقرب لك مما تتصوّرين، مع الأسف هذه المدينة ترويكم من ماء فاسد لتجعل الأخ يحمل السلاح في وجه أخيه، والآخر يشتري أسلحة لدمار الوطن ولا يسأل حتى عن ابن له يخوض معركته ببسالة دفاعاً عن وطنه...
رحل دون أن يفسّر لها معنى كلماته، ظلت شاردة لبرهة ثم فكرت أن تسأل عمر عن ذلك، لطالما كانت تشعر أن عمر يعرف أكثر مما يبدوا عليه، لكنها خافت أن يعرف بترددها إلى هنا للقاء ابن عمّه، لقد جلبت مالكاً لتعرف أن ما تفكّر به صحيح وقد نجحت خطتها مرةً ثانيةً.
مالك لا ينزل إلى المدينة مرة إلا وتسكت الحرب كأنها ما كانت، أو كأنها تقيم هدنة مع الشيطان، مالك يراقب تحرّكاتها ويرصدها، يعرف متى تأتي إلى بيت العائلة ومتى تغيب عنه.
"قبل سبعة أعوام"
ها قد مرّ على هذه الحرب خمسة أعوام، خمسة أعوام على تشرّد مالك، بحث في كل الوجوه عن وجه أمه، أدرك أنه بحاجتها أكثر من حاجته إلى صبا، في هذه الوجوه التي تحملق به كل يوم لم يجد وجه أمه، يريد الارتماء في أحضانها، لن يعاتبها لئلّا تهرب منه، سيعتذر لها، فربّما تسبّب في إيلامها فتخلت عنه.
أصبح في الثالثة والعشرين وما زال يحمل قلب طفل بريء لا يعرف خبث البشر، وقف أمام حشد من الدفاع المدني، يلملمون أشلاء الشهداء ويضعونها في أكياس، لهؤلاء الشهداء حكايات جميلة وأحلام لطيفة وروايات لم تكتمل، وحدهم أبطالها، الآن أصبحوا أرقاماً ونجوماً تلمع في سماء المدينة، بدأ كبيرهم يحصي أكياس الجثث، لطالما خاف مالك من الأرقام، فحين تعلم الحساب كان يكره أن يتعلم أشياء أكثر من الجمع والطرح.
سار بجوارهم وكأنّ الأمر أصبح عادة روتينية مكررة كل اليوم، لا يدري كم عاماً مضى على تشرّده في هذه المدينة، الحرب قلبتها رأساً على عقب، كان في نعمة وهو تحت الأرض ولم يعرف هذه القيمة إلا حين افتقدها، كان يسير ويردد أن صبا على حق، ما كان عليه أن يتخلى عن حذره ويغامر، ولكن لو ظلّ في الأسفل فهل ستعود صبا إليه؟
وقف في مفترق الحي القديم، لم يخطوا داخله ففيه أطفال مذعورون، دمى متساقطة، آثار لعائلات كانت تستمتع بفطورها قبل أن تطالها يد الحرب، ضحكات أخوية، ثرثرة صبا، نصائح عمر وعناقه الوحيد الذي جرّبه مرة في حياته، وفيه أحضان صبا التي لا يمكن احصائها.
أكمل سيره متجاهلاً الحي، جلس بجوار المقهى يستمع إلى تحليلات الناس للحرب، فكان هناك من يردد "أخطر الأوقات هي أوقات النصر وأشدّها شراسة" وهناك من يتساءل "متى ستنتهي الحرب؟ "وجوه الناس متعبة، كالحة ،مكفهرة، بائسة، مثلما كانت دائما.
أكمل سيره حتى تعبت قدماه، فجلس على رصيف صغير جوار دكان للألبسة، لكن سرعان ما طرده صاحب الدكان لئلّا يخيف زبائنه ،أكمل مشيه حتى وجد مسجداً كبيرا هجره مصلوه، نام فيه مكوّرا ذاته، كان يخاف الجميع والجميع يخاف منه.
حين يصل إلى أي حاجز يطالبونه بهويته، يقسم لهم أن وطنهم لم يمنحه هوية، يضربونه بأعقاب البنادق ويتركونه والدماء تغسله، يظلّ نائمًا مكانه مسجى بدمائه حتى يبزغ فجرٌ جديد فيطردوه من مكانه ويقسموا أنهم إن أروه مرة ثانية فسيقتلونه، صار يتجنّب أماكنهم مرغماً، يهرب إلى أقصى المدينة، يبحث عن مكان آمن يبيت فيه ليلته، وفي النهار يعاود البحث عما يسد رمقه.
في أحد الأيام جلس على طرف الشارع، لا يملك شبرا في هذا الوطن ليمدّ قدميه إلى الأمام، اقتربت منه فتاة في الخامسة عشرة من عمرها ،ابتسمت له وجلست جواره، تقاسمت معه فطيرتها، ظلت صامتة تأكل بنهم، نظر إليها، إنها جميلة بشعرها الغجري وبشرتها الخمرية الناعمة وابتسامتها اللطيفة، ابتسمت مرة أخرى بعد أن أنهت فطيرتها، ظنّها بكماء، إنها لطيفة، في عينيها حنان الكون كصبا، أسندت رأسها على كتفه وبدأت بالنحيب، لم يستطع أن يفهم أفعالها، سألها بهدوء:
- ما الذي آلمك؟
ازداد نحيبها، ثم أجابته بحروف متقطّعة:
- فقط ابق هكذا، أريد كتفاً أستند عليه للحظة فقط.
إنها تتحدّث إذن، صوتها أيضاً يغلبه الحب والحنان، عاد يسألها:
- ما الذي ألمّ بك، لم كلّ هذا البكاء يا...
- سارة، اسمي سارة،
وتابعت نحيبها، أمالت رأسها على كتفه وازد النحيب.
- وما سبب دموعك يا سارة؟
- قضت الحرب على جميع عائلتي، لم أجد البيت، وكأنّه لم يكن، كانوا يتذمّرون قبل ساعات من جوع نهش بطونهم، حين عدتُ لهم بالطعام لم أجد البيت، ظننتني أخطأتُ الحارة، رجعتُ خطوة للخلف، هذا بيت العم أبا إسماعيل، تقدّمت للأمام وهذا دكان أبا ارتب ،إذن هنا بيتنا، أجل فأنا أحفظ الطريق جيداً، لكن...
صمتت عن الكلام، خبأت وجهها في يديها، ثم أكملت:
- لكن البيت كان كومة من ركام، لا أثر حتى لباب البيت.
- اهدئي قليلاً، الكل مصاب في هذه الحرب، لست وحدك من تعانين.
رمت المناديل الورقية من يدها، وصرخت بيأس:
- نحن فقط من دفع ثمنها، الحرب لم تقتل سوانا، مالنا ولهم، إن أرادوا القتال فلهم الصحراء بطولها وعرضها، وليتركوا المدينة فنحيَ بسلام.
لملم المناديل ووضعهم جانبها، ثم قال:
- هم مشغولون بالدماء ونحن مشغولون بالبقاء، في هذه الحرب ليس هناك امرأة إلا مصابة في أهل بيتها، إنهم يكسبون معركتهم بقدر ما يقتلون منا.
- الحياة ستمضي وننسى.
- ستمضي على روحنا، كل الخسائر قابلة للتعويض إلا أن تخسر عائلتك وتبقى الناجي الوحيد.
كان هذا أوّل لقاء بين سارة ومالك، أخذته إلى مسكن بعيد عن أذى الناس، بيت هجره أصحابه فاتخذه المشرّدون سكناً لهم، كانت تثرثر معه كل يوم كصبا، لم يسكتها إطلاقاً فهو يهيم بثرثرتهما، عرفت حكايته، نظرت إلى براءته وإلى روحه وقلبه ولم تهتم بوجهه، وهذا ما جعل الدهشة ترتسم على ملامحه، فسألها عن السبب، أجابته بابتسامة لطيفة:
- لأنك ذو روح طيبة، لم تنفض رأسي حين وضعته على كتفك، تركتني أرمي همومي عليك دون إسكاتي، وهذا كاف لي لأعرف طينتك.
سكتت قليلاً ثم نظرت إليه متابعة:
- ستلتقي ذات يوم بصبا يا مالك وحينها ستسألها عن سبب هروبها تلك الليلة.
- تلك الليلة كانت ليلة زفافها، أيعقل أنها فكرت بي ويدها في يد عمر؟
- لا يمكنك الظنّ بها إلا بعد أن تروي لك ما حصل.
