اب في الضل - روح المسامحة - بقلم انس امباركي - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: اب في الضل
المؤلف / الكاتب: انس امباركي
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: روح المسامحة

روح المسامحة

مرّت سنوات، وتوفيت الزوجة. تزوج الأبناء وأنجبوا، بينما الأب، الذي كان في المستشفى، يعاني في صمت. أصبح هزيلاً كعود القصب، أكل السرطان كل دمه، وكلما دخل عليه ممرّض، ظنّ أن أبناءه جاؤوا بأحفاده لزيارته، لكن دون جدوى. في غرفةٍ يملأها الغموض والظلمة، يَدخل مريض، يخرج مريض، يموت مريض... روتين يتكرر طوال هذه السنين. كان يحس بالندم، ويقول في نفسه: > "إذًا يا أمي... كنتِ تعانين في صمت، وحيدة، ولم تخبريني. كنتِ أحيانًا تجوعين وتنامين من غير عشاء، فقط لتوفّري لهذا الابن العاق طعامًا وشرابًا. يكفيك أنكِ أنجبتِ لي أحفادًا، ولم آتك حتى لزيارتك... وها هي العدالة الإلهية تجسِّد معنا العدل الحقيقي، محكمة لا يُظلم عندها أحد، وقاضيها هو الله تعالى. أسأل الله أن يعفو عني في الآخرة، فقد نلت جزائي في الدنيا قبل الآخرة." فجأة، وهو نائم، رأى أمّه في المنام تقول له: > "يا بني، إني أسامحك... فقد عانيت من هذا المرض الذي أكل دمك ولحمك. وربما هي فضيلة لا نقمة، فـ"المبطون شهيد" عند الله، ولعل الله عوّضك بهذا الألم أجرًا عظيمًا جزاء توبتك الصادقة." قبل أن يموت بثلاث ليالٍ، جاء ابنه وهو يبكي، يحمل أحفاده بين يديه، وقال: > "يا أبي، إني قد ظلمت نفسي، وأتوب إلى الله من صنيعي. جئت أطلب منك السماح على ما فعلته من عقوق." فقال له الأب: > "يا بني، إني أسامحك... وإن الله قد عجّل لي هذا العذاب في الدنيا ليكون مغفرة لي في الآخرة. فوالله، إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة." فرِح الأب بأحفاده، وكأنّه يرى أبناءه الصغار، سعد بهم، وقبّلهم… ومات بسلام. وهنا أدركنا أن البرّ يجب أن يكون مشتركًا بين الآباء والأبناء، لكن لا يعني ذلك أن يتخذ الابن أخطاء والديه حجةً ليعقهم. كلنا مررنا بمواقف صعبة من الوالدين: التفرقة، المقارنة، الجفاء... لكننا استمررنا في حبهم وبرّهم، لأن ذلك تقرّب إلى الله. أحيانًا، لا يشعر الوالدان بأفعالهم، ويظنّون أنهم يربّون، لكنهم في الحقيقة يصنعون أبناءً مرضى نفسيًّا، يضرّون المجتمع، وتكون ثقتهم بأنفسهم في الحضيض. ابنك… ابنك هو مشروعك، هو مثل الأرض: من زرع، حصد.