وكان الشيطان ملاكاً - الفصل الاول - بقلم مؤمنة محمود - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: وكان الشيطان ملاكاً
المؤلف / الكاتب: مؤمنة محمود
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الاول

الفصل الاول

تستعرض لكم دار الحكاية للنشر والتوزيع الإلكتروني بعزيمة وإبداع جديد الكتاب: الكتاب:- وكان الشيطان ملاكًا المؤلف:- مؤمنة محمود إدارة الدار:- ميرو محمد الحكاية للنشر والتوزيع الإلكتروني ودعم الكاتبات، نتشرف بنشر أعمالكم المميزة بكافة انواعها الادبية... "الإهداء" إلى صديقتي السودانية روابي التي قالت لي ذات يوم "لا أستطيع الكتابة عن آلام وطني" فـأخبرتها حينها أن آلام وطننا تجبرنا أن نكتب عنها، ومنها إلى وطني العزيز سوريتي أهديها ما خطّت يداي ستبقى يا وطني نبراسا ينير طرقاتنا المظلمة، الطفل الذي لا تحتضنه القبيلة يعود إليها ويحرقها ليشعر بدفئها، "مثل إفريقي" "الفصل الأول" "أنتَ ملاك يا مالك" كانت هذه آخر جملة قصيرة سمعها من والدته قبل أن يُفتَح ذاك الباب، ويا ليته لم يُفتَح، لم يعلم أن حياته ستتغيّر بعد فتحه. وقف في شرفته، استند بمرفقيه على السور الحديدي، يتأمّل المدينة الغارقة في الظلام، سحب لفافة تبغ من علبته وأشعلها، نفث دخانها وكأن فؤاده هو ما يحترق، ودون أن يبالي بالدخان المتصاعد من الأبنية المدمّرة، اعتدل واقفاً يرتجف برداً، نظر إلى الأفق وشرد في الثلوج المتساقطة على المدينة. ثلوج ديسمبر كانت قاسية هذا العام كقسوة ساكنيها، ارتشف قليلاً من فنجان قهوته، يا إلهي! مذاقه سيء، لا يشبه تلك القهوة التي كانت تصنعها صبا وكان يختلسها ويشربها حين غرة منها، وحينما تعود إليها تظنّ أنها احتستها، لا أحد يستطيع صنع الأشياء المبهجة إلا صبا، قلبها نقي كقلوب الأمهات، لكن لا ينكر أن في قلبه عتاب كبير عليها، لم ينسَ تلك الليلة التي هربت فيها وتركته وحده يتجرع ويلات حرب آثمة، وحيداً لا يعرف ما يحصل فوق الأرض. إنه هادئ الآن، لم يعد ينتظر النجدة من أحد، ولم يعد يهتم بخذلانهم، لن يفني عمره بالبحث في الطرقات عن سند لازمه يوماً؛ إذ علم نفسه أن يحتضن ذاته بعد كل خيبة وألم، لطالما عوّد يده اليمنى أن تحتضن يده اليسرى كي يمنع نفسه من السقوط، لم يسمع شكواه ونحيبه أحد، باستثناء سارة التي احتضنته حين سقوطه، وتحمّلت قسوة عينيه دون أن تشتكي. فعلت ما لم تفعله صبا، بالرغم من أن هذه الأخيرة اعتنت به وتحدّت الجميع ليعيش بينهم، إلا أنه لم يدعها تراه حزيناً متألماً، كان دائماً مبتسماً في وجهها لتزيل همّه عن صدرها، لكن الجانب المظلم من حياته لم تره ولم تسمعه إلا سارة. نجا بنفسه بعد كل الحروب التي خاضها، وخرج منها بأقل الخسائر، تألم كثيرًا في ليالي الشتاء الباردة، إلى الآن لم يخرج ذاك البرد من جسده، فقد احتل أوردته وشرايينه، احتلّ ركناً في قلبه فجمّد مشاعره، وحين التقى سارة كان خاليًا ولم يستطع أن يبثها عواطفه. رغم أنها لازمته طيلة حياته المؤلمة، وكانت معه في رحلته الشاقة بحثاً عن الجنة المفقودة، سعت جاهدة لمنحه الأمان لعله يمنح صك الغفران لأهل مدينته، لكنه استشر كثيرًا وأزر في وجهها كنمر جريح "لن يرحم من عاش فيها" لطالما كان غريباً عنها، حتى ذاك البيت الذي من المفترض أن يكون بيته كان غريباً، مع الأسف كانوا أهله وكان المكان وطنه. وقفت سارة خلفه، مالت برأسها إلى الباب واستندت إليه، تنظر إلى ظلام المدينة التي كساها الثلج بياضه الناصع، تتأمل سحب الدخان الأسود الصاعد من أبنيتها تارة، وتارة أخرى إلى مالك ذي الوجه القاسي، لم يكن بهذه القسوة حين التقته، لطالما كان هادئاً ولطيفاً، يفتش في جيب الوطن عن بيت يدفئه من صقيع الشتاء، يبحث في الركام عن طعام يشبع معدته وماء يروي عطشه، يفتّش عن مأوى يبيت فيه ليلته بعيداً عن أرصفة حيث تدوسه الأقدام. لكن هذا المالك لا تعرفه، هذا الهدوء الصادر عنه لا يطمئنها ،في عينيه قسوة غليظة جعلتها تخشاه. ألم تقاس الآلام مثله؟ ألم تتجرع كأس المنون مثله؟ ألم يكن لها منزلٌ كبيرٌ وعائلة حنونة وحارة تلعب فيها، ملابس كثيرة، أطعمة متنوعة، وفراش وثير دافئ، لكن خسرت كل شيء في هذه الحرب، وغدت مثله مشرّدة على أرصفة الوطن، تبيع المناديل الورقية لتشتري القليل من الطعام لتشبع معدتها، ومع كلّ ما سبق لم تفكّر مثله في الإنتقام من وطنها، يكفيها أنها ما زالت تعيش على أرضه. شعر بها خلفه، نظر إلى عينيها، كانت تحمل حزناً بين أهدابها، لا يستطيع العالم رؤيتها، لم يخفَ أمر حزنها عن مالك، تأملتْ عينيه فلم تجد نفسها فيهما، لطالما رأت وهج الحب يشعّ منهما، لكنها الآن أدركت أنه ما كان إلا انعكاسا لعينيها، صبا والوطن سيبقيان حائلاً بينهما، أدركت بفطرة الأنثى أن مالكاً شارداً في تلك المرأه المعجزة التي مرّ على غيابها سنوات ولم يستطع نسيانها، استدار إليها واقترب منها، ضمّها إلى صدره، بكت وانتحبت كثيرًا، كانت بحاجة إلى حضنه، ظلت تشهق ولا تريد الابتعاد، تريد حياة هادئة لا يشوبها شائبة، لكنه ما زال مصرًا على الإنتقام، معها يختلف كلياً، يتخلى عن قسوته لأجل عينيها، فهي من ساندته في أوقات شقائه، في حياته امرأتان، لا يقدر على نسيانهما _صبا وسارة_ الأولى كانت له أماً ورفيقة في الجزء الأول من حياته والثانية كانت له صديقة وحبيبة ثم زوجة في الجزء الثاني من حياته، لم تنفر ولم تخف منه ولم تتنمّر عليه يوماً، بل كانت رفيقة رحلته بوجهها الصبوح، أبعدت سارة وجهها عنه قائلة: "أوقف الحرب" مسح دموعها المنسكبة على وجنتيها مرددا: - وهل أنا من أشعلها؟ - صحيح، لم توقد شرارتها الأولى، وكنتَ من ضحاياها ذات يوم، لكنّك الآن في موقع يؤهّلكَ لإيقافها، قد أصبحتَ رجلاً ذا قيمة، في إمكانه إيقاف الحروب بكلمة منه. - ماذا تعرفين عن الحرب يا سارة؟ - لم أنسَ صقيع الخوف الذي لازمني على الدوام، ولا وحشة الترقّب وأنا أتأمّل جثث عائلتي، أخبرني أنتَ ما تعرفه عن الحرب؟ - شاب مذعور لم يعرف من الحياة إلا الحرب، شاب خرج من سجنه ليتعرّف ماهيّة الحياة فكانت القذائف تدكّ حصون المدينة، دمى متناثرة لأطفال ضلوا طريقهم، بيوت فرّت منها الأسر وتركت الشاي ساخناً على الطاولة، أصوات ضحكات الصغار التي غابت في ذاك البيت من بينها ضحكاتي. - لذلك أطلب منك إيقاف الحرب، لا تقتل الوطن. - وما الوطن؟ - نحن الوطن، الوطن لا يموت من الحرب، ينهض بعدها، لكنه يموت من خذلان ابنه له. صرخ في وجهها حتى دبّ الرعب في أوصالها: - لستُ ابنه، لم أكن يوماً ابناً لهذا الوطن، لطالما احتضن الجميع وعجز عن احتضاني، ذاك البيت كانت أبوابه مشرَعة للجميع، وساحته مرتعاً للغرباء، لكنه ضاق بي، مازلتُ أسمع ضحكاتهم وهم يركضون حول البحيرة الصغيرة، يتراشقون بالمياه، وأنا في سجني أعدّ الأيام لأخرج... سكت قليلاً، تنهد بألم، وقال بصوت هادئ: - لم يحتضني الوطن وتركني وحيداً منبوذاً على قارعة الطرقات. تأملت ملامحه، هي تدرك معاناته، فقد استمعت إلى حكايته كثيرًا وودّت لو تنسيه آلامه التي عاشت في ذاكرتها رافضه الرحيل. "قبل اثنان وثلاثون عامًا" كان غسان دائم الترحال، شاباً محباً للمغامرات، سافر إلى مدن كثيرة بحكم تجارته وعشقه للأسفار إذ كان كالطير المهاجر، ما إن يعود إلا ويرحل مجدداً، وهذا ضايق والديه كثيرًا، لكنه ما استمع يوماً إلى صوتهما، ظلّ على هذا المنوال حتى لقّب بالطير الشريد، فأينما كانت وجهته وضع زاده واستقر أياماً في تلك البلاد فلا يرجع إلى وطنه إلا بعد أن يملّ منها. وبخلاف أخويه أشرف ووليد اللذين كانا لا يحبّان الأسفار، واستقرّت تجارتهما داخل حدود المدينة فقد اتخذ لنفسه عهداً ألا يمكث في مدينة فترة طويلة، وهذا ما جعله متعدد الأسفار والعلاقات الخاصة، إذ كان يهتم كثيرًا بجماله، والمال؛ فهو الوحيد الذي يجعل من الفقير أميرًا. وفي كل بلد رسم حكاية حبّ مكللة بالأكاذيب، في كل مدينة عهود حبّ مزيّفة، امتلأت حياته بالعاشقات المحبّات للمال والجمال والكلام المعسول، انجذبن إليه كما ينجذب النمل لحبيبات السكر، أسكرهنّ عشقاً حتى الثمالة فلم يرتوين وطالبنه بالمزيد. وحدها سوسن من رفضته واستهزأت بغروره، لم تكن جميلة بل عادية الملامح، ذات بشرة حنطيّة تميل إلى السمرة، بشعر فحمي قصير، استوقفته شراستها ونظراتها التي تحتقره، فراهن الجميع على الإيقاع بها، وجعلها ترضخ له، جلس في المقهى وحوله اجتمع رجال الحي، أخبرهم أنها ستغدو عشيقته ذات يوم، وستنضم إلى ركب نسائه الجميلات، سخروا منه وضحكوا، لأنهم يعرفون شراسة سوسن وعنفوانها، لن ترضخ له مهما حاول الاقتراب منها، لم تهتم به اهتمامها برجل، فهي تعرف أن رجلاً محبّاً للأسفار ليكون له انتماء لمكان ولن ينتمي لامرأة واحدة، سيبقى الترحال جزءاً أساسياً منه وسيظلّ في كل بلد يرحل إليها بيتٌ يؤويه مع امرأة جميلة، لذلك ابتعدت عنه غير عابئة به على حين اقترب منها، كان يتودد إليها بين الفينة والأخرى، على أن مدينتها تبعد عن مدينته نحو 842كم لكن ذلك لم يعقه عن السفر إليها عدّة مرات في شهر واحد. عشق مدينتها لأنها أحيت عنده روح التحدّي، أغرقها بالهدايا ولم تكترث، أسمعها حلو الكلام وما استجابت، أوقفها في الدرب كثيرا فبدأت تغيّر مسارها لئلّا تلتقيه. هربت من حبًّ لا ترغب فيه، حتى أوقفها ذات نهار مطالبا بسبب رفضها له، كانت أجوبتها كثيرة، إن كان هناك سبب واحد لقبولها فلرفضها عشرات الأسباب، فاختصرت الكلمات بقولها: لا أمان لطير شريد في السماء، كل الأجواء ملكه، وعلى الأرض ليس له مكان، يؤسفني أنك لا تنتمي إلى مكان ومن لا ينتمي إلى مكان لن ينتمي إلى امرأة واحدة ولن تكفيه أبداً. صمتَ قليلاً، كلماتها بدلا من تجعله ينفر، زادته تعلقا، لذلك قرر أن يسعى إليها وإن كلفته كل ما يملك ، فكما يقال المرأة الذكية دايما ما تكون محط إعجاب الرجال، وهي كانت مميزة فقد حازت على الذكاء والجمال في آن واحد. في وسط حيرته تلك بدأ خاطر يلوح امامه، ربما، هذه المرأة، يوما ما ستفعل ما عجز عنه أي أحد، وستتمكن من قص جناحي الطائر الشريد؛ فتجعله ينتمي إليها رغما عنه! اخبرها بنبرة متهكّمة ذات يوم: - كلنا نملك لساناً يرو ي حلو الكلام، يطلق العهود والوعود، لكن عند الأفعال تبتر أقدامنا وتخرس ألسنتنا، ما أنت إلا لقلق مهاجر، لن تمكث في الديار إلى الأبد، فاللقلق دائماً ما يعود إلى موطنه مرة كل عام، حتى بعد أن يهاجر ويزور شرق الارض وغربها، لكنه في نهاية الأمر دائما يعود إلى مكانه الأول. ردت عليه آنذاك: - ربما يطول البعد وتطويه الأيام فلا يعود، وربّما يغيّر الخارطة ويرحل إلى سماء أخرى، الطير الشريد في كل مدينة له غصن مع الأسف لا أستطيع أن أظلّ غصناً ينتظر طائرا لن يأتيه. - أخبرتك أني سأظل هنا، لأجلك سأغيّر عاداتي، وسأمكث في مدينة لا تخصّني، أعيش غريباً فيها كي أحظى بك. نظرت إليه قليلاً، تنهدت بصو ت مسموع، وقالت بهدوء: - أنا وأنت من مدينتين بعيدتين كل البعد عن بعضهما، لا تعقد الأمل على قبولي، لن يربطنا رباط مقدّس أبداً. غادرته وما ندمت، تركته وما سألت، أما هو فظلّ شارد العقل بما قالته. ظل يجوب الشوارع باحثاً عن حل للمرأة التي استعصت عليه، تحدّث في الهاتف مع عشيقاته لعله ينساها، لكنها تعود إلى ذهنه بكلامها، لا يستطيع إخراجها من عقله، ولم تستطع امرأة من نسائه أن تنسيه إياها، كيف السبيل إلى قلبها وقد أوصدته في وجهه بمئات المفاتيح. هذه أول مرة يفشل أمام إحداهن، من تكون لترفضه، وهو يفوقها جمالاً ، هو من يحقّ له الغرور لا هي، مع أنه استمع إلى أعذارها لكن رفضها له بكل جرأة شُل فيه الإرادة. غادرها وعاد إلى دياره، استمع إلى طلب والديه المتكرر بشأن زواجه، رفض إتمام كل شيء قبل أن ينال من تلك المتعجرفة، وبعدها يفكر في الزواج. أعدّ الخطط للنيل منها، ظلّ ساهرا طوال الليل يفكّر في قلب المعادلة لصالحه، يريدها بأيّة طريقة، الآن ليست المسألة مسألة رهان في مقهى قديم، المسألة أشد خطورة، بات الأمر تحديا وسعيا لإثبات ذاته. عاد إليها ذات نهار صيفي في أواخر يوليو، وجدها تلبي زبائن المقهى بوجهها الصبوح وابتسامتها العذبة مع أن عينيها يسكنهما الإرهاق. جلس على كرسي خشبي أمام طاولة صغيرة، انتظرها كي تأتيه بكأس الشاي خاصته، اقتربت من طاولته بعد ساعة من جلوسه، أتعبه الإنتظار لكنه كان يتأمّل تعبها الواضح، تجاهلته عمداً، فهي تدرك أنه لن يدع أحد غيرها يقوم على خدمته، قدّمت له كأس الشاي دون ابتسامة، ذهل من تصرّفها، وقد كان ظنّ أنه إن تأخّر بالعودة إليها فإنها ستأتيه راكضة لاعنة المسافات والخرائط الطويلة ومعترفة بمشاعرها اتجاهه، قال لها قبل أن توشك على الرحيل: - تأخر ت عليّ هذه المرة، ظننتك قد نسيتني. أجابته بعينين تفيضان قوّة: - حاولتُ ذلك، ولكن كلما هممتُ بنسيانك وجدتني أتعثر بك. - ألا يبدو هذا لك كما لو أني أصبحتُ شخصاً إعتاده قلبك، وربّما مع الأيام قد أصبح شخصاً مهماً في نظرك. - هلّ صوّر لك غرورك كل هذه الأشياء، رويدك يا هذا وتمهّل قليلاً ولا تطلق أحكامك السخيفة، كل ما في الأمر أنني أرغب في العيش بسلام بعيداً عنك وعن أحلامك الثقيلة على قلبي. - وأنا ما عدتُ إليك إلا لأنني ارغب بك. - عدتَ لأنك طير حر، دائم التحرك هنا وهناك لا لرغبتك بي، كما أني أخبرتك سابقاً أنت مهما سافرت فستميل إلى بلد جعلتك رجلاً. - لمَ لا تجرّبين الحب مثلي؟ كفاك فلسفة لا تفيدنا. - وما يفيدني حبّك؟ ستؤلمني معدتي، سيصرخ قولوني من الوجع، سيهرب قلبي مني وتشيخ روحي، وأعيش بجسد لا روح فيه، وجّه هذا الحب لإمرأة غيري ترغب به. - وأنا لا أريد سواك، أرجوك اقبلي حبي ولا ترفضيه. - لا أستطيع. ابتعد عن ساحتي ولا تمر من طريق أعبره، ولا تدخل هذا المقهى مجدداً. غادرت دون أن تسمع ردّه، لا تستطيع منح الثقة لشخص دائم الأسفار، ليس له انتماء لأرض ولن يكون له انتماء لإمرأة، شخص في نظره كل المدن مدنه وفي كل مدينة امرأة تنتظره، أخبرته من قبل أنها لن تظل غصناً ينتظر الفصول جميعها ليأتيها طيرها الشريد. ظلّ على هذه الحال عاماً كاملاً ولم ييئس ولم ترضخ، ملّ منها ومن رفضها المتكرر، اجتمع في مقهى آخر بأصحابه، أخبرهم بما توصّل إليه، لا يعرف السبيل إلى وصالها، أخبروه بخطط كثيرة، لكنها تتطلب أشهرا وربّما أعواماً ليحصد نتائجها، لن يطيق الصبر، يريدها اليوم وليس غداً، قال له أصغرهم قامة "تزوجها وستكون لك كالخاتم في إصبعك، حينها ستدرك أن الأمر ليس مجرّد لهو وإنما حقيقة متجسّدة"، ضحك وسخر من عرض ذلك الأحمق، هو رجل لا يحب القيود، لن يتزوجها أبداً، سيمتلكها دون زواج، لكنها ترفض الحديث معه فكيف يجرها إلى وكره المزعوم وتصبح ضمن قافلة عشيقاته. ظلّ النقاش دائرا بينهما إلى منتصف الليل، ولم ينتهي إلا بعد أن حدّثه صاحبه ذو الشعر المجعّد عن أخذها عنوة: - إن لم تكن لك بإرادتها، فاسلبها إياها، وخذ منها ما تشاء، ستكون حينها ملكاً لك ولن تتحرّك من مكانها دون مشورتك. ستكون جاريتك وأنت الأمير، تأمرها فتطيع. لمعت عيناه وأعجب بهذه الفكرة . ظلّ أياماً يحوم حول المقهى الذي تعمل فيه ينتظر خروجها، لسوء حضها كان دوامها ينتهي في التاسعة، لكنها لم تستطع الخروج إلا في العاشرة بسبب تنظيف المقهى. انتظرها ملثماً لئلّا تعرفه، مشت في الطريق خائفة، لا أحد في الشوارع بسبب برودة الطقس، الكل يحتمي في بيته، يدفئ نفسه، لا أصوات إلا نباح الكلاب الشاردة الآتية من أطراف المدينة. مشت شاردة الذهن، عقلها لا يكف عن التفكير في معجبها الغامض، لا تعرف عنه شيئا وفي المقابل يعرف عنها كل شيء، كل ما يحيط به هي أسرار، وشائعات متداولة، كلما حاولت فك لغز فاجأها بمجموعة من الألغاز، كلما سألته سؤالاً أجابها إجابات عديدة ولها أن تختار إحداها، إنه رجل صعب، ليس بهيّن ولن تسلم قلبها لرجل مثله. وصلت إلى زقاق ضيّق، في العادة هي لا تخاف ظلمة الليالي، إنها معتادة على العودة متأخّرة، لكنها شعرت بانقباض في قلبها، وكأنّ الليل يخبّئ لها مكروها ما، لطالما لفّ الأمان المدينة، وقلما سمع الناس عن سرقة أو اختطاف أو جريمة قتل، لم تظن أن أوّل حادثة اختطاف ستقع ستكون هي بطلتها، كمم فمها بمنديل عليه مخدّر، لا تعرف كيف ظهر خلفها وهاجمها بغتة، لم تشعر بخطوات أحد خلفها كأنّه ماهر في مثل هذه الألعاب. أخذها إلى بيت رفيقه الذي أشار عليه بهذه الخطّة وهناك فعل بها ما لا يمكن للعقل البشري أن يتصوّره، تركها غارقة بدمائها، وكتب لها ورقة وداع من كلمتين وغادرها للأبد. لم يكن صباحاً عادياً، وليتها ما أشرقت عليها شمس الصباح ولا أفاقت من غفوتها، استيقظت وهي في بيتها كأن أحدهم حملها إليه، الجميع علم بما حلّ بها، فصارت نظرات الإحتقار تلفها من كل جانب، وقبل أن تدرك ما جر ى بدأ الجيران يشتمونها بعبارت لاذعة، رموها بأسوأ الكلمات، وصفوها بأبشع الصفات. وحين فهمت ما حلّ بها كان الجمع قد انفضّ، لم يمهلوها دقيقة لتفهم فكيف لتشرح، لم يفهموا ما جرى، ولم يسألوها عن المسألة، عيّنوا أنفسهم قضاة وحكموا عليها ببساطة بكلامهم الوحشي دون أن يسمعوا منها، نظرت إلى جوارها تبحث عن والدتها، كانت تبكي بعيداً عنها، تحتضن نفسها من نظرتهم، اقتربت بعد أن رحلوا وأعطتها ورقة كانت بجانبها (ربحتُ الرهان، وداعاً) أي رهان يقصد؟ أسلبَ روحها بطريقة غير آدميّة تسمى انتصار؟ من المؤكد أنه يقيم احتفالاً الآن في المقهى مع رفاق السوء، كانت على حق حين أخبرته أنها لا تثق به مطلقاً، لقد ذبحها أمام قبيلتها دون أن يرأف بضعفها ومع الأسف شاركه أبناء جلدتها. نزلت دمعتها وانهمر بعدها سيل من الدموع أحرق وجنتيها ولم تسأل، فقد كانت دموع قلبها أشدّ حرقة وفتكاً بها، ضمّتها أمها إلى صدرها، تخفي فيه حزن اليتيمة، وشاركتها الدموع بسبب ضياع أغلى ما تملكه الفتاة، لم تسألها أمها عن الحكاية، فهي تعرف أن ابنتها بريئة مما نُسب إليها، لكن المجتمع لا يرحم أنثى تقع في شرك ذئاب بريّة، رغم أن الجميع عرفوا ما حصل لها بالتفاصيل، إلا أن لا أحد منهم توقف عن إزدرائها فمنهم من قال "إنها لولا رضاها لما فعل بها ذلك"، ومنهم من يقول "إنها أغوته"، ومنهم ردّ السبب إلى خروجها بمفردها ليلاً والشوارع فارغة. قررت والدتها بعد أيام من عزلتهما ترك المدينة بمن فيها، أخذت ابنتها وغادرت أرضاً شهدت على نحرها وكان الناحرون أبناء وطنها ومدينتها وحارتها ،أعانوا الغريب على سرقة روحها دون أن يقف في وجهه رجل واحد. صرخت في وجوههم قبل أن ترحل أن هذه المدينة لا تسكنها إلا النساء، لم ترَ رجلاً واحداً فيها، ومدينة تسكنها النساء ستظلّ محطة خراب لن تعمرأبداً، سيظل القيل والقال هو الدائر فيها وسيظلون منشغولين عن حياتهم بأحوال غيرهم البائسة. وقف الرجال مطأطئين رؤوسهم، أدركوا أخيرا فداحة فعلتهم، أن كلامها صحيح وأنهم تجاوزوا في أخلاقهم حتى أعانوا الغريب على ذبحها دون أن يوقفوه وهي واحدة من بناتهم، إنها ابنة مدينتهم وكانت ستستنجد بهم لو أنها واعية، فرّت ووالدتها من بيئة قذرة لم تعد تأمن على نفسها فيها، فأحياناً تكون الحياة في الغربة جميلة بين أهل محبين، وتكون سيّئة في الوطن والأهل مبغضين. "عودة إلى الحاضر" جلس مالك على الأريكة يشاهد الأخبار على شاشة التلفاز، كان هناك شاب من المدينة، يصرخ ويبكي لأن عائلته قد احترقت جراء انفجار سيّارتهم وهم هاربون من المدينة، لم يرفّ له جفن، فقد اعتاد على هذه المشاهد الدموية، بينما سارة انسكبت دموعها إذ جال في ذهنها ذكرى استشهاد عائلتها، نظر إليها، فلمح سحب الدموع وهي تغطّي وجنتيها، زفر بعنف إذ لطالما غضب من ضعفها، قال لها: - ما دمت بهذا الضعف لن يكون لك مكانُ في هذا العالم. - الوطن وطني وهي مدينتي، سأظل أرثي أهلها لأني ابنتهم. أطفأ التلفاز ورمى جهاز التحكم جانباً، وهدر في وجهها: - أوّل كلمة قالتها رندة "مكانك ليس هنا"، أوّل كلمة قالها المشرّدون"مكانك ليس هنا"، وأوّل كلمة قالها الطبيب "مكانك ليس هنا"، هم وزعوا الأماكن واختاروا لأقربائهم أجملها، حتى الأرصفة باعوها، لم يتبقى لنا مكانٌ نبيت فيه ،ثم تقولين إنه وطننا، هل الوطن حماك من التشرّد والضياع؟ - أسوأ ما في الحرب يا مالك أننا نستخدم أفضل ما لدينا لممارسة أبشع ما لدينا، لا ذنب للوطن بما فعلوه، لا تحرق مدينة كاملة من أجل بيت لم يعترف بك، لا ذنب للجميع بماضيك. ثمّ صرخت في وجهه: - ارحم من فيها، جميعهم مثلنا لا يرغبون من هذه الحياة. تركته مصدوماً مصعوقاً، هذه أول مرة يرتفع صوتها في حضرته وتصرخ في وجهه، لطالما كانت أرنباً صغيرا أمامه. أشعل التلفاز مرة أخر ى، احتدت نظرات عينيه بوعيد الإنتقام والثأر، لن يهدأ أبداً إلا بعد أن يرى مجرمي مدينته يشتعلون أمام عينيه، هم زرعوا وهو سيحصد ما زرعوه، يسعده عويل النساء المنتحبات على رجالهن ،تسره رؤية بيوتهم محّطمة، وسيظلّ شاهداً على مدينة تمنت الخراب فأبى إلا أن يحقق أمنيتها، ورغم أنه يدرك أن عائلته ما ازلت فيها ولم يغادر أحد منهم فلم يشفع ذلك لهم، يتمنى أن يتعثر بأحدهم ولاسيما صبا، ماذا سيكون موقفها حينما تراه واقفا أمامها، هل ستعرفه؟ طبعا، فهي رفيقة أيامه، لا يعقل أن تنساه. أطفأ التلفاز وغادر إلى غرفته، اقترب من سارة، كانت مستلقية على الفراش توليه ظهرها، ما زالت صغيرة، تحرّكها عواطفها، فهي جيّاشة المشاعر ،عكسه تماماً. خلع سترته ورماها على الأريكة، نظر إلى نفسه في المرآة، تأمّل عينيه القاسيتين، إنه بذرة الخطيئة وكل ما حصل سببه هذه البذرة التي نبتت في تربة فاسدة، لذلك الكلّ أزهر في ذاك البيت إلا هو، ظلّ برعماً صغيرا، حتى الربيع عجز عن إزهاره، فظلت أيامه خريفاً يعقبه خريف. ومع ذلك يعجبه هذا الوجه على خلاف ذاك الوجه القبيح، مرّ وقت طويل على آخر مرة نظر في المرآة، يعجبه ثباته هذا فإنه يقوّيه وينجّيه من ضربات الحياة. الآن أصبح أقوى وعلى الجميع أن يخافه، لن يساير الواقع كما في السابق، ولن يتغيّر لأجل أحد، سيكون كما يريد وعلى الجميع تقديم الولاء والطاعة له، إنه وسيم الآن ذو وجه ملائكي، اختفى وجه الشيطان وحلّ محله وجه ملائكي بعيون شيطانيّة، تلك العينان كانتا بريئتان، لكنْ هاتان العينان مجرمتان. ألقى نظرة على سارة، يدرك أنها عانت معه وما زالت تعاني، لن يدعها ترحل عنه فهي بلا مأوى، ولا مكان لها إلا بيته، لن يستمع إلى هذيانها بشأن الوطن، سيظل يحارب الجميع إلى أن يفوز. قطع رنين هاتفه أفكاره، حمله وخرج إلى الشرفة لئلّا يوقظها، ردّ على المتصل، انبسطت ملامح وجهه، كان لدى المتصل أخبارٌ ذات قيمة في أرض المدينة، فله في كل حارة عين ورقيب، أغلق المكالمة، عرف الآن مكان وجود أفراد عائلته، سعد لأن لا أحد منهم إختار الهجرة وظلوا تحت سماء المدينة، الآن هم تحت المجهر، سيبدأ ببث الفزع في قلوبهم ويزعزع عيشهم المستقر إلى حدّ ما. "قبل ثلاثين عاماً" بعد مرور تسعة أشهر كانت آلام المخاض شديدة على سوسن، صرخت بشدّة، مزيجا من القهر والألم، وهي تلد بذرة الخطيئة، لم تستطع والدتها أخذها إلى المشفى كي لا تثير التساؤلات عن هويّة والده وتخضع للقيل والقال، اكتفت بقابلة القرية ووافقت الأخيرة بعد أن أخبرتها بوفاة زوج ابنتها في حادث سيارة، ظلت ساعات تستغيث وتدعو خالقها كي يرحمها من هذه الآلام، كانت ولادتها متعسّرة للغاية، جلست والدتها تدعو الله أن ينجي ابنتها ويخلصها من آلام الولادة. عضّت على شفتها السفلى وبكت بينما أحداث تلك الليلة المؤسفة، وتفاصيلها تلوح في ذاكرتها مع كلام الناس الذين لم يرحموا ضعفها، صرخت القابلة كي تساعدها فانتبهت والدتها من شرودها وكثفت دعواتها. حتى نزل الصبي وأخيرا إلى دنيا لم ترحّب به يوماً، تنهّدت سوسن، وسمحت لدموعها بالانسكاب، فيما سجدت والدتها شكرا لله على نجاتها، وحمدت القابلة الله، مسحت العرق المتصبب من جبينها، كانت الولادة قاسية واستغرقت ساعات قبل أن يحلّ عليهم هذا الضيف، حملته القابلة بين يديها، صرخت فزعةً وقالت دون اكتراث لكلامها الجارح: - وكأنّ هذا الحمل كان من الشيطان حتى أنجب رحمك مسخاً يشبهه. نهرتها والدة سوسن على كلامها الذي خرج من فيها دون أن تزنه، أخذت منها الصبي، نظرت إليه وأشفقت على حاله وحال والدته، لقد كان قبيحاً وكأنّه الشيطان بعينه، مدته إلى ابنتها طالبة منها أن تحتضنه ليشتمّ ارئحتها. نظفت المكان بعد مغادرة القابلة، ظلت سوسن تحتضن صغيرها وتبكي دون دموع، حاولت والدتها تهدئتها لئلّا يحصل لها مضاعفات ما بعد الولادة، أدركت أن ابنتها ما زالت عالقة في تلك الليلة ومن بعدها عاشت بجسد فارغ من روحها. قالت سوسن لوالدتها بأسى: - إنه بذرة الشيطان فكيف لي أن أعتني به؟ - لا ذنب له فيما حصل، لا تكوني عليه أنت والدنيا، سنساعد بعضنا في رعايته. - وكأنّ الرب يعاقبني على ذنب لم أرتكبه. - أنت ضحيّة رجل مريض ومجتمع فاسد، لا ذنب لك وله في الذي حدث ، أنتظري إليه ما هو إلا ملاك بريء. - سأسميه مالكا، أظنّه سيملك قلبي فيما بعد، لكن أخشى أن يسلك سبل الشيطان حين يكبر. - إن ربيته على الخير والأخلاق الفاضلة فلن يتملكه الشيطان ،وسيكون بذرة خير تعمّ فائدتها. ظلت سوسن حزينة أياما حتى نفد حليبها، فاضطرت أن تعمل عملاً مضاعفاً لتشتري الحليب لطفلها، أخفته عن الجميع مرغمة لئلّا ينظروا إلى ملامح وجهه القبيح، لم تسجّله في السجلات المدنية، فهي لم تعرف عن أبيه سوى اسمه واسم مدينته. مرّت شهور صعبة على سوسن ووالدتها، امتنعت عن الزواج كرمى لصغيرها، مع أن عروض الزواج جميعها كانت مغرية وتليق بها، لكنها رفضتها بشدّة واكتفت بتربية طفلها، كانت تتركه لوالدتها تعتني به وتذهب للعمل، كان لطيفاً، هادئاً، بريئاً، لكنه ليس وسيماً، كل ما فيه يدعو الجميع إلى النفور منه، إذ كان قبيحاً بصورة لا يتصوّرها العقل البشري، لم يجد الحب إلا في قلب والدته، وحدها لم تنظر إلى جماله بل إلى روحه فهو طفلها، وتبعتها صبا وسارة، قلوب النساء عظيمة لا تعرف القسوة إلّا ما ندر، قلوب النساء حنونة كقلوب الأمهات، أعطته من الحنان الكثير ولم تدعه يشعر بالنقص لغياب والده، فكانت له الأم والأب معاً، لم تخرجه من البيت إطلاقاً لئلّا يسمع كلاماً جارحاً يهين قلبه ويكسره تماما كما كسرت هي يوما ………………… مرّ عامان على ولادته، تعلق بوالدته وجدّته ككل الأطفال، مرضت والدة سوسن، ظلت طريحة الفراش عاماً كاملاً، مما زاد العبء على سوسن، فكانت تعمل ليل نهار، في الخارج وفي البيت، تعتني بوالدتها المريضة وطفلها الصغير، وفي الليل ترتمي على فراشها البالي تبكي بصمت خشية أن يتسرّب صوتها إلى والدتها، تلعن كل ليلة غسان وما فعله بها، تفكر كثيرا هل لو عرف أن له ابنا جراء تلك الليلة الماجنة، هل كان سيبحث عنها ويتزوّجها ليسجّل ابنه باسمه ويمنحه هويّة؟ أم سيهرب مجددا؟ منذ تلك الليلة وهي لا تعرف عنه شيئاً، أخبرتها جارتها حين هاتفتها أنه لم يعد إلى مدينتهم منذ ليلته الأخيرة وما ازرهم يوماً، حتى أصدقاء القهوة تفرقوا في الطرقات بعد الرهان الآثم وبعد كلامها معهم، أدركوا خطأهم بعد فوات الأوان، بحثوا عنها ليقدّموا أعذارهم عن استماعهم إلى ذاك الشيطان الذي خرب حياتها وبفضله أصبحت فُتات امرأة تعيش على هامش الحياة، لا ذنب لها إلا أنها أرادت أن تعيش ما بقي لها من عمر في هدوء وراحة رافضة علاقات قذرة لا تمسّ بيئتها. انسابت ضحكة ساخرة بين دموعها، من سخافة تفكيرها في أنه قد يكون الآن يبحث عنها محملا بباقات من الاعتذار، فغسان لا يعرف معنى الاعتذار أو لنقل بالمعنى الصحيح لا يعترف بخطئه، ولم يؤنّب نفسه على ما فعل، ما زال يعتقد أنها السبب بتحدّيه لها ورفضها المتكرر، والآن بسببه هذه هي حالها، جعلها تهرب بعيداً، تعيش مع والدتها وطفلها في غرفة صغيرة على فراش بال. …………………… بعد تلك الحادثة أجبره والده حين عاد إلى موطنه على الزواج، رضخ لمطلبهم دون أن يتذمّر كالعادة، أعجبه أن تكون له زوجة في أر ض ينتمي إليها، لكنه سيظلّ عاشقاً للأسفار فهو الطائر الشريد الذي له في كل بلد حكاية تخصّه وسرّ دفين لا يعلمه أحد إلا تلك المدينة، مرت ذكرى آخر مدينة على ذهنه، لم يعد يرغب بزيارتها، إذ أدرك أن دخوله إليها يعني أن تعلق مشنقته على أعمدة ساحاتها. ضحك بعبث حين تذكّر أن رجالها من ساعدوه لنيل ما طمح إليه، ولا خير في مدينة رجالها تقف في صفّ غربائها ويناصرونه على نسائهم. …………………… مرّ عام آخر وعمر مالك ثلاث سنوات، صار يسألها أسئلة لا إجابات لها، لمَ الغرفة خالية من المرايا؟ يريد أن يعرف من يشبه، لم لا يخرج من الغرفة؟ من أبوه؟ وأين هو؟ لا إجابات لأسئلته المتكررة، فتصمت ويكرر أسئلته ويزيد صمتها، فتحاول إلهاءه باللعب معه لينس أسئلةً إجاباتها ستؤلمه ألما لا علاج له. في فجر يوم الجمعة من شهر أكتوبر، تنهدت والدتها آخر أنفاسها من هذه الدنيا، بكت سوسن كثيرا وضمّت طفلها إلى حضنها، كأنها طفلة تحمي نفسها قبل صغيرها من شرور هذا العالم المرير. عانقت والدتها العناق الأخير ،وقبلتها من جبينها، كانت تحميها من هذه الدنيا، والآن لم يعد لها من يقف في وجه السيل ويتحدّى الجميع لأجلها، أصبحت وحيدة منفيّة في قرية نائية لم تعترف أنها أصبحت من سكانها. كانت تشعر بالقوة حين تتنفس والدتها بينهم، حتى وهي مريضة لا تتحدّث إلا نادرا إلا أن صوت زفيرها كان كفيلا ببث القوة داخلها ومواصلة عيش تلك الأيام. ودعتها بقلب مكلوم والكلّ مشفق عليها، حين حمل الرجال نعشها سمحت لنفسها بالانهيار وأدركت أن أمها قد ماتت فعلاً ولم تعد في هذه الدنيا تناصرها، تبادل الجيران نظرات الاستفهام عند رؤية ذلك الصبي الذي يتبع سوسن أينما اتجهت، لقد استمعت إلى تنمّرهم بأذنيها، ودّت لو تطردهم عند كل كلمة "مسخ" تنطق بها شفاههم، كأنّه خلق نفسه، كان المصاب جللاً لذلك صمتت ولم تعقب بكلمة. انقضت أيام العزاء الثقيلة، حاولت جاهدة أن تعاود الوقوف على قدميها كرمى لصغيرها فلا شأن له بهذه الحياة التي أجبر على المجيء إليها، كان عليها التخلي عن عملها والبحث عن عمل بساعات أقل لئلّا تضطر لتركه وحيدا فترات طويلة في البيت، كانت المهمة شاقة عليها، فالكل يطالبها بما لا تستطيع، غسان سلب اثمن ما كان عندها يوما عنوة، ولن تسمح لوحش آخر أن يفعل ذات الأمر ثانية ولو كلفها الأمر حياتها. ظلت تبحث أياما حتى نفدت آخر مدخراتها، أيام طويلة عاشتها مع طفلها على الخبز اليابس لا غير، حتى جاء ذلك اليوم، أخبرتها صديقتها بالندم الذي استدب بالجميع من أهل قريتها؛ أن الله عاقبهم أشد عقاب، كل واحد على حدة، بعضهم خسر ماله، وبعضهم الآخر خسر ولده، وواحد حصل لأخته ما حصل لها، أعجبتها عدالة القدر هذه، لكن ذلك لم يشفي غليلها، لا شيء سيجعلها تنام قريرة العين حتى ترى غسان، يتجرع كأس الألم ذاته، بل أسوء منه. عادت إلى مدينتها ورحّب الجميع بها، لكنهم صدموا لرؤية الصغير وهي تحتضنه، حدّث أحدهم رفيقه قائلاً بهمس: - يا إلهي كم يشبه الشيطان وكأنّه من صلبه! إنه بذرة محرّمة شيطانية. أخفته خلفها لئلا ينتبه إلى نظراتهم المحتقرة المطلة من أعينهم، لو يعرفون حقيقته فقط لوجدوا أنفسهم أمام ملاك بريء، لكنهم لم ينظروا إلا لملامح وجهه القاسية، هذه هي حال البشر جميعا. عادت إلى بيتها بعد غياب أعوام وكأنها ما غادرته، تذكّرت تفاصيل تلك الليلة المشؤومة، وخروجها من هذا البيت مطأطأة الرأس محمّلة بعار لا يد لها فيه. استندت إلى الجدار وانسكبت عبراتها، خبّأت وجهها في يديها، وصرخت ألماً وظلماً وعذاباً وقهرا، كان ينظر إليها بعيونه الملائكية، حين رأى انهيارها أدرك أنها بحاجة إلى حضن تستريح فيه، ضمّها الصغير إليه، مسح دموعها المذروفة، هكذا عوّدته في كل مرة تلمح دموعه، أخبرها أنه لن يتركها وسيحميها من كل شخص تسبب بهذا البكاء، أنستها كلماته ذكرياتها وهمومها وسرّت برجلها، عانقته عناقاً قويا، شعرت أنها لن تكون وحيدة بعد الآن، ستواجه عالمها وسيكون خلف ظهرها، وستقوّي نفسها به، لكنّ القدر كان له رأي آخر. لم ترحمها سهامه وما زالت تصوّب نحوها هموماً أشقتها وآلمتها، فبعد عام ونصف مرضت وبدأت تظهر عليها علامات النهاية، يجب أن تطمئن على مالك، لن تتركه بين أيادي هذه المدينة الجاحدة، آن الأوان ليعرف والده، استدعت صديقتها وطلبت منها أن تأتيها بعنوان غسّان، سألتها: - ولم تذكرته الآن بعد مضي خمسة أعوام؟ - أشعر أن نهايتي قد اقتربت ومن واجبي أن أرد الأمانة إلى أهلها. - من المحال أن يعترف به. - لن أترك له فرصة الرفض، ولن أمنحه الخيارات. لبّت صديقتها طلبها، وظلت أياماً تسأل عنه أصدقاء المقهى، أما سوسن فعانقت صغيرها وانسكبت دموعها شلالاً، لم تشبع منه بعد، ولم يكبر ليأخذ حقّها من الدنيا، ما زال صغيرا على مواجهة هذا العالم البشع، إنه ملاك لا قدرة له على العيش في جحيم الشياطين، العالم سيدوسه دون رحمة، ندمت الآن لأنها لم تتزوج ولم تجلب له سنداً في هذه الحياة القاسية. بعد أسبوع جاءتها صديقتها ومعها ورقة فيها عنوانه، أومأت بضعف، سحبت الورقة منها وقرأت ما فيها حتى حفظته. لم تستطع اتخاذ قرار السفر، هذا القرار صعب وجائر في حقّها، هل سيصدّقها؟ أم يكذّبها؟ وما مصير صغيرها؟ الموت كان رحيماً معها، إذ تركها ترثي نفسها شهورا بجانب طفلها. ولكن ها قد أتمّ ابنها السادسة من عمره، قبلته وعانقته وبكت لفراقه، كان حال قلبها كحال شخص يسحب الشوك من القطن، شعرت أن النهاية وشيكة والموت يستأذنها أن تقدّم ما لديها للدنيا ليأخذها. سافرت وطفلها إلى تلك المدينة البعيدة، ركبت القطار الذي يوصلها إليه ،هذه هي المرة الثانية التي يغادر البيت، كان مبتهجاً، يتأمّل السيارات من خلف زجاج القطار وكأنها من كوكب آخر، أو ربما هو من كان غريبا من أرض غير هذه، وكل حين كان ينظر إلى والدته يسألها عن أسماء السيارات والأشجار وحتى الأشخاص، لم تتوقف دموعها عن الانهمار، طوال الرحلة كانت تعانق صغيرها، كيف ستقضي بقية حياتها دونه ودون أن تشمّ رائحته، لن تعانقه بعد الآن ولن يحتضنها إن انهمرت دموعها، تدرك أنه لن يحبّه أحد ولن يرحمه، هذه الدنيا لا تليق به، تخشى أن تدوسه الأقدام بينما هو يتعلم السير. وصلت إلى حارته، سألت دكان البقالة عنه، أشار إلى الباب الأسود، ثاني باب على اليمين، دقّ قلبها بعنف، تدفق الأدرينالين لا شعورياً، مشت إلى الباب وكأنها تمشي على زجاج حافية القدمين، خلف هذا الباب من كان مصدر عذابها لأعوام مضت، أمسكت بيد وليدها بقوّة كأنّها تستمدّ منه القوّة أو ربما تشبع منه قبل أن تسلمه إياه. وصلت إلى الباب، ركعت على ركبتيها أمام الصغير حتى أصبح وجهها يقابل وجهه، قالت له: - أنت ملاك يا مالك، لا تدع أحدهم يشوّه جمال روحك. طرقت الباب وكانت اللحظات الفاصلة بين الطرقات وفتح الباب قاتلة لها، كأنّما مرّ عام مليء بالأحداث وما زالت تنتظر، فكرت في التراجع والعودة من حيث أتت،، تمنت لو فعلت ذلك قبل أن يفتح الباب وتطلّ منه طفلة صغيرة جميلة، بضفيرتين بنيتين، سألتها سوسن بحروف متلعثمة عن غسّان، لم تلق التحيّة عليها إذ بلغ منها التوتر مبلغه، أومأت برأسها الصغير وذهبت لتنادي زوج والدتها، تجمّع الصغار عند الباب، ينظرون بفضول نحو تلك المرأة الغريبة عنهم وذاك الصبي المختبئ خلفها، أفاقت من شرودها على وجه غسان أمامها، يتأمل الماضي الذي عاد إليه ليجلده على قسوته، فغر فاه مندهشاً، لم يتوقع أن هذا اللقاء سيأتي يوماً دون موعد مسبق، إذ ظنّ أن الماضي رحل بكل ما فيه، لكن جاءته لتعيد إليه الماضي، وتكمل هذا الكابوس في حاضره، قدّمت له الصغير، وقالت بألم وبصو ت حاولت جعله هادئا، لكنّه خرج متقطّعاً: - إنه ابنك _مالك_ نظر إلى الصبي الصغير، يا إلهي أهذا المسخ ابنه! أما هي فلم تقدر على عناق صغيرها، وفرّت هاربة كي لا تضعف، ركضت في الأزقّة الضيّقة، وكأنها تركت قلبها هناك، تعلم أن الجميع لن يرحمه وسيُعامل بقسوة أشد من معاملة الغرباء، لكنها لا تملك حلّاً إلا هذا، ففي نظرها قسوة وبيت عائلة دافئ خير من التشرد بين أزقة قريتها التي لا ترحم. عادت خالية الوفاض، تعدّ الأيّام الباقية من عمرها، ازدت آلامها بفقدان نجلها الوحيد، فكانت النهاية قريبة جداً، لم تدعُ لخالقها أن يخفف عنها احتضارها، بل كان جل دعواتها لصغيرها أن يرزقه من القلوب أحنّها، وكانت هذه آخر ابتهالاتها إلى خالقها. "عودة إلى الحاضر" الخامسة صباحاً وبرد ديسمبر ينخر العظام، ومع ذلك أعدّ لنفسه فنجان قهوة، وجلس في الشرفة يتأمّل الطائرات الحربية وهي تفرغ حمولتها فوق أحياء المدينة، جميع دورها تهيّأت لإقامة مجالس العزاء، هيّج الدخان المتصاعد من حارتها العتيقة احزانه الماضية. لم ينس ذاك الاتصال الذي أتاه قبل شهر من الآن فألجم لسانه حين أخبره بما لم يعلمه، أن والدته ماتت بعد ثلاثة أيام من وداعه، وهو الذي ظلّ قرابة العشرين عاماً يتألم معتقداً أنها تخلت عنه، صعق بهذا الخبر بعدما تأكد أنها كانت معلولة وكل ما فعلته كانت غايتها منه أن يحصل على مأوى بعد رحيلها، لم تعرف أنه منذ اللحظة التي تركت يده لم يعرف معنى الأمان مجددا. أيقظ هدير الطائرات الموحش سارة من نومها ،لم تجده جانبها، اتجهت إلى الشرفة فقد اعتادت على رؤيته كل صباح يتأمّل المدينة وظلامها. وضعت يدها على كتفه، ألقت عليه تحيّة الصباح، إنها تحبّه لكنها تحبّ السلام لوطنها، ونسيت أن هذا الوطن لم يعد يعرف إلا الحرب وإقامة مراسم العزاء في كل لحظة، سألته وعلى شفتيها بسمة أمل: - هل ستشرق المدينة مرة أخرى بعد انتهاء الحرب دون أن يطالها الغروب. - المدينة التي يطالها الخراب يبقى جزءاً منها محطّماً للأبد، المدينة التي يسحقها الخريف لن تزهر في أيّام الربيع، سيعود الناس إلى حياة سكنتهم، لكن من ذاق الحرب لن يعود، لأنها أذاقته خسارات متتالية، ومن يذق الخسارة مهما ارتشف من السلام لن يشعر به. - أوقف الحرب. نظر إليها وتعمّق في سكون عينيها، ثم قال: - لا أقدر على تلبية طلبك هذا، لم يعد بمقدوري العودة إلى الوراء، أخشى أن تلبسني شخصية مالك القديمة... صاحب الوجه القبيح والثياب البالية، القلب الملائكي والوجه الشيطاني... عقارب الساعة لا تعود للأسف إلى الخلف يا سارة. - حين توقف الحرب لا يعني أنك سترجع إلى ما كنت عليه، ستبقى شخصاً ذا قيمة، والكل يهابك ويحترمك، ألا يكفي هذا الصخب؟ - لا يكفي يا سارة، أنسيت أنّ ضحايا الحرب الأولى كانت عائلتك؟ - ومن أخبرك أني نسيت أمرهم؟ لكن تناسيتُ لأعيش، لم أنسَ ضجيج بيتنا تلك الليلة، ارتعاش النبض، ارتجاف الأيدي، نظرة الشتات، ألم الفقد، رحل كل ذلك دون وداعي، كانوا في انتظاري فتأخّرتُ عنهم قليلاً، لم يلوح لي أحدهم، انتظروا مجيئي لتناول الفطور معاً، فطال الانتظار ولم يصبروا، وبعدها غدوتُ بعدهم انتظر انتهاء حياتي لألقاهم. ارتشف من فنجان قهوته، ثم قفل عائداً إلى الداخل، وقبل أن يدخل عاد واستدار إليها قائلاً: - بكيتُ على نفسي كثيرا وعلى ما فعلته المدينة بي، لكنني الآن تجرّدت من هذا القلب كي لا أضعف، أصبحتُ إنساناً لن تعرفي بما يفكّر. اقترب منها وأحاط وجهها بكفيه وقال بصو ت هادئ: - حين أرى هذه المدينة يقتلني شعور الألم، ولا يوجد أقسى ألماً من هذا الشعور، عام كامل يمرّ على إنسان فتتبدّل شخصيته وأفكاره، ويشعر أنه غدا أكبر من عمره بكثير، فما بالك بأكثر من خمسة وعشرين عاماً قضيتها في ذل وحرمان؟ قّبلها من جبينها وهمس في أذنها: - ابتعدي عن مرمى النيران، لن أؤذيك، ولن أدع الحرب تطالك أنت وصبا، حتى عمر سأبعدها عنه قدر المستطاع. نظرت إليه مندهشة من تبدّل حاله، أول مرة يذكر عمر ويضعه في نفس خانة صبا، هل حقاً أدرك أن عمر له الحق فيها أكثر منه، معنى هذا أنها لن تقرب حياتهما وستبقى بعيدة عنهما، أدرك ما يجول في خاطرها من خلال نظراتها، فقال لها: - لا تنظري إلي هكذا، علي دينٌ كبير لعمر ويجب قضاؤه، لا أنسى من وقف جواري ولو ساعة واحدة، عمر لم يتخل عنّي، إلا تلك الليلة كان الجميع في صف واحد وكنتُ في صف وحدي، وقتها قرروا تخليهم عنّي. - ألا يمكن أن يكون قد حصل أمر طارئ أخّرهما عنك، كما حصل مع والدتك، التمس الأعذار لهما ريثما تلقاهما وتعاتبهما. نظر إليها مطولاً، فتح فمه ليتكلم، لكنه وجد صعوبة في البوح أكثر من ذلك فتركها تلملم شتات أفكارها التي بعثرها بغموضه. نزل إلى القبو، بينما ضاجت الأفكار في أرسها وهي تشاهد الحفلة الملحمية التي تدكّ حصون المدينة، هذا الثبات الذي تدّعيه الآن كان باهظ الثمن وكلفها عمرا من الأوجاع، لطالما كانت وحيدة حين انهار البيت على آمالها وأحلامها، حينها لم تنسكب دمعتها بل فرّت إلى الشوارع المليئة بالهاربين من ضجيج الحرب والباحثين عن الأمان، لكن هيهات أن تجد الأمان في مدينة تحترق بنيران الحرب الهوجاء. بعد أيام أدركت ما خسرت لكنهم لم يتركوا لها كتفاً تستند إليه وتبث عليه أوجاعها، لم يتركوا لها مكاناً ولو صغيرا تتخذه ملجأ لعزاءها على عائلتها، احتضنها الشارع قليلا وسرعان ما بدأت رياضة السباق الصباحية مع القذائف، وهي تعدو من شار ع لآخر والقذائف تلاحق ظلها لتقضي على روح الحياة فيها، طالها الخراب كليا، فسلمت أمرها لخالقها واستسلمت لطوفان الحرب ودعت الله كثيرا ألا تعود لأيّام صلت من أجل أن تنطوي، ومع ذلك لا تريد لمدينتها الخراب، تتمنى أن تكون لها القدرة لتوقف مالك، ماذا زرع هذا الوطن ليحصد كلّ هذا الدمار؟ أين يذهب أهله وقد ضاقت بهم الأرض، والمدن الأخرى أقفلت أبوابها في وجوههم خشية أن يطالها الخ ارب كذلك. "قبل أربع وعشرين عامًا" سبعة أعوام مرّت على ذاك اليوم وها هو يُعاد بطريقة بشعة، أيعقل أنّ هذا المسخ ابنه؟ لقد كان شيطاناً معها وعاقبه الله ببذرة قبيحة، هروبها منه قبل أن تفصح عن سبب قدومها يؤكّد لها أنها تمقته وتخشى مواجهة الماضي ولا تريد حتى مجرّد النظر في وجهه. الكل مصدومون من هذا الخبر، فغر فم زوجته وانسكبت دمعتها، متى تزوج وأنجب؟ صمته يؤكّد لها أنه قد فعلها قبل أن تلتقيه لأن الصغير أكبر من ابنيها بعامين، والداه وأخواه وزوجته والصغار يطالبونه بتسويغ ما يحصل أمام أعينهم، لكنه عاجز عن تسويغ ما حصل قبل سبعة أعوام، آلمه قلبه لما حلّ به، غروره فاق حجمه فلم يتصوّر أن هذا من صلبه، نظر إليه الصبي بحيرة وبراءة، كان هادئاً حزيناً وفي عينيه تجمّعت حفنة من الدموع، علم بفطرته الطفولية أن والدته قد رحلت ولن يلمح طيفها بعد الآن، عرف بذلك بعد أن تركت يده دون وداع وتركته يواجه عالماً قاسياً أكبر من حجمه بكثير، أخطأت سوسن حين لم تهيّئه لهذه المواجهة ولم تخبره عن أسبابها، تركته يواجه قدره بمفرده، ظلت طوال الطريق صامتة بدموع غسلت وجنتيها، خافت أن تحكي له فيتسرّب الخوف إلى أعماقه ويتمسّك بها رافضاً البقاء، ابتاعت له في الطريق كل ما رغب به، لم تبخل عليه أبداً، أنفقت ببذخ لأنها المرة الأخيرة التي سيطلب منها ولن يطلب بعد اليوم من أحد. ترك غسان الصغير واقفاً أمام الباب ودخل البيت، دخل الصغير خلفه يتأمّل فناء البيت الواسع، أعجبته الأرجوحة المربوطة بشجرة التين، نظر إلى البحيرة واقترب يلعب بمائها وكأنّ أمر الجميع لا يعنيه، أما غسان فما إن مشى بضع خطوات قصيرة حتى وضع يده على صد ره وصرخ وكأنه شاة تصارع الذبح ،خرّ صريعاً، هرول الجميع إليه ينادونه باسمه، حمله أخواه وأسرعا إلى المركز الصحي في الحي، تفرّق الصغار إلى أماكن لهوهم، ولحق والداه وزوجته رندة بهم. اقتربت منه الطفلة التي فتحت الباب، كانت جميلة ورقيقة، تكبره بستة أعوام ،سألته عن اسمه، كان أول لقاء له مع صبا، نظر إلى عينيها الدافئتين وابتسامتها الحنونة كقلب والدته، أجابها باسمه وظلّ صامتاً يلعب بماء البحيرة، استند عمر بجذعه إلى شجرة التين، كان يكبره بعشرة أعوام، وهو ابن عمه أشرف، أما صبا فهي الغريبة هنا، لأنها ابنة رندة وليست قريبته، ظلت صبا تتحدّث معه بلطف لئلّا يستوحش المكان ويشعر بألم فراق والدته، سألته عن أمه ومدينته وأهله وحتى درجات الحرارة والطيور لم تسلم من أسئلتها، كانت أغلب إجاباته يلفها الصمت لأنه ببساطة لم يخرج يوماً من غرفة والدته، نظرت إليه الطفلة ولاء قليلاً ثمّ هربت واختبأت خلف مجد ويزن أخويه التوأمين، نظرات الأطفال أرعبته بشدة، صاح مجد أن هذا الطفل يشبه الشيطان وضحك من كلامه يزن، بينما ظلت ولاء خلفهما خائفة منه. صاح عمر فأسكتهما. في تلك الليلة لم يعد غسان كما خرج، وإنما عاد محمولاً على الأكتاف، إذ سبّب وجود طفل له بهذا الشكل ذبحة قلبية قضت عليه، أقيم العزاء وكانت الولاويل تخرج من البيت فيتردد صداها في الحي كله، بكت النساء فقيدهن وصرخت رندة وأغمي عليها مرات عدّة، والأطفال يلعبون في باحة الدار دون أن يعرفوا سبباً لكل هذا البكاء، حين سأل التوأمان عن والدهما أجابتهما صبا بأنه سافر إلى البعيد ولن يعود قريبا. لعنت رندة تلك المرأة وطفلها، تذكّرته الآن فنادت على طفلتها وسألتها عنه، أجابتها الأخيرة بطيبة قلب أنه يأكل معهم، انتفضت صارخة آمرة أن هذا الصغير لن يمكث في هذا البيت دقيقة واحدة، أيّدها الجميع ولم يعترض أحد، حتى والد اه صمتا ولم يتكلما في الأمر. اعتقدوا أن هذا الصغير من المحال أن يكون ابنه وتلك المرأة كاذبة، وحين أمرت رندة ابنتها أن تطرده من الدار خرجت إلى الفناء تبكي قسوة والدتها على صبي يتيم ليس له معيل، جلست على حافة البحيرة تقضم أظافرها وتبكي قسوة الجميع، لمَ أيدها الجميع ولم يعترض أحدهم؟ لن ترمي طفلاً في السادسة من عمره في الشارع، لو كان قطة لما ارتضت لها الهوان فكيف بصبي من لحمهم ودمهم، جلس بجوارها عمر ومسح دموعها المنسكبة على وجنتيها، بعد تفكير عميق هداه عقله إلى فكرة جهنّمية لن تخطر على بالأحد، سينفذها وصبا مستغلاً انشغال العائلة في عزائها، أخبرها بما نوى، اتسعت عيناها لتلك الفكرة الذكية لذلك وعانقته لأنه دائما ما كان الشخص الذي يقف إلى جانبها، يحارب لأجلها، وهذه المرة أيضا سيكون معها في خطوة تخطوها لحماية الصغير. نزل وإياها إلى القبو ومعهما مالك، وبدؤوا حملة تنظيف واسعة، استمرت النهار كله، كانت مليئة بالغبار والأتربة، جميع من في البيت يخشى هذه الغرفة لأنهم يعتقدون أنها مسكونة بالأشباح، فلا أحد لديه الشجاعة للنزول إلى الأسفل، كثير من الإشاعات كانت تطلق على هذا القبو، فأغلقه الجد مانعاً أن ينزل أحد إليه، استطاع عمر سرقة المفاتيح من غرفة الجد وفتح باب القبو، وكان في زاوية الدار خلف الفناء الواسع، له نافذة علوية صغيرة في الأعلى تطلّ على ساحة الدار الواسعة، جلست صبا على ركبتيها أمام مالك بعد أن انتهوا من حملة تنظيفها، أخبرته أن هذه الغرفة ملكه، وستجلب له ما يشاء من الطعام، ولكن بشرط ألا يصدر صوتاً لئلّا يُرمى خارج الدار، أذعن لشرطها ووافق على ما تريده خشية أن يُطرد في الشارع ولا يجد مكانا يأويه، كان في هذا القبو ملحق فيه حمام ، نظفه عمر جيّداً، شكرها بعينيه وعانقها دليل محبّة، لم يكلمها إذ كان كثير الصمت، قليل الكلام، قبلته على رأسه وغادرت مع عمر بعد أن أحكمت إغلاق الباب. هذه الليلة كانت من أصعب الليالي التي مرّت عليه، ما زالت ذكرياتها تحتلّ جزءاً كبيرا في ذاكرته، ذاك الظلام الذي أحاطه ما زال يداهمه في كوابيسه أغلب لياليه، لقد حاول إغماض عينيه كي يهرب من وجوه البشر المخيفة التي تحدّق فيه باستمرار، لم يصرخ، كان يدرك جيدا أن أي صوت يصدر عنه سيرمي به إلى الخارج المجهول، نعم، الصراخ يعدّ رفاهية لأمثاله، أوامر صبا قاسية لكنها لصالحه، ومع ذلك حتى الآن لم يستطع فهم تخلي والدته عنه. بكى كثيرا في ليلته الأولى، لكن بكاءه لم يصل إلى أذنه، إلى الآن لم يستطع وصف العاصفة التي كانت بداخله وحطّمته إلى أشلاء كل جزء فيها يرثي الآخر، لم يجد حضناً آمناً يحميه من قسوة الأيام، كان يخشى أن يُنسى هنا ويتحوّل مع الأيام إلى ركام، فقد ثقته بالجميع، انهار من البكاء ولم يدخل أحد ويلملم جرحه، خارت قواه ولم يربت على كتفه إنسان، تعاضد الكل في محنتهم والتفّ جميع أهل المدينة حولهم، إلا هو ركنوه على رفّ عتيق غارق بالغبار، وحيداً وسط أهله، في قلب حارته، وسط مدينته. وكطفل صغير لم يعرف أين يقع الخلل فقد أعتقد أنه السبب في كلّ شيء، كان يضع اللوم على نفسه في كل مرة تحلّ به خسارة، ودائماً هناك حرب قائمة بينه وبين نفسه، وبرغم أنه يستحق المواساة إلا أنه يرى نفسه السبب في كل علة لم يواسه أحد عليها. "عودة إلى الوقت الحاضر" نزل إلى القبو، مشى في ممر طويل حتى وصل إلى نهايته، فتح الباب بالمفتاح ودخل دون أن يغلقه خلفه، تقدّم إلى الأمام واقترب من ذاك مكبل القدمين، لم يُعره ذاك أي اهتمام، ظلا صامتين للحظات، كل منهما يفكّر في أمر قد حيّره، أحدهما عالقٌ في الماضي والثاني في المستقبل، قطع لحظةَ السكون مالكٌ حين سأله: - لم لا تصرخ؟ لم لا تنتفض؟ نظر إليه وتأمّله، ثم قال بهدوء: - الصراخ للجبناء، أنا لستُ منهم يا مالك. - أنتَ قذر أيّها الطبيب، أنت مثالٌ حيّ للجبن. ابتسم بتهكّم ثم قال: - دوني لم تكن لتكبر، أنا من عظّمتك وجمّلتك، فلا تنكر أنك من صنعي ولا تنكر أصلك. أمسكه من كتفيه وهزه بعنف، ثمّ قال: - أنتَ من بدأت هذه اللعبة، لكن القواعد لم تكن لصالحك، فقد خنتَ مهنتك حين جعلتني جزءاً من حكايتك القذرة، لن أرحمك وستموت هنا يا جمال، ولن يعرف مكانك أحدٌ ، فالقتل رحمة لأمثالك. ردّ عليه بمنتهى الهدوء: - أعد إليّ ما سلبته مني وبعدها أفعل ما تشاء، أعد إلي وجهك الوسيم الذي صنعته من أجلك وخلصتك من عقدة الشيطان، لم أكن على علم بأن بذرة الشيطان حين تكبر لن تزهر ملاكاً بل شيطاناً آثماً. - لن أقتلك مهما قلت، لن أفعل ذلك. - أزداد جنونك وأنت تستمتع إلى الحقيقة التي تخشاها ولم يخبرك بها أحد؟ نظر إليه وتركه، هرب إلى الخارج وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، صعد إلى الأعلى، لا أحد يواجهه بحقيقته التي طالما هرب منها إلا جمال، هو الوحيد الذي يعرف نقطة ضعفه ويرتكز عليها لإيلامه. اقتربت منه سارة وعلى شفتيها ابتسامة لطيفة، سألته: - أين كنت؟ لم يردّ عليها وارتمى على الأريكة يشاهد الأخبار على شاشة التلفاز، جلست جواره، أمسكت يده ووضعتها على بطنها وابتسمت، نظر إليها ببلاهة، فقالت له: - هنا يمكث طفلك، ستكون أباً بعد أشهر عديدة. فغر فاه، لم يخطر على باله أن يكون له طفلاً هو والده، جميع الآباء يفرحون في موقف كهذا، لكنه لم يستجب لكلامها وكأنه في واد آخر، نادته مرات عدّة حتى استجاب لها، نظر إليها بوجن غامض إذ عجزت عن تفسير نظراته، ثم قال بهدوء: - ماذا تريدين مني أن أفعل؟ أأفرح؟ أم أحزن؟ سيكون مسخاً يا سارة، سيكون بذرة أخرى لشيطان أكبر. - وما أدراك أنت؟ ثمّ نحن لن نفعل به ما فعله أبواك. جملتها كانت رقيقة لكنها جارحة، أدمت قلبه وأحزنته، نعم لن يكون كوالديه، سيحتضنه ويقبله، إنه وليده الصغير، تركها لأحلامها طالباً منها ألا تلحقه، وقف في الشرفة وشرع في تدخين لفافة التبغ، تأمّل سكون المدينة، وسحبها لتسكب مطرها على جدرانها الآيلة للسقوط فتطفئ حرائقها، لكن لهيب القلب من يطفئه، تذكّر كلمات صبا حين قالت له ذات ليلة صيفية "لا كائن مؤذي في هذه الدنيا أكثر من الإنسان" حينها كان صغيرا ولم يفهم كلماتها لأنه لم يتعرّض للأذى الكبير، كان يعتقد أنهم يقدّمون له أسمى ما لديهم وأنه مدين لهم بما منحوه، لكنه اكتشف مع السنين أن ما قُدّمَ له ما هو إلا الفتات من مشاعرهم وطعامهم وملبسهم، لم يُعلم كما يجب ولم يُسجّل في الأحوال المدنية، ما زال إلى الآن رغم تخطيه الثلاثين دون اسم في سجلّات الدولة، لذلك منح له الحق في أن يحرق المدينة كيفما شاء، اقتربت سارة منه، احتضنته وقالت: - أنا أعتذر. - أخبرتك قبلاً أن اتركيني وشأني... - لا أرغب برؤيتك حزيناً. - ومتى أريتني والفرح يسكنني؟ - لو تزيل فكرة الانتقام من رأسك فحسب وتدع الدنيا تأخذ لك حقّك. - هذا كلام البائسين أمثالك، الباحثين في دروب الوطن عن مقعد يستريحون عليه. - ولكن في العفو لذّة لا نجدها في الانتقام. - من لا يدفع ثمن الشجاعة فعليه أن يدفع كل عام ثمن البقاء في مكانه ،الألم لم يعلمك شيئاً سوى الاختباء في جحرك كالفأر. - كبرتُ بهذا الألم دون أن يعلمني أحدهم كيف أتخطّاه، وكبرتُ أكثر حين واجهته، لم أتخيل أن أتجاوز يوماً مجزرة استشهاد عائلتي. ابتعدت عنه، ثمّ وقفت بجواره واستندت بمرفقيها على سور الشرفة الحديدي ،وأردفت بنبرة منكسرة: - قد ترى التسامح انكسارا، والصمت هزيمة، لكن ما لا تعرفه أن التسامح يحتاج قوة أكبر من الانتقام. - هذا كلام الضعفاء، أنت لن تقدرين على العيش في هذه المدينة، ستظلّ توقعك في مشكلات لم تتوقعيها، إن انتهت الحرب لصالحهم ستنهار أمنياتك ويجرّدونك من حقّك في الانتماء لمدينتك، هذا النقاء بداخلك لن يتوافق مع التلوّث الذي تعجّ به عقول البشر، أنت ملاك يا سارة ولن تصلحي لهذه الحرب. - لا يمكننا أن نصبح ملائكة، نحن بشر في النهاية، لكن يمكننا التمسّك بآدميتنا. نظر إليها وتأمّل سحابة الحزن في عينيها، ثم قال قبل مغادرته: - الملاك لا يمكنه تغيير الشيطان. تركها خلفه ودخل القصر، فقالت بهمس لم يصله: - لكنه يستطيع تعليمه الحب. "قبل ثلاثة وعشرين عامًا" لا يستطيع وصف الألم الذي شعر به هذا العام، كل شهر يمرّ عليه كان يقوّيه ويصقله، احتمل الألم مرغماً فهو لا يملك رفاهية الخيارات، بكى وحده، وحضن نفسه، ربت على كتفه بيده الأخرى وواسى نفسه كثيرا، لم تخبره والدته أن الحياة ستكون قاسية هنا ولم تستطع صبا تعليمه كيف يعيشها، هذه التجربة كانت قاسية ولازمته سنوات حتى حفرت أخدوداً في روحه خبّأ فيه أوجاعه التي قضاها في هذا السرداب المظلم، سكن الخوف أضلعه ولم يجد الأمان، وكان يشعر به فقط حين تنزل صبا إليه فتستكين روحه ويشعر أنه في أكثر الأماكن أماناً. كانت تنزل إليه مرة في الصباح ومرة في الظهيرة حين تعود من مدرستها، أما عمر فكان يزوره ليلاً ويجلس وإياه يتحدّثان، وبعدها يتركه لظلام غرفته ليؤنسه، لم يعرف أحد ما يحصل في الأسفل، فلا يجرؤ أحد على الإقتراب من درج القبو، الكل مشغول في هذا المنزل في ذاته ولا طاقة لهم بالتفكير بأشياء أخرى، كان يستمع إلى صخب الأطفال وهم يلعبون في الأرجوحة ويدورون حول شجرة التين، وأحياناً يتسابقون في باحة الدار ويتراشقون بماء البحيرة، يختبئون عند الدرج فيصل إلى سمعه ضجيجهم، يقترب من الباب يتمنى لو ينزل أحدهم إليه فيكلمه ويلاعبه، لكنّ وقوفه يطول في عتبة الغرفة وينتهي النهار لصالحهم، بينما يبقى هو قيد الانتظار أمام الباب ينتظر طفلاً في مثل سنّه يلعب معه. مجد يحبّ أن يلعب لعبة الشيطان، فيذكّرهم صوته العالي بذاك الصبي الصغير القبيح، يبدأ بإخافتهم ويركض خلفهم وهم مذعورون منه، يضحك وهو يزمجر عالياً، أما مالك فكان يبتسم لضحكهم وكأنه يشاركهم اللعب ،أعجب بما يلعبون وتمنى لو يدعوه أحدهم إلى ساحة اللعب، لكن في النهاية تمرّ الساعات ويظلّ كقصّة مركونة في غرفة رجل أميّ لا يفقه القراءة، كقارورة عطر منسيّة في غرفة رجل مصابٌ بزكام دائم، كبيانو عتيق في غرفة فتاة صمّاء ولوحة فنيّة رسمها رسام ماهر وأهداها لفتاته العمياء. لم يره أحد أو يعرف عنه، كان جميعهم يعيشون في الحياة بينما هو على هامشها، يعيش في كواليسها وهم أبطالها، إن شبعوا أكل، وإن استيقظوا استيقظ مرغماً بسبب صخبهم، وإن ضحكوا ضحك في الخفاء، وإن لعبوا ابتسم لسعادتهم، وكانت هذه السعادة تعبر جواره دون أن يلتقطها، لم يجرّب إلى الآن ما يجرّبونه من متع في هذه الدنيا. قالت له صبا: الحياة فرصة وعليك استغلالها، وإن لم تستطع اسرقها، اسرق لحظاتك الممتعة من الحياة، لا تدعها تضنّ عليك بالقليل، السعادة من حقّك ولن يمنحها أحد لك. كانت تعلمه القراءة والكتابة والحساب، تقرأ له دروسها وتخبره عن صديقاتها في المدرسة، وعن عمر، كانت دائماً تتحدّث وإياه عن صديق طفولتها عمر. جلست جواره وحدّثته عن ألمها في هذا البيت، أخبرته عن وحدتها، لا صديق لها إلا هو وعمر، هي ابنة كنتهم ولن تكون ابنتهم يوماً، أكثرت من حديثها عن أخويه التوأم وعن ابنة عمه الصغيرة ولاء. تحدّثه وهو صامت يستمع إليها، ولكن حين تنهمر دموعها يسارع لاحتضانها كما كان يفعل مع والدته، شعرت أنه سندها لذلك دائماً ما كانت تضع أرسها على قدميه وتشكو وتحكي، وكان يمسح عن شعرها ويستمع إلى هذيانها، تنهدت وقالت ذات صباح: ليس هناك ما هو أشدّ من الحزن إلا شرحه. اختنقت بعبارتها، كانت جملتها صائبة عنده، نعم أشد من الحزن أن يشرح ما فعلته تلك الليلة حين ذبحته ولن ينساها، رمته في هذا القبو المظلم وتركته في ظلمة الليل يقتات الأسى، لقد كبر عمرا فوق عمره من شدّة ما كان أذاها عميقاً، ما زال يشعر أن يده في حاجة إلى يد تمسك بها، فمنذ أن أفلتت والدته يده وهو ضعيف والأمواج تتلاطم حوله، فخيبات الأقربين لا تنسى، أدركت صبا ما يدور بخلده فعانقته وقالت ببسمة مرحة: أنت قويّ لأنك لم تذرف الدمع ولم تصرخ تلك الليلة. أنت بطل ياطفلي الصغير. لم تعرف أن البكاء رفاهية لأمثاله، وأنه كل ليلة كان يبتر جزءاً من روحه، لم تنتبه لظلامه لأنه يحاوطها بالنور، ولم تنتبه لغرقه لأنه دائماً يظهر بمظهر الناجي، يرهقه أنه مليء بما لا يستطيع إخبارها به، فهو ما ازل طفلاً صغيرا لا يعرف كيف يشرح أحزانه فيكتفي بعبارات تسيل على خدّيه دون أن يشرح لها الأمر فالأشدّ من الحزن شرحه، كان كل شيء في المدينة هادئاً إلا قلبه. عادت إليه بعد أيام وعانقته، لقد رزق عمّه أشرف بطفلة صغيرة، أسماها عمر آسيا، وهو سعيد لأنه رزق بأخت جميلة، لن يبقى وحيداً بعد الآن، ابتسم لها وعانقها بسعادة، أخبرته عن شعورها الرقيق حين حملت الطفلة بين يديها، ستكون أمّاً صغيرة لها وستعتني بأمورها، إنها الآن في الثالثة عشر من عمرها وبإمكانها رعاية الصغار، حدّثته بحماسة حتى انتقلت هذه الحماسة إليه وتمنّى لو شاهد الصغيرة وحملها بين يديه، وحين حلّ المساء نزل إليه عمر، فبدأ يسأله عن أخته أسئلة كثيرة، ابتسم عمر لهذا الصغير وأجابه عن جميع أسئلته البريئة، كان يحنّ عليه من أجل صبا، لا يريد لها الحزن والألم، فاجئه مالك حين قال: - حين أكبر سأتزوّجها. - أختي آسيا؟ - لا، هذه ما ازلت صغيرة، تزّوجها أنت، أريد الزواج من صبا. احمرّ وجه عمر غضباً ووبّخه قائلاً: - لا يجوز للأخ أن يتزوج أخته، وابتعد بأفكارك الصغيرة عن صبا، إنها تخصّني وحدي. وإن اقتربت منها كثيرا فسأمنعها من زيارتك، ستعود وحيداً يا صغيري ولن يكون لك معيل. تركه بعذابه وصعد إلى الأعلى، أكثر ما يخشاه أن ينفذ عمر تهديداته، كان دائماً إذا أخطأ مالك في أمر هدده بإبعاد صبا عنه. كان يظن كطفل صغير أن صبا ستلازمه طوال العمر، لكن عمر أدار وجهه إلى الحقيقة المرة أن صبا كوالدته ستفلت يده يوماً ما، انزوى في الزاوية، قضم أظافره العشرة حتى أدماها، بلل سرواله، وانتحب بصمت، فصبا دائماً ما تخبره أن دموع الرجال غالية ولا يجب أن تنهمر دوماً، لكنها تؤلم يا صبا وتحرق الروح وتدمّر الشرايين. جاءته في اليوم التالي، سألته عن السبب الذي دفعه إلى أن يبلل سرواله ،عرفت مالك جيداً وعرفت أنه كلما ساءت حالته النفسية قام بذلك، كلما تألم ظهر الألم في وجهه، عانقته وكأنها تحاول أن تخفيه عن هذا العالم البشع، فهو ينتمي إليها وكأنه شيء من أعماقها ،كأنها شيء عظيم مرتبط بقلبه، لم يعرف كيف يشرح لها ما شعر به حينها، ارتمى في حضنها فحسب، وبكلمتين فهمت وجعه: لا تتركيني، إياك أن ترحلي عني. كلمتان مؤلمتان جعلتاها تصمت ولا تعرف بمَ تجيبه، فهذا المكان أصلاً ليس مكانه، جاء في أشدّ الأوقات خطورة ومأساة، نظر إليها وكأنّ في ملامحها بيته وسكنه، عانقته وهمست في أذنه أنها لن ترحل مهما يكن في الرحيل راحة لها، وستبقى وإن كلفها البقاء عمرها، لن ترحل دونه أبداً. كاذبة كانت صبا، تماما كسحابة صيف، وعودها زائفة كشمس الشتاء، ظل أعواماً يصدّق وعودها حتى حنثتها في ليلة حالكة الظلمة، وتركته لمستقبل مجهول، قالت له بعد أن مسحت دمعاتها القليلة: العالم ليس وردياً يا مالك، سيكسرك ولن يرممك، وكلما انتهيت من إصلاح نفسك كان الكسر أقوى. لم يفهمها ولكنه استمع إليها كعادته، وقفت أمام الباب وقالت قبل أن تصعد إلى الأعلى: الحياة لا تهبنا السعادة مجاناً، قدرَ ما تعطينا تأخذ، ويجب أن نحاول ألا ندفع ثمن عطائها غالياً. لو كان يعلم أنها لن تفي بوعودها لما اقترب منها إلى هذا الحد، فالمسافات نجاة، اقترب منها كثيرا حتى عجز عن تجنب الألم الذي تلا رحيلها عنه. ……………….. زار غسّان رندة في حلمها، وكانت أول زيارة له، سألها على نحو مباشر عن طفله الصغير، عجزت عن الإجابة، صرخ في وجهها أنّها ضيّعت الأمانة ،بكى كثيرا نادماً على فعلته التي لا تعرف عنها شيئاً. استيقظت فزعة وشربت كأساً من الماء. لم تخبر أحداً بما أرته، لكن هذا الحلم أبى تركها وصار يراودها حتى تحوّل إلى كوابيس تأتيها كلما تعمّقت في نومها، يعاتبها أنها تنام قريرة العين وابنه الصغير لا تعلم عنه شيئاً. ها قد مضى أكثر من عام على وفاة زوجها وشريك حياتها، ولم تتغير كوابيسها، فمرة ترى مالكاً ودموع العينين تغسل وجنتيه، ومرة أخرى ترى غسان يلومها لخلاصها من ولده. جلست جوار صبا على سريرها التي كانت تذاكر دروسها، تنحنحت خجلة ثم سألتها عنه، نفت أنها تعرف مكانه، لم تفصح رندة لابنتها عن كوابيسها إذ كانت خجلة من نفسها، أما صبا فقد خافت أن تعرف والدتها مكان مالك فتسارع إلى إبعاده عنها، لن تبعده فهو الصديق الصدوق الذي يستمع إلى حكاياتها دون أن يملّ أو يعارضها أو يؤنبها. "عودة إلى الحاضر" سينزل إلى المدينة ويلتقيها، لقد قرر وانتهى الأمر، كانت المدينة هادئة بعكس ضجيج قلبه الثائر والمتلهّف للقائها، خبت أصوات الصواريخ ولم يعد يسمع لها صوتاً، فحين ينزل إلى المدينة تتوقّف الحرب وكأنّها ما كانت ،تأمّل جنون الشتاء، كأنه يودّع أيامه الباقية في هذه المدينة. نزل من سيّارته ومشى في الأزقّة الضيّقة، رأى عمر أمامه، يقف وسلاحه على كتفه يفتش عن ثوّار المدينة ليعتقلهم، لقد خطّ الشيب شعر رأسه وكبر كثيرا في هذه الأعوام وكأنّه وحده من حمل هموم وطنه، لم يقترب منه، كان واثقا أنه لن يعرفه، وإن عرفه فهو يخشى رد فعله، فعمر لا أحد يتوقّع ردود أفعاله. تركه واتجه إلى الزقاق المعاكس ،إلى ذلك البيت الذي عاش فيه يوما، كي يلتقيها، طرق طرقات خافتة على الباب، تلك اللحظة القصيرة كانت له أياماً عاشها بألم في ذاك القبو، تذكّر اللحظة التي أفلتت والدته يده وهو ينتظر أن يفتح الباب، تغيّر المكان والزمان وصبا ما ازلت خلف الباب تفتحه له. لكن آماله خابت حين فُتحَ وأطلّ منه صبي في عمر العاشرة ،مسح على شعره، ودّ لو يعانقه، سأله الصغير عن هويّته، لم يجب، بل ظلّ يتأمّل الصغير وكأنّه يرى نفسه مكانه، أطلت هي أخيرا بجمالها ولطافتها، كأنه لم تمرّ الأيام والسنين، ما زالت تحمل بين راحتيها الحب والحنان ،لا ينكر أنه لا زال يهيم بها عشقاً، رغماً عنه، لم تكن مجرّد امرأة عابرة بل كانت فكرة حبّ متجسّدة. قاطعت سيل أفكاره لتسأله عن هويّته، خاب أمله بها للمرة الثالثة، أيعقل أن قلبها لم يدقّ لأجله؟ ألم يدلها عليه؟ ألم يتعرّف فؤادها إليه؟ أفاق من أفكاره حين أعادت السؤال بنبرة حادة ،فأجابها: - أنسيت مالك يا صبا؟ فغرت فاهها، من تراه ليس مالك، لا الصوت صوته ولا الوجه وجهه، حتى الجسد لا يشبه جسد ذاك النحيل، فقالت بدهشة: - هل استبدلوك بآخر، أنا لا أرى أثرًا لمالك. ضحك بصوت عال وقال: - لنتحدّث في الداخل. وقبل أن تسمح له بالدخول، كان قد جلس على أريكة في وسط الصالة، يريد أن يعرف كيف تعيش مع زوجها، أهي سعيدة في حياتها؟ وضع ساقاً فوق الأخرى، بينما ظلت واقفة تراقب هذا الغريب، إنه شخص لا تعرفه وتصرّفاته بعيدة كل البعد عن تصرّفات مالك، فالذي أمامها يبدوا شخصا اكثر جرأة وملامحه أشد هيبة ووسامة، لا يمكن أن يكون هو، نفضت أفكارها عنها حين ناداها للجلوس جواره. قال لها بعد صمت قصير: - لقد أجريتُ على وجهي العديد من عمليات التجميل على مدار عدة سنوات. - إذن أنت مالك! - أجل أنا مالك يا صبا. هبّت صارخة بوجهه: - أين كنت هذه المدة؟ لقد اشتقتُ لك كثيرًا. ودّ لو يعانقها، لكن كسر لحظات الودّ دخولُ عمر، أسرعت إليه تخبره بسعادة أن هذا ابن عمّه مالك. طالعه عمر بترقّب وخشية، وسأل ذات السؤال الذي سألته صبا، وكانت إجابته نفسها. كان لقا ؤهما فاترا ولم يكن حارا، أحسّ بنفور ابن عمّه منه لكنه سكت إجلالاً لروح الحبّ الذي يكنّه لصبا، بدأ عمر يحقق معه عن فترة غيابه، كيف تبدّلت أحواله للأفضل، كان يجيبه بأجوبة مختصرة وأحياناً يلتزم الصمت، لم يمنحه أجوبة ترضيه، استأذن منهما لينصرف، فوقف مقابل عمر ومدّ يده مصافحاً، صافحه الآخر، فشدّ عمر يده على يد مالك قائلاً: - أسوأ الناس يا مالك من ازدهرت أحوالهم يوم جاعت أوطانهم. هذا العمر ذكي جدّاً وهو يمقت الأذكياء ولا يحبّ اللعب معهم، أفلت يده ووضعها في جيبه ثم قال: - ألم تقل لي ذات يوم إنه علي إيجاد مكان في القمة، طلبتَ مني أن أتحوّل إلى صقر، فلم لا تعجبك مخالبي الآن؟ - ليس على حساب الوطن يا مالك. - أنا لا أملك وطناً، لا أعرف ما تعنيه هذه الكلمة، وأنتَ يا عمر كنتَ مشغولاً بغرامك فلم تعلمني إياها. فتح الباب وغادر، وقبل أن يهبط الدرج لحقت به صبا ونادته بصوت خفيض، استدار إليها، فقالت: - إن أردتُ لقياك، فكيف سنلتقي. - ستجدينني في البيت الكبير. سكتت قليلاً ثمّ قالت: - أنا آسفة. - ولم الأسف؟ - لتلك الليلة، أو لنقل لتلك الليلتين، الأولى والأخيرة، كلتاهما خيّبتُ فيهما أملك، في الليلة الأولى ندمتُ لأنني لم أبق معك حتى تعتاد الظلام، لم أفهم مخاوف طفل في السادسة من عمره، كنتُ صغيرة على أن أعرف ماهيّة الخوف الساكن فيك، حاولتُ الحفاظ عليك قدر الإمكان. منذ الليلة الأولى وقد اتخذتُ عهداً أن تكون طفلي الذي لم أنجبه من رحمي، لكني خذلتك في الليلة الأخيرة، كنتُ سأركض نحوك لأنقذك، لكنهم لم يرحموني وأبعدوني عنك، لم يعرفوا أنك تحت الركام ولم أخبرهم إلا في اليوم التالي، آسفة لأنني لم أستطع الوفاء بالوعد. - تلك الضربات كانت مؤلمة يا صبا، لكن خذلانك كان الضربة القاضية. تركها ورحل، أغلقت الباب خلفه واستندت إلى الباب، كانت شاردة فيما قاله، استند عمر إلى الجدار فكان مقابلاً لها، سألها متعجّباً: - ألا ترين أن أحواله باتت جيّدة؟ تطلعت إليه وما زالت شاردة، فأكمل وهو يجلس على الأريكة: - نحن تركناه لا يملك مالاً ولا طعاما، فكيف أصبح بهذا الثراء الفاحش؟ - لا تحكم على أحد قبل أن يسرد لك قصّته. - أنت طيّبة القلب يا صبا، عن أيّ قصة سيتحدّث؟ وكأن الحرب لم تطحنه بل استثمرته وغدا قويّاً وثرياً. فكّر قليلاً وهو يحكّ ذقنه بمفتاح البيت، ثم قال: - يجب عليك أن تعرفي منه تفاصيل الحكاية، فمالك لا يخفي عنك الأسرار. أومأت برأسها وكلمات مالك قبل رحيله تتردد في ذهنها، ودّت لو أخبرته عن ندم والدتها إذ كانت مستعدّة للبحث عنه، لكنها فكّرت بعقل طفلة فقد ظنّت أن والدتها ستتخلص منه، اعتقدت أنها تحميه، لم تكن تعرف أنها محته من سجلّات الوطن. عاد إلى البيت بوجه يكسوه الأسى، وقف في الشرفة وأجرى اتصالات عدّة فعادت القذائف تدكّ حصون المدينة إلا ذاك الحي الذي شهد لقاءًا هادئاً بقلوب مليئة بثورات الماضي. اقتربت سارة منه، نظرت إلى قسوة عينيه، كان يدخّن بشراهة، أدركت بحدسها الأنثوي أنه تواصل مع صبا وإلا لما كانت حالته بهذه السوء، انتزعته من أفكاره بقولها: - أنا آسفة. لم ينظر إليها، لا يعلم لمَ تعتذر منه كلتاهما. هل يبدوا حاله مزري لتلك الدرجة؟ أكملت هي: - أعتذر لأنني جرحتك جرحاً عميق اً البارحة، كنتُ مصابة بخيبة الأمل منك فأشفقت على صغيري، أرغب ببقائه يا مالك. وقبل أن تكمل، استدار إليها وقال: - لن أمنعه عنك، لكن لا تأتي إليّ يوم ولادته وتلعني سوء الحظ الذي أوقعك بي. ثم صرخ في وجهها: - لست غريبة عني يا سارة، تعرفين وجهي القديم، كنتُ مسخاً، قبيحاً، لم أكن وسيماً يوماً، هذا الصبي سيكون نسخة مني، ووحدك من ستلامين حين يولد بوجه كالشيطان، وفي نهاية المطاف لن يكون سوى خليفة للشيطان الأكبر. "قبل إحدى وعشرين عامًا" مجد ويزن يلعبان معاً ويركضان حول شجرة التين، ويزن يلقّب مجد بالشيطان، ذاك يركض ويضحك وخلفهما تضحك ولاء وآسيا، كلما ذُكر اسم الشيطان يُخيل إليه أنه المقصود، بينما يجلس وهو لا حول له ولا قوة ينظر إلى الأعلى، يشاهدهم ويتحسّر على حاله. جلست صبا جواره تخبره عن حبّ نما في ضلوعها، مسح بأنامله دموعها الرقيقة واستمع لحكايات غرامها، قالت له: - لكلّ إنسان يا مالك أحزان تخصّه وحده، لكني لم أجد شيئاً يعادل الحزن الذي يأتي من الحب. لقد كبر قليلاً، يمكنه أن يفهم ما تحكيه له، لقد أصبح في عمر التاسعة، تمتم قائلا لها: - الخذلان أشدّ ألماً. نظرت إليه دَهشة، كانت أول مرة يجيبها، من المؤكد أنه يحمل في جعبته تجارب أكبر من عمره، قالت له وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة لطيفة: - قد كبرتَ يا مالك وأصبحتَ تفهم ما الخذلان، أنت لا تعرف السبب الذي جعل والدتك تتخلى عنك، لا تلمها قبل أن تسمع منها. - أمي كانت تخاف على جرح مشاعري لذلك أبقتني في سجنها، وما إن خرجتُ منه حتى وجدتها تخلت عني. - الحياة ليست إلا مراحل متعاقبة من الأوجاع، لكل أمرئ حكاية مختلفة عن الآخر، غداً تكبر وتعي ما أحدّثك عنه الآن. - هل سيكون لي يوماً بيتُ كبيرٌ كهذا البيت، مليء بالحب والورود ،هل سيقبلني أحدهم يوما؟ - أنت عظيم في عيني لأنّك ملاك، ستجد من يغرم بك لذاتك ولروحك البريئة. تلك الكلمة تركت أثرا عظيماً في حياته، على الأقل في نظر أحدهم هو ليس شيطاناً بل ملاكاً. فاجأها بكلماته حين أكمل بنبرة يشوبها الألم: - حين تملين مني لا تهربي، قوليها ببساطة "لقد تعبتُ من حمل همّك، وما عاد لي القدرة على إكمال المهمة". - ومن أخبرك أنك عبء على قلبي؟ أنت روحي ونصفي الآخر، أنسيتَ أنك طفلي؟ عانقها بطفولة، وعانقته بأمومة، لم يخبرها أن عمر هو سبب أفكاره الحزينة تلك، لم يمض إلا ثلاثة أعوام وها هو يشعر أن المهمة شاقة لكليهما. استطاع مالك بفضل ذكائه تعلم القراءة والكتابة والحساب، لم تعلمه عن الوطن شيئاً بل تركته يكبر ويعرف الوطن عن طريق تجاربه. مرّت الأيام ببطء شديد وفي ذات يوم سمع أصوات عويل قادمة من الأعلى، ارتعش خوفا على صبا، خشي أن يصيبها مكروه فيطرده عمر، إذ كان يشعره أحياناً أنه غير مرغوب به وإنما يتقبله مرغماً لأجل عيون صبا. وصلته أصوات البكاء والنحيب، جلس أرضاً وخبّأ أرسه بين يديه، يتمنى أن يكذب إحساسه ولا يصيبها مكروه، حتى انتصف النهار ووجدها تنزل إليه باكية، ارتمت في حضنه الصغير، أخبرته بشهقاتها أن الجدّ قد مات، عن أي جدّ تتحدّث وهو الذي تخلى عنه كما الجميع، مسح عبراتها بأنامله، وبعدها ارتمت على السرير وارتمى جوارها، وضعت رأسها على فخذه وشرعت تسرد له عن حنان جدّه وطيبة قلبه وتسامحه، لم يكن جدّاً لها لكنه عاملها بحنان وهي الغريبة عن الدار، وتخلى عنه وهو ابن الدار، عجيب هذا البيت كيف احتضن الجميع من دونه. مضت أيّام العزاء وظلّ الحزن يسكن البيت، وما زال الأطفال يلعبون في باحة الدار ويغنّون، اقتربت رندة من صبا وهي تذاكر دروسها قرب البحيرة الصغيرة، سألتها عن سبب اختفائها كلّ يوم، لم تكذب عليها فهي لا تحب الكذب، أخبرتها أنها تنزل إلى القبو وتدرس هناك بعيداً عن الضجيج، فهي الآن في مرحلة الشهادة الإعدادية ويجب أن يتوفّر لها الهدوء، سألتها هل ترى عفاريت أو تسمع أصواتاً، فرندة تخاف جدّاً من العفاريت والأشباح، أخبرتها أنها تلمح ظلالاً وتسمع أصوات بكاء، وأسرعت في تغييردفة الحديث لئلّا تلفت نظر والدتها إلى القبو أكثر من ذلك، وسألتها عن كوابيسها التي أعلمتها عنها رندة فيما بعد: - أما ازلت كوابيسك تدور حول الصبي الصغير؟ تنهدت رندة، صمتت قليلاً وبعدها قالت: - الكوابيس ذاتها تعاد بطريقة بشعة، لا أنكر أني أخطأتُ في لحظة غضب وندمتُ على ما فعلت، لقد بحثنا في كل مراكز الرعاية الاجتماعية ولم نعثر عليه، تارة أرى غسان يعاتبني ويطالبني بالبحث عنه، وتارة أرى نظرات الصبي الصغير ودموعه التي تحرق روحي من شدّة توهجها، ليتني أبقيته هنا، لكن الجميع تخلوا عنه، لستُ وحدي الملامة. أومأت صبا برأسها وعادت تذاكر دروسها، لن تدلها عليه، لن يرحمه أحد في هذه الدار ولن تقوى على الدفاع عنه إن تنمّر عليه الصغار. والدتها ليست قاسية فقد استفاق ضميرها فورا لكن كل شيء قد انتهى، لن تخبر أحداً بسرّها وستبقى تشاركه مع عمر إلى أن تتغيّر الأقدار. "عودة إلى الوقت الحاضر" كان مالك يتناول فطوره مع سارة شارداً بلقاء الأمس مع صبا وابن عمّه، قطعت شروده حين قالت: - هل إلتقيتها بالأمس؟ نظر إليها وعلى وجهه ارتسمت علامات الاستغراب ، فسأل بإنكار: من؟ - صبا يا مالك، أرأيتها؟ - أجل، هل ارتحت؟ - راحتي تأتيني حين أراك مرتاح البال، بعيداً عن حكايات الماضي. - الماضي هو أصل الحاضر، ومن لم يكن له ما ض فلن يكون له حاضر. تنهد قليلاً، ثم أكمل: - اعتذرت مني عن ذاك اليوم. عادا يكملان طعامهما والصمت ثالثهما، حتى بدّده صوته وهو يقول بعد أن ارتشف من فنجان الشاي: - تعبتُ يا صبا، كم أودّ أن تنتهي الحرب لأرتاح. نزلت دمعتها على خدها، ثم قالت: - أنا سارة يا مالك ولستُ صبا. قبل أن يعتذر منها رمت كسرة الخبز من يدها على الطاولة، وقالت: - لن تعيد من مات إلى الحياة، لن تعيد البيوت المدمرة كما كانت، لن تعيد ازدهار المدينة، سترقص وحدك على جثثهم، لكن من ذاق طعم الحرب لن يشاركك احتفالك، النصر لك والهزيمة لهم، سيجلسون وحدهم صامتين يتلقّون كلمات العزاء. خرجت إلى الشرفة، استندت بمرفقيها على السور الحديدي، راقبت الطائرات وهي تدكّ حصون المدينة، هذا الوطن ما زال صامدا بينما الجميع يقاتل باسمه، انسكبت من عينيها دمعة يتيمة رغم محاولتها التظاهر بالقوّة أمامه إلا أنّ بداخلها وطناً يبكي ،تمنّت لو بإمكانها حمل مدينتها الصغيرة والفرار بها بعيداً عن نار الحرب الهوجاء. شعرت به يقف خلفها ،مسحت دمعة شاردة قبل أن يراها فيشفق عليها أو ربما يسخر من ضعفها، قالت دون أن تلتف إليه: - أحلم باليوم الذي تزدهر فيه المدينة، ويرحل الخوف للأبد، أحلم بك ترافقني في رحلة الحياة ولا تخذلني في الشدائد، أرغب بشتاء دافئ بالحبّ ينسيني ليالي الوحدة، صيف هادئ وربيع مزهر لا تعصف بهما رياح الغدر. استدارت إليه وأردفت: - حقّق لي أحلامي، أرجوك يا مالك، على رصيف الوطن إخوة لنا مهاجرون ضاقت بهم الحياة فكن لهم وطناً. - لا سبيل لتحقيق الأحلام في وطن الحروب، هنا الأقوى من يحيا ويدير دفة الوطن، لستُ أنا من أوقد شرارة الحرب في الأعوام الأولى، ومع ذلك طالتني نيرانها وكنتُ أول ضحيّة لها، أخبرتك من قبل يا سارة إن بقيت بهذا الضعف فلن تقبلك هذه المدينة المظلمة بين أسوارها، هنا لن تجدي الأحلام الجميلة التي تتمنينها، هنا لن تجدي سوى الجثث المرمية على أرصفة الطرقات، نحن الآن مع الأسف نعيش في بقايا وطن. - أنت تهذي يا مالك، الوطن لن يتخلى عن أبناءه. ضحك بسخرية، وجلس على الكرسي ومدد ساقية فوق الطاولة الصغيرة، أخرج علبة التبغ، سحب لفافة منها وأشعلها، نفث دخانها، ثم قال: - حدّثتني صبا عن ممتلكات الوطن وأنها ملكٌ للعامة، لكن حين كنتُ مشرّداً في أزقته كان أول من أقفل أبوابه في وجهي، كرسي في حديقة عامة، رصيف جانبي، مدرسة متهالكة، مسجد مهجور، مع الأسف جميعها طُردتُ منها، فلا تغلبك مشاعرك الجيّاشة في عشقك لهذه المدينة. نظرت إلى قسوة عينيه ورأت فيهما شخصاً بالكاد تتعرّف عليه، قالت بعد برهة من الصمت: - أريد النسخة القديمة منك، تلك التي وقعتُ في غرامها يوماً، هذه النسخة تخيفني. - لن تجديني مؤذياً أبداً وإن خاب ظنك بي، لن أتخلى عنكما وسأبقى بجانبكما للأبد. مع الأسف دائماً يضعها في الخانة ذاتها مع صبا، لمَ تشاركها في حبّه؟ عادت دموعها للانسكاب، وقف واحتضنها يمسح عبراتها، مسّد شعرها بحنان، وقال: - لقد أوذيتُ من كل الأشخاص بطريقة مباشرة، وكل مرةّ كان يتأذّى جزء من روحي فيُبتر ويجعلني أتغيّر ولا أعود، لذلك آن لك أن تفهمي أنني لا أقدر على العودة إلى نسختي القديمة، وإن عدت فحينها سينتهي دوري من مسرح الحياة. قبلها من جبينها ثم تركها ومضى، وقف على باب الشرفة وقال: - كما لو فتحنا باب منزل مهجور منذ آلاف السنين، لا نعرف أبداً ما سيحصل بعد أن يُفتح الباب...هكذا هي الحرب تماما. صرخت في وجهه باكية: - سيعاتبك الوطن وتعود لحضنه يوماً. قابل صراخها بصراخ أشد: - مدينة ليس فيها اسمي لا أعدّها وطني، أنا لا أملك وطناً يا سارة، ألم تفهمي بعد بأن وطنك العزيز لم يمنحني هويّة؟ لم يعترف بي أحد حتى أعترف بهذا الوطن، عائلتي هي أوّل من أنكر وجودي، سأقتلهم يا سارة وأشيّد قصر أحلامي على حطام منزلهم، سأرقص يوماً ما على جثثهم، لن أدع لهم وقتاً للبكاء لأنني سأجعل أوقاتهم مليئة بمجالس العزاء. غادرغاضباً حانقاً عليها، لمَ لا تفهمه أو تقف في صفه؟ لو كانت صبا بجانبه فستفهم آلامه وأحزانه، ستغدو بيت أسراره، ابتسم لذكراها، سيذهب غداً إلى بيت العائلة لعله يلتقيها، المكان الوحيد الذي جمعتهما فيه ذكريات كاملة. "قبل ثمانية عشرة عامًا" لم يعد مجد يلعب مع أخيه لعبة الشيطان، نسيا مالك وكل ما حصل بعد مجيئه، لكنهما ظلّا يتراكضان حول شجرة التين، أحياناً تشاركهما اللعب ولاء وآسيا، أحياناً يلعبون الكرة فتصطدم بزجاج نافذة غرفته فتصدر ضجيجاً عالياً يوقظ مالك من نومه، وأحياناً تجعل دقات قلبه تتصاعد من الفزع . كان طوال النهار يطالع الكتب القيّمة والروايات، هذا السجن أفاده بعض الشيء إذ زرع فيه حب المطالعة. نزلت صبا إليه، رقصت بسعادة أمامه، اليوم اعترف لها عمر بغرامه، دمعة حائرة خانت مالك وانسكبت، ستضيع منه وتذهب لغيره، سيجبرها عمر على تركه وعدم الاهتمام به، اقتربت منه وعانقته بسعادة قائلة: - أتعرف معنى أن تكون عابر سبيل في دنيا وفجأة تعود إلى وطنك؟ عمر وطني الجديد. كيف تحكي له عن الوطن وهو لا يعرف معنى هذه الكلمة، كل ما يعرفه أنها سترحل عنه ذات مساء دون أعذار ودون تلويحات الوداع. قال لها: - أنت الحياة لي وما دونك موتٌ محتّم، لا ترحلي. ارتمى في حضنها، خائفاً من رحيلها، يخشى أن تبتعد ولا تقترب ثانية ،أبعدته عنها قائلة: - لن أرحل دونك، سأبقى هنا معك. لا تعرف لم انقبض قلبها من هذا الحزن الساكن فيه، تريد له نسياناً رحيماً ليعيش ما بقي من حياته سعيداً، لكن لا شيء يمضي في ذاكرة طفل صغير، إنه يعتاد مرغماً دون أن يملك رفاهية اختيار الطريق، الكبار اختاروا وقد مشى خلفهم. خرجت لتذاكر دروسها، لقد أصبحت في الثانوية وعليها الدراسة بجد لتحصل على فرصة أحلامها لدراسة الحقوق، لتتمكن من الدفاع على حقوق مالك وتجبر المجتمع على تقبله ومنحه هويّة تليق به. في المساء كما العادة نزل إليه عمر، سار في غرفته، تأمّل ما كُتب على الجد ارن الرطبة، أما مالك فلم ينظر إليه بل ظلّ يطالع الكتاب القابع بين يديه، لقد تفوّق في القراءة على عمر وصبا، كيف لصبي مثله في الثانية عشر من عمره أن يحتمل بقاءه في السجن ستة أعوام دون أن يشتكي يوماً، ويجهل مصيره المستقبلي، قطع عمر قراءته حين قال: - جد لنفسك مكاناً في القمّة، كن كالصقر يا مالك، مهما طالت به المسافات يستقرّ في أعالي الجبال. نحّى مالك الكتاب جانباً، ابتسم بسخرية من كلامه غير العادي وقال: - الصقور تُولد صقورًا، أما أنا فأشعر أني أرنب يظلّ في جحره، يخشى وكر الأفاعي الملاصق. - كبرتَ يا صغيري وأصبحتَ فيلسوفاً. - لو عشتَ معي في ماضيّ لكنتَ مثلي. - وربّما أفضل. - وكيف ذلك؟ - لكنتُ انتفضتُ، ثرتُ عليهم، ما الذي يمنعك الآن من الخروج ومواجهة الجميع، لو عشتَ عمرك كله في ماضيك فستفقد حاضرك ولن يكون لك مستقبل. أيحرّضه أن يثور على الجميع وهو لا يزال طفلاً صغيرا يخاف أن تفلت صبا يده، شرد بكلامه وبعدها قال: - ماذا سأستفيد من الثورة؟ سيحكم عليّ بالنفي، لن آكل طعاماً لذيذاً ولن تحميني أربعة جد ارن. ابتسم بتهكّم، ثمّ قال: - أتسمّي الفتات الذي يرمى إليك بالطعام؟ أتصف هذه الغرفة القذرة بالأمان؟ ضاق الصغير به ذرعاً، فصرخ في وجهه: - إنك لست في مكاني، لا تضيّعني يا عمر، أنا أعيش على هامش الحياة وأرضى بالقليل لأكمل حياتي مع أنها خالية من الشغف لكنني مصر على العيش. صمتَ قليلاً، ثم أكمل: - أنت من يجب عليه حمايتي لأنك ابن عمّي وسندي في هذه الدنيا، أعتقد أنك لا تكنّ لي الحبّ مع أنني رأيتك أحياناً ترسم قناع الحبّ على وجهك عندما تكون صبا موجودة. - إنك أذكى مما توقّعت، حافظت صبا على الأمانة جيّداً، أنا لاأحبّك يا مالك، لكن لا أكرهك، أخشى فقط أن تكسر يوماً اليد التي امتدّت لك، إن كان وجودك سيخسرني حبّ عمري فحينها سأفعل المستحيل لتترك هذا المنزل. - لا أعتقد أني قادر على تشكيل تهديد لك، منبوذ في غرفة لا تصلها الشمس، ستكون قبري ذات يوم، فاتركني وشأني ولا تلقّني كيف أعيش، لا أريد منك سوى أن تدعني أكمل حياتي بسلام. حتى هذه الأمنية مستحيلة، فعمر يخاف من تعلق صبا المبالغ فيه بالصغير، يخشى أن يصبح هو الطرف السيّء في حكاية الحب هذه، ومع أن مالك يصغر صبا بستة أعوام إلا أنه يخشى أن يستيقظ يوماً ويجدهما على علاقة حبّ وهو المنسي. توالت الأسابيع ولم يحصل شيء، حياة هادئة يقضيها مالك في سجنه ،اختصرت صبا زيارتها إليه وانشغلت بدراستها، أصبح عمر يهتمّ به، رحّب بالفكرة ولم ينزعج، هذه فرصته لكي يبعد الصغير عن أحضانها، أما صبا فكانت لا تعرف شيئاً عن الأحاديث الدائرة بينهما والحرب الباردة التي تقام في السر بعيداً عنها. هدأت الحياة في هذا البيت إلا من ضجيج الصغار، استيقظ مالك صباحاً أحد الأيام على صراخ النسوة، هبّ مذعورا من نومه، أيعقل أن يصيبها مكروه، ظلت هذه العقدة في حياة مالك _عقدة التخلي_ دائماً ما يخاف أن تتخلى عنه لذلك كان يخشى أن تفلت يده فيحتضنها في كل مرة تنزل إليه ويمسح على وجهها ليتأكّد أنها حقيقة ماثلة أمامه، وفي نهاية كل لقاء يعانقها ويهمس في أذنها ويتوسّل إليها ألا تطيل الغياب، وذلك لأن عمر دائماً يوصل إليه شعور أنه مستبعد من حياتهم وغير مرغوب به، لكن صبا ما زالت تؤدّي واجبها اتجاهه لتصون أمانة زوج والدتها، كان عمر يردد دوماً أن صبا لا تفعل ذلك إلا لكي تردّ الجميل لزوج والدتها لأنه كان لها أباً وربّاها دون أن يفرّق بينها وبين طفليه. ظلّ يتجوّل في الغرفة بانتظار أن يصل أحد منهما ويخبره بأن ما يفكّر فيه ما هو إلا أوهام لا أساس لها، قطعت صبا سلسلة أفكاره بعد ساعات من الترقّب، ارتمت على الكرسي، ركض إليها واحتضنها بحبّ قائلاً: - خفتُ أن تهربي من واجبك تجاهي. أمسكت وجهه بين يديها وقالت: - أخبرتك قبلاً أني لن أتخلى عنك، أهناك أمّ تتخلى عن وليدها؟ ارتسم الحزن على صفحة وجهه، فأدركت فداحة ما قالته، صمتت قليلاً ومسحت دموع عينيه، ثم قالت: - لربما هناك أسباب قاهرة جعلت والدتك ترحل عن ملاك مثلك. - لستُ ملاكاً يا صبا، أنا شيطان. - ومن قال لك هذا الكلام السيّء؟ أنت بريء من خبث البشر، يكفيأنك صادق النوايا. نظر إلى الأعلى وغيّر الحديث المكرر لئلّا يصاب بنوبة من نوبات الحزن الشديدة، ثم قال: - من مات اليوم؟ - جدتك. ضحك وقال: - هل جربت حضنها؟ - لا، لأنها لطالما اعتبرتني ابنة كنتها، حضنها كان حكرا لأحفادها فقط، وأنا لم أذقهُ يوماً. - وأنا! ألستُ حفيدها؟ سكتت قليلاً، ثم غيّرت دفّة الحديث بقولها: - أتدرك يا مالك أن أهل البيت إلى الآن لم ينسوا ما حصل قبل ستة أعوام، وكأنّه كابوس انجلى وخلف آثارًا قاهرة. قاطعها قبل أن تكمل: - أأنا كابوسٌ يا صبا!؟ أهكذا ترينني؟ - أتحدّث عن فعلة عمي غسان، أنت لا ذنب لك فيما حصل . والدتي إلى الآن لم تسامح أباك ولا تعرف إن كنتَ موجوداً، دائماً أجدها شاردة فيك وفي والدتك، وتسأل نفسها دوماً أكان زواج والدتك من زوجها حقيقي اً؟ أم علاقة غير شرعية عابرة؟ وكيف لا يعرف والدك شيئاً عنك؟ أسئلة كثيرة دارت حولك، هم حاولوا النسيان لكن والدتي كانت توقظ الحكاية من سباتها ولاسيما بعد أحلام عديدة أخبرها والدك فيها أنها لم تصن أمانته، واخرى أنت تنظر إليها بعتاب ودمع في العيون ترقرق، فالبارحة حلمت بك تخبرها أنك أقرب مما تظن. سكتت قليلاً تنتظر ردّاً منه، لكنّه ظلّ صامتاً ينظر إلى الأعلى ويستمع إلى عويل النساء، فقالت: - سامحها يا مالك، هي امرأة خانها زوجها ولم تقدر على رؤية ثمرة الخيانة. ترددت هذه الكلمة في ذهنه كثيرًا إنه ثمرة الخيانة، قال لها: - ليس كل جر ح يطيب من غدر صغير، هناك فرق بين أن تزعج شخصاً أو تجرحه، الانزعاج سيُنسى بعد ساعة، ولكن الجرح سيبقى ولن تشفيه الأيّام، أنت شاهدة على جرح والدتك، وأنا شاهد على جرح والدتي. نظر إلى الجدار وقال لها: - انظري هنا، كتبتُ على هذا الجدار مأساتي مع أمي لئلّا تطويها الأيّام فأنساها، لكلّ منّا جرح غائر لن تُبرئه كلمة اعتذار. يا إلهي هذا الفتى قد كبر قبل أوانه، التجربة صقلته وعلمته كيف يكون رجلاً، هكذا فكرت صبا دون أن تنبس بكلمة أخرى. "عودة إلى الوقت الحاضر" - كنتُ أعلم أني سأراك هنا؟ استدار مالك فرأى صبا بكامل أناقتها، ابتسم لها بودّ وقال: - كيف عرفت؟ اقتربت منه وقالت: - قلبي يدلني على مكانك، أنسيتَ أنك ابن قلبي؟ - أين كان قلبك كل هذه السنوات؟ - لم أكفّ عن البحث عنك، أنت ابني يا مالك. - كنتُ يا صبا، وقد تخليت عني. - لم أتخلّ عنك، لكن الظروف ما حكم علينا، لا نستطيع أن نسير كما كنا وعلى هوانا. والآن تغيّرت الأحوال، أنتَ أصبحتَ رجلاً، وأنا سيّدة متزوّجة ولدي طفل. سكتت ولم يعلق على كلامها، نظر إلى الأرض ثم إليها وقال: - لكنني كنتُ أقرب إليك منه وهو يعلم ذلك. - الماضي رحل يا مالك، لا تبقَ أسيره. حاولت تغيير دفّة الحديث بسؤالها عن أحواله: - أخبرني الآن كيف تبدّلت أحوالك من معدم إلى ثري. - الدنيا تغيّر الأحوال، ألم تقولي يوماً إنه يجب علي سرقة لحظاتي من الحياة إن لم تمنحني إياها؟ - أفعلتها على جثة الوطن يا مالك؟ - عن أي وطن تتحدّثين، أنا لا أنتمي إلى هنا، لم أشعر يوماً أني ابن له. - لكنّك عشتَ فيه، وطن والدك هو وطنك. - كفاك شعارات زائفة، أنت آخر من عليه أن يتكلم معي بهذا الشأن لأنك خير من يعرف كيف كانت أيامي وأنا سجين ذلك القبو الفارغ، ذلك البيت كله ليس لي فيه ذكرى واحدة إلا ذاك القبو الصغير. وقف قرب شجرة التين العارية من الأوارق وأكمل: - هنا لعبتم وضحكتم، سخروا مني لأعوام وهم يلعبون لعبة الشيطان، كنتُ أسمعهم وأتمنى أن أشاركهم جزءاً صغيار من مرحهم، هذا البيت احتضن الجميع وعند وصولي أنزل يديه وأشاح وجهه عني. - إذن في صفّ من تقاتل؟ - أخبرتك أني لا أنتمي لأحد، سأقتل كل وغد يعيش بينكم. نظرت إلى قسوة عينيه وكأنه آخر لا تعرفه، فقالت: - تغيرت كثيرا يا مالك، وكأنّك آخر لا أعرفه، من أنت؟ - مر اثنا عشر عاماً على تلك الليلة، الإنسان يتغيّر في عام فما بالك بأعوام عديدة، لم تسألي كيف قضيتها؟ أين كنت؟ كيف تجاوزتها؟ لم تسألي إلا عن ثروة جمعتها، من أين لك هذا يا مالك؟ لكن لم تفكّري كيف قضيتُ أيامي، أنت الوحيدة الشاهدة على جراحي ومع ذلك دست على آلامي مثلهم، لمَ يا صبا في كل مرة تخيّبين توقعاتي بك؟ صرخت في وجهه: - لأنني أريد ملاكي الحارس الذي ربيّته واحتضنته، عانقته أكثر مما عانقتُ أخواي التوأم، كنتُ بحاجتك كما كنتَ بحاجتي، لذلك خبّأتك عن الجميع لتكون خاصاً بي، أنت طفلي الذي لم أنجبه، فحين أجد أن تربيتي لك قد باءت بالفشل فسأتدخل وأمنعك من التقدّم للأمام، وحدي من سيوقفك يا مالك. - لا تقفي في وجه البركان، سيحرقك ويتركك رماداً منثواًر. ابتسمت بألم وقالت: - ومن قال لك إنني لستُ كذلك، الحرب قتلت كلّ جميل فينا، القتل، في المدينة أصبح عادة روتينية مملة، كلهم يُقتلون باسم الوطن، وهو بريء من أفعالهم، لا نعرف الحق مع من، ولا نعرف لمن نطأطأ رؤوسنا، الحرب جعلت الجميع يحملون أسلحتهم ليقاتلوا في صف الوطن، لن يسمعوا صراخنا بعبارة أوقفوا القتل كل فرقة تعتقد أنها على حق، مع الأسف جميعهم أبناؤه . اقتربت منه وأكملت: - الوطن ليس له ذنب فيما حصل، لو كان غسّان حيّاً لكان الوطن انتقم لك منه، فلا تحمّله ما لا طاقة له به، كن رحيماً به ولا تكن عاقاً، لا تكمل حياتك بهذا السوء وعد مالكاً اللطيف. - لا مكان للضعفاء في هذه المدينة، لستُ سيئاً، بل أنا الأسوأ على الإطلاق، فالطفل حين لا تحتضنه القبيلة يعود يوماً ويحرقها ليشعر بدفئها. ارتدى نظارته الشمسية وغادر، تاركا لها في ساحة الدار تسمع ضحكات أطفاله، تستمع إلى ثرثرة والدتها مع نساء الدار، هنا درست دروسها، وهنا جلست وعمر يغازلها بحلو الكلام. نزلت إلى القبو، كلّ شيء كما كان حتى ذاك الجدار المهدّم جراء قصف تلك الليلة قد بُنيَ ، يبدو أن مالكاً مهتم بهذا الجزء من الدار، وصلت إلى الجدار الرطب، مرّت بيدها على كلمات مالك الأخيرة وهي تستذكر أنه سينقش جراحه على هذا الجدار لئلّا ينسى ألماً عاشه هنا، تنهدت بألم ومسحت دمعة خانتها، هنا ذاقت أول حضن بريء وصادق، وهنا بكت كثيرًا بين ذارعيه، كانت تتجرّد من كبريائها وصمتها وتبدأ ثرثرة طويلة لا تنتهي إلا بعناق مالك لها ما إن يرى عبراتها، عاد الدمع مجدداً فمسحته بغضب وخرجت من البيت، مشت في الحارة، تأمّلت دورها المهدّمة، عادت تنظر إلى بيت العائلة الذي لم يمسّه الحرب في حين أن كل الدور حواليه قد خرّت ساجدة، أدركت حينها أن لمالك يدا في ذلك، إذن في النهاية ما هو إلا جزء كبير من الحرب ووحده قادر على إيقاف نزيف الدم بين الأخوة. "قبل أربعة عشرة عامًا" لم يعد عمر يسمح لصبا بالنزول إلى القبو، لكنها في مرات عدّة نزلت خفية عنه، فهي لا تقدر على مفارقة مالك، وحدها من منحه العناق الأول والأخير في هذا البيت ،أما عمر فقد كان يفكّر أبعد مما تفكّر صبا، إذ إن مالك أصبح في مرحلة المراهقة ويخشى من تعلقه الزائد بمحبوبته، مع إنه لم يكن يعير الأمر أي اهتمام، بات يدرك أنّ عمر يغار على صبا منه لذلك لم يعاتبها في أمر ابتعادها عنه، منذ أن صارحته بأمر إعجابها بعمر أدرك أن رحيلها عنه مسألة وقت ليس إلّا. اقترب منها ووقف قبالتها، ارتجفت شفتاه فأدركت أنّ على لسانه كلاماً يودّ البوح به، أعطته إيماءة من رأسها فحثته على الكلام، فردد قائلا لها: - إلى متى سأبقى هنا؟ ها قد مضت عشرة أعوام مازلتُ في الركن ذاته منسيّاً بين أربعة جدران رطبة. - العالم ليس رحيماً كما تظن، لذلك لن تجد فيه الأمان، لن تقدر على العيش خارجاً. - تعبتُ وأنا أحدّق في الفراغ، أشعر أني أتلاشى هنا، كلّ شيء صامت إلا عقلي، أرجو ك جدي حلاً سريعاً. فكّر قليلاً، ثم فاجأها بقوله: - ما أريك أن نهرب معا؟ فغرت فاهها دهشة من طلبه، أيطالبها بالهروب معه وهو لا يعلم ما ينتظره في العالم الخارجي؟ أجابته بعد حيرة قصيرة: - هذا العالم يا مالك كبيضة في وعاء، لا نعرف إن كانت ناضجة إلا إذا كسرناها، الحياة لن تصقلك إلا إذا كسرتكَ، لا تعرف ما الذي ينتظرك خارجاً وأين ترتمي، كل الأماكن ستطلب منك الوقوف، لن تقدر على إخفاء تورّم عينيك من البكاء، سيكون الأمر شاقاً على روحك، لن تستطيع التفاهم مع بني جنسك. قبلته من جبينه وغادرت قبل أن يكرر مطلبه ،كيف تشرح لطفل في السادسة عشرة ما يعنيه الحب؟ فما يشعر به ما هو إلا وهم اخترعه عقله لأنه لا يعرف سواها. حمل الكتاب مرة أخرى وعاد يقرأ وفي داخله اجتمعت أحزان الدنيا، نظر إلى الأعلى واستمع إلى ضحكات التوأمين، لقد كبرا، تمنّى أن تخبرهما صبا بالحقيقة وأنه أخاهما وله حقّ عليهما، كبر التوأمان وأصبحت لعبة الشيطان من الذاكرة، أصبحا يجلسان مع عميّهما ويشاهدان المباريات، لم يعودا يمارسان كرة القدم هنا، بل يذهبان إلى الملعب يومياً مع أبناء الحارة، هذا البيت ما ازل فاتحاً أبوابه للجميع، كثرت أحاديث الفتيات في الليل الطويل، أحياناً يستمع إلى صخبهن، وأحياناً يتجاهلهن ويقرأ كتابا تلو الآخر، لم يعد عمر يضايقه كما في السابق كأنه استسلم للأمر الواقع، أو يدبّر له مكيدة تبعده عن صبا، ولكن هناك سؤال يلحّ عليه متى سيخرج من هنا؟ لقد تخرج عمر في الجامعة منذ عامين، والآن يعمل في شركة استيراد ضخمة، وعده أن يحقق حلمه بالخروج من هنا، لكن عليه الصبر إلى أن يدبّر أموره، وعده أن يكون له عوناً في أمور حياته المختلفة إضافة إلى تكفله بمصاريفه، سيبعده عن صبا ويقتني له مسكناً بعيداً عنهما ليجعل من اللقاء أمرا مستحيلاً. كان إطلاق الوعود على لسان عمر سهلاً للغاية، مجرّد كلام يخرج من فمه، لكن تنفيذها أمرٌ في غاية الصعوبة وربّما مستحيل ومع ذلك تمسّك مالك بهذا الأمل، كغريق مُدّ له حبل لينجو وحين الوصول لف على عنقه وخنقه، كان الشرط إبعاده عن صبا، امتعض من هذا الوعد، فلا يقدر على العيش دونها ،لا يعرف كيف ستقضي الأيام دون أحاديثها، ومع ذلك كان هذا خيط النجاة الوحيد، وافق مرغماً وهو يدرك أن صبا لا تعرف بأمر هذا الشرط، لكنه إن لم يوافق فسيُطرد من هنا دون رحمة، لا يملك حق الرفض أو القبول، لم يمنحه خيارات رحيمة، إما القبول وإما الطرد، وافق متألماً وفي قلبه أمل أن تتغيّر قواعد القدر لصالحه. شهور مرّت بعد هذا الاتفاق وانقطعت أخبار صبا عنه، لم تعد تأته خفية كما اعتادت، عمر فحسب من يحضر له الطعام دون أن يخبره شيئًا، أوّل مرة يشعر أنه سجين ويعامل معاملة السجناء، ماذا زرع ليجني كل هذا الألم؟ انسكبت الدموع تحرق وجنتيه، أدرك أنها تخلت عنه للأبد، لم تصله رسائل منها تسوغ غيابها ،فأوجعه الأمر، وكأنه سجين ينتظر الحكم لإعدامه، في كلّ مرة يسمع خطوات على الدرج يحسبها هي فيخيّب عمر ظنّه ويخبره ألا ينتظر ويترك الأمر للمصادفات، ربما تزوره يوماً، عمر ذاك كان ماكرا يعذّب قلبه ويتلاعب به إذ وحده يعلم أنها لن تأتي، لكنه يعبث على وتر الانتظار. "إن الأشياء الرائعة تأتينا حين نكفّ عن انتظارها "هكذا قال عمر مبتسماً، نظر مالك إلى ملامح ابن عمّه، فأحياناً يشفق على حالته، وأحياناً يشعر بنفوره، وأحياناً يكون غامضاً لا يعرف الشعور الذي يستورده منه. في المساء فنّدت صبا كلام عمر ونزلت إليه، جلست على الكرسي قبالته ،وبلهفة همّ باحتضانها كعادته، فوضعت يدها أمامه وقالت بلهجة حادة لم تصدرها من قبل: - لقد كبرت على العناق يا مالك. أصيب بخيبة أمل، لم يتوقع قسوتها، اقتربت بجذعها منه وشبكت أصابعها، ثم قالت: - تعلم كيف تحضن نفسك في كلّ مرة تصاب بخيبة الأمل. - لقد طال غيابك هذه المرة، عسى أن يكون المانع خيرًا. - لم يكن الأمر بيدي. رفعت يدها اليمنى مقابل وجهه وقالت بسعادة: - انظر إلى ما في أصبعي، لقد خُطبت، إنه قيد جميل ولاسيما حين يقيّدك من تحب. - ومتى كان هذا؟ - قبل أشهر من الآن، ألم يخبرك عمر؟ - لم يخبرني شيئاً. - ربما شغله أمرٌ ما، ألن تبارك لي؟ - مبارك يا صبا، عرفتُ الآن سبب ابتعادك عني. اقتربت منه وجلست جواره قائلة: - حزنك المعقّد هذا لا أحد يستطيع فهمه سواي، ما بيدي حيلة يا مالك، لم أستطع أن أخيّب ظن عمر بي. - وما شأني بعمر، أنت من أطلقت العهود ألا ترحلي. - أنا لم أرحل، لكن عمر يخاف من تعلقك الزائد بي، لذلك أراد لكلينا الابتعاد لتعتاد على الأمر فيما بعد. - الاعتياد مؤلم يا صبا، أنت لم تخبريني بذلك من قبل، وكأنّ الأمر يخصّك وحدك، افهمي أني أتآكّل من الوحدة بين هذه الجدران الرطبة. ثم صرخ في وجهها: - إذن حرراني، لا تبقياني لعبة بين أيديكما، لقد مللتُ سجنكما، أريد الخروج من هذه الدوّامة بأقل الخسائر، أنتما دمرتما حياتي، لم أبقيتني هنا ووالدتك ما فتئت تسأل عني، لربما كان بمقدورها مساعدتي للخلاص من هذا القبو. أول مرة يصرخ في وجهها دون مراعاة أن يسمعه أحد، لقد طفح به الكيل ولم يعد يطيق صبرا، فصرخت في وجهه رداً على صراخه: - أهذا جزاء من ساعدك؟ افهم يا مالك أنك هنا لأنني اردت حمايتك من الجميع، أبقيتك في هذا المكان لئلا يعبث أحد بك، كلهم سيتنمّرون عليك ،ستكون مادة دسمة للسخرية، حميتك من كلماتهم اللاذعة وسخريتهم المبطّنة، لم أدعك هنا إلّا من أجلك لئلّا تجرحك كلماتهم، لكنها جرحته بكلماتها مع أنها الواقع، تحسس وجهه بكلتا يديه وقال: - شكرًا يا صبا على كلماتك هذه، لهذا كلما طلبتُ منك مرآة تدّعين نسيان الأمر، لذلك تخلت عني والدتي ومات أبي حين رآني، أنا أعرف ذلك ولكن الحقيقة حين تسمعها من فم غيرك تؤلمك... لأنني مسخٌ، لم يتحمّلا رؤيتي... وقف ونظر إلى النافذة في الأعلى ثم إليها وأكمل بنبرة تتقاطر سخرية: - إذن لمَ يخاف مني عمر؟ لن أكون له ندّاً إطلاقاً. وقفت جواره ووضعت يدها على كتفه، فنفضها وابتعد عنها، قالت معتذرة: - آسفة، لم أقصد إيلامك، لكنها الحقيقة التي غفوتَ عنها، الحياة لن تكون بكَ رحيمة. مسحت دمعاتها، وقبل أن تصعد قالت: - أعتذر لأنني خيبتُ توقعاتك ولم أستطع إكمال المهمة. لقد أرادت جرحه ليتخّلى عنها بإرادته، لا طاقة لها بمجادلة عمر كل يوم في محاولة إبعادهما عن بعض، لقد تعلق بها تعلق الصغير بوالدته وكان الأمر مجهداً للجميع. استلقى على سريره، تأمل السقف وهو شارد في حديثها، لو أن حمل الدنيا خفيف على قلبه لكانت الحياة أسهل، لم يستطع نسيان قسوة حديثها، تلك الكلمات جعلته إنساناً آخر، لقد كان وحيداً في هذا الوداع، لم تلوح له فكان وداعها بطعم الحنظل، صامتاً من جهته، جارحا من جهتها كوداعه وأمّه، أكان التخلي سهلاً على الجميع إلى هذا الحد، سيمضي العمر وهو عالقٌ في هذه اللحظة، ومنذ هذه الليلة لم يعد كما كان. "عودة إلى الوقت الحاضر" كان يدخّن في شرفة منزله، يستمع إلى أزيز الرصاص القادم من الجهة الشرقية للمدينة، هذا الصوت يُتعب روحه ويمزّق أفكاره، حمل هاتفه واتصل على أحدهم، أمره أن ينهي هذه الأصوات المزعجة، وما هي إلا دقائق حتى هدئت المدينة، اقتربت منه سارة وجلست قبالته، قال دون أن ينظر إليها إذ كان يتأمّل الدخان الأسود الصاعد من الأبنية المدمّرة: - أتعرفين يا سارة أسوأ ما يهزّ قوّة الإنسان، فقده من عاهده على البقاء وعدم إفلات يده، أسوأ شعور أن يفلت يده في الزحام فيشارع مكتظ بالغرباء. ظلت صامتة تتأمّل حزن عينيه، نفث دخان لفافة تبغه وأكمل: - أذكر أنك ثرثارة، متى ألجم الصمت لسانك؟ - لا أبداً، لكن ليس لدي ما أحكيه، الكل عاهدنا على البقاء ورحلوا، أحياناً الحياة تتعبُ الطرف الآخر فيفلتُ يده مرغماً، لا أحد يعاهد على البقاء ويرحل إلا إذا كان قد بكى كثيرا... من هذا القرار الذي أكل قلبه ومشاعره قبل أن يصدره علينا، لذلك نجد الجميع يهربون من ألفاظ الوداع لأنها ثقيلة على ألسنتهم. أشاح وجهه عنها بعد أن كان يرنو إليها، إنها لا تفهم آلامه لأنها لم تكن معه حين تمّ التخلي عنه. غيّرت مجرى الحديث بقولها: - هل ذهبت لرؤية صبا؟ نظر إليها بطر ف عينه ورمى عقب لفافة التبغ أرضاً، دهسها بحذائه، وبعدها قال: - اطمئني يا سارة، انتزعتُ من قلبي كل المشاعر التي لا تليق بي، وانتزعتُ الأشخاص أيضاً كي لا يقفوا أمامي. إنها رسالة مبطّنة وواضحة، يخبرها فيها ألا تقف أمامه في حربه هذه، لكنها أبت أن تكون شاهدة على سلخ الوطن، فسألته، من تحارب؟ - الجميع. - إن عرف أهل المدينة فسيقتصّون منك. ضحك بعبث وقال: - أنتِ غبية لأنك إلى الآن لا تعرفين الشيطان، إنني أدفعهم ليحاربوا غيرهم باسم الانتماء، انظري إليهم ليس فيهم قوى معادية، كلهم أبناء مدينتك وكلهم يحاربون باسمها، وفي النهاية سيموتون إما فداءً لأموال الخارج وإما فداء لشعارات رنانة، وبعدها ستضيع أسماء الموتى في الزحام ولا يعرف غريمهم أحد. وقف وارتشف رشفة من فنجان قهوته، ثم قال وهو يضعه على الطاولة أمامها: - في نظرهم أنا متفرج على حياتهم، وبنظري أنا من ينهيها. ربت على كتفها مستطردا: - تعلمتُ من الحياة أن علي حمل سيفي دائماً، ربما سأحتاجه مرةعلى الأقل. تركها ودخل إلى الصالة، جلس على الأريكة يشاهد الأخبار على شاشة التلفاز، لحقت به ووقفت جوار التلفاز قائلة: - الانتقام وجبة لذيذة دون أن تقوم بصنعها، بل حين يبدع القدر في إعدادها. هذا الوطن ملكٌ للجميع ومن واجبنا حمايته، لا أن تتركه يتجرع الحرب وحده. زفر بصوت مسموع ورفع صوت التلفاز متجاهلاً إياها، فجلست جواره ووضعت يدها على كتفه تريد أن تكمل لعله يستعيد وعيه ويبعد عن الانتقام، فنفض يدها وصرخ في وجهها قائلاً: - إياك أن أسمعك تعيدين على مسمعي أن هذا الوطن ملكٌ للجميع، وعلينا حمايته من الأعداء، لا يهمني من يحارب في المدينة ولا يهمني من مكث بها، مدينتك هذه التي تفخرين بها لم أجد فيها الأمان يوماً ولم تدافع عن حقوقي، لم تمنحني الحب والحنان يوماً. ثم هدأ قليلاً ممعنا في المشاهد المملة في التلفاز، بعدها فتح فمه قائلا: - لا تقفي في وجهي يا سارة، حين تنزلين إلى المدينة سيدققون في هوّيتك، ويفتشون عن حارتك، ويتأملون لون عينيك، ليقرروا بعدها ألك الحق في الانتماء لوطنهم، أم يجب أن ترحلي بدعوة مجانية إلى الآخرة. هذه الحرب لستُ من أشعلها يا سارة. - لكن لن يطفئها سواك. - لن أطفئها قبل أن تبرد نيران قلبي. "قبل اثنا عشر عامًا" لم تصدق صبا الوعد مع عمر ،حنثت به غير قادرةً على تنفيذه، إذ كلما غاب عن البيت نزلت إلى القبو، الآن تعمل في مهنة المحاماة التي أحبتها ونذرت نفسها لتعين مالك على شدائده، اشترى عمر منزلاً صغيرا ليبتعد عن عائلتهما، وسيستقر به بعد زواجهما، رفض أن يستقرّ مالك معهما في نفس البيت لذلك اشترى له غرفة صغيرة جوار بيته كي يطمئنّ على أحواله وبذلك يكون قد أوفى بوعده لصبا، أما هي ارقها الأمر كثيرا ولكنها لم تعترض. سألها مالك بقلق وهي جالسة جانبه تخيط قميصه: - أتنصفني الحياة يوما؟ تنهدت وقالت بعد أن قطعت الخيط بأسنانها: - إن لم تنصفك فحاول مرة أخرى ولا تيأس، لقد درستُ الحقوق من أجلك وأتقنتها كرمى لك يا مالك، لأجلك تفوقتُ بها لأمنحك هويّة في وطنك، سأقدّم كل ما بحوزتي من أوارق تثبت أنك ابن عمي غسّان لتنال هوّية مثلنا ونعترف بك، وتصبح ابناً لهذه المدينة. - لا تهمّني المدينة إطلاقاً، أرغب بالهوية لأرحل من هنا. - وتتركني وحيدة. - معك عمر، ثم سترحلين في أقرب فرصة وسيكون الالتفات للخلف مؤلماً يا صبا. - لا أستطيع الرحيل عنك أبداً، قد حنثتُ بوعدي لعمر، لو عرف أني أنزل إليك كلّ يوم لتشاجر معي وربما رحل عني، أنا لا أستطيع الهروب منك، أنت جزءٌ مني وابن قلبي. - ربّما مشاعرك ما هي إلا لشعورك بالواجب، أصبحتُ أفهم عمر أكثر منك، هو على حق فيما يفعله، آن الأوان أن تفلتي يديك وتنسحبي، فكّي قيدي وابحثي عن ذاتك بعيداً عن سجني، الحياة واسعة يا صبا، هكذا علمتني الكتب. - عالم الكتب الذي تعيش فيه يختلف هن الواقع، لا تستند إلى كتب خالية من الواقعية وتفكّر أن العالم وردي وسيستقبلك حال خروجك بالورود. - وما أدراك أنت؟ ربما سعادتي تكمن في الخروج من هنا، وربما إن غيّرتُ مكاني أرى الضوء منفذاً لأحلامي، تشعرني بأنني سجانة قاسية ذات قلبٌ متجمّد لا يرحم، لا أقدر على إفلاتك. انسكبت دموعها وهي تردد الكلمة ذاتها: - لا يمكنني إفلات يدك، لقد عاهدتكَ في أوّل لقاء أنك ستكون في حمايتي، لم أدعك تتألم أو ترتجف برداً، كنتُ أنسحب من غرفتي كما اللصوص لأدفئك من برد يناير، كنتُ أسهر على مداواتك من كل العلل، ولم أطلب منك المقابل، تحديتُ الجميع لئلا يعرفوا عنك شيئاً، وفي النهاية تقول بكل سهولة إن حياتك ستغدو أسهل في الخارج، هذا الخارج المجهول سيكون مليئاً بوحوش البراري، لن تقدر على مواجهتها وحدك. اقترب منها، فابتعدت عنه، مسحت عبراتها المتوهجة بنار الألم بكفّ يدها، ثم أكملت: - أعرف أن مأساتك ليست مجرّد قصة تكتب على الجدران، بل حياة متكاملة من ألم ومعاناة، أنا أفهمك حقاً، لقد كنتُ معك منذ معاناتك الأولى. وقف ونظر إلى النافذة العلوية، وضع يديه في جيبي بنطاله وقال: - لا أستحقّ هذا الحب منك، إنه أكبر من طاقتي، حبك سيبقيني هنا أعواماً إضافية لن تحتملها روحي، ألا يكفي اثنا عشر عاما؟ ثم نظر إليها ووقف قبالتها، أردف ودمعاته تود الانسكاب: - وبعد يا صبا؟ وبعد هذه الأعوام التي خلت، إلى أين سيفضي بي المصير؟ أنت لا تفكّرين أبعد من أنفك، ماذا سأفعل حين تتزوجين، قد بلغتُ الآن الثامنة عشرة وأصبحتُ ناضجاً لأعرف ما تفكّرين وما تفعلين، ولكن لا أعرف ما تخفيان عني، إلى متى سأبقى سرّكما العظيم؟ هو يحاول بمختلف الطرق إبعادك عني، وأنت تحاولين إطالة البقاء مهما كان الثمن غالياً، وأنا ضائع بينكما، الحياة لا تتم كما نخطط ونقرر، دائماً لها رأي آخر، وإلا لما كنت بارعة بحنث العهود معي أو مع عمر. سكت وجلس على السرير، وأخفض رأسه ووضعه بين يديه كي لا ترى دموع ضعفه، قال بعد صمت امتلأ بضجيج أفكاره دون أن يرفع رأسه: - أشكرك يا صبا على ما قدمته لي في هذه الأعوام، وأشكر عمر على ما صنعه لأجلي لكن... نظر إليها ثم مسح دمعته الخائنة، وقف قبالتها، وضع يده على كتفها وأكمل: - لكن الآن أقول ل ك دعيني ولا تحملي وزري، اتركيني لندوبي لعلّ الأيام تشفي ما تجرعته من آلام، لا تحمّليني ما لا طاقة لي به، فلعلّ في الخروج نجاتي. كان يتحدّث بقلب متألم، يعلم أن من الصعب العيش خارج حدود القبو لكن لا يريدها أن تعكّر صفو حياتها وتحمل همّه أكثر من ذلك، لا يريد أن يكون أنانياً في حبّها وقد ضحّت من أجل حمايته، يريد لها الراحة في حياتها بعيداً عن مأساته، يشعر أنه نار ستحرقها إن اقتربت، وإن ابتعدت بردت، وإن أطفأتها اختنقت بدخانها، لن تستريح بعيداً عنه وهو كذلك، لكن بقاءه هنا ضرب من المحال، على أحدهما أن يتنازل ويمضي وإن كلفه المضي عذاب قلبه، على أحدهما أن يبتعد عن الآخر وإن مزّق البعد كليهما. مسحت دموعها بأصابعها المرتجفة وهي لا تزال تستمع إلى هذيان الألم النابع من قلبه المجروح، نبس برجاء: - أوّد الهروب من كلّ شيء، لأعيش ما بقي لي من حياة، أرغب بالاستيقاظ على عالم جديد. أخيرًا نطقت بعد أن استجمعت شجاعتها وقالت بحروف ترتجف حزناً: - ستهزم عند أوّل معركة، وتصاب بالخيبة، ستكسر ولن يرمم كسرك أحد، لن تكون الحياة عطوفة عليك، سترميك بأثقالها، وكلما رأتك قادراً عليها رمتك مرة أخرى، كلما وقفتَ على قدميك فستجد نفسك اركعاً متوسّلاً النجاة، لا تضع أملك الكبير في الدنيا لأنها أقوى من كلّ آمالك. - دعيني أجرّب، إما أن أنجح وإما أن أقاوم لأنجو، ليس لدي خيار سوى النهوض كلما سقطت، والآن أسقطيني من على كتفيك، أرجوك يا صبا. لم تستطع أن تمنحه وعداً غير قادرة على تنفيذه، تركته لهذيانه وخرجت بدموع منهمرة، وعند الباب مسحتها لئلّا تثير التساؤلات، ارتمت على سريرها، قضمت أظافرها العشرة، لعنت الظروف وغسان، استولى عليها حزن آلم معدتها، أصبح البيتُ هادئاً، لم يعد هناك ضجيج للأطفال، لقد كبر الصغار وانتشروا يعبثون بهواياتهم، ولم تعد رندة تسأل عنه، فقد نسيته في زحمة أيامها، كبر التوأمان وأصبحا في أول عام في المدرسة الثانوية، وولاء في نهاية المرحلة الإعدادية، وأما الصغيرة آسيا فهي في نهاية المرحلة الابتدائية. مضت أسابيع وامتنعت صبا عن زيارة مالك منذ ذاك اليوم خشية أن يفاتحها بأمر خروجه، ظلّ عمر يتكفل بأمر طعامه وشرابه، أدرك بحدسه أن هناك خللاً قد حدث بينهما، فالاثنان يسكنهما الوجوم. جلس جوار مالك على السرير، سحب الكتاب منه وألقاه جانباً، ثم سأله بعد لحظات تفنن فيها الاثنان بحفظ ملامح بعضهما جيداً: - ما بال الوجوم يسكنك؟ لم ينظر إليه، بل عاد وسحب الكتاب وفتحه ليكمل القراءة عاد الآخر وسحب الكتاب منه وألقاه بعيداً، وسأل مجددا نفس السؤال، فرد عليه مالك ولكن بسؤال آخر: - لم منعتَ صبا عني؟ - سأكلمك بوضوح يا مالك ولن أراوغ، نحن رجلان، أيعقل أن تزورك صبا وأنت رجلٌ تعيش بمفردك؟ - إني أخاف عليها أكثر من نفسي، أتخاف عليها مني وهي من ربّتني؟ لم جعلتها تبتعد عني وأنا في أمسّ الحاجة إليها؟ - ستكون قريباً منها، اصبر قليلاً وسأخرجك من هنا، حينها لن تفترقا. - وكأنك تمنحني عقارا مخدّرا، لن تسمح لها بزيارتي وحدها. - سنزورك معاً. نظر إلى ملامحه ولكنه لم يبدوا له شخصاً سيئاً كما العادة، أدرك أنه يغار على محبوبته منه. قال له بعد صم ت طويل: - أتصبح صديقي يا عمر؟ أومأ له برأسه، عانقه الآخر وشدّ من عناقه، انسكبت دمعته، لقد كان عناقاً صادقاً وأوّل مرّة يتذوّق طعم حنان ابن عمه، فأدرك أنه يكنّ له مشاعر أخوّة صادقة. - أنت ابن عمي ووصية والدك، لن أفلت يدك. - ابن عمي!! قالها متعجباً، أول مرة يتذوّق حلاوتها. فسأله ليتأكد أن ما وصله من مشاعر لن تتحوّل مع الأيام: - أستبقى على عهدك هذا ولن تفلت يدي؟ أومأ برأسه ثم قال: - لا تزال ملاكاً نقياً، لن أدع الدنيا تحوّلك إلى شيطان، سأحافظ على نقائك حتى آخر لحظات عمري. قبله من جبينه ثم غادر، استطاع بدهائه أن يشتت انتباهه عن صبا ولا يسأل عنها، سيمنحه ما منحته إياه صبا دون أن يستخدمها بينهما. ترك عمر الآخر مبتسماً يتذوّق مشاعر الأخوة، نظر إلى النافذة العلوية، سمع صوت التوأمين يتشاجران، تمنى أن يخرج ويحتضنهما ويخبرهما أنه أخوهما الأكبر، لعلّ في عناقهما لذّة أكبر من لذة عناقه لابن عمه. في غرفة صبا، استند عمر بظهره إلى الحائط ووضع يديه خلف ظهره، ثم قال: - متى سنتزوج يا صبا، ها قد مرّ عامان على خطوبتنا، لمَ تتعمّدين التأخير؟ نظرت إليه تتحدّى عينيه الراجيتين المتألمتين، وقالت: - ليس قبل أن اطمئن على مالك. - لن أتركه يا صبا، سأظل جانبه ونزوره معاً في مسكنه الجديد. - من سيطعمه ويعتني به، افهم يا عمر أن مالك ليس حيواناً لنهمله، إنه ابني، ربيّته واعتنيتُ به مذ كان في السادسة والآن تريدني أن أزف إليك وأتركه وهو لا يعرف أحداً سوانا، كيف سيتدبّر أمره إلى أن نأتي ونخرجه إلى مسكنه، رّبما في هذه الأيام القليلة يموت جوعاً. - ومن أخبرك أني لا أهتم به؟ اقترب وجلس جوارها على السرير، ثم أردف: - لن أتخلى عنه، ليس فقط من أجلك، بل لأنه ابن عمي من لحمي ودمي وأنا أولى به منك، في عروقه تجري دمائي، إضافة إلى أنه وصية عمي، لن أدعه يكمل ما بقي له من حياته بأسى، لذلك سأظلّ له ظهرا وسنداً. لكن لا يسعنا أن نفعل أكثر من طاقتنا، يجب علينا أن نسير خطوة في دربنا، فالحرب أصبحت وشيكة، وبين ليلة وضحاها ستندلع وهذا ما يخشاه الجميع، إن قامت الحرب فستقف جميع الأحلام. - اطمئن عليه أولاً، ألستَ الرجل؟ فعليك إنقاذه وبعدها أكون لك كما تريد. ظلا على هذا الحال أشهرًا عديدة ما بين القبول والرفض حتى اندلعت الحرب وسيطرت على المدينة سحابة الموت، جهز عمر الغرفة التي اقتناها لمالك بأثاث يناسبه، واتفق وإيّاها على حفل زفاف صغير في الدار بسبب الحرب، وطلب من رجل غريب عن الحي أن يساعده في أخذ مالك إلى تلك الغرفة عند وجود الجميع في صوان الدار وحين يرى أن المدخل الخلفي للدار فارغاً. لكن القدر دائماً له رأي آخر لا يشبه أحلامنا، فعندما كان عمر يراقصها مع أصوات التصفيق والأغاني الشعبية، سقطت القذائف تباعاً واندلعت النيران في الأرجاء ،كلهم بحثوا عن صغارهم، صرخ الجميع فزعين، بكى الأطفال ،شحبت الوجوه، ساد الوجوم، سكتت الأغاني، تفجّرت الدماء، صمت الحفل، وهرب الجميع إلى حطام منازلهم يبحثون عن مقتنيات ثمينة ليأخذوها ويهربوا من هذا الجحيم، ركض أصحاب الدار إلى غرفهم ليجمع كل واحد ما يحتاجه للرحيل، بعدما بات منزلهم غير صالح للسكن في هذا الحي الخرب. تصاعدت ألسنة اللهب وضجّ الحي بأصوات الهاربين الباحثين بين الركام عن حطام أحلامهم، سقط الشهداء بأرقام دون أسماء، دون هوية، لا يعرف المقتول من أي سلاح أطلقت النار عليه. انتهى حفل الزفاف بكارثة كبرى، خرجت بثوبها الأبيض وبوجه شاحب فزع، لكن قلبها ما نوى الخروج، فجزء من روحها يجبرها على البقاء، وجدها عمر ساكنة هادئة وكأن أصوات الدمار قد غيّبتها، اعتقد أنها مصدومة من أزيز المدافع وأصوات الصواريخ، هزها بعنف لتستجيب له، فقالت بشرود وألم: - مالك. - ما به؟ - ظلّ في الداخل، ذاك الجدار قد سقط وسدّ مدخل القبو. بعدها أيقنت حجم المصيبة، فوليد قلبها لم يخرج، صرخت بانهيار: - مالك يا عمر؟! ظلّ في الداخل. وقفت والدتها تسألها عن هذيانها باسم هذا المالك، أدرك عمر أن الأمرسينكشف والوقت سيطول هنا، لم يعد حليفهم الانتظار، فحافة الموت قد اقتربت من الجميع، همس في أذنها: - مالك بخير، أخرجوه ونحن في الحفلة، إنه في غرفته الآن.