جلست ولاء بجوار مجد على كرسي في حديقة عامة، لم تعد تلك الصغيرة، فهي الآن بيدها خاتم خطبتها، وبعد انتهاء الدراسة ستتزوّجه، قالت بألم:
- أسمعت أخبار الحي القديم؟
كان يحشو بندقيته بالرصاص، فأجابها دون أن ينظر إليها:
- لا تهمني أخباره.
- لقد استشهد جارنا العجوز أبو إسحاق وخمسة من أحفاده.
لم يرد عليها بكلمة وكأنّ الأمر برمّته لا يعنيه، فأكملت:
- عائلة خالي كلها استشهدت، وعائلة خالتي هجرت المدينة.
أغضبها سكوته، فهتفت بحدة في وجهه:
- ألا تسمعني؟ إني أخبرك أن الحي بات عبارة عن كومة من ركام تحتها جثث جيراننا وأقاربنا وأصدقائنا.
بحدة لا تقل عن حدتها رد عليها:
- نحن جميعنا مشاريع شهادة على هذه الأرض، لا نعرف من سيكون دوره في الساعات القادمة؟ ربما أنا، ربما أنت، لا تصرخي وتنهاري عند سماع كلمة موت أو دمار، يجب عليك الوقوف لتسندي نفسك ،بل أنت مرغمة على الوقوف لئلّا تقعي، لا نعرف متى ستنتهي الحرب لذلك علينا الابتعاد عن حافة الانهيار، فالوطن بحاجتنا، لكن تظلّ فكرة الموت بعيدة عنا، مهما اقترب الموت منا حتى لو رُفع السلاح في وجهك يظل هناك أمل أنك لن تموت بسهولة، رائحة الموت تفوح من البيوت منذ أكثر من خمسة أعوام، آن لك أن تعتاديها، نحن نرحب بالموت بصدر رحب فعلى الأقل سينقذنا من أذى البشرية، لا شيء يؤذي في هذه الحياة إلا الإنسان.
- أنا لا أخاف على نفسي، بل أخشى خسارة من حولي، أنا الوحيدة بينكم التي فقدت والدها في بداية الحرب، أخشى يا مجد أن تدوم ساعة الحرب طويلاً وحين تنتهي لا نجد إلا جثثاً في الشوارع، سيحلّ السلام يوماً حين نحبّ أنفسنا حبّاً حقيقياً، حينها لا حرب ولا خراب ولا دمار، سينتشر السلام، وستتهاطل الأزهار من السماء بدل القنابل والرصاص، هل ستظلّ معي حينها؟
ابتسم لها برقّة أذابتها:
- أعدك بذلك.
- حافظ على نفسك إذن، وعدني ألا تلتقي مع يزن في ساحة حرب واحدة، لا تفجعا أمكما بواحد منكما.
حين طال صمته وكزته من كتفه تحثه على الموافقة، تأمل لمعة عينيها وهي تناشده بالموافقة، أومأ لها دون أن يَعدها لفظياً، هو كذلك كان يأمل داخله أن لا يصل الأمر به هو شقيقه أن يقفا في وجه بعضهما ويتراشقا بالرصاص.
جلست صبا جوار عمر وهو يداعب صغيره، ظلت صامتة قليلاً، ثم سألته:
- إلى متى سنظلّ هكذا؟
نظر إليها وكأنّما انتبه للتو لوجودها جواره، فسألها مستفهماً:
- ماذا تقصدين؟
- أخبرتني مرة أن أودّع أي مكان لا يسعني، قلتَ لي حينها "ودّعي الأشياء كلما شعرت أنها تتأرجح بين يديك أو أنها غير قابلة للاستمرار.
- مازلتُ لا أفهم ما تلمّحين إليه...
- عد بالتقويم إلى ما قبل ثلاثة أعوام وستفهم مقصدي، ثلاثة أعوام ياعمر وأنت مازلتَ تبتعد عني.
- وضعت يدها على صدره كأن هذا القلب لم يحتويني يوماً.
أزاح يدها عن قلبه وقال بنبرة ععاتبة
- للأسف يا صبا، في الزمن القديم يقولون "من لم تجد عنده راحة فالبعد عنه راحة، أنت لم تريحي هذا القلب يوماً، مازلت تبحثين عن مالك كأنه عاشق لقلبك وليس ابنك كما تدّعين.
تنهد بألم، أغمض عينيه، أخذ نفساً طويلاً، ثم فتحهما وأكمل دون أن ينظر إليها لئلّا يضعف في حال أرى دموعها:
- أشعر أني وحدي خسرتُ الحرب، لا وطن لي ولا حبيبة، وكأنني سفينة فارغة في وسط الميناء، أو قطار في محطّة فارغة لا ينتظره أحد...
- هل تظنني قد خذلتك بذكري لمالك طوال هذه الفترة؟ إنك تدرك جيداً مقدار حبّك في قلبي، لكن أشعر بواجبي نحو مالك، لو لم يكن في حمايتي ما بحثتُ عنه، لكنني أنا من منعه من الخروج ولم أعرف أن الخطر سيداهمه وهو في المكان الآمن.
أمسكت يده وأكملت:
- صدّقني يا عمر حين أعثر عليه سأوصله بيدي إلى البر الآمن ،حينها لن آتي على ذكره مجدداً، سأعهد إلى يزن بحمايته.
تنهد ثم ابتسم ابتسامة متكلفة، أعطاها ابنهما ونهض إلى غرفته، حملت صغيرها تلاعبه، وتفكيرها في هذين الرجلين، لا تستطيع أن توفّق بينهما وكل واحد فيهما لا يطيق لها الاقتراب من الآخر.
…………………….
جلست آسيا بجوار والدتها، وهذه الأخيرة تدخّن النرجيلة، سألتها:
- متى سيمكننا العودة إلى المدينة؟
- ليس قبل أن تنتهي الحرب.
- ألم تشتاقي إلى عمر؟ لم تحملي صغيره بعد.
- عمر يؤدّي واجبه هناك، لا يستطيع أن يترك مكانه، ولا يقدر على المجيء إلى هنا.
- إذن دعينا نرجع، لكم اشتقتُ إلى ابنة عمي ولاء.
- وما دخل هذه بعمر؟
- أسنزور عمر دون أن نعرج على بيت عمينا؟
- كفاك غباء، أنا لا أدخل بيت ياسمين مهما كلف الأمر.
- لم يا أمي؟ فزوجة عمي لطيفة وتحبّنا.
- وتعيش بين كومة من القمامة، في حارة عفنة وغرفة قديمة بأثاث بال ، وتظن نفسها تجني أرباحاً بترقيعها لأثواب النساء البالية، إيجار بيتها رخيص، يكفيها شعور الأمان بين جد ارنه الأربعة، إنها تخشى على ابنتها من الخارجين عن القانون، فهذه الحرب جعلت السكارى يمشون في الشوارع ويعتدون على ساكنيها دون خوف من أحد.
- من أين علمت بهذه الأخبار؟
- من الأخبار، افتحي التلفاز وستعرفين أخبار مدينتك التي ولدت داخل أسوارها.
"عودة للوقت الحاضر"
خرجت سارة إلى الشرفة، وجدت مالكاً يجلس على كرسي خشبي ويمدّ رجليه على كرسي آخر، استندت بمرفقيها على السور الحديدي، تأملت سحب الدخان الصاعدة من الأبنية، أصوات المدافع أفزعت العصافير فطارت بعيداً، أفاقت من شرودها على صوت مالك يسألها:
- في أي شهر أصبحت يا سارة؟
- في السادس.
صمت ولم يعقّب، كان سؤاله بدافع الفضول ليس إلا، نظرت إليه وقالت:
- ألا تخاف انتقام أهل المدينة منك؟
فتح عينيه ونظر إليها قليلاً، ثم قال:
- أظنك سألت هذا السؤال مرات عدة...إسمعي يا سارة، هم لم ولن يخيفوني، لقد واجهتُ عواصفهم بمفردي، لطالما فعلت ذلك.
- إن تجاوزتَ سيئاتهم ستصبح رجلاً وقورا يهابك الجميع ولاسيما حين تسرع للتسوية بين جميع الأطراف، فتنقذ ما يمكن إنقاذه.
وقف جوارها واستند بمرفقيه مثلها، وقال:
- حاولتُ ذلك إذ وصلت إلى عتبة المدينة ثم استدرتُ وعدتُ بخطا ثابتة، لأنني شعرتُ أن الوقت لم يكن مناسباً.
- لكن الدافع يستحق منك طرق الباب بقوة.
- لن يسمعني أحد، في الحروب الأهلية لن يسمع الناس صيحة "أوقفوا القتل"
- أنت عجيب يا مالك، لم أجد رجلاً يحمل التناقضات سواك، أنت ملاك، ولست بشيطان، أنت...
