🖤PART 41
ختمت عبارتها ببسمة متألمة لتنسحب بهدوء غير آبهة لنداءات أيهم ولا لمحاولاته المستميتة لإيقافها فبرحيلها ذاك خلفت برودة غريبة بأوصاله وكأنها إقتلعت من جذور روحه بقسوة وإستئصلت كعضو حيوي، فما إن توارت عن الأنظار حتى الفتت أيهم صوب والدته بعيون مستعرة كأنها حمم بركانية من أصل الجحيم ليقول بنبرة يشوبها الألم والذهول :« ماالذي إقترفته بحقك حتى تؤلمي قلبها بمثل هذا الشكل المريع !؟ لما أنت مصرة على إيذائي يا أمي ألم يكفك ما فعلته لسنوات!؟»
إهتزت أحداقها بذعر وتهاوى قلبها بين ساقيها فأردف ببسمة متألمة :«تلك المرأة ملاكي وكمالي ومن يفكر في إيذائها فقد تطاول علي وأنا لا أغفر لمن تسول له نفسه أذيتي يا أمي! لكن على ما يبدو أنك تعانين من صعوبة في استيعاب مدى عشقي لمن تصفينها باللعنة! لاتدركين إلى أي حد بلغ هوسي ولا لكم انتظرت اعترافها هذا وسعيت إليه كما فعلت قبل سنوات، لقد حاولت إطاعة عقلي ومنح قلبي سلطة القرار وما كانت النتيجة سوى دمار قلبي وجروح لم تندمل إلا بعد عادت إلى حياتي مجددا لتنير أزقتها المظلمة وتؤكد لي أنها لم تكن عابرة سبيل يوما بل كانت عابرة عمر بأكمله وتجسيدا للحياة! لقد إنتظرتها يا أمي... انتظرتها لسنوات وهي خائنة فهل سأتخلى عنها الآن وهي بريئة!؟ أيمكنك التخيل الآن أي حب هذا الذي أكنه لأوليان!؟ وفي النهاية تسببت في إنهيار أحلامي أرضا بكل قسوة وكأنك تتفنين في تعذيبي يا أمي!»
كلماته كانت في الصميم وأصابت قلبها في مقتل لأنه وبيساطة كان محقا .. أذته ولم تندمل جروح قلبه يوما ولا نجحت أوليان في علاج شروخ روحه وندوب ذاكرته بل كان وجودها إلى جانبه يدفعه دوما إلى المقارنة بين طالبة الكلية المشعة دفئا وحنانا والأم الأرستقراطية ذات القلب الجليدي وكانت الكفة تميل الى صالح روما دائما ولحد الساعة!
تباطئت دقات قلبها وعلا وجهها شحوب جلي دفعه الى الدنو منها بخطوات متمهلة مدعيا التفكير وما أن بلغها حتى مال صوبها ليقول بنبرة حازمة:«إليك التالي: أيهم شاهين سيتزوج أوليان أرملة أخيه وسيضم إسمها إلى عائلة شاهين ولْتُورُونِي مدى إبداعكم في تدمير مخططي!»
تراقصت بسمة ساخرة على ثغره ما إن فرغ من الحديث لتقابله نظرات بهاء الخاوية وملامحها الأشبه بثمثال من المرمر الخالص فاليوم فقط أدركت خسارتها ومدى فداحة خطئها، وهي تراه يرحل بعيدا يتهاوى ثباثها ويتفتت عنفوانها إلى شظايا صغيرة تمزق قلبها على رواق...
لقد خسرت حربا راهنت على كسبها وانتصرت فيها أوليان لمرتين على التوالي..مرة قبل ثلاث سنوات ومرة اليوم.. إبنان سلبتها إياهما المرأة نفسها للسبب نفسه أليس هذا مثيرا للشفقة!؟ لكنها لا تلوم أيهم فهي من سعت الى أذيته منذ ان كان طفلا وبسبب أنس، أنس الذي فضلته على الجميع واعتبرته الحياة بأكملها فكانت الضريبة إهمال أيهم وطيف دون وجه حق ودون ان يفهم اي منهما السبب وراء نبذها لملاكين صغيرين..لقد فضلت أنس ونسيت.. نسيت ان أيهم من تنازل عن زي الطيار ليسمح لأنس بتحقيق أحلامه.. هو من ضحى بكل ما تمناه لاجل أخيه وفي النهاية كان انس الملك دوما... نسيت أن أيهم حرم من عيش مراهقته كأي شاب بمثل عمره حين وجد نفسه غارقا بعالم من الصفقات وملزم بتلقي خطط وإستراتيجيات جديدة ليعلو اسم شركة أبيه..لقد انعزل عن الحب وألقى بهواياته بعيدا ليحقق النجاح لعائلته وفي النهاية لم يأبه أحد لتضحياته تلك...!!
أوليان كانت ملاكه ومعجزته الوحيدة وما كان ليتخلى عنها أبدا!!
تبادلا نظرات باردة تواري ألما دفينا قبل أن يتوارى عن مرمى بصرها في إتجاه غرفته المقابلة لغرفة أوليان حيث تجلس على السرير الوثير مسندة رأسها إلى إطاره المذهب وخصلاتها النارية منسدلة على كتفيها بخنوع لم يعرف إلى قلبها السبيل يوما رغم قساوة الحياة وضنك العيش!
رمشت أهدابها المبللة بدموع ماسية تروي عشقا تخطى المستحيل لينجلي ويعمه النور لكن يبدو أن المستحيل لايكون كافيا أحيانا وبعض القلوب كتب عليها أن تتجرع ألم الفراق الى الأبد!