لم تسعفها كلمات اللغة في البحث عن كلمة مفيدة.
- أنا شيطان يا سارة، وأنت ملاك ساقه الله إليّ ليعوّضني عما صنعته بي الدنيا.
- لكن الملاك لا يستطيع أن يحيا مع الشيطان.
- أنت لا تقرّين بنهاية شيء يا سارة، ربما الشيطان يتعلم من الملاك شيئاً جميلاً.
- أتظن ذلك؟
ابتسم لها، فبادلته الابتسامة، جلست على الكرسي، ثم قالت:
- حينها سنكون أسعد عائلة، ألم تقل إني عائلتك وكررتها قبل ذلك مرات عديدة، سأكون لك عائلة تحتوي آلامك.
- لنعد إلى بداية حديثنا، لم تشعرين أني رجل التناقضات؟
- أشعر أنك مأمون الجانب، متى جالستك في الصباح والمساء وجدتني وقد ارتحلتُ عنك وشعوري بالأمان جوارك يتضاعف، بينما طوال النهار وأطراف الليل أسمعك تعطي الأوامر لقتل أكبر عدد من الناس.
- أنا أخلص العالم من شرورهم وأطهّر المدينة من رجسهم، احفظي هذا الكلام جيداً.
- نحن بشرٌ يا مالك سواء كنّا بروح ملائكة أو شياطين، فاحذر من شيطانك أن يسيطر عليك فتندم أشدّ الندم قبل أن ترجع إلى ذاك الملاك.
فتح علبة التبغ، حمل واحدة بين أصبعيه، أشعلها، نفث دخانها وتنهد بألم ،أيمكن أن يأتي يوماً ويندم على ما يفعله؟ لكنهم لم يتركوا له خيارًا آخر، يرغب بتنظيف المدينة من أشرارها، لكن أخيارها هم من يموتون، وأولئك ما ازلوا يتجوّلون كأسراب النمل داخل المدينة، وأعدادهم تتضاعف كلّ يوم.
"قبل أربعة أعوام"
لم تعد صبا تأتي على ذكر مالك لئلّا تعكّر صفو حياتها، إذ إن عمر يغير من مجرّد ذكر اسمه، استسلمت للأمر الواقع وخضعت له مرغمة.
ها هي الحرب تدخل عامها التاسع وطفلها يجهز نفسه للذهاب إلى المدرسة، أعدّت له حقيبته بحزن غشي قلبها، تخشى عليه من قذيفة عمياء لا تعرف هدفها، وقفت قبالة عمر تتوسّل إليه أن يرحلا عن صخب هذه المدينة، لكن كان له رأي آخر يناقض أريها، صاح بها:
- لن أترك المدينة لهم.
- في الماضي لم أكن أخشى شيئاً، لكن الآن خوفي على طفلي يتضاعف.
نظر إليها بعتاب، إذ شعر أنه لا يعني لها شيئاً وإلا لكانت ذكرته، زفر بصوت عال وقال:
- شئنا أم أبينا، هذه الحرب حربنا والمدينة مدينتنا، لن أتركها وأمضي، آن لك أن تعتاديها كما الأخريات من نساء المدينة.
صرختْ في وجهه:
- وما شأني بهنّ، أوائل من هاجروا كانت عائلتك لأنها لم تستطع التأقلم مع نيران الحرب، وتريد مني الاستمرار والصبر، لا أرغب باستنزاف روحي أكثر من ذلك، افهم يا عمر لم أعتد بعد على الهدم، هدم معالمنا، حضارتنا، وطننا، بيوتنا، ذواتنا...ترعبني فكرة أن أموت قبل أن يُبنى الوطن من جديد.
- ألم تعتادي الحرب بعد وقد دخلت عامها التاسع؟
- لا، لم أعتد ولا أرغب بذلك، التعوّد خنوع ولا أريد الامتثال له، لم يعتد أحد من أهل المدينة، فكلهم في ترقّب لحظة رفع راية النصر.
- إذن انتظريها معي وهللي حين يأتي النصر.
- لا أعتقد، لأننا سنظل صامتين، لا نستطيع أن نفرح وتعيش بيننا عائلات مكلومة.
- هذا قدرنا، قدر مدينتك، لست وحد ك من تعانين، الكل هنا يشاركك نفس الآلام، ما زال إلى الآن فيها أربعة ملايين، لم يهاجر منها إلا خمسمئة ألف، كل هؤلاء يعانون مثلك فتأقلمي مع هذه الحياة ريثما تنقضي هذه الأيام، لا أستطيع التأقلم على شيء لا أريده، أكبر آلام القلوب تأتي من خسائر لا يمكن تعويضها، لا أريد خسارتكما، فأنا لا شيء دونكما.
- تجاوزي هذا الخوف، لطالما عهدتك قوية يا صبا.
اقترب منها وقبل جبينها، ثمّ ضمّها إليه وقال مازحاً:
- إن فرّقنا الموت، فلن يكون البحث عن مالك حجة، ستجدينه وتكملين ما بقي لك من حياة معه.
ابتعدت عن أحضانه ،نظرت إلى ابتسامته وكأنه يقول طرفة سخيفة لا تناسب الوضع الحالي، قالت بحيرة:
- ومن أتى على ذكر مالك؟ لم أعد أذكره مذ أعوام خلت، ولم أعد أطلب منك البحث عنه.
- لكنك يا صبا لازلت تتوسّلين يزن كي يفتش عنه.
- أجل ولا أكذب عليك في هذا الأمر، لأن مشاعر الأخوة رابطتها أقوى من رابطة أبناء العمومة، أعتقد أن يزن لن يتخّلى عنه لأنه شقيقه.
- وأنت يا صبا، أريحي القلب المتعب وأصدقيني، أما يزال في قلبك؟
- أجل لأنني أمه، أنت لا تعرف معنى الأمومة يا عمر، حملته صغيرا، كنتُ أغسّله، أطعمه وأسهر على راحته، راقبته وهو يكبر أمام عيني، حتى رأيتُ إنجازي تحوّل إلى شاب في الثامنة عشرة من عمره، علمته القراءة والحساب ليكبر ويفخر بنفسه، علمته الفضيلة والأخلاق، لم أره يوماً كما تراه أنت، وإن حدث ما تقول فلا يمكنني أن أراه سوى طفلاً لم ينجبه رحمي، أنسيت أنه سرّنا الذي تشاركناه معاً على مدى اثني عشر عاما؟ مع الأسف لم أكن أعلم أنه سيأتي يوم ونتشاجر من أجله، حميته من الجميع يا عمر، رضيتُ بسجنه أعواماً لئلا تجرحه كلمة، لكنني مع الأسف لم أستطع حمايته منك.
سكتت حين لم تتلقّ سوى الصمت ردّاً على ثرثرتها، وقالت:
- هاك ابنك، خذه إلى المدرسة.
حين همّت لتدخل قال لها:
- أنا أثق بك يا صبا، ولم أشك يوماً في حبّك لي، ولكن ماذا عن مالك؟ فهو تعلق بك كتعلق الحبيب بمحبوبه، أتمنى أن تفهمي ما يعنيه كلامي.
قبلها من جبينها وغادر تاركاً إياها غارقة في ذكرياتها وما كتبه مالك على ذاك الجدار في زفافك سأكون أول الحاضرين، حين تلبسين الخاتم سأكون أول المهنئين، حينما ترقصين سأكون أول المصفقين، مع الأسف لم أستطع فعل ذلك لأنني مُنعْتُ من حضور فرحك، خيبة أملي بك جعلتني أكثر صمتاً يا صبا.
ارتدت ثيابها وغادرت إلى عائلتها، لا أحد يفهمها إلا يزن، لكنها حين وصلت وجدت أخواها يتشاجران، ووالدتها وولاء تقفان في المنتصف حائلاً بينهما، تساءلت:
- ما الذي يحدث هنا؟
لم ينتبه أحد لسؤالها، إذا كان الجواب ظاهرًا للعيان، فيزن يرفع سلاحه في وجه مجد، قال له بصوت غاضب:
- إنك أجبن من أن ترفع سلاحك في وجهي، سننظف المدينة من قذارتكم.
- إن استطعت أن تفعلها يا أخي فافعلها، لكن ليس هنا أمام والدتي وخطيبتي وأختي، لا أريد لأحد أن يكرهك، لا أريدهم أن يروك في أبشع صورة، لا أريدهم أن يروني مخضّباً بدمائي والسبب أخي.
- أنت أحقر من هذا الكلام، لا تحدّثني بالعاطفة وأنا لمحتك قبل قليل تذبح الوطن دون أن يرفّ لك جفن.
صرخت رندة ووقفت في وجه مجد قائلة:
- إن أردت قتله فاجعل رصاصتك تخترق جسدي أولاً.
صرخت صبا:
- لا تقتل والدتك مرّتين يا يزن، أنزل سلاحك، عار عليك أن ترفعه في وجه سندك.
ارتجف متذكّرًا مشاغبتهما ولعبهما ودوارنهما حول شجرة التين والبحيرة، لكن يجب أن يثأر للوطن، ولم يجد إلا أخاه يثأر منه.
صاحت والدته مرة أخرى:
- هيا افعلها وأطلق رصاصتك، ستعيش بعدها لكن دون روح، لن يرتاح ضميرك أبداً.
أبعد مجد والدته قائلاً:
- لستُ أنا من يختبئ خلف ظهر النساء.
اقترب من شقيقه وقال له:
- إن كان موتي سيخمد نيران الحرب فاجعل رصاصتك في صدري، لكن ليس هنا، أنا لا أخشى الموت، كلنا مشاريع شهادة وسنموت يوماً ما، الحرب تحرث كل الشباب ولن تقف عندي وتتركني، لكن يا أخي لا أريد الموت بيدك، هذه اليد التي أمسكتُها مرارًا لأعبر الشارع لم تفلتها يوماً، أخبرتنا أمي أنك أكبر مني بعشر دقائق فقط، لكنني حسبتها سنوات وأنا أرمي حمولتي عليك، حملتَ آلامي ولم تعترض.
أمسك يده وأكمل مستطردا:
- يدك هذه لطالما مسحت دمعتي وربتت على كتفي، فكيف ستخون عهدها معي وتقضي علي.
نظر إلى ولاء فوجدها تبكي بصمت، اقترب منها ومسح عبراتها، ضمّها إليه بقوّة فكاد أن يهشّم عظامها وكأنه يودّعها الوداع الأبدي، قال لها:
- أرأيت لم أؤجل زواجنا؟ لئلّا تصبحي أرملة في شهور قليلة، لئلّا يحمل رحمك طفلاً يتيماً، أتذكّرك في زحام يومي المملوء بصخب القذائف والرشاشات فأطمئن ويهنأ قلبي كأنني لم أذق المرّ أبداً، أكملي حياتك بالشغف ذاته وأعرفي أن الحب قدرنا، لكن...
وضعت سبابتها على شفتيه قائلة:
- صه، لا تتكلم كأنك على مشارف الموت.
نظرت إلى يزن وكان قد أنزل سلاحه خجلاً من نظرات الجميع، أكملت بحكمة:
- يزن كان غاضباً من ضغوط الحرب والشتات والحيرة التي تكتنفه ،لكنه ما كان ليفعلها.
اقتربت من يزن وقالت:
- أليس كذلك يا ابن عمي، لن تقتله أبداً، لن تفقدني إياه، والله للموت أشدّ رحمة من أن تفعلها أنت، كل أعوام الحرب انتهت في ساعة واحدة وفقده سيطلب أعواماً عديدة لننسى، عانقه يا يزن، عانق أخاك وأسعد قلوبنا.
ألقى سلاحه أرضاً وعانقه بشدّة، انسكبت دموعهما والتحما ببعضهما، ربتت رندة على كتف ولاء شاكرة لها هذا الفضل.
فوجئ الجميع حين تركهم مجد ودخل إلى غرفته، غاب فيها بضع دقائق ثم خرج وسلاحه بيده، رماه عند قدم أخيه، نظر الجميع إليه دهشين من تصرّفه الغريب، قال لهم موضّحاً حقيقة ما يفعل:
- هاكَ سلاحي، خذه ودافع عن وطنك، لن أخسرك من أجل هذه الحرب.
رمى الآخر سلاحه دون أن يأخذ سلاح أخيه، ثم عانقه فرحاً وسعادة، قال يزن:
- وأنا سأرمي سلاحي ولن أقتل فيه إنساناً عاش معي على هذه الأرض ،سأبقى سندك وظهرك المتين متى احتجتني.
ضحكت رندة وقالت:
- سنشد عضدك بأخيك، أتمنى أن تتلاشى الغمّة ولا يعاد هذا المشهد أبدا.
جلست صبا جوار يزن على حافة الأريكة وقالت:
- بهذه المناسبة العظيمة، ماذا لو أعدتَ البحث عن مالك.
- أخبرتك من قبل يا صبا ألا أثر له في المدينة وكأنه...
ثم سكت، فقالت:
- لا، لم يمت، قلبي ما يزال ينبض، لو مات لتوقّف قلبي معه.
صاح مجد بها:
- تتحدّثين وكأنّك مغرمة به، ماذا دهاك يا صبا؟ لو استمع عمر إلى هذيانك لطلقك بالثلاث، اعقلي يا أختاه وانسي أمر مالك، فلم يجلب لك سوى المصائب.
- ها أنت تتحدّث بلسان عمر وكأنّكما جلستما جلسة وديّة تتباحثان في هذا الأمر، أخبرتكما من قبل أني لا أشعر نحوه إلا بمشاعر الأمومة، لم لا تفهمان إحساسي به، كم مرة علي أن أعيد على مسامعكما بأنني من ربيته وأطعمته حتى غدا رجلاً، كان ينام في حضني، فكيف أفكّر في قذارة ما تفكّران به، لم أسمح بعناقه منذ أن كان مراهقاً، لم يتجاوز حدوده معي، لقد كان ابناً بارًا بي، وعدته أني سأطلق سراحه حين أؤمّن مسكناً له، لكن في تلك الليلة خرج الأمر عن إرادتي.
مسحت دموعها بكفّ يدها، وقفت لتغادر، أوقفها يزن قائلاً:
- لا تقلقي على مالك يا صبا، سأعاود البحث عنه ليلتئم شمل العائلة ويستريح والدي في قبره.
ابتسمت له قائلة:
- لذلك لم أجرؤ أن أطلب طلبي هذا إلا منك لأنك وحدك من تفهمني دون أن تسيء الظن بي.
غادرتهم دون أن تنظر خلفها، جلست ولاء بجوار مجد سعيدة لأنه تخلى عن السلاح ولن يكون له دور في هذه الحرب إيجابيًا أو سلبيًا.
………………………..
كبرت آسيا وأصبحت في عمر العشرين، لم يعجبها ثراء والدها الفاحش، لطالما تساءلت عن عمله الغامض لكنها تصدّ من أوّل سؤال، لكن راق لها في الأمر أنها تبعث المال لابنة عمّها ولاء كل شهر، لم تكن جمانة على علم بما تفعله ابنتها، أما أشرف فلم يمانع أبداً لأنها ابنة أخيه الراحل، حين علمت جمانة بالأمر صدفة منعت المال عن آسيا، لكن الأخيرة لم تيئس بل ازدادت إصرارًا، فكانت تأخذ الأموال من والدها وترسلها بعلمه كأنه يسترضيها لترضى عن عمله غير الشرعي، الأهم من كل ذلك ما يشغل بالها أكثر من إرسال الأموال إلى ابنة عمّها، وهي حياتها هنا والعودة إلى مدينتها بأسرع ما يمكن، تكره هذه الغربة فلا شيء فيها يدعو إلى السرور، توسّلت لوالدها كي يدعها ترحل لكنه قابل توسّلاتها بالرفض القاطع، توسّلت لعمر أن يساعدها في هذا الأمر لكنه رفض تلبية طلبها، كلهم يخبرونها أنها بأمان، لكنها لا تريد أماناً خارج حدود مدينتها .
هي غريبة هنا، لا أصدقاء لديها، قلوب الناس جافة ولم تجد ال أرفة فيها ،كلهم يجرون خلفها لأجل مالها وحين تنقص عليهم درهماً ينعتونها باللاجئة المتطفلة على بلادهم، إنها خائنة ولولا ذلك لظلت في مدينتها، لو كان فيها خير لما تركت خراب مدينتها وعاشت ميسورة الحال في الخارج، كلمات كثيرة جارحة وكأن الأمر بيدها، لو كان بيدها لظلت في مكانها صامدة كولاء، فهذه الأخيرة دائماً ما تخبرها عن الحرب بحماسة منقطعة النظير، لقد أصبحت تفرّق بين الأصوات الناجمة عن الإنفجارات والأصوات الناجمة عن الصواريخ، تخبرها أيضاً أنها أصبحت خبيرة في تحديد اتجاه الصاروخ، تتمنّى آسيا أن تعود إليها وتستمتع مثلها بهذه الحرب، لكن آسيا لم تجرّب نارها لذلك تجد في حديث ولاء متعة وتجد هذه الحرب مسلية وليست خطيرة.