مررت أناملها بوهن على موضع قلبها لتستشعر نبضاته الخافتة وكأنها سمفونية حزينة،ألم يكن من المنطق أن لاتتمسك بحبل لاتوقن بمدى صلابته وقدرته على إنتشالها من بئر أوهامها ودوامة مشاعرها المبعثرة!؟ ولما سمحت لمشاعرها أن تخط مصيرها بمثل هذا الشكل فتصفعها الحقيقة بقوة لايتحملها عقلها!؟
لما لا نلجأ الى استخدام العقل والمنطق إلا بعد ان تصفعنا الخيبات!؟
هي لم تكن عاطفية هكذا حتى قبل أن تقابله فماالذي حدث الآن!؟لما تشعر أن فراقهما هاته المرة سيكون ضربة قاضية لن تنجو من مخالبها سالمة!؟
مسحت على خصلاتها بقوة وانهيار يكاد يجرفها بدوامته لولا ذاك الطرق الذي تسلل إلى مسامعها ليزيد من وتيرة نبضها ويدفعها إلى الصراخ بعصبية تخفي احتياجا ولوعة:«اذهب يا أيهم فلن افتح اللعين الا اذا كسرته!»
إبتسمت طيف بلطف ما إن لاحظت تشابه الطباع بين أيهم وأوليان فكلاهما عصبيان لأبعد الحدود ورغم ذلك منسجمان بشكل لايتصوره عقل بشري حتما معادلة لاحل لها !
تنحنحت لتجلي صوتها ثم ردت بأدب:«لن أضطر إلى كسر الباب يا زوجة أخي مادمت ستفتحينه بكل لطف!»
ثوان فقط حتى سمع صوت تكة الباب تلاه إنحراف درفته ببطء كاشفا عن ملامح فاتنة متعبة وبسمة حنونة دفعت طيف إلى إحتضانها بلطف قائلة بنبرة يشوبها الندم:« بالنيابة عن أسرتي أعتذر منك عن كل ذاك الأذى الذي نلته قصدا أو دون قصد فأنت حتما لاتستحقين سوى السعادة والتي أرجح أنها طويلة ووسيمة جدا وتملك غمزات أيضا!!»
ضحكت أوليان رغم الحزن المعشش بأركان قلبها ثم منحتها جوابا ببسمة واسعة:«حين كان يحدثتني عنك أيهم كنت أتوق لرؤيتك لاسيما حين علمت أنك تحملين نفس ملامحه وصراحة لم أتوقعك لطيفة لهاته الدرجة!»
ولجا الى الداخل لتجلس طيف القرفصاء على السرير بينما قابلتها أوليان متخدة نفس وضعيتها السابقة ونظراتها مثبثة على طيف لتبتدرها بالقول :« وانا كنت اتوق لرؤيتك بشدة فحتى حين كان أخي يصفك بدقة لم أتخيلك بمثل هذا الجمال البارع وحين قابلتك للمرة الأولى خشيت عليك من غضبه فحتما رحيل روما كان ضربة كسرت ظهره وغيرت من طباعه إلى الأسوء !
- فراقنا خلف شرخا عميقا بكلينا ولازلنا نحاول تخطيه! خطأ لم يكن لنا يد فيه أنهى كل شيء!
- تقصدين الشبه بينك وبين روما!؟
- لم أصارح أيهم يوما أن لي توأما ولا كانت لي نية للإفصاح بذلك لأحد حرصا على مستقبلها الدراسي فهي من كانت تسدد تكاليف الكلية!
- ومن أين لها المال!؟
- كانت تعمل أحيانا وتحظى ببعض منه من رفاقائها الأغنياء، روما كانت طموحة جدا وتجسديا للمرأة العملية إذ لم تكن تنشئ صداقات ولا علاقات إجتماعية إلا مع أبناء الطبقة المخملية أو أصحاب المناصب مادامت ترى تلحب والصداقة مجرد مصالح متبادلة،كنا توأمين متناقضين طباعا ومثماثلين شكلا فبقدر ما كانت مادية ومنطقية بقدر ما كنا عاطقية وحالمة والنتيجة كانت التحاقها بعمل مناسب ببلد أحلامها بينما اغرمت أنا برجل واحد وانتظرته لسنوات لم تكن بالقصيرة!»
إنجرفت سوداوتيها صوب رواية تستقر بسلام على شراشف السرير بجوار أوليان تماما لتضيق عيونها بفضول قائلة بنبرة متساءلة:«شجن الكاردينال!؟ أوليست هاته الرواية هي من خلفت ضجة بعد أن كشف الستار عن حقيقتها!؟»
هزت أوليان رأسها بإيجاب وأردفت :«أجل! لقد كشف الكاتب عن تفاصيلها الحقيقية وصراحة قرأتها لمرات ومرات دون أن أمل ربما لروعة القصة او للتشابه بينها وبين قصتي!»
كلمات أوليان حركت فضولا بداخل طيف فاضطرت إلى ان تشبعه :«رواية شجن الكاردينال للكاتب آريس جبران أظنك قد سمعت بإسمه من قبل!؟»
- أجل فمعظم صديقاتي مولعات به لأسلوبه الرائع ووسامته الشرقية الملفتة!
- لا ألومهن صراحة فقد كنت معجبة به لوقت ليس بالقصير وبطلة روايته الأخيرة كانت من معجباته أيضا!!
إتسعت عيون طيف بتفاجؤ من هاته المصادفات التي لن تحدث لأي منا طبعا فرمقتها أوليان باسمة واكملت:« حين أصدرت الرواية حققت نجاحا باهرا وبعد ان تم الكشف عن التفاصيل الحقيقية إزداد وهج النجاح إشتعالا! فجميع معجباته تمنين الحظو بفرصة العمر تلك!»
- أتقصدين أن البطلة كانت من اشد معجباته فأضحت بطلة لأشهر رواياته!؟
- أرأيت كيف أن القدر يبدع في حياكة المصادفات وأنا أشاركها في هاته النقطة فأنا أيضا أغرمت بشخص لم يقدر لي رؤيته إلا على الصفحات الإعلامية والمحطات الإخبارية لنجاحه المشاد به من طرف الاعداء والشركاء وبين عشية وضحاها وجدت نفسي وجها لوجه معه حين إصطدمت به في السلالم فتطايرت أوراقي من حولي كحال قلبي ولم أدرك انها كانت البداية لقصة حب سيخلدها التاريخ: قصة حب أوليان وأيهم! عليك ان توقني دوما أن القدر لايعرف للمستحيل معنى وما كتب لك لن يكون لغيرك أبدا مهما أستحالت الطرق والاسباب!
- كانت لكما معايير عالية وبلغتماها في النهاية فهل سيكون من سبيل إلى تيم!؟
ربتت اوليان على كتفها بحنو لتقول:«كل شيء بقدر فَقُرِّي عينا يا طيف السعادة الجميل! وحدثيني عن لقائك الأول بتيم!»
أبتسمت طيف بشرود وقد عادت بها الذاكرة إلى سنوات خلت حين قابلت قدرها وكمالها بصدفة كانت صدفة العمر بأكمله!
«لقائنا الأول كان بالمصعد حين ذهبت للقاء أخي أيهم!»
flash back
تململت في وقفتها باستياء وهي تنفخ بغيظ وسأم فتصرفات أيهم مؤخرا باتت لاتطاق بسبب إنفصاله عن روما وغرقه بهالة من الحدة والغضب العارم دون مبرر يذكر!
فتح باب المصعد توازيا مع رفعها لعيونها بتلقائية وفضول جعلاها تلمح شابا عشرينيا ذو ملامح تتسم بالوسامة والهدوء بدءا من شعره المنمق بعناية تليق بموظف بإمبراطوية شاهين إلى طقمه الرمادي الأنيق الذي يزيد من هالة جاذبيته الرجولية في حين إستثرت عيونه بنظارات طبية مستطيلة ذات إطار فضي فمنعتها من إستبيان لون أحداقه المنهمكة في التحديق بكومة من الأوراق والملفات،كان الهدوء يطغى على تلك التقاسيم التي تنتابك موجة من السكينة كلما تأملتها فظلت تناظره ببسمة خافتة دون أن ينتبه إلى وجودها من الأساس ودون سابق إنذار تأفف بغيظ ليزمجر بحدة أخافتها :«تبا لي ولليوم الذي قررت فيه العمل بشركة هذا المجنون! حتما أناني أحمق ولولا حاجتي إلى العمل لألقيت بكومة الملفات هاته بمنتصف وجهه!»
هزت طيف حاجبيها باستغراب محاولة كتم ضحكاتها غير أن غمازاتها قد كشفت الستار عن بسمتها ثم قالت بنرة هادئة:«هل تقصد أيهم شاهين ؟»
التفت تيم صوبها بحركة بطيئة وكأنه قد إستوعب للتو وجود شخص آخر غيره بالمصعد وقد سمع كلامه كاملا أيضا لذا عقد حاجبيه بحركة جعلتها تبتسم تلقائيا فابتسم بدوره ما إن لمح ملامحها الملائكية وغمازاتيها الأشبه ببؤرتين من النعيم المدفون ثم رد بنرة يشوبها السخط :«أجل! لقد سئمت منه ومن عصبيته المريضة ما ذنبي انا في انفصاله عن حبيبته!؟»
- هل صرخ في وجهك أنت الآخر!؟
- إنه لاينفك عن الصراخ في وجه كل إنسي دون وجه حق فقط ليريح أعصابه على حساب كرامتنا نحن!
- هذا ليس عدلا وأيهم ذاك يشاد بانه شيطان!
- هو ملاك جريح وجروح القلوب لاتندمل بسهولة يا آنسة!
- هل أنت أيضا جريح أيها السيد!؟
- الحب أرزاق ورزقي لم يصل بعد!
إبتسمت طيف لوهلة قبل أن تبث نظراتها على عيونه أكثر لعلها تستشف لون تلك الأحداق الراسية التي تبثها أمانا غريبا لاتعرف له سببا وحين طال الوضع إبتسم تيم بأدب ليقول:«هل أخلع نظراتي حتى تتضح الرؤية بشكل أوضح !؟»
إحمر وجهها بخجل وإرتباك ليهز رأسه ببسمة كانت فتاكة كسهم بلا قوس ولاوتر ثم نطق بنبرة هادئة تتماشى وتقاسيمه المتناسقة :«أنا تيم وأنت!؟»
همت بمنحه جوابا حين فتح باب المصعد على الطابق النشود فانسلت بخطواتها الرشيقة خارجا وقبل أن تغادر إلتفتت صوبه باسمة لترد :«طيف.. طيف شاهين!»
حتما كانت تعابيره المصدومة لطيفة بشكل لايطاق وللأسف ان الباب انغلق دون لان يمنحها فرصة لإكمال وصلة تأملاتها !
مسح على وجهه بتعب ليهمس بيأس:«يا إله السماوات اي مصادفة تعيسة هاته!»
the end of flash back
ضحكت أوليان من أعماق قلبها في حين تنهدت طيف بحالمية:«لقد كانت أروع زيارة خضتها ومن يومها بت أختلق الأسباب لأزور أيهم وأحظى بلقاء تيم وأظنك تعرفين التكملة!»
- حتما لقاؤكما كان مختلفا! أوليس من المفروض أن تكون البطلة من تبدع في شتم المدير ونسله ليتضح في النهاية انه يقف خلفها او شيئا من هذا القبيل لما انقلبت القاعدة فجأة!؟
- لأن لقائاتنا الأولى غريبة فعلا !
رنين هاتف طيف فجأة لتعقد حاجبيها باستغراب أحيل الى بسمة ماكرة ما إن لمحت اسم أيهم يزين الشاشة ودون تفكير لفت الهاتف صوب أوليان لتلمح هوية المتصل ثم فتحت الخط على مكبر الصوت:
- مرحبا اخي!