.......................
علمت سارة مالك بيع المناديل الورقية، لكنه لقي صعوبة في البيع، بعضهم أشفق عليه فمنحه مالاً، وبعضهم اشمئز منه وتنمّر عليه بسبب قبح وجهه، وبعضهم ركله بقدمه بإحتقار، ومع ذلك ظلّ صامداً لا يريد أن يخذل سارة.
مرّت أربعة أعوام تعلم خلالها من سارة الكثير مع أنها تصغره بأعوام عدّة، فخبرتها في الحياة أضعاف خبرته، لقد أصبح في السابعة والعشرين وهي ما ازلت في التاسعة عشرة، لقد نضجت وأضحت أكثر جمالاً مما كانت.
لقد تغيّر الكثير في هذه الأعوام القليلة ومنها عقله إذ لم يعد محصو اًر بصبا بل أصبح أكثر انفتاحاً، لقد فهم العالم الجديد وفي إمكانه مجا ارته الآن.
جلس وإياها على آخر درجة في المسكن، كان يتمنى أن يصعد إلى السطح لكنها منعته ل وج ود القنّاصة على أسطح الأبنية، فاكتفى بالجلوس على الدرج داخل المسكن، صبّت له كأساً من الشاي، قدّمته له، ظلّ شارداً، خمّنت أنه ما ازل يحوم حول ماضيه، فسألته:
- ألهذه الدرجة كان ماضيك شاقاً عليك؟
- لا أعرف يا سارة، أشعر أن أشباح الماضي تطاردني وستبقى تذكّرني بأحداثه.
- سيؤدي تفكيرك إلى بالبقاء حبيساً في ماضيك، واصل السير نحوغايتك ولا تتعرقل في صخور الماضي، فتقع في ثغراته، وربما لنتنجو منه.
سكتت قليلاً، ارتشفت من فنجان الشاي، ثمّ قالت:
- لن يأتي أحد لإنقاذنا، نحن لا نعني لهم شيئاً، حياتنا مسؤوليتنا نحن.
مرّت الأيام في أسى الحرب حتى جاء ذاك اليوم الذي كان مالك عند الإشارة يبيع المناديل الورقية للمارة تحت لهيب شمس يوليو، شعر أن فروة رأسه قد احترقت واشتمّ رائحة شعره المحترق، ظلّ ساعات على هذه الحال حتى تعبت قدماه وما عاد يحتمل الوقوف، فجلس على الرصيف يتأمّل المارة بعيون مرهقة.
في منتصف النهار توقّفت سيارة أمامه وترجّل منها رجلٌ وقور، اقترب من مالك ودقق في ملامحه، ابتسم في ظفر، بينما ابتسم الآخر لغنيمة جديدة، هذا الرجل ميسور الحال وسيمنحه مالاً يسيرًا، سأله الرجل عن اسمه وعمره وكل شيء، وعده بأن يمنحه حياة مترفة، حياة لم يجربها من قبل، توجس مالك خيفة، فسأله:
- وما المقابل؟
- أنا الطبيب جمال، سأجعلك حسن الهيئة، تمشي بين الناس برأس مرفوع.
- ربما لم تسمع سؤالي، ما المقابل؟
- سنستفيد معًا، أنا أصبح طبيباً مشهورا وأنت تصبح وسيماً، لقد أنهيتُ دراستي وعلي إنهاء مشروع تخرّجي، سأمنحك ما تريده من مال، وفي المقابل ستكون أنت المشروع وسأعمل جاهداً لأجعلك بحال أفضل.
- تلهو بوجهي وتعبث فيه وربّما تشوّه ما بقي منه صحيحاً.
ضحك بسخرية وقال:
- وهل في وجهك شيء صحيح؟ سأدفع جزءاً كبيرًا من مالي لأحسّن وجهك قليلاً فكر قليلاً.
ربما لو فعلها لاعترفت به أسرته، وطلب يد سارة للزواج، ولرحب به عمر وتركه يعانق صبا. أومأ برأسه موافق.
أخذه إلى منزله، طلب منه الاستحمام، خلع ملابسه القذرة وارتدى ملابس افضل، التقط له العديد من الصور، وفي اليوم التالي أخذه إلى عيادته وبدأ يجري له عمليات لتجميل وجهه، عملية تتلوها أخرى، ظلّ على هذه الحال أياماً وهو لا يعرف عن حياته شيئاً، كلما انتهت عملية سارع إلى أخرى، وكلما استفاق من نوم نام لإتمام عملية جديدة.
وسارة تفتّش عنه، لقد وعدها ألا يغيب وغاب أسابيع ليست بالقليلة، لم تجد مكاناً إلا وبحثت فيه حتى كادت تسلم في النهاية أنه راح ضحية لرصاصة متهورة، بعد أشهر عدّة انتهى الطبيب من عملياته، الآن أصبح رجلاً وسيماً، لقد نجح الطبيب، صار يصرخ بفرح:
- فعلتها، فعلتها، أنا طبيب ماهر، ستكون مشروع نهضتي وثرائي.
طلب مالك أن يذهب إلى سارة ليُفرح قلبها وتشاركه أيام غبطته، لكنه رفض خشية أن يتسلل من بين أصابعه ويهرب فلا يجده، هو الآن ملكه، طريق نجاحه وثرائه، يجب عليه إظهاره إلى العلن بالسرعة القصوى إذ يخشى أن تنهي الحرب حياته قبل إعلانه للناس.
اصطحبه إلى الجامعة كما البهيمة، وهناك أظهر صوره على شاشة عملاقة قبل عمليات التجميل وبعدها، صرخ الناس مذهولين، من الإنجاز الذي حققه.
نال درجة الامتياز كما هو متوقع وصفق له الجميع لنجاحه، أصبح خبرا دسماً تتناقله وسائل الإعلام، ومالك ظلّ في الزاوية لا يسألونه إلا عن مشاعره قبل العملية ومشاعره الآن، المقابلات لا تنتهي في المذياع والتلفاز والجرائد، في كلّ لقاء صحفي يخبر الناس كيف وجده مرميّاً على قارعة الطريق، والآن بات يعيش بفضل ماله، وكّلما همّ بالحديث أسكته بأنه صاحب فضل عليه ولولاه لظلّ إلى الآن يقف تحت شمس يوليو يبيع المناديل الورقية.
"عودة إلى الحاضر"
وضع يديه في جيبيه يتأمّل شحوب وجه الطبيب، صاح فيه قائلاً:
- ألا تريد إطلاق سراحي؟
- لا أفكّر بالأمر، على الأقل الآن.
- لم لا تتمسّك بإنسانيتكَ قليلا؟
- كيف أكون إنساناً وهذا العالم قادني إلى الوحشية، حين رأيتني في الشارع الواسع واقفاً كنت شارداً بالجهات التي ركضتُ نحوها يوماً بكل قوتي فتلاشت عمداً، فوجدتك أمامي بدل أن تمد يدك لانتشالي صفعتني، كثرة الصفع لم تجعلني أعتاد الأمر بل زاد فزعي من الأيدي الممدودة لو لعناقي.
- لقد جعلتك قضيتي الوحيدة، لم أحارب لأجل نفسي، بل لأجلك أيضاً.
- تشعرني أنني أحد أبناء عائلتك، كأنني الأولويّة في حياتك، أناوأنت نعرف أنك فعلت ما فعلته من أجل الشهرة والمجد.
- وأنت استفدت من ذلك، هل أن تنكر الأمر؟
- لم أستفد إلا بعد أن أنهيتَ شهرتك المزعومة التي بلغتها على كتفي، لا تكرر كلامك بأنك فعلت ذلك لأجلي.
صمتَ الطبيب ولم يعقّب على كلامه وإنما تمدد على سريره واضعاً يديه خلف أرسه وأشاح به للجهة الأخرى ليقابل الجدار، فأكمل مالك:
- مقبرة كاملة لا تكفي لدفن ما أشعرتني به حينها، منذ ولدتُ وأنا أحارب الحياة لأصل إلى موتي سالماً، لو أن والدتي ما أفلتت يدي تلك الليلة، ولو أن صبا ما احتضنتني، هل كان ذلك سيغيّر من الأمر شيئا؟
عاد ينظر إليه، فرد عليه:
- إنها أقدار مكتوبة، كقدري وأنا أتلوّى بين يديك، لم أظنّ حين قابلتك أن نهايتي ستكون هكذا.
- وقدري حين كنتُ لعبة بين يديك تشكّلها كما يحلو لك، أرأيتَ أن الأقدار تتغيّر ولا شيء يبقى على حاله.