- آسف على الإزعاج يا صغيرتي لكن ايمكنني ان أطلب طلبا صغيرا!؟
- طبعا اخي انت تأمر كيف يمكنني المساعدة!؟
تنحنح بارتباك ليرد بثباث فشل في مواراة قلقه:«هل يمكنك الاطمئنان على أوليان فحتما سترفض لقائي بعد ماتفوهت به أمي وان لم يكن لي ذنب فيما حدث، أخبريها انني مغرم بها بجنون وهوس لم يمحه البطلان ولا السنين فكيف يقبره سبب كهذاا!؟ أريدها هي ولاحاجة لي بالأطفال فيكفيني وجودها ليغنني عن العالم! اخبريها أنني أحبها كثيرا ولن أتنزل عنها لأي سبب كيفما يكون! إطمئني عليها أرجوك فا بد ان ناريتي حزينة
- سأخبرها بكل هذا اخي فلاتقلق وكن على يقين انها تحبك وانني ساظل بصفكما دائما!
شكرها ثم اغلق الخط لترفع عيونها المشعة سعادة وولها صوب أوليان الشاردة بنظراتها صوب الهاتف وكأنها في إنتظار أن يطل ايهم منه فما كان من طيف إلا ان سحبت الهاتف بخفة لتعلق ساخرة :«والله ماهذا إلا هاتف خلوي بسيط وليس مصباحا سحريا إن كنت تودين رؤية أيهم ماعليك سوى التحرك من مكانك بهدوء كفتاة مهذبة وستجدينه بالممر!»
قذفتها أوليان بالوسادة الصغيرة وضحكاتهما تصدح بالمكان جاعلة بسمة أيهم تنمو بإرتياح فطيف قامت بمهمتها كما ينبغي وكم هو ممتن لشقيقته الحنون ذات القلب الدافئ!
كان يدرك جيدا انها تتألم فما ذنبها في كل ماحدث!؟
هي انثى والامومة غريزة لدى بنات حواء..يشعر بها وبوحشتها وخواء رحمها ونزيف قلبها الذي لم يجف يوما كانت طفلة دائمة الابتسام وبجوفها مقبرة ألم وأسى، كانت تائهة ولم تكلف الحياة نفسها عناء التربيت على رأسها بلطف وإخبارها أنها مجرد منعطفات قاسية لابد من اجتيازها لاكمال المسير..ان كل شيء سيكون على مايرام وان الالم وحده من يهبنا أحقية كوننا بشرا لكن لم يخبرها احد بذلك فقط عاشت بكنف أبوين زائفين وإضطرت لترك ضيعتها الصغيرة في سبيل الإلتحاق بالكلية دون أن تملك المال لتسديد تكاليفها وحين قابلته وأحبته بصدق تخلى عنها بدروه!لم يمنحها فرصة لتبرير موقفها وطرد سحابة الضباب عن سوء الفهم الذي حدث فهجرها بقسوة...
وفي النهاية إتضح أنها خسرت والديها، حبيبها، زوجها واختتم سجل الخسائر بابنها ليكون أعظم خسارة قد تطال إمرأة وظلت تجدف بما بقي من أسى ووهن لتبلغ الشط وان لم يكن لبحرها شاطئا!!
مرت ثلاثة أيام انعزلت فيها أوليان عن لقائهم وإكتفت بالغرق بدوامة الأعمال حتى من طعامها كانت تتناوله بغرفتها متفادية اي لقاء قد يجمعهما معا فقلبها لايزال يئن ألما والمواجهة بينهما تستدعي قوة لم تستجمعها بعد..!
كانت غارقة بين كومة من الاوراق الملقاة على سطح مكتبها الأبنوسي حين طرق الباب بخفو تلاه صوت خطوات تقترب خمنت صاحبها دون ان ترفع عيونها حتى فعطره تكفل بالامر ولامس اوتار قلبها ليسري رعشة أطرافها وكأنها عادت فتاة الكلية التي تجلس بالمقصف في إنتظار حبيبها الثري بعد أن تواعدا على اللقاء!
رفعت عيونها الرمادية بطء صوبه لتلمحه يقف أمام مكتبها ببسمة مشتاقة وبعيونه مشاعر حب وقصائد غزل لن تكفي المجلدات ودون أن يمنحها فرصة لطرده بلباقة قال:«ثلاثة ايام دون أن ألمح طيفك ولا ان تطربني نبرتك الرخيمة أولي، أقسم ان هاته الأيام الثلاث كان أطول من الأشهر التي قضيتها بأراضي لندن أليس هذا ظلما ناريتي ألم تتعبي فأنا حتما تعبت!»
نهضت من مكتبها لتلف من حوله حتى تبلغ ايهم ويكاد طرف كعبها يلامس حذائه ثم ردت باسمة :«لو تدرك كم إشتقت إليك لما تجرأت على التفوه بحديث مماثل أيهمي!
- آه يا روح أيهمك!
أغمضت عيونها بأسى لم يلمحه قبل ان تحررهما مجددا :«أحبك أيهم! أكثر مما قد تتخيل وأبعد مما تتصور ولأنني أحبك لا أطيق أذيتك ولا اتحمل مجرد التفكير في أنني سأحرمك من حلم طالما تقت إليه، انا حتما لا أستطيع، لا أستطيع أن أهبك طفلا صغيرا يحمل ملامحك الوسيمة وتجري بشاريينه دماء آل شاهين ولن أمنحك أسرة فكيف أهبك الألم بدل السعادة!؟
- أنت أسرتي أوليان! أنت عالمي بأسره ولا اريد سواك يا امراة ألا تفهمين !؟ أحبك ،أعشقك، أتنفسك وتجاورين هذا الدم فكيف تنوين الرحيل!؟ لاأريد نسلا إن لم يكن منك ولا أسرة لن تكوني أساسها، اريدك أنت زوجة لي وشريكة لقدري أوليان فحتى أبنائي لن يحظوا بحب كحبي لك ولأنني رجل يغار من النسيم يستحسن أن لاتنجبي أوغادا كي لا القي بهم من الشرفة!»
ضحكت بعيون دامعة لتجيبه بنبرة شجية:« أعلم ان علاقتنا أقوى من أن يهدمها سبب كهذا لكنك رجل وأنا إمرأة ولن تفهم شعوري مهما حاولت، لن تشعر بإمرأة فطرت على الأمومة وعشقت الاطفال لدرجة ان تختار أسماءا لصغارها مسبقا وترسم خيالات لأشكالهم اللطيفة وضحكاتهم البريئة وحين صادفت والدهم وأحبته باتت تملك صورة مصغرة لأطفالهما ،امرأة كان حلمها ان تحظى ببطن منتفخة وترافق زوجها إلى العيادة للإطلاع على جنس الجنين وسماع نبضه،إمرأة حلمت بتحضير الحليب وتغيير الحفاظات لابنها الذي قد يرث وسامة والده وغمازاته،لأن تمشط شعره وتساعده في إنجاز واجباته أكان حلمي مستحيلا أيهم!؟أطلبت معجزة!؟فقط طفلا يشبهك ويحمل دمي ودمك،ثمرة لحبنا وشعاعا ينير حياتنا! حتى انني كنت أود أن اسمي صغيري غِمار!
انسابت دموعها ليضم قبضته بقوة ونظراته المتألمة تعانق عيونها الدامعة وكأن كلا منهما كان يمد الآخر بالقوة الكافية لإكمال المسير ليوقنا في تلك اللحظة أن طريقهما واحدا ولاحياة لأي منهما في منأى عن الآخر فحالهما كان حال السلسلة...لا قيمة لها دون نصفها الآخر وكأن أيهم كان دقيقا حين إختارها كهدية ليؤكد لها أنه لن يكتمل دونها ولن تكتمل دونه، إبتسم بحنان ليتساءل بعدها :«وماذا ان كانت فتاة!؟»
- كنت سأسميها إيلين !
جوابها جعل كومة من المشاعر تموج بداخله ما بين التفاجؤ والحيرة والألم دون أن يملك الجرأة على مصارحتها ان أمنيتها قد تحققت قبل سنوات حين رزق بإبنة صادف ان إسمها إيلين وكأن الحياة تؤكد لنا دوما أنها لن تهبنا أحلاما كاملة ، مسح على خصلاتها ليثبث عيونه شديدة السواد على مآقيها المتسائلة وتسللت الحروف من على ثغره دون تردد ولا تخطيط لكونها ترجمة حرفية لمشاعره ورغبته :«تزوجيني أوليان!»
رمشت بعيونها بذهول ليهز رأسه باسما مؤكدا لها أن ماسمعته صحيحا وأن عرضه صادق :«أوليان داغر، هل تتزوجينني !؟»
مسحت على وجهها بصدمة لتجيب ضاحكة:«بعد كل ما صارحتك به لازلت تطرح سؤالا كهذا أيها الاحمق الذي اعشقه!»
تنهد بقوة كشخص شهد تحقيق حلم بعد كفاح طويل وحلمه كان روما!وحين إبتسم بقوة لتنجلي غمازاته عقدت ذراعيها على صدرها بحدة قائلة:« كم من مرة علي ان احذرك من الإبتسام!؟»
- أي أوامر أخرى زوجتي!؟
- أجل!لا ترتدي اللون الأبيض كي لاتنتظر لسنوات أخرى ريثما انهي عقوبتي السجنية!
طرق الباب ليستأذن تيم في الدخول ويسلم أوليان ورقة خاصة بالصفقة التي سيتم إبرامها مع السيد العامري ثم انسحب لهدوء وشبح بسمة على ثغره فيبدو انه فوت مشهدا شاعريا وإعترافا ليس كأي إعتراف !!
ما ان توارى عن البصر حتى علقت أوليان برجاء:«هل يمكنني أن اطلب شيئا صغيرا؟»
- طلبك مجاب قبل أن أسمعه !
- الامر لايتعلق بي بل بطيف، ألا ترى انها تستحق ان تحظى بالسعادة والاستقرار بعد سنوات من الفراق، اما آن الاوان لتعم الأفراح بيت شاهين!؟
⊱───────⊰✯⊱───────⊰
إنِّي لأنظُر في الوُجوُدِ بِأسْرِهِ..
لأَرى الوُجُوهَ فلاَ أَرَى إِلاكَ...
قَالُوا ويَخلُقُ أَربَعينَ مُشَابِهًا
مِنْ إٔرْبَعينِكَ لاَ أُرِيدٰ سِواك َ
نزل أيهم السلام بلوغا ردهة الاستقبال ليجد تيم في إنتظاره كما طلب وأنامله تتراقص على شاشة هاتفه بسمة دافئة جعلته يخمن هوية الطرف الآخر دون تفكير.. شقيقته طيف طبعا!
لذا تنحنح لينبه تيم إلى وجوده فدنا منه الأخير ببسمة لبقة قائلا «مرحبا مجددا سيد أيهم!»
- أهلا بك تيم تقضل بالجلوس!
جلس تيم بعيون مترقبة وفضول يشع من بنيتيه ليستهل أيهم الحديث بنرة حازمة :«حسنا تيم سأكون واضحا معك كعادتي دوما لقد طلبت رؤيتك للحديث إليك بمضوع هام وإن كان يستحسن أن نناقشه بمكان آخر غير هذا لولا انني ملزم بانهاء بعض الأعمال»
- كلي اذان صاغية سيد أيهم!
رماه أيهم بنظرات غامضة ليرد بتمهل متعمد :«الموضوع يخص طيف!» وطبعا رغم إدعاء تيم للثباث إلا أن إسما واحدا بعثره ودفع لمعة مميزة من التراقص بمآقيه فلم تفت رجلا عاشقا كأيهم وحتما تيم هذا واقع في الحب حتى النخاع ، منحه تيم نظرات المستزيد ليكمل:«حسب ما أراه انك لازلت متشبتا بطلبك بل وأراهنك أنك ستطلب يد طيف مجددا رغم معاضرتي الدائمة اوصراحة اقدر شجاعتك!»
- الحب يحتاج الى شجاعة اما الجبناء فتزوجهم أمهاتهم!
- ماذا اذن!؟ ستستغل الوضع وتطلب يد طيف مجداد!؟
- اجل وسأفعل وان كنت أعلم جوابك مسبقا لكنني ساظل اطلب يدها إلى أن توافق سيدي!