- أتعرف يا مالك، أحياناً أشعر أني مدين لك بهذه الحياة التي أعيشها، لقد صرفتَ أموالاً طائلة من ثروتي لبناء هذا القصر لتشرف على المدينة، إنك الآن تحميني من رحى الحرب لئلّا تطحنني، وبذلك تسهم في المحافظة على حياتي، ربما لو كنتُ في بيتي الآن لكنتُ تحت ركامه، لكنك الآن تسدي لي خدمة عظيمة دون أن تعي ذلك.
- وما أدراك أني سأبقي على حياتك، لا يغرّنك الأمل...
ابتسم لحديثه، ثم قال بشجاعة:
- أخبرتك أنها أقدار مكتوبة.
- ما لي أراك اليوم لا تقاوم ولا تصرخ بل مسلما نفسك لمصيرك، أبدأت تدرك أن لا مفر لك أخيرا.
- لن أدعك تتشفى بآلامي يا مالك، أعرف أنني مهما صرخت فلن تفتح لي باب سجنك، لذلك لن أصرخ ولن أبكي دون فائدة.
- أصبحتَ تفهم الآن سبب استسلامي لك… كنت هادئا كما العاصفة، واستسلمتُ كورقة في مهبّ الريح، تلعب بها وهي مستسلمة لقدرها والشجرة لا تقاوم قوّة الرياح، حتى ارتاح قلبك وأصبحتَ تأمن لي، فهبّت عاصفتي واقتلعتك من جذورك، فلا يغرنّك البحر الساكن.
أطلق جمال ضحكة عالية ،ثم تابع بنبرة أكثر هدوءا:
- أتظن نفسك شجاعاً، أي إنسان قبطان في البحر الساكن، أنت لم تنجز شيئاً خطيرا، أنا منحتك الأمان وأنت خنته يا مالك.
- الحياة فرص وعليك استغلالها ،لو أنك حسنّت خلقي وأديتَ عملك بإخلاص وتركتني أذهب إلى سارة لما انتقمتُ منك، لكنك حبستني في بيتك وعددتني عبداً لك أطيعك فيما ترغب بحجة أنك دفعت أموالاً طائلة عني، مع أنني لم أطلب منك إنفاق درهم واحد.
تركه دون أن ينبس ببنت شفة وصعد إلى الأعلى.
"قبل عامين من الآن"
تركت آسيا منزل ذويّها واتجهت إلى المدينة، لم تخبر أحداً بما نوته، ها قد مرّ عام وهي تتوسّل لهما العودة وهما يرفضان، لذلك غادرت دون وداعهما، أدركت أنها تفعل الصواب لذلك لم تهتم، ستظلّ في المدينة فجميع من تعرفهم لم يتأثروا بالحرب كثيرا، في إمكانها أن تصبح مثلهم وتحفظ قواعد اللعبة لتظلّ في أمان، وقفت تتأمّل المدينة، تغيّرت جدا ولم تعد كما كانت.
في السابق كانت تضجّ بالحواجز الترابية، لقد مرّت عشرة أعوام على مغادرتها إياها، لم تعرف الطرقات والشوارع، غادرتها وهي صغيرة والآن أصبحت شابة، تريد رؤية الحي القديم مع أنه فارغ ولا حياة فيه، وجميعهم سكنوا الحي الشرقي، لا بأس لتمتع ناظريها أولاً ومن بعد تحدّد خط سيرها، تأملت أجزاء الأبنية المهشّمة بألم، عرفت أن هناك جثثٌاً تحت الأنقاض لا يقدر أحد على انتشالها، رغم ابتعادها كل هذه السنوات عن المدينة إلا أنه آلمها ما حلّ بها.
نظرت إلى السماء تأملت سحبها السوداء، وضعت يديها في جيبي معطفها لتدفئتهما، شتاء هذه المدينة قارس جداً كقسوة ساكنيها، ستمطر، هي متأكدة من ذلك، لعل المطر يطهّر الأرض من روائح الدم الكريهة والجثث المتحللة.
وقفت على جانب الطريق تنتظر سيارة أجرة تقلها إلى الحي الشرقي، وحينها تتصل بعمر ليوصلها إلى بيته، بعد فترة من الانتظار انهمر المطر بغزارة ،استقلت سيارة وأملته العنوان، شردت في شوارع المدينة الهادئة والمستسلمة لنيران الحرب.
انسكبت دمعة من عينيها، مسحتها بكفّ يدها، غاصت المدينة في الظلام من السحب السوداء الكبيرة كأنها من فعل أدخنة الحرب، أما المطر فازداد كوابل من الرصاص.
وصلت أخيرا، ترجّلت من السيارة، نظرت يميناً وشمالاً، هذا الحي هادئ وكأنه مدينة أخرى داخل مدينة تحترق، الحياة هنا قائمة على قدم وساق.
مشت في الحي حتى رأت حاجزا يقع بين مفترق ثلاث حارات، أخوها هو من يفتّش المارة، لكم اشتاقت لأخيها، نادته بصو ت عال، نظر إليها بصدمة، لم يصدّق أن أخته هنا في حيّه وعلى بعد أميال قليلة منه، لقد اشتاق إليها أضعاف ما اشتاقت إليه.
مشت باتجاهه، بينما هرول هو نحوها وكأنه يطير إليها، صغيرته بعد غياب عشرة أعوام أخيرا عادت إليه، إقتربا وفي قلب كل منهما ذكرياتهما، آمالهما، أحلامهما، هي الطفلة التي نشأت في أحضانه وهو الأب الثاني الذي علمها وكبّرها، لقد مرّت أعوامهما معاً وهي تسير بخطوات واسعة اتجاهه.
لكن الموت وضع حاجزا بينهما، بلحظة خاطفة كلمح البصر، وقذيفة عمياء لم تحدد هدفها جيداً سقطت على بعد أمتار قليلة منهما، فصلت بينهما، ظلّ في حيّه يتأمل النيران التي اشتعلت أمامه، ينظر إلى انفجار قذيفة لم تكن تقصدها، بل كانت تقصده لكنها انحرفت قليلاً، ربما مطلقها كان أحول، صرخ عمر، ركض إليها، عانقها عناق المشتاق، بكى والرجال قليلاً ما يبكون، انتحب قهرا وألماً، لطالما رأى ساعة الفراق بعيدة، لكن اليوم اقتربت وسرقت منه أعزّ ما يملك، صرخ في قهر وهي بين يديه ساكنة هادئة، بكى الموجودون لانهياره:
- لم عدت؟ لم رجعت؟ لطالما كنت في البرّ الآمن؟ أبعدتك لئلّا تعيشي حرباً تدمّرك، فعدت لتموتي على أرضها، ما ازل هناك حكايات لم أسمعها منك، ما زال هناك أحلام وآمال، أفيقي ولا تغمضي عينيك .
كان يمسح دمها بيديه ويبكي، اقترب أصحابه منه ليهوّنوا عليه حجم مصيبته، أرادوا سحبها منه، لكنه تشبّث بها ارفضاً تركها لهم، يخشى إن تركها لا تعيش من بعد بينهم، التحمت دموع عينيه بدموع السماء، غابت أعواماً وعادت لتموت في حضن أخيها.
- لعودتك بعد الغياب ثمنٌ كبيرٌ، لمَ دفعت ثمن أخطائنا؟ ليتك ما عدت...ماذا سأخبر والدتي حين تسألني عن أخبارك؟ كيف أوصل لها أنني عجزتُ عن حمايتك؟ عشرة أعوام والوطن في حمايتي، لم يتسلل أحد إلى هنا ،لكني أمام دمائك وقفتُ عاجزا لا حول لي ولا قوّة. أعوام الحرب المهينة في كفة وفقدانك في كفة قاسية جداً.
ظلّ يبكي ساعات كما النساء حتى استطاعوا تخليصها منه.
...............................
صرخت جمانة حين وصلها الخبر وبدأت تلطم وجهها، ركض إليها أشرف يستعلم عن النبأ العظيم الذي أصابها في مقتل، لم يفهم شيئاً إلا أن ابنته قُتلت في الحرب، قال لها هادئاً:
- كذبَ من قال لك، هي في غرفتها تعبث بهاتفها، آسيا لا يمكنها عصيان أمري والعودة وحدها.
لم يتلق منها إلا النواح والبكاء ولطم خدودها، نادى طفلته بصوت عالي، ركض إلى غرفتها ليفنّد خبر موتها، لكنها فارغة ومرتبة وورقة على سريرها تخبرهما أنها ما عادت تحتمل الغربة وقد رحلت إلى المدينة، وكلمات كثيرة تطلب من والديها مسامحتها، ارتمى على سريرها، وضع أرسه بين يديه، لقد فقد طفلته الآن، ما عساه يفعل في هذه المصيبة؟ اتصل بأحدهم وصرخ في وجهه، يطلب منه معرفة أي اتجاه أطلقت منه القذيفة، لم يدعه يكمل كلامه، الكل يعلمون مصدرها، فردّ عليه بنبرة آسفة:
- إنها من طرفنا، كانت في طريقها إلى الحاجز، لكنها انفجرت قبل أن تصل.
أكان المقصود ابنه؟ نجا ابنه لكنها انفجرت في وجه ابنته، آسيا الحنونة كعادتها فدت حياة أخيها وكأنها عادت لتكون كبش فداء له. رمى الهاتف جانباً وصاح بصو ت جهوري:
- كم هم أغبياء، لطالما نبهتهم ألا يقتربوا من الحي الشرقي.
سيحرقهم، لقد أقسم على ذلك، سيحرق كل من أمر بإلقاء القذيفة، اتصل برجل من رجاله:
- الموقع الذي أطلقت منه القذيفة، أريده الصبح حدثاً تتناقله وسائل الإعلام كافة، لا أريد لأحد أن يمضي جانبه ويتعرّف إلى معالمه ،أريده دمارا هائلاً لا تبقي حتى دارا صغيرةً فيه إلا أحرقتها بمن فيها.
ما عساه يقول لزوجته؟ بأسلحته قُتلت وحيدته، كيف سيعتذر لعمر وينظر في وجهه، خرج من الغرفة لتلتقي عيناه بعيني زوجته، فأشاحها لئلّا تلمح بقايا ضعفه، أما هي كانت في عالم آخر من النواح والبكاء، تؤنّب نفسها لأنها ما استمعت إليها وظنّتها تطالب بالرحيل في لحظات مللها فقط.
أقيم العزاء في منزل عمر، وجاءه الأقارب فقط، اجتمعت العائلة في خيمة من الأحزان، يبكون وفاة أصغر فرد في عائلتهم، قدّمت ولاء أكواب القهوة المرة للجميع، جلست جوار مجد تنظر إلى حزن الجميع، إلى متى سيظل الحزن محتلاً مدينتها، قالت ودمع العين يترقرق في المقلتين:
- كانت سعيدة بقدومها إلى هنا، أخبرتني أنها ستكمل ما بقي لها من عمر بجوارنا، فلا أمل لها في الغربة، لكن العمر الباقي لها قصير للغاية، قالت سيحتضنها الوطن فهي ابنته، لكنه احتضنها تحت الت ارب دون أن تعرف بأي ذن ب قُتلت.
بكت كثيرا، ضمّها مجد إلى صدره، انهارت حينها بالبكاء، ابتعدت عنه قائلة:
- لقد احتضن القتلة، فلم عجز عن احتضانها؟
قال عمر بعد أن كان متابعاً صامتاً:
- لم تكن المقصودة، بل أنا، انفجرت قبل وصولها إلى موقعنا، فماتت وعشتُ، ماتت أمام عيني، رأيتها بأم عيني والشظيّة تخترق فؤادها، وكيف تفجّرت الدماء من شرايينها، كلّ ذلك حصل أمام عيني وقد عجزتُ عن حمايتها.
قال مجد:
- أسوأ ما في الحرب أن تخاف على خسارة عائلتك، من لا يملك عائلة لا يخاف الحرب، أصبحنا نعدّ الخسائر كل ليلة قبل النوم،
عشر سنوات مرّت وخسائرنا تتضاعف حتى خسرنا مرحلة شبابنا، تبّاً لهذه الحرب التي قتلت أحلامنا وأودت بنا في جبّ الآلام نتجرعها باستمرار.
عاد الصمت يسود الجميع إلا من بكاء ولاء فهي صديقتها ورفيقة أيامها، لم يمرّ يوم إلا واتصلت بها وثرثرت كثيرا عن المدينة وأهلها.
قضت الحرب هذه على أحلام الشباب وأوقفت حياتهم، ما زالت ولاء تتوسل لمجد أن يتزوّجا، بعد موت آسيا باتت تشعر أن الموت قريبٌ منها كذلك، ترغب إن اختارها الموت أن تكون زوجته وتنجب طفلاً وسيماً يشبهه، لكنه يواصل رفضه، لا يرغب في بناء حياة جديدة وسط الجثث وارئحة الموت، يريد بناء حياته مع الوطن حين ينهض بعد هزائمه المتكررة وبعدها سيُنشئ له حياة تخصّه، أما هذه الحياة فتجعله مشتتاً غير قادر على البدء من جديد، وولاء لا تفهمه، تريده فقط زوجاً تكمل ما بقي لها من حياة معه.
حمد يزن ربه أنه وأخاه تركا القتال واستقرّت أمورهما وإلا فسيقفان في جبهة متعاكسة.
ظلّ عمر صامتاً، لم يعد يهتم بشيء، زهد الحياة بمن فيها وما عاد يهمه أبحثت صبا عن مالك أم سألت عنه، لم يعد يهتم بواجبات طفله المدرسية، لم يعد يسأل عما أعدّت له من طعام ولم يعد يسألها عن أحوالها وأحوال عائلتهما، بل اتخذ الصمت أسلوب حياة، يذهب يومياً إلى الحاجز، يفتش المارة، يدعو ربه ألا تصيبه قذيفة ويذيق أهله فاجعة أخر ى.
يعود محمّلاً بخيبات الوطن وخذلان المدن الأخرى له، يستلقي على جانبه، يتذكر طفولة آسيا وصخبها، تنهمر دموعه فتغسل وجهه، يتظاهر بالنوم كلما دخلت صبا إليه، تقترب منه، تعانقه، يبكي في حضنها كطفل يشكو لها هموم وطنه فهمّ الوطن كبير كالجبل يثقل كاهليه، لقد وضعوا الوطن أمانة في أعناقهم، إما النصر وإما الشهادة، والنصر لن يتم إلا على جثث الشهداء.
………………………
مرّ عامان على آخر لقاء بين مالك وسارة، مذ غيابه عنها وهو ينام محتضناً صورتها في خياله، لطالما عدّها طوق نجاة يهرب إليه من وحشة هذا العالم كلما حاصره الأسى، أدرك أن حنينه هذا ما هو إلا حنين عاشق، لكن كيف السبيل إلى وصالها وهو في هذا السجن الذي أوصد أبوابه دون أن يسعفه الخروج منه، لا يريد البكاء فقد كبر على هذا الضعف، ولى عصر النواح وجاء عصر التخطيط والذكاء.
سيضع خطّة محكمة ويسرق من الحياة بهجته، تذكر كلمتها قبل اختفائه عنها" ابقَ ملاكاً يا مالك ولا تدع العالم يحوّلك إلى شيطان، لا تسمح للألم أن يلوّث قلبك وينتزع الرحمة منك، لا تسمح للمرارة أن تسرق جمالك، افتخر دوماً أنك لم تتلوّث بعد بأحقاد البشر".
لكن الأمر أصعب من أن يتخطّاه وحده، إنه لأمر شاق على قلبه أن يحمل كلّ هذا الشقاء، عذابٌ كهذا يحتاج إلى قلوب كثيرة تتحمّله.
جلس في الردهة طويلاً وعقله يعمل ويفكر ويخطط حتى انتصف الليل، حمل عصا الغولف الخاصة بالطبيب، كان يغطّ في نوم عميق، فلم يشعر بدخوله، لم ينظر مالك إليه، بل كل تفكيره بأن الوقت قد حان للخلاص من هذا الذئب الذي أكمل حياته وهو ينهش من روحه دون أن يبالي بعذابه، ضربه بعصا الغولف على جبينه فتفجّرت دما ؤه، رمى العصا جانباً، لم يكن الطبيب يعلم حين اشترى العصا أنها ستقضي عليه ذات ليل بهيم، لا يريد له الموت، سيجعله يتمناه ولا يبلغه، لقد استنزف حياته ودمّره داخلياً، لم يعد بقادر على الوقوف في وجه الحرب الطاحنة، لقد أجهز على ما بقي فيه، مدّ يده إلى جيبه وسرق مفاتيحه ووضعها في جيب بنطاله، أحضر حبلاً وربطه بالسرير، كمم فمه وعالج جروحه، وفي النهاية وضع لصاقة طبية على الجرح.
أغلق باب الغرفة خلفه بالمفتاح وذهب إلى غرفته وغطّ في نوم عميق، لقد غدت رقبة الطبيب بين يديه، واللعبة خُتمت لصالحه، سيرتاح الآن ويكمل المهمة غداً.