إبتسم أيهم بتقدير ليرد:«أعتقد ان فترة اختبارك انتهت يا تيم ونجحت بامتياز يا رجل!»
علت الصدمة ومسحة من البلاهة ملامح تيم الوسيمة فيبدو أن استيعابه خذله او أن ذكائه أوهمه بمقصد ايهم ومنحه تفسيرا لطالما تمناه لذا رد بتلعثم:«عـ..عفوا!؟»
ربت أيهم على كتفه معلقا بمرح :«ماذا الآن!؟ هل قررت التراجع بعد أن أدركت أن الامر بات جديد وأنني وافقت!؟»
اتسعت بسمة تيم حتى كادت تبتلع باقي ملامحه ودون تردد عانق أيهم بقوة ليربت على كتفه بود فحتما هذا الرجل يستحق طيف وسيسعدها بقدر ما يستطيع فأيهم ليس رجلا ماديا تغريه الثروات والحسابات البنكية بل كل ما يهمه ان أن تحظى طيف برجل حقيقي يكون لها السند والاحتواء وقد وجده منذ زمن لكنه كان يكابر! كاد تيم ان يغادر فرحا لولا أن ظهرت اميرته الصغيرة بفستانها الوردي الفاتح وبسمتها التلقاىية تكشف عن تلك الغمازات التي سحبته إلى جوفها بأول لقاء جالت بعيونها الحوراء بفضول وكأنها تبحث عن أحد لتتسع بسمتها ما إن لمحته ثم تتلاشى بقلق حين إنتبه الى ذاك الخيال الأسود الطويل الذي يجاور تيم بنظرات عابثة وغشيها توتر رهيب ما إن أشار إليها بالقدوم، لتدنو منه بإرتباك عكسته أناملها المحمرة من شدة الضغط الممارس عليها وريقها الذي تبلعه بسرعة بين الفينة والأخرى فأمامها الان أهم رجلين بحياتها: شقيقها وحبيبها.. فكيف تهدأ من نبضات قلبها، رفعت عيونها وأخيرا ناحية أيهم ليبتسم بحنان قائلا:«كيف حالك صغيرتي!؟»
ردت بخفوت:«بخير إفتقدت اوليان فأتيت للاطمئنان عليها!»
- حقا ما أذكره أن مكتب أوليان بآخر الممر أي بالإتجاه المعاكس!
كتم تيم بسمته جاهدا لتحمر طيف خجلا بشكل دفع ضحكات أيهم الى الصدوح ليعلق :« انت محمرة بشدة فقط لانني كشفت خدعتك هل ستنفجرين إذن إن اخبرتك ان تيم طلب يدك مجددا!؟»
اتسعت بسمتها العاشقة لكنها تهاوت ما ان تذكرت رفضه المستمر لولا ان فاجأها بقوله:«وأنا وافقت، الدور عليك الان!»
هتفت بسعادة لتحضنته هي الاخرى فعلق ضاحكا :«حتى ردود أفعالكما متشابهة غريب هو الحب!»
تعانقت نظراتهما ليهمس دون صوت:«وأخيرا طيفي الجميل»
صارحت طيف أوليان بموافقة أيهم على طلب تيم لتفاجئها بعرض ايهم،إحتضنتا بعضهما البعض بسعادة يعكسها صراخهما المتحمس فحتما سيقام اكبر وأفخم حفل خطوبة بالبلد «خطوبة الشقيقين شاهين»
لم يكن قرار إختيار فستان الخطبة امرا هينا وهو امر سيفهمنه الفتيات فقط لذا قدمت طيف المساعدة واختارت لنفسها فستانا أزرقا فاتحا جعل منها حورية صغيرة، ابتسمت حين تذكرت تقدمه لطلب يدها من والديها بالتبني وتلك السعادة التي غشيت عيونهما وهما يريان صغيرتهما أضحت عروسا جميلة وزفت لمن تمنته ولأنها لاتزال تملك متسعا من الوقت انهمكت في قراءة روايتها إلى أن يحين الموعد وغرقت بتفاصيلها الشاعرية لتحل محل رينا ويحل أيهم محل آريس،كانت تتألم لحال رينا كلما ظهرت زوجة آريس بالصورة دون أن تدرك أنها تعيش غمار الرواية بحذافيرها وان تلك القصور الوردية ستحال جحيما ما إن تجمعها صدفة بميرنا وإيلين وإن كانت قد قابلتهما بذكرى ميلادها دون ان تدرك وقتها ان تلك الحسناء الجميلة ذات البسمة المشرقة والعيون الملونة هي زوجة حبيبها.. أيهم!!
وأن تلك الصغيرة هي إبنته إيلين!
إمتزجت ألحان الموسيقى الهادئة بأصوات نسائية ورجالية يصاحبها صدى طقطقة الكعوب العالية وضحكات شهد وأبيل، رفعت شهد حاجبيها بمكر وعيونها العسلية مثبثة على أببل ليرمقها بتوجس معلقا:«ماذا هناك!؟»
ضحكت بشدة على تعابيره لتجيب بخبث :«أتعلم أنك وسيم يا ابن العم!؟»
- والله هاته المقدمات تخيفني صراحة!
- لما أتخشى من زوجتك!؟
أصدر صوتا ساخرا ليرد:«طبعا الجميع يتحدث عن الشجاعة وقدمه لم تطأ ساحة الوغى!»
- إذن تزوجني فأنا هادئة ولطيفة!
- ليتني أستطيع لكن يبدو انني مغرم بزوجتي !
ضحكت شهد بقوة ليبتسم أبيل بسعادة وهو يراها تضحك من أعماقها فصحيح أنه لم يحظى بإخوة لكن الله وهبه هاته الصغيرة المرحة طويلة وإن كانت متعلقة بأيهم أكثر منه وكاد يغمى عليها من الغبطة ما إن بلغها خبر إرتباطه بأوليان، أشارت بعيونها صوب احد ما ليتتبع مسارهما ويلمح إسراء بفستان اسود أنيق أبرز شقارها وعكس ذاك الحزن المترسب بتجاويف قلبها رغم محاولاتها اليائسة لرسم بسمة مصطنعة الى ان المها كان اقوى من ان تداريه ضحكات مستعارة فاكتفت بالتحديق بنقطة وهمية متجاهلة تلك النظرات الشامتة والهمسات الساخرة، حتما خسرت المعركة منذ البداية ألا ان كبريائها المهشم أبى الإقرار بهزيمته أمام أرملة!
«هنيئا لأيهم وأوليان وبئسا لك أيتها الغبية» همست حياة بأذنها بنبرة شامتة لتصر إسراء على أسنانها بغيظ وقهر يكاد يبكيها فما ذنبها في كل ما حدث !؟ ما الجرم الذي إقترفته حين أحبت أيهم وتمنته بكل جوارحها، لن يفهم شعورها إلا من ذاق الحب من طرف واحد وأحرقته نيرانه فأضحى مهشم الروح والقلب!!
أغمضت عيونها لتحجب دموعها عن عيون الشامتين ورحلت حياة بخطوات متغنجة وضحكاتها الساخرة تعانق عنان السماء وتغرس سكينا صدئا بقلب إسراء، اضطربت جوارحها ما إن لمحت عيونا حادة تراقبها خلسة، عيونا مألوفة ونظرات أشد ألفة تؤكد لها انها قابلت صاحبهما من قبل حتما لكن...تجمدت نظراتها فجأة ما إن تذكرت هويته ولاحت ملامحه الوسيمة بأفق الذاكرة لتعيدها الى حفل زفاف ريحان حين إصطدم بها النادل دون قصد فأهانته بوقاكة منقطعة النظير ودافعت عنه تلك الفتاة الحسناء..
لقد كان النادل نفسه وكانت النظرات نفسها...!!
بلعت ريقها بغصة ليهز رأسه ببمسة ويكمل عمله جاعلا من نظراتها تتعقبه بحيرة وحزن، صحيح أن نظراته كانت كمواساة أو طبطبة خفية إلا أنها آلمتها واشعرتها بالذنب فحتى حين أهانته عاملها بلطف ولم يشمت بها كما فعل الأقرباء وكم هذا مثير للشفقة والسخرية! انجرفت عيونها صوب السلالم توازيا مع علو التصفيقات الحارة لتملح طيف تنزل السلالم متأبطة ذراع تيم ونظراتهما تتعانق بشغف ومشاعر أمطرتها لأيهم فكان يخشى البلل، بينما جال أبيل بنظراته في المكان بإهتمام تخلله صوت شهد المتسائل بحيرة:«عمن تبحث تحديدا!؟»
رد دون أن يكف عن الإلتفات يمينا ويسارا:«عن زوجتي لقد كانت...»
لم تمهله الفرصة لإكمال الحديث حين هتفت بحماس متشبتتة بذراعه كطفلة صغيرة وعدها والدها باصطحابها إلى الملاهي :«زوجتك!؟ هل أحضرتها أخيرا!؟ أين هي!؟ أريد ان أراها.. أين؟؟»
أشار إليها بكفه لأن تصمت حتى يتمكن من إجابتها على أسئلتها المتوالية وما ان فغر فمه ليجيب حتى علت موسيقى أجنبية واتسعت عيون شهد بافتتان هامسة:«أنتا رائعان حتما!»
رفع عيونه تلقائيا صوب السلالم ليلمحهما بعد طول انتظار وبأبهى حلة، نزلا السلالم تحت تصفيقات وبسمات مخادعة لكون معظمهم رافضين فكرة إرتباط أيهم بأرملة أنس لكنه وبكل فخر ضرب بكل آرائهم عرض الحائط على إتساعه ونظراته التي لم تفارق أوليان وتتابع كل حركاتها حتى البسيطة منها كانت إعترافا صريحا أنه سيظل يختارها دائماً ولو استحالت السبل إلى لقائهما ستظل إمرأته الوحيدة، هنئت شهد أوليان بحرارة قبل أن تنقل بصرها إلى أيهم ليبثعر شعرها بمشاكسة فتعلق بتذمر:«أنت حتما وغد من سيغرم بي الآن وانا أشبه مكنسة تنظيف الأسقف»
ردت أوليان باسمة:«من لايرى عيوبك مفاتن لايستحق نبضات أيسرك!» سرعان ما غير التقني الموسيقى بأخرى حماسيّة لتصفق شهد بحماس ويتجه الأزواج إلى مركز الساحة ناشرين جوا من الحماس والبهجة في المكان لاسيما أن الأضواء الأرضية كانت تحيطهم من كل صوب لتخلق دائرة بجوفها عشاق ظنوا يوما أن القدر لا يصنع المعجزات!
«هل كان لقائنا بالمصعد لقاء العمر!؟»
«كان وريد حياة يا إبنة شاعين»
«هناك سؤال يحيرني ما الذي دفعك إلى زيارة الكلية يومها!؟»
«حاجتي إلى الكمال يا سيدة شاهين»
ضحكت بصدق ليهمس بوعيد:«لا تضحكي أولي فآخر ما أتمناه أن يحال حفل خطوبتي إلى مجزرة!»
زمت شفتيها لتكتم ضحكتها الجميلة توازيا مع إنحائه صوبها ببسمة مغرية ليهمس لها بشيء جعل من عيونها تلمع بشغف غريب ونظرة أغرب اشعلت الفضول بأوصال الحضور ودفعت أبيل إلى القول بتهكم:«حتما رومانسية هذين الإثنين ستقود إلى طلاقي اليوم أنا فقط أعلمك كي توكلي محاميا»
ردت بسخرية وهي تتخصر بكفها بحركة لاتمت للطبقة المخملية بصلة:«نم قرير العين يا ابن العم فببسببه رفعت معايري عنان السماء حتى أضحيت عانسا»
- من الجيد أن زوجتي فوتت هذا المشهد وإلا لأنهار البيت على رأسي!
- أنت لم تكف عن حشر زوجتك بكل حوار ولم أحظى برؤيتها لحد الساعة.