في اليوم التالي استمتع بنشاطاته، لعب الغولف، تناول قهوته، استمتع بفطوره، شاهد الأخبار على شاشة التلفاز، حتى انتصف النهار، حمل الطعام واتجه إليه، فتح الباب بالمفتاح، وضع الطعام على الطاولة جوار سريرالطبيب، حاول الطبيب أن يتكلم، كان وجهه غاضباً، انتزع القماشة من على فمه، فصرخ في وجهه أن هذا جزاء المعروف، رعد وأزبد، شتمه بكلام بذيء، هدد بقتله وحرق جثته ورميها في مياه المستنقعات، ومالك صامت يستمع إلى انفجاره، حتى إذا فرغ قال بهدوء:
- احترق قلبي آلاف المرات حتى أصبح بهذا السواد، أنا الآن حصيلة إنجازاتك ،لا تخف من شيء فأنتَ قد أنجزتَ ونجحتَ في جعلي إنساناً لا أرغبه، رغم مرارة تلك السنوات إلا أنها لم تدفعني أن أكون شيطاناً.
ثم صرخ في وجهه:
- ألم تشبع بعد من تصويري والتنمّر علي في كلّ مقابلة؟ لم تضيّع وقتاً في إذلالي وفي كل حين إهانتي.
ثم هدأ وقال:
- أما تعبتَ ؟ لقد تعبتُ عنك وودتُ لو أسكتكَ قليلاً، صبري قليل ومع ذلك صبرتُ عليك عامين، أيكفيك ذلك؟
- وما أنتَ فاعل بي الآن؟ أعتذر لك، فكّ قيدي.
- سأطعمك الآن وبعدها أخبرك بما أنو ي.
- لا أريد طعامك.
- وأنا لن أتوسّل إليك، هاكَ الطعام إن احتجته.
- فكّ قيدي.
- لا تختبر صبري
- أنت أجبن من أن تفعل هذا بسيدك.
- سيدي؟؟ أمازلت تفكّر بأني عبد لك وسأظل خانعاً لأوامرك؟
- فكّ قيدي واخرج بأمان الله، لن أقربك، صدقني.
- لكن لا أفكر بما تفكّر به، أريدُ ثمن هذين العامين.
- أنت طمّاع إذن.
- بل قلها بصيغة أفضل "مقتنص الفرص"
- فرصتك ليست معي، منحتك فيما مضى فرصة لا تقدّر بثمن.
- فعلتها رغماً عني، لم أطالبك بها، فعلتها لأجلك، لا لأجلي.
- ولن أمنحك ثمن ما تطلبه.
- إذن ابق حتى تتعفن ويتغذّى الدود على جسدك.
كان يخبئ جميع ماله في البيت، لم يضع مالاً في المصارف بسبب خوفه من خسارتها بسبب الحرب، ظلّ على هذه الحال أياماً واستسلم فورا، أخبر مالك أين تكمن كنوزه، دله على الباب السحري الذي يوصله إلى خزنة مليئة بالدارهم والذهب والفضة.
أخذهم دون أن يلتفت خلفه، تاركاً ذاك لوحدة تنهش عقله، سارع إلى وضع الأساس لبناء القصر على الجبل، سيشرف على المدينة من هنا، الآن انتهى الفصل المؤلم من حياته -فصل المآسي- وجاء فصل الانتقام من الجميع.
قضى في بناء القصر أشهرا عديدة، والطبيب في غرفته مقيّد بالأغلال، لا يسمع شكواه ولا تهديداته ولا صراخه، يطعمه في الصباح وفي المساء، يصمت مالك وذاك يصيح ويلعن ويشتم.
انتهى من بناء القصر وجهزه بالأثاث الراقي، لم ينسَ أن يجهز غرفة في القبو لتكون مسكناً للطبيب فربما تطول إقامته فيها.
نقل الطبيب إلى الغرفة، في البداية كان يقيّده ليزيد عذابه، لكن فيما بعد تركه طليقاً في غرفة صغيرة، أحكم إغلاق بابها بأقفال عدّة.
بعد انتهائه من كلّ شيء اشترى الأسلحة لينتقم ممن تسبب في حزنه يوماً، كان يشتريها من جهة ويبيعها للجهة الأخرى مقابل مال كثير، لا يهمه من يموت في حربه، شرطه الوحيد ألا يقترب أحد من ذاك البيت.
بحث عن سارة دون تعب حتى وجدها في مكانها المعتاد، اقترب منها، كانت تقف ترتجف برداً، ترتدي قميصاً لا يدفئها، تحاول تدفئة يديها ببعضهما، نظرت إليه، لم تعرفه، اقتربت منه وقدّمت له علبة مناديل ورقية لعله يبتاعها منها، كانت لاتزال ابتسامتها لطيفة، تلك الابتسامة التي منحت قلبه الأمل في لحظات يأسه، لطالما عشقها وهي ترتسم على صفحات وجهها، قال بألم:
- سارة.
يا ربّاه هذا الصوت كأنه يخصّها، لكن ذاك طالته رياح الحرب الهوجاء، طالعته باستفهام، طالعها بعتاب، دقّ قلبها بعنف، فسألها متوجّساً:
- ألم تتعرّفي إلي؟
- وكأنني أعرفك، لكني لا أذكرك، أشعر بك خارجا من حكاية قديمة نسيتها في زحمة الحرب.
- أغدوت الآن حكاية قديمةٌ بالنسبة لك يا سارة، أنسيت مالك؟
- مالك!!
تأملت وجهه الجديد، سحابة الألم في عينيه، ثم قالت بحذر:
- هذا الوجه لا يشبهه بشيء، هل استبدلتَ في هذه الحرب؟
ضحك بقوّة وقال:
- اسمحي لي أن أعانقك، لكم اشتقتُ إليك.
- لكنني ما زلتُ لا أذكرك.
- ما زلت بريئة، وكأنّ الحرب لم تلوّثك.
- لقد تجاوزتها، عرفتُ ذلك حين وجدتني أتذكّر تفاصيل الحرب ولا أتأثر.
- من أين جاءتك هذه القوّة، لطالما عهدتك جبانة.
- اصدقني القول، أأنتَ مالك؟ ما الذي غيّرك؟
- أنا مالك يا سارة.
ركضت إليه وعانقته، بكت كثيرا، ثم قالت:
- الأيام في غيابك لا طعم لها، غيابك مؤلم كما الحرب، لكن ليس هناك أشدّ إيلاماً من بقائي في مكا ن يذكّرني بك ولا أشعر بانتمائي إليه، أخبر نفسي كل ليلة بأنه يجب علي ألا أطيل البقاء هنا، لكنني أعود فأقول لا يجب علي الهروب، يجب أن أتألم كي تشفي ذكرياتك جروحي.
- لن أتركك مرة أخرى.
- أهذا وعد؟
- بالتأكيد.
سكت قليلاً وأبعدها عنه قائلاً:
- سارة...
نظرت إليه بعينين تلتمعان شوقاً وحبّاً، بادلها النظرات بأخرى حانية، ثم قال:
- أتتزوجينني؟
فغرت فاها، لم تعتقد أنه سيطلبها للزواج وهي تظنّ أنهما مجرّد صديقين، ابتسمت وأومأت، سحبها من يدها إلى سيارته، قادها بسرعة إلى قصره، قالت بعد أن دخلت قصره تتأمل جمال المكان وروعته:
- أصبحتَ من أثرياء الحرب يا مالك، من أين لك هذا؟
- الحياة فرص، لم تمنحها لي الحياة يوماً، حين ضنّت علي بالسعادة انتزعتها منها. هذا حقي يا سارة، إنه يعادل عذاب عامين من الوجع.
سكتت ولم تكمل، تعرف أنه لن يتكلم إلا إذا أراد ذلك، أمسكها من يدها قائلاً:
- ليس معي هوية، أتقبلين أن تكملي حياتك مع رجل لا يمتلك وطنا.
- قلبي وطنك يا مالك.
- ستنجبين صغارا لا يحملون هويّة.
- لنصبر قليلاً، لا نعرف ما سيحصل غداً، الحرب ستغير الكثير وأكبر دليل على ذلك ثراؤك الفاحش.
- أرى أنك تتهكّمين على هذا الثراء؟
- أخبرني بالحكاية.
أخبرها لأنه يثق بها ويحب الثرثرة معها، ابتسمت له بحب، أقسمت أنهاستظلّ له طال العمر أم قصر.
- ستنجبين أطفالاً في مثل قبح وجهي.
- يكفيني أنهم أولادي منك أنت.
اتصل بأحد الشيوخ، طلب هويته، أخبره أن الوطن لم يمنحه هوية، كُتبَ الكتاب، غادر الشيخ مع الشهود وأصبحت سارة زوجته.