- لابد أنها بالحديقة الخلفية فحتما باتت تكره الصخب والضجيج مؤخرا للإضطراب صحتها!
- ألم أقل لك ان حفيد آل شاهين
على الابواب!
إبتسم بإرتباك لتميل رأسها بلطف متأملة ردة فعله الدافئة التي توحي بمدى ذاك الحب الذي يكنه لزوجته ورغبتع الجارفة بان يحظى بقطعة مصغرة منها، إستأذن ايهم أوليان للحظات لتهز رأسها باسمة تشير إلى نادل قريب فاتجه صوبها ببسمة لبقة وبعد ان ارتشفت رشفة من كأسها استشعرت نظرات خمنت صاحبتها فصدق تخمينها..إسراء!
لكن المفاجئ في الأمر أنها ام تتخد خطوة لتحادثها ولا تعمدت إهانتها كما تفعل دائما فقط اكتفت برمقها بصمت أليم لتنسحب بعدها معلنة خسارتها بإستسلام لم يكن ضمن مخططاتها أبدا لكن من الحماقة خوض حرب خاسرة وهي خسرت بكل ما تجمله الكلمة من معنى ولن تهين نفسها اكثر من ذلك، رد فعلها ذاك جعل من الأسى يستوطن قلب أوليان فرغم غيرتها على أيهم إلا انها إمرأة عاشقة وباتت تفهم شعور غريمتها أكثر من أي شخص آخر لقد كانت كلتاهما رائعيتن بشكل لايقبل النقاش لكن يبدو أن الرواية لاتتسع لبطلتين!
تنهدت بضيق ونظراتها تشيع إسراء إلى أن غادرت الحفل لتستقل سيارتها الخاصة في حين اتجهت إلى غرفتها لتغير فستانها الطويل بآخر أكثر أريحية فحتما أذياله ستتسبب فبي عرقلة خطواتها ووقوعها في موقف ان يسر الحضور وما بلغت بداية الممر حتى لمحت إمرأة قادمة من الإتجاه الآخر بخطوات أنيقة تليق بسيدة مجتمع مخملي وأناملها تتشابك حول حقيبتها المستطيلة برقي ، وبسبب الإضاءة الخافتة لم تتمكن أوليان من لمخح إبتسامتها إلا بعد أن دنت من من السلالم ليكشف النور عن ملامحها الفاتنة!
بجوار أيهم كان أبيل يتفقد ساعته اليدوية بملل في إنتظار قدوم المأذون ليعقد قران أيهم وأوليان بعد أن فاجئها بالامر دون تخطيط، تجمدت بسمته على ثغره حين شخص بصره إلى السلالم المرمرية وبلع ريقه ببطء ساحق دفع ابيل إلى النظر بدوره فاكتسحت الصدمة ملامحه وعمها الشحوب بجلاء:«ليست هي أليس كذلك!؟ اخبرني أنها ليست هي ياأيهم!»
أصر أيهم على أسنانه بحنق ليرد بعصبية مكتومة:«للأسف تلك ميرنا!»
جحظت عيون أبيل قبل أن يهتف بنبرة جاهدة ليبقيها منخفضة النبرات حرصا من لفت اللإنتباه :«ما الذي أتى بها الى حفل خطوبتك؟ لاتقل لي انك من دعوتها كي لا أهدم القصر فوق رأسك الغبي هذا!»
- أنا من سأهدمه على جمجمتك العفنة لعلك تفيق من غبائك هذا، هل هناك وغد يدعو زوجته لحضور حفل خطوبته لأخرة هل تريدنا أن نتعفن في الجحيم أم ماذا!؟
أتسعت عيونه بإدراك حين استوعب شيئا آخر فميرنا تنزل السلام الآن وهذا يؤكد أنها قابلت أوليان بالطابق العلوي وتبادلا أطراف الحديث فهل يعقل أنها علمت بهويتها؟ ثم ماسر هاته الإبتسامة المريبة وكأنها شماتة أو انتصار!؟ تبا تبا تبا!!
«ان كان تخميني صائبا فأقسم ان احرقك حية ميرنا»
همس بتوعد ليغادر صوب الحديقة بخطوات متسارعة وشياطينه تلاحقه كجياد عاتية بينما تسعى أناملها إلى فك الحصار عن رقبته والتخلص من تلك الربطة لعل اختناقه يخف وغضبه يخمد فلا يضطر إلى العودة إلى القصر ليهدمه على رؤوس الجميع بما فيهم زوجته الغبية التي ومن ستحرق أحلامه عاجلا أم اجلا ولن يسمح لها بذلك للعلم !
تيبست على الربطة وتجمدت أقدامه حين لمحها تقف بزاوية منعزلة في فستان أسود أنيق توليه ظهرها بشموخ وتداعب النسائم خصلاتها النارية فتتطاير من حولها كشعلة نيران ملتهبة وترته وأربكته فهدوئها مريب وأناملها تزيح شيىا ما من على وجهها..
دموع!؟
انت حتما وغدة ميتة بعد دقائق يا ميرنا!!
بلع ريقه بصعوبة وهو يدنو منها بخكوات مترددة ونظرات طفل فقد والدته وسط الحشد الغفير فلابد أنها حزينة الآن بعد أن إكتشفت كذبه وإدعائاته الواهية بكونها انثاه الوحيدة... لابد انها تحتقره ولايلومها في ذلك فقد خذلها بزواجه وابنته!
ضم قبضته بقوة وقد أضحى يقف خلفها تماما وانفاسه تداعب خصلاتها في حين ضرباته تكاد تسمع للعيان فقد حان وقت المواجهة بعد سنوات من الكتمان والتستر على ذنب هيئته إمرأة وطفلة!
رفع كفه ببطء ليضعه على كتفها لولا أنها التفتت تاركة كفه معلقا في الهواء !!
نظراتها كانت غريبة وغامضة!!
نظرات كانت أشد رعبا من الوقوع من جبل عال أو المطاردة من طرف مختل دموي!!